اتفاق المعادن استثمار أميركي «رادع» طويل الأجل في أوكرانيا

ترمب لا يقدم ضمانات أمنية ولكنه يلتزم عملية سلام تحفظ سيادتها

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت ونائبة رئيس الوزراء الأوكراني يوليا سفيريدينكو بعد التوقيع على اتفاق في واشنطن العاصمة يمنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى المعادن الأوكرانية (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت ونائبة رئيس الوزراء الأوكراني يوليا سفيريدينكو بعد التوقيع على اتفاق في واشنطن العاصمة يمنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى المعادن الأوكرانية (رويترز)
TT

اتفاق المعادن استثمار أميركي «رادع» طويل الأجل في أوكرانيا

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت ونائبة رئيس الوزراء الأوكراني يوليا سفيريدينكو بعد التوقيع على اتفاق في واشنطن العاصمة يمنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى المعادن الأوكرانية (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت ونائبة رئيس الوزراء الأوكراني يوليا سفيريدينكو بعد التوقيع على اتفاق في واشنطن العاصمة يمنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى المعادن الأوكرانية (رويترز)

بعد أشهر من المفاوضات الشاقة والمتوترة، وقعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتفاقاً مع كييف لتقاسم المعادن، والموارد الطبيعية الأوكرانية، ليكون بمثابة منصة لتعاون اقتصادي ثنائي واسع النطاق، ولاستثمار طويل الأجل من الولايات المتحدة في أوكرانيا بعد انتهاء حربها مع روسيا.

اجتماع بين مسؤولين أميركيين وأوكرانيين في «الإليزيه» 17 أبريل (أ.ف.ب)

ولطالما روّج ترمب لهذا الاتفاق باعتباره وسيلة لاسترداد أكثر من 100 مليار دولار من المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا لصد الغزو الشامل من روسيا منذ أكثر من ثلاث سنوات، بالإضافة إلى كونه رادعاً لأي اعتداء مستقبلي ضد أوكرانيا. وفي واحد من المشاهد المثيرة في فبراير (شباط) الماضي، وبّخ ترمب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي علناً لعدم إظهاره امتناناً كافياً للدعم الأميركي.

يأتي الاتفاق في وقت يتوسط فيه ترمب لإنهاء الحرب بين أوكرانيا وروسيا.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية في بيان إن الولايات المتحدة وأوكرانيا وقعتا اتفاقية لإنشاء صندوق استثمار لإعادة الإعمار. وأضافت الوزارة «تقديراً للدعم المالي والمادي الكبير الذي قدمه شعب الولايات المتحدة للدفاع عن أوكرانيا منذ الغزو الروسي الشامل، تتيح هذه الشراكة الاقتصادية لبلدينا العمل معاً، والاستثمار المشترك لضمان مساهمة أصولنا وخبراتنا وقدراتنا المشتركة في تسريع التعافي الاقتصادي لأوكرانيا».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت في بيان إن «الاتفاق يشير بوضوح إلى روسيا بأن إدارة ترمب ملتزمة عملية سلام تتمحور حول أوكرانيا حرة، وذات سيادة، ومزدهرة على المدى الطويل»، مضيفاً أن «الرئيس ترمب تصور هذه الشراكة بين الشعبين الأميركي والأوكراني لإظهار التزام الجانبين السلام الدائم، والازدهار في أوكرانيا». وكذلك قال إن الاتفاق سينشئ «صندوق استثمار إعادة الإعمار الأميركي الأوكراني» الذي سيسمح للبلدين «بالعمل بشكل تعاوني، والاستثمار معاً لضمان أن تسهم أصولنا ومواهبنا وقدراتنا المشتركة في تسريع الانتعاش الاقتصادي لأوكرانيا». وأكد أنه «لن يُسمح لأي دولة أو شخص مول أو زود آلة الحرب الروسية بالاستفادة من إعادة إعمار أوكرانيا».

