الكونغرس الأميركي يواجه شللاً تشريعياً بمواجهة قرارات ترمب التنفيذية

مخاوف جمهورية من فقدان أغلبيتهم الضئيلة في المجلسين بعد الانتخابات النصفية

أقر الكونغرس 5 قوانين فقط في دورته الجديدة (أ.ف.ب)
أقر الكونغرس 5 قوانين فقط في دورته الجديدة (أ.ف.ب)
TT

الكونغرس الأميركي يواجه شللاً تشريعياً بمواجهة قرارات ترمب التنفيذية

أقر الكونغرس 5 قوانين فقط في دورته الجديدة (أ.ف.ب)
أقر الكونغرس 5 قوانين فقط في دورته الجديدة (أ.ف.ب)

في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2025، وقف المُشرّعون تحت قبة الكونغرس وأدلوا بقسم اليمين للمباشرة بمهامهم في المجلس التشريعي بدورته الـ119، مُمهدّين لاستلام الرئيس المنتخب دونالد ترمب سُدة الرئاسة في العشرين من الشهر نفسه.

وفيما كانت التوقعات بأن تطغى المشاهد الاحتفالية على افتتاح الكونغرس بدورته الجديدة ترحيباً بالموجة الحمراء التي اكتسحت الولايات المتحدة في انتخابات رئاسية وتشريعية بسطت سيطرة الحزب الجمهوري على المرافق التشريعية، إلا أن المشهد كان بعيداً عن هذه التوقعات، إذ سادت عليه مشادات حزبية عميقة أدّت إلى عرقلة انتخاب رئيس مجلس نواب لساعات طويلة، ليكون بمثابة جرس إنذار مُبكّر لترمب الذي علم حينها أن الأغلبية الجمهورية الضئيلة في المجلسين لن تتمكن من تنفيذ أجندته وتطبيق وعوده.

استراتيجية مختلفة

ومن هذا الواقع، رسم الرئيس الأميركي استراتيجيته، متحدياً الأنظمة والأعراف والبروتوكولات، ومعتمداً على القرارات التنفيذية لتنفيذ وعوده الانتخابية بعيداً عن التجاذبات العميقة في الكونغرس، في خطوة يقول البعض إنها غير دستورية في بعض قراراتها، وكانت لتولد ثورة في المجلس التشريعي لو كان تحت سيطرة ديمقراطية، أو لو لم يكن الجمهوريون بأغلبيتهم أولياء لترمب.

هذا ما تحدث عنه كيفين بيشوب، مدير الاتصالات السابق للسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي قال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «قلة من الرؤساء تسلَّموا الرئاسة ولديهم هذا التأثير القوي على الكونغرس مثل الرئيس ترمب». وتابع: «في صفوف الجمهوريين، يقف ترمب كالقائد الوحيد بلا منازع، وهو الذي يحدد الأجندة. كل ما يطلبه يُنفّذ».

ترمب يتحدث في «عشاء الرئيس» أمام اللجنة الوطنية الجمهورية يوم 8 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

من ناحيته، يعتبر جارفيس ستيورات، كبير المستشارين لوزير العمل الأميركي ومدير الموظفين للنائب الديمقراطي هارولد فورد سابقاً، أن المائة يوم الأولى من عهد الرئيس الجديد ترسم تاريخياً توجهات الإدارة وهي في «غاية الأهمية». وأوضح في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «علاقة الرئيس ترمب مع الكونغرس بأغلبيته الجمهورية في المجلسين ليست استثناء لهذه القاعدة. فمع الأغلبية الضئيلة للجمهوريين وموعد الانتخابات النصفية بعد أقل من 24 شهراً، على الكونغرس أن يقرر ما إذا كانت السياسة العامة والمقترحات الاقتصادية التي رسمها ترمب ستخلق مساراً للنمو المستديم للعائلات الأميركية تُمهد لفوز حزب ضد الآخر في عام 2027».

5 قوانين و124 قراراً تنفيذياً

ترمب يصافح رئيس قضاة المحكمة العليا جون روبرتس خلال خطاب «حال الاتحاد» في 4 مارس 2025 (أ.ب)

لكن ترمب لم يطلب الكثير من الكونغرس في الأيام المائة الأولى من عهده الثاني. فهو الرئيس الأول منذ سبعين عاماً الذي يوقع على عدد قليل جداً من القوانين مقارنة بالرؤساء الأميركيين. إذ وقّع على 5 قوانين فقط حتى الساعة، ثلاثة منها تتعلق بإلغاء قرارات من عهد سلفه جو بايدن، وقانون «لايكن رايلي» لإصلاح سياسات الهجرة، بالإضافة إلى قانون تمويل المرافق الفيدرالية حتى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل.

