مراقبون لـ«الشرق الأوسط»: تصريحات ترمب عكست تغييراً جدياً في موقفه من أوكرانيا

زيلينسكي: بدت الأمور «مختلفة قليلاً» في البيت الأبيض بعد لقاء الرئيس في روما

الرئيسان الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب يتحدثان بـ«كاتدرائية القديس بطرس» في الفاتيكان (إ.ب.أ)
الرئيسان الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب يتحدثان بـ«كاتدرائية القديس بطرس» في الفاتيكان (إ.ب.أ)
TT

مراقبون لـ«الشرق الأوسط»: تصريحات ترمب عكست تغييراً جدياً في موقفه من أوكرانيا

الرئيسان الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب يتحدثان بـ«كاتدرائية القديس بطرس» في الفاتيكان (إ.ب.أ)
الرئيسان الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب يتحدثان بـ«كاتدرائية القديس بطرس» في الفاتيكان (إ.ب.أ)

هل بدأت موسكو تتحسس «الخطر» من احتمال أن يكون الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد حسم «استدارته» السياسية من حربها مع كييف؟ سؤال تصاعدت التكهنات بشأنه في الأيام الأخيرة، في ظل تصريحات عدد من المسؤولين الأميركيين، بعضها كان يضفي مزيداً من الظلال على أن تكون استدارته هذه قد لا تعفي أوكرانيا من التداعيات المتوقعة عليها هي الأخرى، خصوصاً بعد تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.

فقد بدا أنه يمهّد الطريق لروسيا لإطالة أمد محادثات السلام ومواصلة حملتها العسكرية عندما صرّح لقناة «فوكس نيوز»، الخميس، بأن «هناك فجوة كبيرة بين ما يريده الروس وما يريده الأوكرانيون». وأضاف أن الولايات المتحدة «ستعمل بجد» لمدة 100 يوم أخرى؛ «لمحاولة جمع هؤلاء الأشخاص معاً». بدت تعليقات فانس متناقضة مع موقف متشدد اتخذه أعضاء آخرون في إدارة ترمب، بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي حذّر مجدداً من ضرورة تحقيق تقدم في المحادثات «قريباً جداً»، وإلا فقد تقرر الولايات المتحدة التراجع عن محاولاتها للتوصل إلى اتفاق.

الرؤساء الفرنسي إيمانويل ماكرون والأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدثون في كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان (إ.ب.أ)

وبالمقابل، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدأ ينظر إلى النزاع في أوكرانيا «بشكل مختلف قليلاً»، بعد اللقاء بينهما في الفاتيكان في 26 أبريل (نيسان). وقال زيلينسكي في تصريحات حُظر نشرها حتى السبت: «أنا واثق من أنه بعد لقائنا في الفاتيكان، بدأ الرئيس ترمب يرى الأمور بشكل مختلف قليلاً. سنرى. إنّها رؤيته وخياره على أي حال».

وأضاف زيلينسكي أنه ناقش أنظمة الدفاع الجوي والعقوبات على روسيا خلال اجتماعه مع نظيره الأميركي دونالد ترمب، على هامش جنازة البابا فرنسيس في الفاتيكان، قبل أسبوع، والذي وصفه بأنه أفضل اجتماع بينهما على الإطلاق. وأضاف زيلينسكي، بحسب تصريحات نقلتها الرئاسة، أنه وترمب اتفقا على أن وقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً بين كييف وموسكو هو الخطوة الأولى الصحيحة نحو إنهاء حرب أوكرانيا. وذكر أنه أثار مسألة العقوبات خلال الاجتماع الذي عُقد دون إعداد مسبق، وأن رد الرئيس الأميركي كان «قوياً جداً». ولم يخض زيلينسكي في تفاصيل حول هذا الموضوع. وقال: «أبلغته بعدد (الأنظمة التي نحتاج إليها)، فأخبرني أنهم سيعملون على الأمر، وأن هذه الأشياء ليست مجانية».

الكونغرس يهدد بعقوبات

وبحسب وكالة «بلومبيرغ»، فقد أعد مسؤولون أميركيون مجموعة من الخيارات للرئيس ترمب لزيادة الضغوط الاقتصادية على روسيا. ونقلت عن مسؤولين قولهم إن ترمب لم يتخذ قراراً بعد في هذا الشأن، في ظل استمرار الجهود الدبلوماسية.

