في البيت أحسن... الطبخ المنزليّ يستعيد بريقه ويتحدّى «الدليفري»

مجموعة من أطباق كاتيا مسعود مؤسسة صفحة «Cooking Bel Beit» (إنستغرام)
مجموعة من أطباق كاتيا مسعود مؤسسة صفحة «Cooking Bel Beit» (إنستغرام)
TT

في البيت أحسن... الطبخ المنزليّ يستعيد بريقه ويتحدّى «الدليفري»

مجموعة من أطباق كاتيا مسعود مؤسسة صفحة «Cooking Bel Beit» (إنستغرام)
مجموعة من أطباق كاتيا مسعود مؤسسة صفحة «Cooking Bel Beit» (إنستغرام)

في زمن الجدّات، كان من البديهيّ أن تتوسّط مائدةَ الطعام يومياً طبخة صُنعت داخل البيت. لم يضطرّ مطبخ الجدّات إلى منافسة «الدليفري». غير أنّ الأكلات المنزليّة فقدت وهجها خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أمام سطوة الطعام الجاهز والوجبات السريعة.

أما حالياً وفي ظاهرة مستمرة منذ 4 سنوات تقريباً، فقد استرجع الطبخ في البيت بريقه، متحوّلاً إلى موضة. وعبر نوافذ «إنستغرام» و«تيك توك»، أطلّت أفواجٌ جديدة من ربّات المنزل اللاتي يحترفن الطهو، من دون أن يتنازلن عن شيءٍ من عصريّتهنّ وأناقتهنّ. وامتدّت العدوى إلى المشاهير، من سيلينا غوميز إلى ميغان ماركل، مروراً بباميلا أندرسون وغيرهنّ؛ فالكلّ يريد استعراض عضلاته المطبخيّة.

خاضت كلٌ من ميغان ماركل وسيلينا غوميز وباميلا أندرسون تجربة الطبخ في برامج تلفزيونية

خلفيّات موضة الطبخ في البيت

إضافةً إلى سطوة السوشيال ميديا التي أسهمت في تحويل الطبخ في البيت إلى «ترند»، لعب الوعي الصحيّ والعنصر الاقتصاديّ دوراً كذلك في استعادة الطهو المنزليّ رونقَه. وقد تزامنَ ذلك مع جائحة كورونا، حيث وجد الناس أنفسَهم أمام أفرانهم يعدّون أطباقهم بمفردهم ويستكشفون وصفاتٍ جديدة. شكّلت فترة الحَجر المنزليّ نقطة تحوّل في سلوكيّات الطبخ، ولا يبدو أنّ العادة المستجدّة ذاهبة إلى أفولٍ قريب.

استبَقت كاتيا مسعود الجائحة بسنتَين، وأطلقت صفحتها على «إنستغرام»، «Cooking Bel Beit» (الطبخ في البيت). وتؤكد في حديثٍ مع «الشرق الأوسط»، أنها لم تكن تطمح إلى أن تصبح مؤثّرة في مجال الطهو، لكن عندما أبدى ابنُها إعجابه بأحد أطباقها، واقترح عليها تصوير ما تحضّر لعائلتها وتأسيس صفحة، لم تمانع.

انطلقت تجربة كاتيا مسعود من كونها أمّاً اعتادت الطهو يومياً لعائلتها (الشرق الأوسط)

بعيداً عن عدد «اللايكات» والمُشاهدات التي بدأت تزداد مع الوقت، أرادت كاتيا أن تشارك المتابعين ما اعتادت أن تفعله منذ سنواتٍ طويلة. «لم يمرّ يوم من دون أن أطبخ لولديّ في البيت، وهذا أكثر ما أفتخر به، لا سيّما أنني حصّنتُهم بنظام أكل صحي». كاتيا مسعود ليست مجرّد صاحبة حساب طهو على «إنستغرام»، بل هي من مناصري الطبخ في البيت لفوائده الكثيرة.