التزام أميركي

وصرحت وزيرة الاقتصاد الأوكرانية يوليا سفيريدينكو أن الاتفاق الذي وقعته في واشنطن «يعكس التزام الولايات المتحدة بأمن أوكرانيا، وتعافيها، وإعادة إعمارها... الوثيقة التي بين أيدينا اليوم تضمن النجاح لبلدينا -أوكرانيا والولايات المتحدة». وأضافت سفيريدينكو أنّه «بالتعاون مع الولايات المتّحدة، ننشئ هذا الصندوق الذي سيجذب استثمارات عالمية إلى بلدنا». وأضافت في منشور على «فيسبوك» أنّ الاتفاق سيتيح تمويل «مشاريع لاستخراج معادن، ونفط، وغاز» في أوكرانيا. لكنها شددت على أنّ أوكرانيا «تحتفظ بالملكية، والسيطرة الكاملة على هذه الموارد» وعلى أنّ «الدولة الأوكرانية ستكون هي من يحدّد ما الذي يستخرج، وأين».

قال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها الخميس إن صفقة المعادن التي جرى توقيعها مع الولايات المتحدة «تمثل علامة فارقة مهمة في الشراكة الاستراتيجية بين أوكرانيا والولايات المتحدة، والتي تهدف إلى تعزيز اقتصاد أوكرانيا وأمنها».

الرؤساء الفرنسي إيمانويل ماكرون والأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدثون في كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان (إ.ب.أ)

وكتب رئيس الوزراء الأوكراني دينيس شميهال في منشور على منصة «تلغرام» للتواصل الاجتماعي أن البلدين سيتمتعان بحقوق تصويت متساوية على صندوق استثماري، وأن أوكرانيا ستحتفظ بالسيطرة الكاملة على باطن أرضها، وبنيتها التحتية، ومواردها الطبيعية. وذكر أن أرباح الصندوق سيعاد استثمارها في أوكرانيا. وقال إنه «بفضل هذا الاتفاق، سنتمكن من جذب موارد كبيرة لإعادة الإعمار، وبدء النمو الاقتصادي، والحصول على أحدث التقنيات من شركاء ومستثمر استراتيجي في الولايات المتحدة».

ولم يتضح تأثير الاتفاق على مستقبل الدعم العسكري من الولايات المتحدة لأوكرانيا. غير أن شخصاً مطلعاً على المفاوضات أفاد بأن الاتفاق النهائي لا يتضمن ضمانات صريحة بمساعدات أمنية أميركية مستقبلية. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن آخر أن إدارة ترمب رفضت هذه الفكرة في بداية العملية.

ولم يعلق الكرملين رسمياً بعد على الاتفاق، لكن قال المسؤول الأمني الروسي دميتري ميدفيديف الخميس إن توقيع الاتفاق يعني أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أجبر كييف أخيراً على دفع ثمن المساعدات الأميركية. وكتب ميدفيديف، الرئيس الروسي السابق، على تطبيق «تلغرام»: «الآن يتحتم عليهم دفع ثمن الإمدادات العسكرية من الثروة الوطنية لبلد يتلاشى».

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض خلال زيارة الثاني واشنطن يوم 28 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

ولا تقدم النسخة الأخيرة التي اطلعت عليها صحيفة «واشنطن بوست» أي ضمانات أمنية ملموسة لأوكرانيا، لكنها تنص على أن كييف وواشنطن متفقتان على تأكيد «توافق استراتيجي طويل الأمد» بين البلدين، ودعم الولايات المتحدة «لأمن أوكرانيا، وازدهارها، وإعادة إعمارها، واندماجها في الأطر الاقتصادية العالمية».

وتمثل هذه الصياغة وحدها فوزاً لكييف، التي سعت جاهدةً للحصول على أي دعم من الولايات المتحدة منذ توتر العلاقات مع ترمب. وشدد مسؤول أميركي سابق على أن الاتفاق سيخدم الغرض المهم المتمثل في بناء علاقات حسن نية مع ترمب، ومنحه مصلحة اقتصادية في بقاء البلاد واستقرارها.

التعدين حافز للسلام

ورغم الصخب الإعلامي الذي رافق التوقيع على الاتفاق، فلن تكون له أهمية تُذكر إذا استمر القتال بين أوكرانيا وروسيا. بيد أن أنصار أوكرانيا يأملون في أن يدفع الاتفاق ترمب إلى اعتبار أوكرانيا أكثر من مجرد عائق أمام تحسين العلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وكان الاتفاق تأجل بعد اجتماع متوتر في المكتب البيضاوي في أواخر فبراير (شباط) الماضي بين الرئيسين ترمب وزيلينسكي. وخلال الشهرين اللذين انقضيا منذ ذلك الحين، تركزت نقطة الخلاف الرئيسة في المفاوضات حول ما إذا كانت المساعدات المقدمة لأوكرانيا منذ بدء روسيا غزوها الشامل في فبراير 2022 ستُعامل على أنها دين للولايات المتحدة. وكرر ترمب أن على أوكرانيا سداد الأموال. ولكن مسؤولين أوكرانيين أكدوا أن الموافقة على ذلك ستُعاقب البلاد مالياً لأجيال.