لكن مع إعلان السيناتور الجمهوري النافذ، ليندسي غراهام، هذا الأسبوع، أنه يحظى بدعم مجلس الشيوخ لمشروع قانون يدعو إلى فرض عقوبات جديدة ساحقة على روسيا، بدت مخاوف الكرملين حقيقية. فمشروع القانون يسعى إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 500 في المائة على الواردات من الدول التي تشتري النفط أو الغاز أو اليورانيوم الروسي، إذا لم تنخرط روسيا في مفاوضات جادة لإنهاء الحرب. وفي الأيام الأخيرة، ناقش مسؤولون أميركيون وأوروبيون فرض عقوبات اقتصادية جديدة على روسيا، تؤثر على قطاعي البنوك والطاقة، بهدف الضغط عليها لدعم الجهود الدبلوماسية الأميركية لإنهاء الحرب.

تقول إيفانا سترادنر، الباحثة المتخصصة في الشأن الروسي، إن تصريحات المسؤولين الأميركيين تظهر نفاد صبر إدارة ترمب تجاه موسكو. وأضافت في حديث مع «الشرق الأوسط»، كان جي دي فانس مُحقاً عندما أكد أن الحرب «لن تنتهي قريباً». ورأت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير مُهتم بالمفاوضات الصادقة. إنه يحتاج إلى وقف إطلاق النار لكسب المزيد من الوقت، ولإعادة تموضع جيشه، ولمواصلة طموحاته الإمبريالية لاستعادة «مجد روسيا»، وإظهار روسيا قوةً عظمى. هدفه النهائي هو إخضاع أوكرانيا، وإظهار أن «الناتو» مجرد نمر من ورق في دول البلطيق.

روبيو وفانس جدّدا دعواتهما لروسيا وأوكرانيا للتوصل إلى اتفاق سلام (إ.ب.أ)

من ناحيته، يقول مايكل روبين، كبير الباحثين في الشأن الروسي في معهد «أميركان إنتربرايز»، إن تصريحات كلٍّ من فانس وروبيو السابقة لم تُسهم في حل الأزمة الأوكرانية، لكنها على الأرجح عكست تفكير ترمب. وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الآن، وبعد أن غيّرا موقفهما من أي احتمال لحل سريع، يُرجّح أن يعكس ذلك واقعية ترمب في أن بوتين لن يُحقّق السلام».

وسعت موسكو وكييف إلى إلقاء اللوم على بعضهما لعدم إحراز تقدم نحو السلام الذي قال ترمب في البداية إنه يستطيع تأمينه في غضون 24 ساعة من توليه الرئاسة. لكن بعد خلافاته الأولية مع الرئيس الأوكراني، بما فيها اتهامه باستفزاز الغزو الروسي، ركز ترمب غضبه بشكل متزايد على إطالة أمد المفاوضات، ورفض روسيا الواضح لوقف إطلاق النار الذي اقترحته الولايات المتحدة لمدة 30 يوماً، والذي أيدته كييف على الفور.

محاولات روسية للالتفاف

وقد يخيّم ترك مايك والتز، مستشار ترمب للأمن القومي، منصبه وتعيين ماركو روبيو مؤقتاً مكانه، على المداولات حول الخطوات التالية في هذا الملف. وقد يُسهم هذا الأمر «في تبسيط الاستراتيجية الأميركية»، حيث يتولى روبيو كلا المنصبين؛ إذ إن نهج البيت الأبيض تجاه أوكرانيا «كان مدفوعاً بأفكار مختلفة لكبار المسؤولين، بمن فيهم ويتكوف، الذي يُعدّ أكثر تعاطفاً مع مواقف روسيا».

يقول جون هاردي، كبير الباحثين في الملف الروسي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهو مركز أبحاث جمهوري داعم لإسرائيل، إنه بدلاً من التهديد بالانسحاب من محادثات السلام، ينبغي على إدارة ترمب التركيز على التهديد بممارسة ضغوط أكبر على موسكو، مثل فرض عقوبات أشد على عائدات النفط الروسية. وأضاف في حديث مع «الشرق الأوسط» أنه يتعين على الرئيس ترمب تنفيذ وعده إذا استمر بوتين في تصلب موقفه.

وأضاف هاردي:« في غضون ذلك، ينبغي على ترمب أن يطلب من الكونغرس إقرار حزمة دعم أوكرانيا التي توفر له المزيد من تمويل المساعدات، ليعلم بوتين أنه لا يستطيع انتظار انتهاء المساعدات العسكرية الأميركية لكييف (في ظل تكهنات من أن يؤثر الانسحاب الأميركي من عملية السلام على مواصلة الدعم العسكري لأوكرانيا».

وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو أشاد بمخطط الميزانية الذي اقترحه ترمب والذي تضمن خفضاً واسعاً للبرامج الحكومية الخارجية (أ. ب)

اتفاقية المعادن تقلق روسيا

من جانب آخر، وافقت إدارة الرئيس دونالد ترمب، الجمعة، على توفير التدريب وقطع الغيار لمقاتلات «إف - 16» التي تسلّمتها أوكرانيا، في صفقة كان الرئيس السابق جو بايدن قد أعطى الضوء الأخضر لها بعد الغزو الروسي. وأعلنت الخارجية الأميركية أنها أخطرت الكونغرس بموافقتها على صفقة لأوكرانيا بقيمة 310 ملايين ونصف مليون دولار، تشمل تزويدها بمعدات وخدمات لصيانة طائرات «إف - 16». وقالت الخارجية في بيان: «إن الصفقة المقترحة من شأنها تحسين قدرة أوكرانيا على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية من خلال ضمان تدريب طياريها بشكل فعال، وتعزيز التشغيل البيني مع الولايات المتحدة».

وتأتي الصفقة التي ستسدد أوكرانيا ثمنها، بعد انتقادات ترمب المتكررة للدعم العسكري والاقتصادي الذي قدمه بايدن لكييف بمليارات الدولارات.

ووقّعت واشنطن وكييف، الأربعاء، اتفاقاً لاستغلال المعادن والنفط والغاز في أوكرانيا تقول الإدارة الأميركية إنه يهدف إلى تعويضها عن المساعدات الكبيرة التي قدّمتها لأوكرانيا للدفاع عن أراضيها منذ بدء الغزو الروسي.

وتلقت أوكرانيا أولى شحنة من مقاتلات «إف - 16» منتصف عام 2024، بعد ممارستها ضغوطاً لعامين على بايدن الذي كان قلقاً من أن يؤدي نقص التدريب لدى الطيارين الأوكرانيين إلى خسارة هذه الطائرات.

وأعلنت أوكرانيا، الشهر الماضي، مقتل طيار لطائرة «إف - 16» خلال القتال، وهي الخسارة الثانية التي تلحق بهذه الطائرات منذ تسلمها. وأعلن زيلينسكي في مارس (آذار) الماضي، عن تسلم دفعة جديدة من الطائرات المقاتلة، دون أن يحدد عددها.

بيد أن تزايد القلق في موسكو من أن تفقد روسيا تفوقها في المحادثات مع الولايات المتحدة بشأن حرب أوكرانيا، عززه توقيع كييف أخيراً اتفاقية شراكة اقتصادية تمنح واشنطن وصولاً تفضيلياً إلى صفقات المعادن الأوكرانية المستقبلية. وهو ما انتقده المسؤولون الروس، وعدّوه «خطوة رئيسية أخرى نحو استعمار أوكرانيا»، في محاولة للتقليل من أهميته. ومع ذلك، كان التوتر واضحاً بين النخبة الروسية من أن الاتفاقية قد تمثل تحالفاً جديداً بين الولايات المتحدة وأوكرانيا، مما قد يغلق نافذة فرصة أمام روسيا لتأمين اتفاق سلام بشروط مواتية.

تقول الباحثة إيفانا سترادنر إن صفقة المعادن تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، وتُتيح لأوكرانيا نفوذاً أكبر على الولايات المتحدة. وأضافت: «الآن، الكرة في ملعب بوتين، وعلى واشنطن أن تُزيد الضغط على الكرملين. وفي غضون ذلك، ستلجأ موسكو إلى آلتها الدعائية لتصوير الولايات المتحدة كجهة إمبريالية شريرة».

اجتماع بين مسؤولين أميركيين وأوكرانيين في «الإليزيه» يوم 17 أبريل (أ.ف.ب)

غير أن الباحث مايكل روبين يرى أن هذه الاتفاقية لا تكفي وحدها لضمان عدم تغيير ترمب لرأيه مجدداً، ولكن بما أن ترمب ينظر إلى العالم من خلال ميزانيته التجارية، فسيكون هذا مفيداً في إقناع ترمب.

بدوره، يقول الباحث جون هاردي إن صفقة المعادن تعد مهمةً بالدرجة الأولى لأنها تمنح ترمب نصراً وحصة في مستقبل أوكرانيا. لكن عليه أن يتذكر أن الاتفاقية ستكون بلا قيمة ما لم تحصل أوكرانيا على الأسلحة التي تحتاج إليها، الآن وفي المستقبل، لتحقيق السلام وضمان استمراره.

ونقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤول روسي ومحللين قولهم إن أي تراجع في العلاقات الأميركية - الروسية المتنامية قد يلقي بظلاله على احتفال بوتين في 9 مايو (أيار)، ويزيد الضغط على روسيا للموافقة على وقف إطلاق نار أكثر جدية.