أسباب صحية

وفق تقرير أعدّته شركة «ستاتيستا» العالميّة للإحصاءات، فإنّ غالبيّة جيل الألفيّة والجيل «زد» تيقّظت خلال السنوات القليلة الماضية، إلى خطورة المأكولات المصنّعة، واتّجهت إلى الطعام العضويّ والصحي، ما أحيا الطبخ المنزليّ. في السياق، تؤكّد مسعود أنّ «المكوّنات العضويّة من خضار وفاكهة وبقوليّات تحفّز على الطبخ في البيت».

لكن في زمن التطبيقات الهاتفيّة التي تسهّل طلب الطعام الجاهز، ما السبيل إلى إقناع الأولاد بتناول الطعام المنزليّ؟ وما الذي يضمن ألّا تُهدر كل تلك الأطباق الجميلة التي تُلهمها وسائل التواصل الاجتماعي؟

جيل الألفيّة والجيل زد يتّجهان إلى المكوّنات العضويّة والطعام المنزلي (صفحة Cooking Bel Beit)

تشدّد مسعود أوّلاً على أنّ «الولد يتبنّى ما يعتاد عليه منذ الصغر. فإذا اعتمدت الأمّ أسلوباً سلساً ومغرياً في تغذية أطفالها، حتماً سيصبح الطعام الصحي جزءاً من أسلوب عيشهم». وتضيف: «حتى الفاست فود مثل البرغر وناغتس الدجاج يمكن تحضيرها بطريقة صحية في البيت، وبالتالي يمكن تحويل الأكل السريع إلى أكل صحي. فبمجرّد أن تعرفي نوعيّة الزيت الذي تستخدمين في قلي البطاطا، ومصدر اللحم وأسلوب الشوي، هذا يكفي للتخفيف من أضرار الوجبات السريعة».

الفاست فود المصنوع في البيت طريقة ذكية لإقناع الأولاد بالطعام المنزلي (Cooking Bel Beit)

أسباب اقتصادية

مع الارتفاع العالمي لأسعار المواد الغذائية ووسط التضخّم الاقتصادي، ما عاد الطبخ في البيت مجرّد خيار وموضة، بل استراتيجيّة لتوفير المال. وقد أثبتت الأرقام أن إعداد الطبخة اليومية في المنزل أوفر بكثير من طلب الطعام الجاهز، أو الخروج إلى المطعم. إذ يتيح الطهو المنزليّ التحكّم بالمكوّنات وبالكميات، وبالتالي بالمال الذي يُنفَق على المأكولات. والاقتصاد في تكاليف الطعام لا يعني بالضرورة التنازل عن الابتكار والتنويع.

المجدّرة اللبنانية طبق صحي وغير مكلف (Cooking Bel Beit)

أسباب «سوشياليّة»

لا تنكر كاتيا مسعود «دور السوشيال ميديا في الترويج للأكل الصحي، وموجة المؤثرين الذين يطبخون أمام عيون المتابعين». لكنها توضح أنه لا يكفي التأثّر بهم من أجل الالتزام بالطبخ في البيت والاستمرار به، «بل يجب أن تكون ثمة رغبة حقيقية في ذلك».

وتعجّ منصات التواصل الاجتماعي، لا سيّما «تيك توك» و«إنستغرام»، بطبّاخي العصر الحديث. وبما أنّ العيون شاخصة في كل الأوقات على الشاشات، فكان لا بدّ من أن ينعكس ذلك على المتابعين الذين تشجّعوا على التجربة بدورهم. ومهما كانت الدوافع، تبقى النتيجة إيجابية بمجرّد أن يتّخذ الناس قرار الطبخ في البيت.

نصائح للمبتدئين

للراغبين بخوض تجربة الطبخ في البيت، توجّه كاتيا مسعود مجموعة من النصائح. «يجب التأكّد بدايةً من مصدر الوصفات. أحياناً تبدو الأكلات جميلة ولذيذة على السوشيال ميديا، لكن عندما تجرّبينها لا تنجح بسبب عدم الدقّة في المقادير». وتشدّد على أنّ المصدر الموثوق مهم جداً، كي لا تفشل التجربة ويُحبط الشخص، فلا يكرّرها.

