ماراثون بيروت... ولادة مدينة تغلب موتها

15 ألف مُشارك يشهدون على أنّ خطّ النهاية ليس سوى انطلاق جديد

عنادٌ بيروتيّ بوجه الأقدار المُباغِتة (ماراثون بيروت)
عنادٌ بيروتيّ بوجه الأقدار المُباغِتة (ماراثون بيروت)
TT

ماراثون بيروت... ولادة مدينة تغلب موتها

عنادٌ بيروتيّ بوجه الأقدار المُباغِتة (ماراثون بيروت)
عنادٌ بيروتيّ بوجه الأقدار المُباغِتة (ماراثون بيروت)

لم تستيقظ بيروت، فجر الخميس، لتفتح عينيها على يومٍ عادي. استيقظت لتنهض من رمادها، وتُعلن مجدّداً تغلُّبَها على موتها. الساعة الرابعة قبل الشروق، بشَّرت موسيقى تسبق الشمس في الوصول بيومٍ ستحفظه الذاكرة.

هذا اللقاء البشري لم يكن يوماً مجرّد سباق (ماراثون بيروت)

ماراثون بيروت لم يكن يوماً مجرّد سباق. هذا العام تحديداً، هو نداء داخلي وصرخة حياة بعد زمن من الصمت. ما تأجَّل في نوفمبر (تشرين الثاني)، حين كانت المدينة تحترق، والوطن يئنّ، جاء اليوم ليولد من جديد في الأول من مايو (أيار)، كأنه عناد بيروتيّ بوجه الأقدار المُباغِتة. كأنَّ المدينة تقول: «أنا هنا، ما زلتُ أركض وأحلم».

الركض يجعلنا نرى الآخرين كما لم نرهم من قبل (ماراثون بيروت)

في الواجهة البحرية، تجمَّع الناس. كل الأطياف؛ مَن يُشبهك ومَن لا يُشبهك؛ مَن يحمل جرحاً صغيراً، ومن أتى بجراحٍ لا تُحصَى. اجتمعوا ليركضوا معاً، لا نحو النهايات، وإنما نحو بدايات جديدة. فالركض في بيروت لا يُقاس بالأمتار. مقياسُه المعنى. هو فعلُ تحدٍّ ضدَّ السقوط، وحركة ضدَّ السكون، وإرادة أقوى من التعب.

كأنَّ المدينة تقول: «أنا هنا... ما زلتُ أركض وأحلم» (ماراثون بيروت)

امتلأت الشوارع بعدّائين تركوا خلفهم كل ما يُثقِل. لم تعُد الشوارع للشاحنات والأنين، وإنما للأقدام الحافية أحياناً وللقلوب المُشتعلة. هو يومٌ للذين لم يعرفوا قُدراتهم بأكملها، وللذين اختبروا الخسارة والنجاة، ولأولئك الذين يسيرون بذاكرة نازفة، أو بأمل أخير.

يؤمّنون مسارات نخبة العدّائين (ماراثون بيروت)

والركض يتجاوز كونه مسألة عضلات، فيبني علاقة مع الحياة. هو مواجهة مستمرّة مع الإرهاق، وإيمانٌ بأنَّ الألم يمكن أن يُنجِب المعنى. والعدّاء لا يهرب من الألم، بل يتقدَّم إليه. يلتهمه، ويصعد به، لأنه يعرف أنَّ المعاناة تُطهِّر، وأنَّ كل وجعٍ يُقرّب خطوة من الذات؛ ومن الحقيقة.

الصليب الأحمر والفرق الطبّية جاهزان ومستعدان (ماراثون بيروت)

والركض أيضاً ليس رياضة فقط. الأهم أنه انكشاف. لحظة تُصغي فيها إلى صوتك الداخلي، وتكتشف كم من المعارك تخوضها في صمت. في كلّ خطوة نرمي أحمالاً، ونتخفَّف من قسوة العالم. نركض كي نتطهَّر من الضجيج. من الخذلان. من الركود العاطفي. ومن الخوف. فالركض، حين يكون صادقاً، يُقرّبك من نفسك أولاً، قبل خطّ النهاية.