وقال مسؤول روسي إن الضغوط تتزايد الآن على بوتين ليبدو على الأقل وكأنه يقدم المزيد من التنازلات. وأضاف المسؤول: «إنه يدرك حاجته إلى مزيد من التعاون، وإلا فإن مشروع القانون الذي قدمه غراهام سيُمثل ضربة موجعة؛ لأن الحكومة أعلنت بالفعل عن تزايد عجز الموازنة». وأشاد وزير الخزانة سكوت بيسنت باتفاقية المعادن، الخميس، معتبراً أنها تُظهر «للقيادة الروسية أنه لا يوجد فرق بين الشعب الأوكراني والشعب الأميركي، وبين أهدافنا». وأضاف أن ذلك سيسمح لترمب بالتفاوض مع روسيا على أسس أقوى.


مقالات ذات صلة

الكرملين يعلن عدم تلقي «مبادرة واضحة» بشأن «هدنة الفصح»

أوروبا صورة قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

الكرملين يعلن عدم تلقي «مبادرة واضحة» بشأن «هدنة الفصح»

علَّق ‌الكرملين اليوم الثلاثاء بشكل فاتر على مقترح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن ​تعليق الهجمات على منشآت الطاقة خلال عيد القيامة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز) p-circle

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

ترمب بين إنهاء الحرب وترك هرمز مغلقاً: هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

روسيا تتوعد بالرد إذا استخدمت أوكرانيا المجال الجوي لدول أخرى لمهاجمة موانئها بالبلطيق

قال الكرملين، اليوم (الثلاثاء)، إنَّ روسيا ستردُّ إذا سمحت دول أخرى لأوكرانيا باستخدام مجالها الجوي لشنِّ هجمات بطائرات مسيّرة على الموانئ الروسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث في مؤتمر صحافي في كييف أمس (أ. ب)

عرض أوكراني لروسيا بتحييد بنى الطاقة

أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أمس، أن بعض حلفاء بلاده أرسلوا «إشارات» بشأن إمكانية تقليص الضربات بعيدة ​المدى على قطاع النفط الروسي في ظل الارتفاع

رائد جبر (موسكو)
العالم عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة متخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لشراء المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)

لاحظ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن فرنسا لم تكن متعاونة مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران، منتقداً حظرها تحليق الطائرات الأميركية فوق أراضيها، من دون أن يتضح ما كان يقصده بالضبط، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «لم تسمح فرنسا للطائرات المتجهة إلى إسرائيل، والمحملة معدات عسكرية، بالتحليق فوق أراضيها. كانت فرنسا غير متعاونة إطلاقاً، بينما تتصل بالجزار الإيراني الذي تم القضاء عليه بنجاح».

وقال قصر الإليزيه للصحافيين، الثلاثاء، رداً على تصريحات ترمب، إن هذا القرار يتماشى مع الموقف الفرنسي منذ بداية الحرب، وأضاف: «لم تُغيِّر فرنسا موقفها منذ البداية. لقد فوجئنا بهذا المنشور» لترمب.

ولم تعلن باريس رسمياً أو علناً حظراً لتحليق الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب فوق أراضيها، على عكس إسبانيا.

وكانت إسبانيا التي أعلنت حكومتها اليسارية «معارضتها التامة» للهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلنت الاثنين إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب.


هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
TT

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)

لم يعد السؤال في واشنطن حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق ضرر عسكري كبير بإيران، بل ما إذا كان هذا النجاح يكفي لتبرير وقف الحرب قبل إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

فالإشارات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض والتسريبات الصحافية توحيان بأن الرئيس دونالد ترمب بات أقرب إلى تضييق أهدافه العملية: ضرب البحرية الإيرانية، استنزاف مخزون الصواريخ، تقويض القاعدة الصناعية الدفاعية، ثم الانتقال إلى ضغط دبلوماسي يحمّل الآخرين عبء الملاحة والطاقة. غير أن هذه المقاربة لا تبدو مستقرة بعد؛ لأن ترمب نفسه يراوح بين لغة التهدئة ولغة التهديد، فيما تواصل طهران تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي صمد عسكرياً وانتزع ورقة ضغط اقتصادية عالمية من خلال هرمز. بهذا المعنى، دخلت الحرب مرحلة أكثر تعقيداً: لم تعد معركة إسقاط النظام بالضرورة، لكنها لم تصبح أيضاً تسوية قابلة للحياة.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

أهداف تتقلص

أبرز ما تكشف عنه التطورات الأخيرة أن إعادة فتح مضيق هرمز لم تعد، في الخطاب الأميركي الأحدث، هدفاً عسكرياً فورياً بالمعنى نفسه الذي طُرح سابقاً. «وول ستريت جورنال» ذكرت أن ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة حتى إذا بقي المضيق مغلقاً إلى حد كبير، على أن تُترك مهمة إعادة فتحه لاحقاً للدبلوماسية أو لتحالفات دولية أوسع. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل إقرار ضمني بأن انتزاع المضيق بالقوة قد يجر واشنطن إلى حرب أطول وأثقل مما يريده الرئيس، وخصوصاً إذا استلزم الأمر بقاء قوات برية أو السيطرة على عقد استراتيجية مثل جزيرة خرج أو فرض حماية دائمة للممر البحري.