تنصح مسعود كذلك بالبدء بالوصفات السهلة والبسيطة، «وبعد التمكّن منها، الانتقال إلى ما هو أصعب». تقترح البدء بإعداد أطباق كالدجاج مع الخضار أو السمك المشوي، إضافةً إلى الباستا على أنواعها.

للمبتدئين بالطهو المنزلي يُنصح الاختبار بأطباق الباستا على أنواعها (Cooking Bel Beit)

تتوجّه إلى السيّدات العاملات بنصيحةٍ أيضاً، وهي ألّا يتوهّمن بأنّ الطبخ في البيت يستغرق وقتاً طويلاً: «يكفي القليل من التنظيم، وتحضير المكوّنات بمقاديرها الدقيقة قبل البدء بالطهو، حتى يتبيّن ألّا ضرورة للمكوث ساعاتٍ في المطبخ».

منافع الطبخ في البيت

- يتيح التحكّم بالمكوّنات التي تدخل إلى الطعام.

- الأشخاص الذين يطبخون في البيت غالباً ما يتمتّعون بصحة جيّدة.

- يساعد في تناول كميات أقلّ من الطعام.

- تكلفته المالية أقل بكثير من البدائل الجاهزة.

- ينعكس هدوءاً وراحة نفسية.


مقالات ذات صلة

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

مذاقات سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات كيف تحوَّلت عربة «آيس كريم» صغيرة إلى وجهة لزوار الإسكندرية

كيف تحوَّلت عربة «آيس كريم» صغيرة إلى وجهة لزوار الإسكندرية

يكفي أن تقول إنك متجه إلى الإسكندرية، حتى تجد اسم «جيلاتي عزة» يتردد في معظم ترشيحات الطعام والمحال بالمدينة.

منى أبو النصر (الإسكندرية)
مذاقات «تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

لطالما كان الطعام أكثر من مجرد وسيلة لسدّ الجوع، فهو لغة تتجاوز الحدود، وتحمل في مكوناتها وطرق إعدادها قصص الشعوب وحكايات تواصلها عبر العصور.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

في زمن تتسارع فيه تقنيات الطهي وتتغير فيه أساليب إعداد الطعام، يحتفظ المطبخ اليمني بمكانته بوصفه أحد المطابخ العربية التي لا تزال متمسكة بجذورها وطرق تحضيرها

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

لم تعد بودروم مجرد مدينة ساحلية تركية تشتهر بشواطئها الفيروزية وحياتها الليلية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز الوجهات لعشاق فنون الطهي الفاخرة

جوسلين إيليا (لندن)

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

في اتساع السهول... عين لا تغفل عن القطيع (أ.ف.ب)
في اتساع السهول... عين لا تغفل عن القطيع (أ.ف.ب)
TT

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

في اتساع السهول... عين لا تغفل عن القطيع (أ.ف.ب)
في اتساع السهول... عين لا تغفل عن القطيع (أ.ف.ب)

في أحد أيام الصيف، ضلَّت أغنام الراعية المنغولية غانتشيميغ طريقها، واقتربت على نحو خطير من بحيرة مالحة، بعدما دفعها الجوع إلى البحث عن الطعام بعيداً، في ظلّ شحّ النباتات في المنطقة. عندها، انتاب غانتشيميغ رعب شديد خشية فقدان قطيعها.

وقالت غانتشيميغ لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» من أمام خيمتها التقليدية، المعروفة باسم «غير»، والمطلّة على الامتداد الفسيح لصحراء غوبي: «لو شربت الأغنام من تلك المياه أو وطأتها، لكان القطيع بأكمله قد هلك».

حتى الصحراء صار لها دليل (أ.ف.ب)

لكن بفضل تطبيق يساعد الرعاة على مواجهة المخاطر الناجمة عن التغيّرات المناخية في منغوليا، تمكّن زوجها من الوصول إلى الأغنام قبل أن تشرب من المياه المالحة.

وأوضحت غانتشيميغ، وهي أم لأربعة أطفال وتكتفي باسم واحد للتعريف بنفسها، على غرار سائر المنغوليين: «هرع زوجي بأقصى سرعة واعترض طريقها. لولا استخدام جهاز التتبّع عبر نظام تحديد المواقع لكنا فقدنا قطيعنا بالكامل».