اقترحت أوكرانيا في البداية جذب الاستثمارات الأميركية إلى قطاع التعدين في أوكرانيا واعتباره حافزاً لدعم أي اتفاق سلام مع ضمانات أمنية لمنع أي عدوان من روسيا مستقبلاً. لكن المحادثات شابها الجدل لأن ترمب ركز أيضاً على ضرورة أن تتطلع أوكرانيا إلى أوروبا، وليس إلى الولايات المتحدة، من أجل الحصول على أي ضمانات أمنية.

وفي مذكرة نيات لتوقيع الاتفاق، وقعت في 16 أبريل (نيسان) الماضي، حددت أوكرانيا والولايات المتحدة الخطوط العريضة لاتفاق لإنشاء صندوق للاستثمار في إعادة الإعمار بعد الحرب. وبالإضافة إلى إتاحة الفرص للشركات الأميركية في قطاعات التعدين والنفط والغاز الطبيعي، يُمكن للصندوق توجيه أعمال إعادة الإعمار، التي يُتوقع أن تُصبح تجارة بمليارات الدولارات في حال التوصل إلى وقف إطلاق النار، إلى الشركات الأميركية.

صورة وزعها المكتب الإعلامي للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماعه مع الرئيس دونالد ترمب على هامش جنازة البابا فرنسيس في الفاتيكان (أ.ب)

لكن زيلينسكي أوضح أن اتفاق المعادن ليس غايةً في حد ذاته، بل يهدف إلى تمهيد الطريق لمحادثات أكثر أهمية بشأن الدعم العسكري الأميركي، وشروط وقف إطلاق نار محتمل مع روسيا. ويعتقد على نطاق واسع أن وقف إطلاق النار الذي اقترحته الولايات المتحدة يصب في مصلحة روسيا. وهو سيجبر أوكرانيا على التخلي عن تطلعاتها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولن يقدم لأوكرانيا سوى ضمانات أمنية مبهمة، وسيؤدي إلى اعتراف الولايات المتحدة رسمياً بأن شبه جزيرة القرم جزء من روسيا. وهذا ما رفضته أوكرانيا. وهددت إدارة ترمب مراراً بالانسحاب من مفاوضات السلام. وقال ترمب أخيراً إنه يريد اتفاقاً لوقف إطلاق النار في غضون أسبوعين، أو أقل. وقال أيضاً إن القليل من الوقت الإضافي قد يكون مقبولًا. وروى دونالد ترمب مساء الأربعاء خلال مقابلة تلفزيونية مع محطة «نيوز نايشن» أنه قال لزيلينسكي خلال لقائهما في الفاتيكان على هامش جنازة البابا فرنسيس: «إنه من الجيد جداً» أن يُوقع الاتفاق «لأن روسيا أكبر بكثير وأقوى بكثير».

20 معدناً

وتفيد السلطات الأوكرانية بأن البلاد تمتلك رواسب لأكثر من 20 معدناً بالغة الأهمية. وقدرت إحدى الشركات الاستشارية قيمتها بتريليونات الدولارات. لكن قد لا يكون من السهل استخراجها، ولم تُحدّث خرائط الحقبة السوفياتية التي تُحدد مواقع الرواسب الحرجة، ولم تخضع جميعها لفحص دقيق. ويتردد المستثمرون الأجانب حالياً في توسيع نطاق مشاريع التعدين في أوكرانيا بشكل كبير لعدة أسباب، منها الحرب. ولا يستطيع ترمب إجبار الشركات الأميركية الخاصة على القيام باستثمارات باهظة الثمن، وربما غير مربحة.