Spain's Patriot system at Incirlik Air Base in southern Turkey (AFP)

لكن تضييق الأهداف لا يحل المعضلة، بل يعيد صياغتها. فإذا توقفت الحرب قبل فتح هرمز، تكون إيران قد خسرت كثيراً من قدراتها العسكرية، لكنها تكون أيضاً قد فرضت على العالم معادلة خطيرة: تستطيع قوة إقليمية متضررة أن تشل أحد أهم شرايين الطاقة ثم تنتزع مفاوضات من موقع التعطيل. لذلك يتركز كثير من النقد الأميركي حول الفجوة بين «النجاح العسكري» و«النتيجة الاستراتيجية». فالتوقف الآن قد يعني الاكتفاء بتقليص التهديد الإيراني من دون إزالة ورقة الابتزاز البحري، بينما يعني الاستمرار حتى فتح المضيق بالقوة احتمال الانزلاق إلى حرب مفتوحة النهاية.

إيران تراهن على البقاء

في المقابل، تبدو طهران كأنها قرأت هذا التردد الأميركي بوصفه فرصة لاختبار السقف النهائي لترمب. رسالتها المعلنة لا تقتصر على رفض الخطة الأميركية، بل تذهب أبعد من ذلك: لا تفاوض فعلياً قبل وقف الضربات، ولا عودة طبيعية للممر البحري قبل انتزاع تنازلات تتعلق بالسيادة والضمانات وربما التعويضات. ومن هنا يمكن فهم تصريحات نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، عن أن «الأعداء» باتوا يطلبون التفاوض بشأن المضيق، في محاولة لتثبيت رواية داخلية وخارجية تقول إن إيران، رغم الضربات، لم تُهزم سياسياً، وإن هرمز جعل الآخرين بحاجة إليها أكثر مما تحتاج إليهم.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ب)

هذا لا يعني أن إيران في وضع مريح. العكس هو الأرجح عسكرياً واقتصادياً. لكن حساباتها الحالية تبدو قائمة على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن مجرد استمرار قدرتها على تهديد الملاحة يمنحها موقعاً تفاوضياً أفضل من موقع طرف مهزوم تماماً. كما أن سماحها الانتقائي لبعض السفن أو لبعض الدول الصديقة بالمرور لا يعني فتح المضيق فعلاً، بل إدارة الإغلاق بطريقة تخلق شبكة مصالح وضغوط متعارضة بين القوى الكبرى، والمستوردين الآسيويين، والحلفاء الخليجيين. إنها تحاول تحويل هرمز من ساحة عسكرية إلى سوق مساومات.

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

الميدان يضغط

على جبهة المفاوضات، لا تزال الصورة ضبابية. هناك حديث أميركي عن اتصالات و«محادثات» أكثر منه عن مفاوضات كاملة، مع تداول دور لباكستان في نقل مقترحات، وسعي أطراف إقليمية ودولية إلى بلورة إطار يسمح بوقف الحرب أو على الأقل تجميدها. لكن اللافت أن واشنطن نفسها تبدو منقسمة في توصيف ما تريد الوصول إليه: ترمب يلمّح أحياناً إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة «عقلانية»، ثم يعود إلى التهديد بضرب البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه؛ وزير خارجيته ماركو روبيو يتحدث عن أسابيع قليلة إضافية لاستكمال الأهداف العسكرية، ثم يربط ملف هرمز بخيارات إيران أو بتحالف دولي لاحق.

صورة لانفجارات قوية قيل إنها لقصف أميركي بقنابل خارقة لإحدى القواعد العسكرية الإيرانية في مدينة أصفهان (رويترز)

هذا التناقض ليس مجرد فوضى خطابية، بل يعكس مأزقاً حقيقياً: كيف يمكن الجمع بين الرغبة في نهاية سريعة للحرب والحاجة إلى نتيجة لا تبدو كأنها تترك لإيران قدرة مزمنة على تعطيل التجارة العالمية؟ ميدانياً، يزيد هذا المأزق استمرار الحشد العسكري الأميركي. فبينما يلوّح ترمب بإنهاء الحرب من دون حسم ملف المضيق فوراً، تستمر واشنطن في دفع أصول عسكرية إضافية إلى المنطقة، ويستمر النقاش حول خيارات أكثر خطورة، من حماية الممرات بالقوة إلى السيطرة على عقد استراتيجية أو نشر مزيد من القوات البرية. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن خيار «الإنهاء السريع» لم يتحول بعد إلى قرار نهائي مستقر، بل لا يزال أداة ضغط تفاوضي قد تنقلب سريعاً إذا واصلت إيران الرفض أو رفعت مستوى التهديد.