وفي هذا الإطار، تقول بريتني مارتينيز، مديرة اتصالات رئيس مجلس النواب السابق كيفين مكارثي، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»: «لقد وقّع ترمب على أقل عدد من القوانين مقارنة بالـ70 عاماً الماضية. كما مرّت سبع سنوات منذ أن سيطر الجمهوريون على مجلس النواب ومجلس الشيوخ والبيت الأبيض». وتابعت: «بدلاً من التركيز على سياسات مؤثرة عبر العمل مع الكونغرس، أعطت إدارة ترمب الأولوية للأوامر التنفيذية التي لا تتمتع بصلاحية مستديمة».

زعيم الديمقراطيين في «الشيوخ» تشاك شومر يتحدث مع الصحافيين في الكونغرس يوم 9 أبريل 2025 (أ.ب)

وقد تخطّى ترمب الكونغرس مُوقّعاً على أكثر من 124 قراراً تنفيذياً من دون مواجهة تذكر مع الكونغرس بمجلسيه، لتتكفل المحاكم بهذه المواجهة. لكن الصلاحيات الرئاسية واسعة، وهذا ما يبني عليه ترمب الذي يتحدى قرارات المحاكم، ويؤخرها. فالرئيس الأميركي يعلم جيداً أن أمامه عامين من الهدوء التشريعي النسبي في ظل الأغلبية الجمهورية، قبل الانتخابات النصفية التي قد تدفع بالديمقراطيين نحو الأغلبية، ما سيعطي للحزب المعارض صلاحيات أكثر قد تؤدي إلى عرقلة أجندته.

ويُحذّر بيشوب من أن «شهر العسل» بين ترمب والكونغرس لن يستمر، مشيراً إلى أن تأثير الرؤساء يتضاءل مع مرور الوقت. واستدرك قائلاً: «في الأيام المائة الأولى من عهده الثاني، أدّت التغييرات الكبيرة في الهجرة والتجارة والحدود والإنفاق والقواعد إلى التأثير على الولايات المتحدة، كما شعر بها كل العالم».

أغلبية ضئيلة

وتُصعّب الأغلبية الضئيلة في المجلسين من إقرار أي مشاريع من دون تعاون ديمقراطي، خصوصاً في ظل الانقسامات الجمهورية بين مشرّعي حركة «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة من جديد) الداعمين لترمب، والمشرّعين التقليديين على غرار السيناتور ميتش مكونيل، وليزا مركوفسكي، وسوزان كولينز. لكن الجمهوريين الداعمين لترمب تمكّنوا حتى الساعة من عرقلة مساعي المعارضين في التصدي لقرارات الرئيس الأميركي، على رأسها القرارات المتعلقة بالتعريفات الجمركية. 

رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون يتحدث مع الصحافيين في الكونغرس يوم 10 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

فبعد أن استعمل ترمب صلاحيات الطوارئ التنفيذية لفرض تعريفات على المكسيك والصين وكندا، سارع بعض الجمهوريين إلى تأييد مشروع قانون يؤكد صلاحيات الكونغرس في فرض الرسوم، لكن سرعان ما قام الزعيمان الجمهوريان في مجلسي «الشيوخ» و«النواب» بتوظيف تكتيكات إجرائية لإحباط هذه المحاولات. 

ويقول ستيورات إن مواقف الرئيس الأميركي المتغيرة بشأن القضايا الاقتصادية، مثل الرسوم الجمركية تسبّبت في مخاوف كبيرة، ليس في الأسواق المالية الأميركية فحسب، بل للأسر الأميركية الممثلة في الكونغرس الحالي. وأضاف: «يواجه أعضاء الكونغرس في كلا الحزبين احتجاجات شعبية كبيرة حول ما إذا كانوا يفعلون ما يكفي في المائة يوم الأولى من إدارة ترمب لدعم أولوياته السياسية، أو لمعارضتها بفعالية». وعدّ ستيورات أن «الاقتصاد الأميركي هو في صميم هذا الموقف، وأتوقع أن يستمر ذلك حتى يتم تقديم رسالة متسقة أكثر من قبل الإدارة».