اجتمعوا ليركضوا معاً نحو بدايات جديدة (ماراثون بيروت)

نركض لنتذكّر أننا أحياء، وأنَّ الجسد، بكلّ ما فيه من ضعف وتعب، لا يزال قادراً على الاستمرار. وأنَّ القلب، رغم ثقله، لا يزال يعرف كيف يخفق. نركض لنتواضع؛ فالركض يجعلنا نرى الآخرين كما لم نرهم من قبل. كلنا متساوون على الطريق. لا شيء يُفرّقنا سوى مقدار ما نحمله من أمل.

في كلّ خطوة نرمي أحمالاً ونتخفَّف من قسوة العالم (ماراثون بيروت)

والركض يُعلّمنا كيف نصغي، كيف نُثابر، كيف نحبّ الحياة رغم أوجاعها. يجعلنا نُبطئ لنفهم، ثم نُسرِع لنحيا. هو فعل وجودي. تمرين على أن نكون أفضل، في أجسادنا ونظرتنا للآخر، وفي علاقتنا بالزمن وبالمكان، وبأنفسنا.

في الركض، نتعلّم أنَّ الانتصار الحقيقي ليس أنْ نصل أولاً، بل ألا نتوقَّف عن المحاولة. أنْ نُكمل رغم العرق والألم وكلّ ما يدفعنا للاستسلام. نركض لنصبح أكثر إنسانية، وأكثر قرباً من المعنى.

الركض إيمانٌ بأنَّ الألم يمكن أن يُنجِب المعنى (ماراثون بيروت)

السادسة والربع صباحاً، انطلق السباق: 42 كيلومتراً لعدّائي الماراثون، و21 أخرى لمَن اختار نصف الطريق. لكن لا أحد قطع نصف الشعور. جميعهم حملوا قلوباً ثقيلة وعيوناً تنظر إلى البعيد، حيث الوطن الذي يستحق أن نركض من أجله، لا أن نهرب منه.

مي الخليل لعبت دوراً محورياً في إنجاح الحدث (ماراثون بيروت)

الحياة لا تزال ممكنة... والأمل حيّ (ماراثون بيروت)

كانت الساحة تعجّ بعيونٍ لم تعرف النوم، وأجسادٍ بالكاد استراحت. فماراثون بيروت ليس سباقاً عادياً. هو استحقاق روح وولادة ثانية. وهو إثبات للذات، وإعلانٌ بأنَّ لبنان لا يزال يملك ما يقدّمه. وتحت شعار: «تعوا نركض من النهاية للبداية ليبقى لبنان»، أُقيم السباق. شعارٌ كُتب بحبر الألم، لكنه نُطِق بصوت الأمل، تماماً مثل صوت الفنان ملحم زين وهو يغنّي أغنية هذه النسخة، «مِنْقلها للدني نحنا ما مننحني»، من كلمات نزار فرنسيس.

برعاية رئيس الجمهورية جوزيف عون وحضور رئيس الحكومة نواف سلام، نظّمت جمعية «بيروت ماراثون» سباق «أو إم تي بيروت ماراثون» في نسخته الـ21. رئيستها، مي الخليل، لعبت دوراً محورياً في إنجاح الحدث. هي التي لطالما حملت على عاتقها مَهمّة جمع اللبنانيين على أرض واحدة، ليُثبتوا معاً أنَّ الحياة لا تزال ممكنة، والأمل حيّ في قلب بيروت.

امتلأت الشوارع بعدّائين تركوا خلفهم كل ما يُثقِل (ماراثون بيروت)

15 ألف عدّاء وعدّاءة من 38 دولة، احتشدوا في لحظة متوهِّجة. كان المشهد فعلَ مقاومة ضدَّ الحرب والتقسيم. فالماراثون، بما فيه من عرق ودموع، شكَّل ساحة سلام، وخريطة لوطنٍ يُرسم من جديد.

ثم أتى سباق الـ5 كيلومترات لتكتمل الصورة. هذا ليس سباقاً للسرعة، وإنما للمُشاركة. سباقٌ يحمل أصوات مَن لا يُسمَعون دائماً: ذوو الحاجات الخاصة، الناشطون، الحالمون، أولئك الذين ما زالوا يؤمنون. هو الركض من أجل العدالة، من أجل البلد القابل للحياة، من أجل أن يُسمَع الصوت، لا أنْ يُكتَم.