حلفاء مرتبكون

خارجياً، تكشف الأزمة عن حدود الحلفاء أكثر مما تكشف عن قوتهم. بريطانيا تحاول تسويق مشاركتها على أنها «دفاعية» لا «هجومية»، رغم أن قواعدها تستضيف قاذفات أميركية تنفذ ضربات مرتبطة مباشرة بمسرح الحرب. أما أوروبا فمأزقها مضاعف: فهي تحتاج إلى استقرار الطاقة وحرية الملاحة، لكنها تخشى الغرق في حرب جديدة لا تملك أدوات التحكم بها، بينما تضغط عليها في الداخل فاتورة النفط والغاز والتضخم والإنفاق الدفاعي. لذلك، فإن أي رهان أميركي على أن يتولى الأوروبيون أو تحالف واسع مهمة إعادة فتح هرمز لاحقاً يصطدم بحقيقة أن هذه الأطراف لا تريد حرباً ممتدة، ولا تملك دائماً هامشاً سياسياً أو عسكرياً لتحملها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على درج الطائرة الرئاسية قبيل عودته إلى واشنطن من منتجعه في فلوريدا (رويترز)

وهنا برز العرض الأوكراني؛ فقد طرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي خبرة بلاده في كسر الحصار البحري الروسي في البحر الأسود بوصفها نموذجاً يمكن الإفادة منه في هرمز. سياسياً، يحمل العرض رسالة بأن كييف تريد أن تقدم نفسها شريكاً أمنياً لا مجرد طالب سلاح. أما عملياً، فإن التجربة الأوكرانية تتضمن عناصر جدية، مثل استخدام المسيّرات البحرية، والدفاع الساحلي المتكامل، والتعامل مع الألغام، وتأمين ترتيبات الشحن والتأمين. لكن نقل هذه الخبرة إلى هرمز ليس أمراً آلياً؛ لأن الجغرافيا مختلفة، والخصم مختلف، وتشابك الحرب مع أسواق الطاقة العالمية أكبر بكثير. لذلك قد تكون القيمة الفعلية للعرض الأوكراني تقنية وتكتيكية أكثر منها حلاً استراتيجياً كاملاً..

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز)

في المحصلة، يبدو ترمب أقرب اليوم إلى حسم من نوع خاص: ليس حسم الحرب، بل حسم أولوياته داخلها. فإذا اختار إنهاء الحملة قبل فتح هرمز، فيكون قد قرر أن تقليص الخطر الإيراني أهم حالياً من فرض نظام ملاحي جديد بالقوة. وإذا تراجع عن ذلك، فسيكون قد أقر بأن أي نهاية للحرب من دون كسر قبضة إيران على المضيق هي نهاية ناقصة وربما مكلفة سياسياً. وحتى الآن، لا يبدو أن إيران مستعدة لتسهيل هذا الاختيار، بل تراهن على أن عنادها ومرونتها الانتقائية في آن سيدفعان واشنطن إلى قبول تسوية أدنى من شعاراتها الأولى. لهذا، فإن الأيام المقبلة لن تختبر فقط قدرة ترمب على إنهاء الحرب، بل قدرته على تعريف ما يعدّه «انتصاراً» أصلاً.


هيغسيث: خياراتنا مفتوحة في هرمز... والقوات البرية ليست مستبعدة

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)
TT

هيغسيث: خياراتنا مفتوحة في هرمز... والقوات البرية ليست مستبعدة

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)

وضع وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث مضيق هرمز في قلب الرسالة الأميركية الجديدة إلى إيران، معلناً أن خيارات واشنطن في الممر البحري الحيوي لا تزال مفتوحة، وأن إرسال قوات برية ليس خياراً مستبعداً، فيما أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أن الضربات الأميركية تتصاعد ضد القدرات البحرية الإيرانية ومواقع إنتاج السلاح، مع بدء مهمات قاذفات «بي - 52» فوق الأراضي الإيرانية.

أكد هيغسيث في مؤتمر صحافي أن الأيام المقبلة من الحرب التي تشّنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ستكون «حاسمة»، رافضاً استبعاد إمكان تنفيذ عملية بريّة.