وفي ظل هذا الشلّل التشريعي النسبي، يسعى الزعماء الجمهوريون إلى توظيف طاقاتهم للتوصل إلى تسوية بشأن أحد أهم المشاريع التي اعتاد الكونغرس أن يقرها في بداية عهد الرئيس، وهو ما يعرف بقانون التسوية الذي يتضمن آلية تشريعية تضمن تطبيق أجندة الرئيس الداخلية. 

وعادة ما تتطلب صياغة هذا المشروع عدة أشهر، خصوصاً في ظل الانقسامات والأغلبية الضئيلة في المجلسين.

وتتحدث مارتينيز عن الشلل التشريعي، فتقول: «لقد أثبت هذا الكونغرس أن تمرير التشريعات فيه أمر معقد جداً، وهذا سيزداد صعوبة مع اقترابنا من الانتخابات النصفية».

عامل ماسك

وفي ظل هذه الانقسامات، يبقى العامل المشترك بين الديمقراطيين والجمهوريين على اختلاف مواقفهم، هو القلق من دور إيلون ماسك في إدارة ترمب. إذ ثمّة تململ واضح من أسلوبه في التعاطي مع القضايا الفيدرالية الحساسة، في ظل غياب معرفته بدور الكونغرس. وتقول جالينا بورتر، نائبة المتحدث السابق في وزارة الخارجية في عهد بايدن ومديرة الاتصالات السابقة للنائب الجمهوري سيدريك ريتشموند، إن ترمب نفّذ وعوده الانتخابية خلال المائة يوم الأولى من عهده، وهي وعود تتناسب مع مبادرة مشروع 2025 المحافظ، على حد تعبيرها. 

إيلون ماسك بجانب ترمب في البيت الأبيض يوم 11 مارس 2025 (رويترز)

وأوضحت بورتر في حديث مع «الشرق الأوسط»: «لقد عملت في الكونغرس خلال الولاية الأولى للرئيس ترمب، وهناك بالتأكيد نغمة مختلفة هذه المرة. فالكونغرس يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة، وفيما يتوافق النواب والشيوخ من كلا الحزبين على ضرورة زيادة كفاءة وفعالية الحكومة، إلا أن ما سُمح لمكتب (دوج) برئاسة ماسك بفعله للالتفاف حول الكونغرس وتقويضه أدّى إلى توترات بين الكونغرس والبيت الأبيض».

وخير دليل على ذلك القرارات الجذرية التي اتخذها لإلغاء مرافق فيدرالية أسّسها الكونغرس من دون العودة إليه، ما فتح الباب أمام وابل من الدعاوى القضائية التي ستستمر حتى الانتخابات النصفية، مهددة طموحات الجمهوريين بالاحتفاظ بالأغلبية في المجلسين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


مقالات ذات صلة

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

قال الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب إن الدنمرك لم تتمكن من فعل أي شيء ‌لإبعاد "«التهديد ‌الروسي» ⁠عن ​غرينلاند، ‌مضيفا «حان الوقت لذلك الآن وسيتم».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية متظاهرون يشاركون في مسيرة دعماً لاحتجاجات الإيرانيين، في برلين الأحد (أ.ب)

الرئيس الإيراني يحذر من استهداف المرشد

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، من استهداف المرشد علي خامنئي، قائلاً إنه سيكون بمثابة إعلان حرب، وذلك غداة قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب «الوقت.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب) play-circle

الرئيس الإيراني: استهداف خامنئي إعلان «حرب شاملة ضد الشعب»

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، من أنّ أي هجوم على المرشد علي خامنئي سيكون بمثابة إعلان حرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
تحليل إخباري الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر السلام حول غزة الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة تقديراً ملحوظاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان أحدثها إشادته به في خطاب رسمي.

هشام المياني (القاهرة)

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قال الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب إن الدنمرك لم تتمكن من فعل أي شيء ‌لإبعاد "«التهديد ‌الروسي» ⁠عن ​غرينلاند، ‌مضيفا «حان الوقت لذلك الآن وسيتم».

أصر ترمب مرارا على أنه ⁠لن يرضى بأقل ‌من ‍ملكية ‍بلاده لغرينلاند، وهي إقليم ‍يتمتع بالحكم الذاتي تابع للدنمرك، في ​حين يصر قادة كل من الدنمرك ⁠وغرينلاند على أن الجزيرة ليست للبيع وليست هناك رغبة في أن تكون جزءا من الولايات ‌المتحدة.


تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