ويقف الرعاة في الخطوط الأمامية لمواجهة تداعيات التغيّرات المناخية، والتصحّر، إذ تؤدّي هذه التغيّرات إلى ظواهر جوّية أشدّ قسوة، تشمل موجات برد قاتلة، وفترات جفاف، ممّا يفاقم أزمة التصحّر الناجمة عن الرعي الجائر.

وتتأثّر منغوليا، بمساحتها الشاسعة وكثافتها السكانية المنخفضة، على نحو غير متناسب بالتغيّرات المناخية الناتجة عن النشاط البشري، الأمر الذي يهدّد حياة السكان الرحّل، وثروتهم الحيوانية.

وفي هذا السياق، أوضح بيلغودي غانخولغ (26 عاماً)، مؤسِّس تطبيق «هونو» الذي تستخدمه غانتشيميغ، أن فكرة المبادرة راودته لمساعدة الرعاة عقب كوارث ظاهرة «الزود» المناخية عام 2024، وهي ظاهرة جوّية متطرّفة انخفضت خلالها درجات الحرارة إلى 45 درجة مئوية تحت الصفر.

وقال للوكالة: «نفق أكثر من 8 ملايين رأس من الماشية. رأيت بنفسي كثيراً من الرعاة يفقدون مصادر دخلهم، وسبل عيشهم في غضون أشهر فقط».

وأوضح أن اسم «هونو» يعني «الرحّالة القوي»، ويجسّد مهمة التطبيق المتمثّلة في تمكين الرعاة الرحّل من الاستفادة من التكنولوجيا.

ويتيح التطبيق للرعاة تتبّع ماشيتهم بواسطة جهاز يعمل بالطاقة الشمسية، ومزوّد بنظام لتحديد المواقع، ويُعلّق على جسد حيوان واحد في كلّ مجموعة، وهو إجراء كافٍ للقطعان التي تميل إلى التنقّل معاً عبر السهول الشاسعة.

ويتضمّن التطبيق أيضاً خاصية للطقس مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتوفّر تحديثات بشأن العواصف الترابية والثلجية القاتلة، التي باتت أكثر تكراراً في السنوات الأخيرة بفعل التغيّرات المناخية التي يؤكّد العلماء تفاقمها عالمياً.

عين الراعي تصل حيث لا تصل قدماه (أ.ف.ب)

ويجمع التطبيق معلومات قيّمة على خرائط توضّح عمق الثلوج، واتجاه الرياح، ورطوبة التربة، ومستويات الجفاف، ممّا يساعد الرعاة الرحّل على اتخاذ قرارات حاسمة بشأن وجهات تنقّلهم المقبلة.

التيه صار قابلاً للتعقّب (أ.ف.ب)

وكانت منغوليا قد استضافت الشهر الماضي محادثات بشأن الاتفاقية العالمية لمكافحة التصحّر (كوب 17).

واتفقت الدول المشاركة على تمويل استصلاح الأراضي، وتعزيز قدرة المناطق المتضرّرة من الجفاف على الصمود، وإنما المخاوف لا تزال قائمة بشأن النقص الحادّ في التمويل اللازم لمواجهة هذه المشكلة المتفاقمة.

وأعرب بيلغودي عن أمله في توسيع نطاق تطبيق «هونو» ليشمل دول وسط آسيا، مشيراً إلى أنه التقى، خلال مؤتمر «كوب 17»، رعاةً من تنزانيا، وأوروغواي، وأبدوا اهتمامهم بالتطبيق، ومؤكّداً أن المشكلات التي يواجهونها متشابهة إلى حدّ كبير.