مقالات ذات صلة

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

الولايات المتحدة​ وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز) play-circle

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص محمود الهباش مستشار الرئيس الفسطيني (وكالة وفا) play-circle

خاص مستشار الرئيس الفلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: مجالس وهيئات غزة «وضع مؤقت» لا نقبل استمراره

الهباش يقول إن الواقع في غزة هو أقل الشرور وإن السلطة الفلسطينية ليست راضية لكنها ليست غائبة ولن تستبدل احتلالاً باحتلال وستحكم القطاع بنهاية الفترة الانتقالية

كفاح زبون (رام الله)
الولايات المتحدة​ جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز) play-circle

ثماني دول أوروبية تدعم غرينلاند والدنمارك بعد تهديدات ترمب

عبرت ثماني ​دول أوروبية في بيان مشترك اليوم الأحد عن تضامنها مع مملكة ‌الدنمارك وشعب ‌غرينلاند ‌في ⁠أعقاب ​تهديد ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضم الجزيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص شعار المنتدى الاقتصادي العالمي قبل انعقاد الاجتماع السنوي للمنتدى في دافوس (إ.ب.أ)

خاص بين «روح الحوار» و«أميركا أولاً»... ترمب يفرض إيقاعه على أعمال «دافوس»

عشية انطلاق أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي تحت شعار «روح الحوار»، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتلويح بالرسوم، مستهدفاً هذه المرّة حلفاءه الأطلسيين.

نجلاء حبريري (دافوس)
الاقتصاد صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)

المحكمة العليا الأميركية تفصل في أحقية ترمب إقالة ليزا كوك

تبدأ المرافعات الشفهية في قضية دونالد ترمب ضد محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك، لترسم معالم الصراع بين السلطة التنفيذية واستقلالية القرار النقدي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
TT

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأحد، إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

وأضاف بيسنت، لموقع «إن بي سي»، «غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأميركي، ويجب أن نسيطر عليها».

وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى أن الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي لم يدخل حيز التنفيذ، مضيفاً: «وترمب لديه صلاحيات (طارئة) لفرض رسوم جمركية».

وتعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.


ثماني دول أوروبية تدعم غرينلاند والدنمارك بعد تهديدات ترمب

جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
TT

ثماني دول أوروبية تدعم غرينلاند والدنمارك بعد تهديدات ترمب

جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)

عبرت ثماني ​دول أوروبية في بيان مشترك، اليوم الأحد، عن تضامنها مع مملكة ‌الدنمارك وشعب ‌غرينلاند ‌في ⁠أعقاب ​تهديد ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضم الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.

وقالت كل من ⁠الدنمارك وفنلندا ‌وفرنسا وألمانيا ‍وهولندا والنرويج والسويد ‍وبريطانيا في البيان: «بصفتنا أعضاء في حلف شمال الأطلسي، ​نحن ملتزمون بتعزيز أمن القطب ⁠الشمالي باعتباره مصلحة مشتركة عبر الأطلسي». وجاء في البيان أن «التهديد بالرسوم الجمركية يقوض العلاقات عبر الأطلسي وينذر بانحدار ‌خطير».

وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية جديدة على أعضاء أوروبيين في «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» لحين موافقتهم على بيع غرينلاند للولايات المتحدة، قلقاً واستنكاراً من قبل بعض الدول الأوروبية.

ويجتمع الأحد ممثلو الدول في جلسة خاصة لمناقشة الأحداث الأخيرة. وقالت قبرص، التي تتولى الرئاسة الدورية لـ«الاتحاد الأوروبي» لمدة 6 أشهر، في وقت متأخر من السبت، إن سفراء الدول استُدعوا لعقد اجتماع استثنائي بعد ظهر الأحد للرد على أحدث التصريحات الصادرة عن الولايات المتحدة.

ووفق أحدث استطلاع نُشر في يناير (كانون الثاني) 2025، فإن 85 في المائة من سكان غرينلاند يعارضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، بينما يؤيده 6 في المائة فقط.

وأعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا والمملكة المتحدة، هذا الأسبوع، نشر قوات عسكرية في مهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظِّمها الدنمارك في غرينلاند.

ابتزاز... وتفعيل آلية لمكافحة الإكراه

وصف وزير الخارجية الهولندي، ديفيد فان فيل، هذا التهديد بأنه «ابتزاز». وقال الوزير في حديث للتلفزيون الهولندي: «ما يفعله (ترمب) ابتزاز... وهو أمر غير ضروري. هذا لا يصب ‌في مصلحة (الحلف) ‌أو غرينلاند».

