يمثّل كتاب «اللغة والمدينة»، الذي ألّفه مؤخراً الفنان السعودي عبد الله العثمان، بحثاً بصرياً يوثّق التحولات اللغوية والمعمارية التي شهدتها مدينة الرياض عبر العقود الماضية، وعبر تجربة تجمع بين البحث الأكاديمي والتوثيق الفوتوغرافي، يشكّل الكتاب مرجعاً بصرياً للمهتمين بالهوية العمرانية، والخط العربي واللغة وتأثيرها في تشكيل ذاكرة المكان.
يعتمد الكتاب، الصادر بالتعاون بين «إثراء» و«صندوق التنمية الثقافي»، على أرشيف غني بالصور التاريخية النادرة التي تعكس روح الرياض في مراحلها المختلفة من الناحية المعمارية والبصرية، بدءاً من اللافتات اليدوية الكلاسيكية التي خطّها أمهر الخطاطين السعوديين في منتصف القرن العشرين، وصولاً إلى التطورات الرقمية المعاصرة في تصميم اللوحات الإعلانية والواجهات البصرية للمدينة.
ويضم الكتاب مجموعة من الصور الحديثة التي التقطها مؤلف الكتاب ومصورون ومبدعون سعوديون وأجانب؛ حيث يسير عبر أزقة الرياض متتبعاً أثر التحولات المعمارية والخطوط العربية التي كانت جزءاً من المشهد البصري للمدينة.
«اللغة والمدينة»
يأخذ «اللغة والمدينة» القارئ في رحلة عبر الأزمنة، ليكشف عن العلاقة الوثيقة بين اللغة والعمارة، وكيف تعكس الخطوط العربية وتفاصيل المباني التطور الثقافي والاجتماعي للمدينة. كما يقدّم الكتاب توثيقاً نادراً لأساليب الخطاطين الذين تركوا بصمتهم على معالم الرياض، مثل ناصر الميمون، وعبد الرحمن الشويعر، وحسن عبيد، وصالح الصميت، الذين أبدعوا في رسم الهوية البصرية للمدينة عبر عقود.
لم يكتفِ العثمان بجمع الصور والوثائق، بل حرص على تصميم الكتاب بصرياً، ليكون مرجعاً إبداعياً وثقافياً فيما يخص اللغة وارتباطها بالعمارة، مع استلهام تنسيق النصوص البصرية والسردية في الكتاب بما يتماشى مع الارتباطات بين اللغة والعمارة في الرياض.
وفي فصوله المختلفة، يناقش العثمان كيف تؤثر التغيرات اللغوية في تشكيل المدينة، مستعرضاً مفاهيم مثل العمارة التفكيكية وعلاقتها باللغة، إلى جانب استكشافه لكيفية تطور الخط العربي في الفضاءات الحضرية، وتأثير التكنولوجيا الحديثة على شكل وهوية اللافتات والكتابة في المدينة.
كما يستضيف الكتاب نخبة من الكتّاب والمفكرين والخطاطين، الذين يشاركون رؤاهم حول العلاقة بين اللغة، والمدينة، والفن، ومن بينهم الناقد سعود السويداء، الذي يتناول كيف يستكشف الفن فيزياء المدينة، والكاتب يوسف الديني الذي يتحدث عن صوت الهوية في عمارة المدن، والخطاط ناصر الميمون الذي يوثق رحلته مع الخطوط العربية في مدينة الرياض.
يُعتبر عبد الله العثمان من الأسماء البارزة في المشهد الفني السعودي؛ حيث عُرف بأسلوبه في البحث عن الأماكن المعمارية والصحراء وإعادة تقديمها برؤية معاصرة. ويعمل العثمان في مجالات متعددة تشمل الفن التركيبي، والفن الأدائي، والبحث والاستكشاف، والتجريب في الفراغات الطبيعية، وشارك بأعماله في معارض عالمية مثل بينالي ليون في فرنسا (2022)، وبينالي الدرعية في الرياض (2021)، ومتحف الشارقة للفن الإسلامي (2021).