قبل الاجتماعات الحاسمة… خطوتان تساعدانك على التألق

زيادة الاستعداد تمنحك قدرة أكبر على التصرف بصورة طبيعية وتلقائية في الاجتماعات المهمة (بيكسلز)
زيادة الاستعداد تمنحك قدرة أكبر على التصرف بصورة طبيعية وتلقائية في الاجتماعات المهمة (بيكسلز)
TT

قبل الاجتماعات الحاسمة… خطوتان تساعدانك على التألق

زيادة الاستعداد تمنحك قدرة أكبر على التصرف بصورة طبيعية وتلقائية في الاجتماعات المهمة (بيكسلز)
زيادة الاستعداد تمنحك قدرة أكبر على التصرف بصورة طبيعية وتلقائية في الاجتماعات المهمة (بيكسلز)

قبل أن تبدأ الاجتماعات الحاسمة، وتُفتح أبواب القاعات، وتلتقط الكاميرات لحظات المصافحة والابتسامات، تكون أهم القرارات قد بدأت في التشكل بعيداً عن الأنظار. فالنجاح في الاجتماعات المهمة لا يعتمد فقط على ما يقوله الشخص داخل القاعة، وإنما يبدأ من الطريقة التي يستعد بها لها، ومن التفاصيل التي يضعها في الحسبان قبل أن يجلس إلى الطاولة.

اليوم، حين يتبادل الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ التحية قبيل انعقاد قمتهما، ستلتقط الكاميرات مشهداً للمصافحة والابتسامة، وربما بياناً مشتركاً.

لكن ما لن تلتقطه الكاميرات هو أسابيع من التحضير التي جعلت تلك المصافحة ممكنة، بما في ذلك مجموعة من الخيارات الصغيرة، ولكن المؤثرة، التي اتُخذت قبل وقت طويل من دخول أي من الرجلين إلى القاعة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستقبل الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة في ولاية ماريلاند (أ.ف.ب)

ودرّست ليزلي جون، أستاذة التفاوض والاقتصاد السلوكي في كلية هارفارد للأعمال، هذه الموضوعات لأكثر من عقد من الزمان. ولا يشترط أن تكون رئيساً لدولة حتى تجد نفسك أمام اجتماع بالغ الأهمية؛ فسواء كان الأمر يتعلق بجلسة تقييم أداء مشحونة، أو عرض تقديمي حاسم أمام عميل، أو حتى نقاش عائلي حول المال، فإن المبادئ نفسها تظل قابلة للتطبيق.

وترى جون أن السر يكمن في التحضير، وتحديداً في نوعين منه، وفقاً لما كشفت عنه لشبكة «سي إن بي سي».

رتّب القاعة كما يخطط المخرج لحركة الممثلين في المشهد

قبل وقت طويل من هبوط طائرة الرئيس الصيني، سيكون هناك مَن قرر أين سيلتقي الزعيمان، ومن سيستضيف الآخر، وكيف ستُرتب القاعة.

وقد أظهرت أبحاث في مجال التفاوض وجود ما يُعرف بـ«ميزة الأرض»، أو ميزة اللعب على أرضك. فعندما يتفاوض الأشخاص في مساحتهم الخاصة، غالباً ما يكون أداؤهم أفضل من أداء الزوار، ويعود ذلك جزئياً إلى أن الألفة مع المكان تمنح شعوراً أكبر بالثقة.

ومع ذلك، فإن معظمنا لا يولي اهتماماً يُذكر للترتيب المادي للاجتماعات المهمة: أين نجلس؟ وهل توجد طاولة تفصل بيننا؟ وهل هي مستديرة أم مربعة؟ وغيرها من التفاصيل التي قد تبدو بسيطة، لكنها يمكن أن تؤثر في طبيعة التفاعل بين المشاركين.

ولفهم أهمية هذه التفاصيل، يمكن التفكير فيها بالطريقة التي يفكر بها المخرج عندما يخطط لحركة الممثلين داخل المشهد؛ فالتنسيق المكاني والحركي لا يحدد فقط أين يجلس الأشخاص ويتحركون، بل يمكن أن يؤثر أيضاً فيما يكونون مستعدين لقوله وكيفية تفاعلهم مع بعضهم بعضا.

توقف عن تحضير نقاط حديث جامدة... وجرّب هذا الأسلوب بدلاً منها

عند الاستعداد لاجتماع مهم، تنصح جون بالتركيز بدرجة أقل على ما ستقوله، وبدرجة أكبر على ما ستُسأل عنه. وبدلاً من إعداد قائمة من «نقاط الحديث»، تقترح إعداد «أجندة للتعلم»، أي قائمة بسيطة بالأمور التي ترغب في معرفتها من الطرف الآخر.