وقال فان ‍فيل إن «مهمة غرينلاند» هدفها أن تظهر للولايات المتحدة استعداد أوروبا للمساعدة في الدفاع عن غرينلاند، مؤكداً اعتراضه على ربط ترمب بين الدبلوماسية بشأن الجزيرة ​والتجارة. ويشدد ترمب على أنه لن يقبل بأقل من الملكية الكاملة ⁠لغرينلاند، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي تابعة للدنمارك، ويقول إن لها أهمية بالغة لأمن الولايات المتحدة؛ بسبب موقعها الاستراتيجي ومخزونها المعدني.

ويعتزم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال تواصله الذي يمتد «طيلة اليوم مع نظرائه الأوروبيين»، طلب «تفعيل (آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه)» في حال تنفيذ الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية، وفق ما أفاد به مقربون منه.

وتتيح هذه الآلية، التي يتطلب تفعيلها غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، خصوصاً تجميد الوصول إلى أسواق المشتريات العامة الأوروبية ومنع استثمارات معينة. وأوضح مصدر مقرب من الرئيس الفرنسي أن التهديدات التجارية الأميركية «تثير تساؤلات بشأن مدى صحة الاتفاقية» المتعلقة بالرسوم الجمركية المبرمة بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة في يوليو (تموز) الماضي.

وعدّت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، أن تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على معارضي خطته للاستحواذ على غرينلاند «خطأ»، مشيرة إلى أنها أبلغته وجهة نظرها. وقالت ميلوني للصحافيين خلال زيارة للعاصمة الكورية الجنوبية سيول: «أعتقد أن فرض عقوبات جديدة اليوم سيكون خطأ»، مضيفة: «تحدثتُ إلى دونالد ترمب قبل بضع ساعات وقلت له ما أفكر فيه».

«بوتين أسعد رجل ​على وجه الأرض»

وصرح رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، بأن غزو الولايات المتحدة غرينلاند «سيجعل بوتين أسعد رجل ​على وجه الأرض». وحذر سانشيز، في مقابلة نشرت الأحد، بأن أي عمل عسكري أميركي ضد جزيرة غرينلاند في القطب الشمالي سيضر بـ«حلف شمال الأطلسي» ويضفي الشرعية على غزو روسيا أوكرانيا.

وأضاف، في مقابلة مع صحيفة «لا فانغوارديا»: «إذا ‌ركزنا على غرينلاند، ‌فعليّ أن أقول إن ‌غزو ⁠الولايات ​المتحدة ‌تلك المنطقة سيجعل فلاديمير بوتين أسعد رجل في العالم. لماذا؟ لأن ذلك سيضفي الشرعية على محاولة غزوه أوكرانيا». وتابع: «إذا استخدمت الولايات المتحدة القوة، فسيكون ذلك المسمار الأخير في نعش (حلف شمال الأطلسي). وسيكون بوتين سعيداً للغاية».

وكان ترمب قد قال في ‌منشور ⁠على ​منصة ‌«تروث سوشيال»، السبت، إن الرسوم الجمركية الإضافية بنسبة 10 في المائة على الواردات ستدخل حيز التنفيذ في 1 فبراير (شباط) المقبل على البضائع من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا، ⁠وهي الدول التي وافقت على المشاركة بأفراد في ‌تدريبات لـ«حلف شمال الأطلسي» ‍في غرينلاند.

رد أوروبي مضاد وحازم

ودعا «اتحاد الشركات الألمانية المصنعة للآلات والأنظمة (في دي إم ايه)» إلى رد أوروبي مضاد وحازم على تهديدات ترمب، وقال رئيس «الاتحاد»، بيرترام كافلات، في فرانكفورت الأحد: «لا يجوز لأوروبا أن تخضع للابتزاز، حتى وإن كان من جانب الولايات المتحدة». وأضاف أن غرينلاند جزء من أوروبا وأنها يجب أن تبقى كذلك، محذراً بأن «استسلام (الاتحاد الأوروبي) في هذا الملف لن يؤدي إلا إلى تشجيع الرئيس الأميركي على طرح مطالب عبثية جديدة والتهديد بفرض مزيد من الرسوم الجمركية».

وقال قادة الدنمارك وغرينلاند إن الجزيرة ليست للبيع، وأكدوا عدم الرغبة في أن تكون جزءاً من الولايات المتحدة. ويعقد سفراء دول «الاتحاد الأوروبي»، الأحد، اجتماعاً طارئاً لبحث الرد على ‌تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية.