وبعد 12 يوماً على آخر مؤتمر صحافي عقده، عكس هيغسيث من البنتاغون توجهاً أميركياً يقوم على إبقاء سقف التصعيد مرتفعاً؛ من الضغط في مضيق هرمز وتعزيز الانتشار العسكري في المنطقة، إلى توسيع بنك الأهداف داخل إيران، مع ترك قرار إنهاء الحرب أو الانتقال إلى اتفاق بيد الرئيس دونالد ترمب وحده، من دون أي جدول زمني معلن أو تصور واضح للخطوة التالية. وقال هيغسيث: «الأيام المقبلة ستكون حاسمة، إيران تدرك هذا الأمر، ولا يمكنها فعل شيء عسكري إزاءه تقريباً».

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون (رويترز)

وأضاف أن الساعات الأربع والعشرين الماضية شهدت «أقل عدد من الصواريخ التي تطلقها إيران»، مشيراً إلى أنه تفقد في الآونة الأخيرة وحدات عسكرية أميركية منتشرة بالشرق الأوسط. وقال هيغسيث إن المحادثات لإنهاء الحرب في إيران تكتسب زخماً، وإنها «حقيقية جداً»، مضيفاً: «لا نريد أن نضطر إلى القيام بأكثر مما هو ضروري عسكرياً. وحين قلت إننا سنُفاوض تحت القنابل لم أقل ذلك باستخفاف».

مضيق هرمز

ولفت هيغسيث إلى أن قضية مضيق هرمز «ليست مجرد مشكلة تخص الولايات المتحدة الأميركية»، مكرراً دعوة الرئيس دونالد ترمب إلى أن تقوم دول أخرى بدور أكبر في هذا الممر الحيوي. وأضاف أن على إيران أن «تفتحه للأعمال التجارية»، وإلا فإن لدى الولايات المتحدة «خيارات». ووجه انتقاداً واضحاً إلى الحلفاء، ولا سيما بريطانيا، قائلاً إن الأمر لا يقتصر على البحرية الأميركية، وإن دولاً أخرى يفترض أن تكون مستعدة للتحرك في المضيق.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن عدداً أكبر بكثير من السفن يمر اليوم عبر مضيق هرمز، في إشارة إلى أن واشنطن بدأت بالفعل إجراءات ميدانية لتحسين حركة الملاحة، من دون أن يوضح طبيعة هذه الإجراءات أو ما إذا كانت ترقى إلى عملية لفرض فتح المضيق بالقوة.

وعندما سُئل عن إمكان إرسال قوات برية إلى إيران، رفض هيغسيث استبعاد هذا الخيار. وقال إن الولايات المتحدة لن تخبر خصمها بما هي مستعدة لفعله أو عدم فعله، «بما في ذلك إرسال قوات برية»، مضيفاً أن إيران تعتقد بوجود «15 طريقة مختلفة» يمكن للولايات المتحدة أن تهاجمها بها بقوات على الأرض، وتابع: «وخمّنوا ماذا؟ هناك بالفعل 15 طريقة». لكنه شدد في الوقت نفسه على أن عدم كشف هذه الخيارات جزء من استراتيجية تقوم على الإبقاء على الغموض وعدم القابلية للتنبؤ.

وربط هيغسيث هذا الموقف بانتشار القوات الأميركية في المنطقة، مؤكداً أنه زار خلال عطلة نهاية الأسبوع قوات أميركية في الشرق الأوسط، ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية، من دون أن يكشف عن أسماء القواعد أو مواقعها. وقال إنه تحدث إلى أفراد من سلاحي الجو والبحرية، بعضهم عادوا «للتو من سماء إيران»، وإن الرسالة التي تلقاها منهم كانت المطالبة بمزيد من القنابل، وقنابل أكبر، وأهداف أكثر. كما قال إن صاروخين أُسقطا بنجاح خلال زيارته، في إشارة إلى استمرار التهديدات الإيرانية المباشرة على القواعد والقوات المنتشرة في المنطقة.

وفي جانب آخر من صورة الانتشار العسكري، قال هيغسيث إن آلاف المارينز والمظليين الوافدين حديثاً لا يمكن الحديث عن كيفية استخدامهم، مكتفياً بالتأكيد أن كل الخيارات تبقى مطروحة، وأن قرار استخدامها يعود إلى الرئيس وحده. كما أوضح أن قرار إنهاء الحرب أو إبرام اتفاق مع إيران سيكون «تحديداً من جانب الرئيس دونالد ترمب وحده».

وعلى مستوى الأهداف العسكرية، قدم هيغسيث مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين صورة أكثر تفصيلاً لطبيعة الحملة الجارية ضد إيران. وقال هيغسيث إن الهدف الأساسي للبنتاغون هو تدمير صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة وأسطولها البحري، من دون أن يضع فتح مضيق هرمز ضمن الأهداف العسكرية الأميركية المباشرة، معتبراً أن هذه مهمة أوسع يفترض أن تشارك فيها دول أخرى.

رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون (أ.ف.ب)

من جانبه، قال الجنرال كين إن العمل العسكري الأميركي يركز على «استهداف قدراتهم في زرع الألغام وأصولهم البحرية»، مضيفاً أن أكثر من 150 سفينة إيرانية دمرت مجدداً، وأن المروحيات الهجومية انضمت إلى الحملة التي تستهدف الأهداف البحرية الإيرانية. وبذلك بدا واضحاً أن واشنطن تركز، في الشق البحري من الحرب، على شل قدرة إيران على تهديد الملاحة أو فرض إغلاق فعلي للمضيق.

لكن كين أضاف أن الجبهة الثانية لا تقل أهمية، وهي تعطيل القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية. وقال إن الضربات تشمل المصانع والمستودعات ومختبرات البحث والتطوير المرتبطة بالأسلحة النووية، فضلاً عن البنية التحتية اللازمة لإعادة بناء القدرة القتالية الإيرانية.

قاذفات «بي - 52» الأميركية

وأوضح أن الطائرات الأميركية باتت تركز على «اعتراض وتدمير سلاسل الإمداد واللوجيستيات» التي تغذي منشآت بناء الصواريخ والطائرات المسيّرة والسفن الحربية، بهدف خنق قدرة إيران على تعويض الذخائر التي دمرت في آلاف الغارات.

وفي هذا الإطار، أعلن كين بدء مهمات قاذفات «بي - 52» الأميركية فوق إيران، في خطوة عكست، بحسب توصيفه، حجم التفوق الجوي الأميركي فوق البلاد، وما يعنيه ذلك من تراجع شديد في فاعلية الدفاعات الجوية الإيرانية. كما أكد أن هذا التطور يسمح بتوسيع الضغط على أهداف أعمق وأثقل ضمن الحملة الجارية.

وتحدث هيغسيث عن جانب عملياتي آخر، قائلاً إن الولايات المتحدة نفذت الليلة الماضية وحدها نحو 200 «ضربة ديناميكية»، أي ضربات يتغير فيها الهدف بعد إقلاع الطائرة، إضافة إلى أهداف مخطط لها مسبقاً. وأكد أن مقطع الفيديو الذي نشره ترمب أظهر ضربة أميركية على مستودع ذخيرة في أصفهان. ولم يحدد متى صُور الفيديو، لكنه قال إن قلة المقاطع المتاحة تعود أيضاً إلى أن إيران ما زالت تحجب الإنترنت عن معظم سكانها.

وبالتوازي مع هذا التصعيد، حرص هيغسيث على التأكيد أن «الجهد الأساسي» للولايات المتحدة ما زال هو التوصل إلى اتفاق مع إيران. وقال إن مهمة واشنطن هي حمل النظام القائم حالياً في إيران على إدراك أن وضعه سيكون أفضل إذا أبرم اتفاقاً. لكنه أوضح أن عدم التوصل إلى اتفاق سيعني ببساطة أن الولايات المتحدة «مستعدة للمضي قدماً».

وفي معرض شرحه لهذه المعادلة، استخدم هيغسيث عبارة لافتة حين قال: «نحن نتفاوض بالقنابل»، في تلخيص واضح لسياسة تمزج بين الإبقاء على القناة التفاوضية مفتوحة، واستخدام الضغط العسكري المكثف لتحسين شروط التفاوض. كما قال إن المحادثات مع إيران «حقيقية للغاية، ونشطة، وتكتسب قوة»، رغم التباين العلني بين واشنطن وطهران بشأن وجود هذه المفاوضات أصلاً.

وأظهر المؤتمر أيضاً أن الإدارة الأميركية تريد تقديم صورة عن تراجع إيران ميدانياً ومعنوياً. فقد قال هيغسيث إن عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها إيران انخفض، وإن الساعات الأربع والعشرين الماضية شهدت أدنى عدد من المقذوفات الإيرانية منذ بدء الحرب. وأضاف أن معنويات الجيش الإيراني تتضرر، متحدثاً عن حالات فرار وإحباط بين القادة العسكريين.

وفي هذا السياق نفسه، قال هيغسيث إن «تغيير النظام قد حدث» في إيران، وهو توصيف سياسي بالغ الحساسية لم يقدمه كخطة أميركية معلنة بقدر ما طرحه كقراءة لواقع القيادة الحالية. لكنه لم يدخل في تفصيل شكل هذا التغيير أو تركيبته، بينما أشار جزء من الإحاطة إلى أن القائد الجديد في إيران يُعتقد أنه أكثر تشدداً من سلفه.