وهناك أربعة أمور رئيسية ينبغي أن تسعى إلى معرفتها:

- ما الذي تغير لديهم منذ آخر حديث بينكما؟

- ما الضغوط التي يواجهونها؟

- كيف تبدو النتيجة الجيدة من وجهة نظرهم؟

- ما الأمور الأكثر أهمية بالنسبة إليهم مقارنة بغيرها؟

وقد يفتح هذا النهج آفاقاً أوسع مما قد يبدو للوهلة الأولى؛ وذلك لأسباب عدة. فمن ناحية، هناك الفائدة الواضحة المتمثلة في أن الأسئلة تستخرج المعلومات، والمعلومات هي العنصر الأهم في أي تفاوض، أو «الملك» كما يُقال.

ومن ناحية أخرى، إذا كنت تميل إلى الإفراط في الحديث عن نفسك بدافع التوتر، فإن إعداد هذه الأسئلة مسبقاً يمنح طاقتك المتوترة منفذاً أكثر فائدة، بدلاً من تركها تقودك إلى الحديث لمجرد ملء الصمت.

وفي الأجواء التنافسية والمواقف عالية المخاطر، يمكن استخدام أي كلمة تنطق بها ضدك؛ لذلك، فإن طرح سؤال في الوقت المناسب يُعدّ وسيلة أكثر أماناً لتوجيه تلك الطاقة، مقارنة بالاندفاع في حديث جانبي عفوي وغير مدروس.

وهناك جانب آخر لهذا النوع من الاستعداد قد لا يحظى بالتقدير الكافي؛ فقد أظهرت عقود من الأبحاث حول «الإفصاح عن الذات» وبناء الثقة أن طرح الأسئلة يجعل الآخرين يميلون إليك ويثقون بك بدرجة أكبر، ويدفعهم بدورهم إلى الكشف عن المزيد من المعلومات. وهكذا تنشأ حلقة إيجابية ومثمرة يستفيد منها الطرفان.

ولا ينبغي أن تقتصر «أجندة التعلم» على الجوانب العملية أو المهنية فحسب؛ فأفضل الأجندات هي التي تتضمن أيضاً بعض الأسئلة غير الرسمية أو الطريفة، وربما حتى دعابة خفيفة؛ لأن ذلك يمكن أن يساعد في جعل التفاعل أكثر طبيعية وإنسانية.

وعندما تقوم بهذا النوع من التحضير، يحدث أمر أشبه بالسحر؛ إذ تتحرر من الانشغال بما ستقوله، وتصبح قادراً على توجيه كامل تركيزك إلى الاستماع، والبقاء حاضراً بذهنك، ومتابعة ما تسمعه، والاستجابة بعفوية كإنسان حقيقي، بدلاً من الاكتفاء بسرد نص أعددته مسبقاً.

والمفارقة هنا، أن زيادة الاستعداد تمنحك قدرة أكبر على التصرف بصورة طبيعية وتلقائية.


سور تحت مستشفى في باريس قد يحسم سرّ نشأة المدينة!

عشرون متراً تفتح ألفَي عام من الأسئلة (أ.ف.ب)
عشرون متراً تفتح ألفَي عام من الأسئلة (أ.ف.ب)
TT

سور تحت مستشفى في باريس قد يحسم سرّ نشأة المدينة!

عشرون متراً تفتح ألفَي عام من الأسئلة (أ.ف.ب)
عشرون متراً تفتح ألفَي عام من الأسئلة (أ.ف.ب)

قد يُعيد سور قديم اكتُشف في باريس رسم خريطة البدايات الأولى للعاصمة الفرنسية، بعدما أعلنت السلطات أنّ العثور عليه يمثّل «إنجازاً كبيراً» من شأنه الإسهام في حسم جدل أثري طويل بشأن موقع أول تجمّع سكاني في المدينة.