وفي السياق كان رئيس «المجلس الأوروبي»، أنطونيو كوستا، قد صرح بأنه إذا كانت الولايات المتحدة ‌ترى ‌مشكلة ‌أمنية ⁠في ​غرينلاند، ‌فإنه يجب حلها بين أعضاء «حلف شمال الأطلسي» بصفتهم حلفاء. وقال كوستا، خلال مؤتمر صحافي في ريو دي ‌جانيرو بالبرازيل، الجمعة، «المخاوف الأمنية التي ‍لدى الولايات المتحدة ‍سيجري التعامل معها بشكل صحيح في إطار الجهة المناسبة، ​وهي (حلف شمال الأطلسي)». وكوستا ⁠ورئيسة «المفوضية الأوروبية»، أورسولا فون دير لاين، كانا موجودين في أميركا الجنوبية لتوقيع اتفاق تجارة بين «الاتحاد الأوروبي» وتكتل «ميركوسور»، السبت، ‌في باراغواي.

ونُظمت مظاهرات، السبت، في مدن عدّة بالدنمارك وغرينلاند؛ احتجاجاً على مطامع الرئيس الأميركي في الجزيرة، إذ تجمَّع آلاف المتظاهرين في كوبنهاغن، السبت؛ رفضاً لإعلان الرئيس ترمب عزمه السيطرة على الجزيرة القطبية ذات الحكم الذاتي. وتظاهر حشد من الأشخاص في ساحة مبنى البلدية، حاملين أعلام غرينلاند والدنمارك، وهتفوا: «كالاليت نونات!» وهو اسم غرينلاند باللغة المحلية.

وتأتي المظاهرات بعد 3 أيام من اجتماع في واشنطن بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين ومن غرينلاند، انتهى على خلاف؛ إذ أقرَّ وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن، بأنه «لم نتمكَّن من تغيير الموقف الأميركي».

وأبدى عدد كبير من القادة الأوروبيين دعمهم الدنمارك، العضو المؤسِّس لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، في حين هدَّد ترمب، الجمعة، بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته لضم غرينلاند.


«البنتاغون» يستعد لنشر 1500 جندي في ولاية مينيسوتا

عناصر من إدارة حماية الحدود الأميركية في مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من إدارة حماية الحدود الأميركية في مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

«البنتاغون» يستعد لنشر 1500 جندي في ولاية مينيسوتا

عناصر من إدارة حماية الحدود الأميركية في مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من إدارة حماية الحدود الأميركية في مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا (رويترز)

ذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، ​اليوم (الأحد)، نقلاً عن مسؤولين، أن وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) أمرت نحو 1500 جندي في الخدمة بالاستعداد لنشر ‌محتمل في ولاية ‌مينيسوتا.

وأوضحت ‌الصحيفة ⁠أن ​الجيش ‌وضع هذه الوحدات في حالة تأهب قصوى تحسباً لتصاعد العنف في الولاية، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

يأتي هذا الإجراء بعد أن هدَّد ⁠الرئيس الأميركي، دونالد ‌ترمب، بتفعيل قانون التمرد إذا لم يمنع المسؤولون في الولاية المتظاهرين من استهداف مسؤولي الهجرة.

وكتب ترمب في منشور على منصته «​تروث سوشيال»، يوم الخميس: «إذا لم يلتزم السياسيون ⁠الفاسدون في مينيسوتا بالقانون ويمنعوا المحرضين المحترفين والمتمردين من مهاجمة عناصر إدارة الهجرة، الذين يؤدون فقط واجبهم، فسأفعّل قانون التمرد».

ولم يستجب البنتاغون ولا البيت الأبيض لطلبات من «رويترز» ‌للتعليق.

وفرضت قاضية فيدرالية أميركية، الجمعة، قيوداً على شرطة الهجرة في مينيسوتا التي تتعرَّض لضغوط منذ مقتل امرأة أميركية برصاص أحد عناصرها قبل أسبوع.

وأمرت القاضية كيت مينينديز، في حكمها أفراد إدارة الهجرة في الولاية، بعدم توقيف متظاهرين في سياراتهم أو احتجازهم ما لم «يعرقلوا» عملهم.