نركض لنصبح أكثر إنسانية وأكثر قرباً من المعنى (ماراثون بيروت)

الانتصار الحقيقي ليس أنْ نصل أولاً بل ألا نتوقَّف عن المحاولة (ماراثون بيروت)

7 ساعات من الحماسة والعزيمة والوجوه التي تلمع بالعرق وتبتسم رغم كلّ شيء. وجوهٌ ترفض الخنوع. شخصياتٌ من مختلف القطاعات شاركت، وجمهور احتشد ليشاهد، ولكن أيضاً ليؤمن من جديد. شاشة «إل بي سي آي» نقلت المشهد الصاخب، وموسيقى الجيش عزفت النشيد، وأصوات الفنّ والرقص ملأت الفضاء.

لكن ما بقي بعد كلّ هذا؟ ما يبقى هو النبض. هو هذه الشعلة التي تُضاء كلَّ ماراثون. هو الإيمان بأنَّ بيروت، مهما تهدّمت، تعرف طريقها إلى الحياة. وأنَّ الركض، في النهاية، ليس هروباً من الدمار، وإنما ذهابٌ إليه؛ لمواجهته، وتحويله إلى معنى.

الركض في بيروت لا يُقاس بالأمتار وإنما بالمعنى (ماراثون بيروت)

بيروت تركض لتثبت أنها جديرة دائماً بالأمل. كلّ خطوة تُحرّك حجراً من الركام، وكل نَفَسٍ يُبدِّد دخان حرائقها. ومن بين أنقاض الوحشة والخذلان، تولد مدينة جديدة. مدينة تركض من النهاية إلى البداية، من الوجع إلى الشفاء، ومن الخسارة إلى العَوَض. في بيروت، لا تنتهي القصص. نحن شهود على أنها ستظلُّ تُروى.


مقالات ذات صلة

كاريلي: أمامنا 12 «نهائياً»... سنقاتل لبقاء ضمك

رياضة سعودية البرازيلي فابيو كاريلي المدير الفني لضمك (تصوير: علي خمج)

كاريلي: أمامنا 12 «نهائياً»... سنقاتل لبقاء ضمك

أعرب البرازيلي فابيو كاريلي، المدير الفني لضمك، عن خيبة أمله بعد الخسارة أمام الشباب بثلاثية مقابل هدف، ضمن منافسات الجولة الـ23 من الدوري السعودي للمحترفين.

فيصل المفضلي (أبها)
رياضة عالمية فاليري سوشكيفيتش قال إن البارالمبية منحت الفرصة لرفع العلم نفسه الملطّخ بالدم الأوكراني (أ.ف.ب)

رئيس البارالمبية الأوكرانية: السماح بالعَلَم الروسي في ألعاب ميلانو «خيانة»

صنف رئيس اللجنة البارالمبية الأوكرانية السماح للرياضيين الروس بالمشاركة تحت علم بلادهم في ألعاب ميلانو - كورتينا بـ«الخيانة».

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
رياضة عالمية ألكاراس واصل طريقه بقوة نحو اللقب (إ.ب.أ)

دورة الدوحة: ألكاراس يعود من بعيد ويضرب موعداً مع حامل اللقب

حجز الإسباني كارلوس ألكاراس مقعده في نصف نهائي دورة قطر للتنس.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عالمية ماريان فاتون أول بطلة أولمبية في تاريخ رياضة تسلق الجبال على زلاجات (د.ب.أ)

الأولمبياد الشتوي: السويسرية فاتون تحرز الذهبية الأولى في تسلق الجبال على زلاجات

أصبحت السويسرية ماريان فاتون أول بطلة أولمبية في تاريخ رياضة تسلق الجبال على زلاجات، متفوقة في سباق السرعة على الفرنسية إميلي آروب.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
رياضة عالمية محاولات لتهدئة فينيسوس جونيور من مورينيو وأعضاء في بنفيكا (إ.ب.أ)

ريال مدريد: قدمنا كل الأدلة لـ«يويفا» الداعمة لقضية فينيسيوس

أعلن نادي ريال مدريد في بيان رسمي، اليوم الخميس، أنه قدّم إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم جميع الأدلة (يويفا)  المتاحة لديه والمتعلقة بما حدث خلال المباراة.

شوق الغامدي (الرياض)

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.