ووفق ما أوردته وسائل إعلام، من بينها صحيفة «الغارديان» البريطانية، أعلنت وزارة الثقافة الفرنسية اكتشاف سور يعود إلى الحقبة الغالو-رومانية، يمتدّ نحو 20 متراً، خلال أعمال تنقيب أُجريت هذا الصيف أسفل مستشفى في جزيرة إيل دو لا سيتيه، على مقربة من كاتدرائية نوتردام.

ويُعتقد أن السور، المشيَّد من الحجر والخشب، كان جزءاً من أسوار «لوتيسيا»، الاسم القديم لباريس، التي بنتها قبيلة «باريسي» الغالية، التي عاشت على ضفاف نهر السين خلال العصر الحديدي.

وتُعدّ جزيرة إيل دو لا سيتيه تقليدياً مركز «لوتيسيا»، وإنما نظرية أخرى، تدعمها بحوث أثرية، ترجّح أن موقعها الأصلي كان في نانتير، إحدى الضواحي الواقعة غرب العاصمة الفرنسية.

حجرٌ قد يدلّ على مهد مدينة (أ.ف.ب)

وقالت وزيرة الثقافة الفرنسية كاثرين بيغار، في بيان، إنّ «ما عُثر عليه قد يكون من بين أهم البقايا الأثرية المُكتَشفة على الإطلاق لفهم لـ(لوتيسيا) في زمن الغال»، واصفةً الاكتشاف بأنه «إنجاز كبير».

وأضافت أنّ «الحذر العلمي لا يزال يقتضي التحقّق من وظيفة هذا السور وتسلسله الزمني، لكن تقارب الأدلة لافت بصورة خاصة في هذه المرحلة».

ويعود أول ذكر لـ«لوتيسيا» إلى الكتاب السابع من مؤلَّف القائد الروماني يوليوس قيصر «حروب الغال»؛ إذ وصفها بأنها تقع على جزيرة في نهر السين، وتربطها جسور بضفّتَي النهر. وقد فتحت هذه الأوصاف، التي لم تكن حاسمة بما يكفي لتحديد موقعها، الباب أمام نظريات متعدّدة بشأن مكان المدينة القديمة.

ويحمل السور، الذي اكتُشف خلال أعمال التنقيب أسفل مستشفى «أوتيل ديو»، آثار حريق قد تتوافق مع رواية يوليوس قيصر عن إقدام الغال على إحراق مدينتهم قبل معركة «لوتيسيا» ضد الرومان.

وبحسب بيان وزارة الثقافة، تشير نتائج التأريخ بالكربون للمواد المتفحّمة إلى أنها تعود إلى المرحلة الممتدّة بين عامَي 200 و10 قبل الميلاد، وهي مرحلة تشمل المعركة التي وقعت عام 52 قبل الميلاد.

وتُعدّ جزيرة إيل دو لا سيتيه، التي تحتضن كاتدرائية نوتردام، أكبر جزيرة في نهر السين ضمن منطقة باريس، وقد أصبحت مركز مستوطنة «لوتيسيا» الرومانية.

تحت باريس... باريس أخرى تنتظر الاكتشاف (أ.ف.ب)

وبعد معاينته السور، الأربعاء، قال عمدة باريس إيمانويل غريغوار: «من المدهش أن تكون هنا وتكتشف ما يُرجّح أنه أصل مدينة باريس».

ولا يتجاوز ارتفاع السور متراً واحداً، وقد ظلّ مدفوناً على عمق أربعة أمتار في باحة مستشفى «أوتيل ديو»، أقدم مستشفيات العاصمة الفرنسية.

من جهتها، قالت منسّقة العمليات الأثرية في باريس لدى وزارة الثقافة، دوروثي شاوي ديريو: «كان جميع أسلافنا يحلمون بالعثور على آثار للوجود القديم للغال في إيل دو لا سيتيه».

وأضافت: «أُثيرت تكهّنات كثيرة بشأن هذا الموضوع، ونحن محظوظون لأننا في المكان المناسب والوقت المناسب»، مشيرةً إلى أن «هذا السور، المبني على الطراز الغالي، يكشف عن أسراره تدريجياً».