نحو الاستدامة البيئية… زراعة أكثر من 3.5 مليون شجرة في السعودية خلال عام

في إطار تحقيق مستهدفات «رؤية 2030»

أكثر من 975 هكتاراً من مدرجات زراعية في الجنوب الغربي للبلاد مؤهّلة ومجهزة بتقنيات حصر مياه الأمطار (الشرق الأوسط)
أكثر من 975 هكتاراً من مدرجات زراعية في الجنوب الغربي للبلاد مؤهّلة ومجهزة بتقنيات حصر مياه الأمطار (الشرق الأوسط)
TT

نحو الاستدامة البيئية… زراعة أكثر من 3.5 مليون شجرة في السعودية خلال عام

أكثر من 975 هكتاراً من مدرجات زراعية في الجنوب الغربي للبلاد مؤهّلة ومجهزة بتقنيات حصر مياه الأمطار (الشرق الأوسط)
أكثر من 975 هكتاراً من مدرجات زراعية في الجنوب الغربي للبلاد مؤهّلة ومجهزة بتقنيات حصر مياه الأمطار (الشرق الأوسط)

نفّذ «المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحّر» في السعودية، عدداً من المبادرات الرامية لتعزيز الإدارة المستدامة للغابات، وتحسين البيئة المحلية للسكان وتقليل المخاطر البيئية، ومن بينها الحرائق والانجرافات، وذلك في إطار تحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، حسبما أشار المركز.

وكشف المركز أنه تم خلال العام الماضي (2024)، زراعة أكثر من 3.5 مليون شجرة، وطرح مشاريع لزراعة 17 مليون شجرة، وتخصيص 340 موقعاً لمشاريعها المستقبلية لزراعتها بالغابات.

وشملت الجهود الهادفة لتعزيز الإدارة المستدامة للغابات إلى حماية وتأهيل 538 شجرة معمّرة، وتحديد أكثر من 10 مواقع للأشجار المعمّرة لتسجيلها في المنظّمات الدوليّة، إضافة إلى تحديد أكثر من 138 موقعاً للحد من انتشار الحشائش عن طريق الرّعي.

وتستهدف السعودية تحويل من 50 إلى 60 في المائة من مناطقها إلى غابات منتجة، وفقاً لحديث أميرة العبدلي، مديرة الغابات الاجتماعية في المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر لـ«الشرق الأوسط».

وكشفت العبدلي عن البدء في حصر الأشجار المعمِّرة بالسعودية، مضيفة: «استندنا في رحلتنا لحصر الأشجار المعمِّرة على معرفة المجتمعات المحلية بالأشجار الموجودة في المنطقة».

وحول عدد الأشجار التي تم حصرها تقول العبدلي: «خلال المرحلة الأولى، استطعنا حصر 383 موقعاً للأشجار المعمِّرة في مناطق عسير وجازان والباحة، ووضعنا عندها لوحات تعريفية، بالإضافة لعمل حماية لها، وتم الانتهاء من المرحلة الأولى بنسبة 100 في المائة».

أما المرحلة الثانية من الحصر، فأشارت العبدلي إلى أنها ستركِّز على إدارة الغابات، وتابعت: «نستهدف أن تكون لدينا قاعدة بيانات رقمية، بحيث يمكن معرفة موقع ومعلومات الشجرة عن طريق الإنترنت».

وبالسؤال عن مكان وجود أغلب الأشجار المعمِّرة في السعودية، أجابت بأن الغالبية منها «موجودة في الغابات الجبلية بالمنطقة الجنوبية، حيث رصدنا في جازان 208 شجرات معمَّرة، وفي عسير 80 شجرة، وفي الباحة 60 شجرة، وهذه الأرقام في ازدياد».

مساحة الغطاء النباتي المعاد تأهيله بنهاية عام 2023 بلغت 192.4 ألف هكتار (الشرق الأوسط)

وفي جانب المشاركة المجتمعيّة في تحقيق المستهدفات البيئية بهذا الخصوص، فتربط بين الأشجار المعمِّرة والغابات المنتجة للغذاء مشاركة المجتمعات المحلّية.

وكان المركز، قد وجّه دعوة لأفراد المجتمع المحلي للمشاركة في تحديد مواقع الأشجار المعمرة والنادرة؛ لإدراجها ضمن قاعدة بيانات مخصصة، وتأهيلها وفق معايير علمية عالية. ولفت إلى أن ذلك يأتي انطلاقاً من المسؤولية المشتركة نحو حماية ورعاية الغطاء النباتي، والحفاظ على الثروات الطبيعية للبلاد.

ورصدت «الشرق الأوسط» في مايو (أيار) الماضي، أرقاماً تبين مستوى التقدّم في مشاريع البيئة والطبيعة منذ إعلان «رؤية 2030»، شملت زراعة أكثر من 49 مليون شجرة في مختلف مناطق البلاد، وإعادة تأهيل أكثر من 118 ألف هكتار من أراضي الغطاء النباتي المتدهورة، بينما بلغ عدد النموّات الطبيعية 7.1 مليون في المناطق التي تم قياسها، وهو ما يُبرز تقدماً واضحاً نحو تعزيز واستدامة الغطاء النباتي في البلاد، علاوةً على أن 18.1 في المائة من المناطق البرية أصبحت محميّات طبيعية، و6.49 من المناطق البحرية أصبحت محميّات طبيعية، وتمت إعادة توطين 1660 حيواناً مهدّداً بالانقراض، بالإضافة إلى ولادة 7 من صغار النمر العربي على أرض السعودية.

ونتيجةً لهذا العمل، تظهر الأرقام أن مساحة الغطاء النباتي المعاد تأهيله بنهاية عام 2023، بلغت 192.4 ألف هكتار لتتجاوز الأرقام المستهدفة عند 69 ألف هكتار، بالإضافة إلى تأهيل وتجهيز أكثر من 975 هكتاراً من المدرجات الزراعية في الجنوب الغربي للبلاد بتقنيات حصر مياه الأمطار، فضلاً عن زراعة أكثر من 3 ملايين شتلة برية.

يشار إلى أن «المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر»، يواصل العمل على حماية مواقع الغطاء النباتي ومراقبتها، في السعودية، وتأهيل المتدهور منها، والكشف عن التعديات عليها، ومكافحة الاحتطاب، إضافة إلى الإشراف على إدارة أراضي المراعي، والغابات، والمتنزهات الوطنية وتوفير فرص استثمارها، بهدف تعزيز التنمية البيئية المستدامة، والوصول إلى غطاء نباتي مزدهر ومستدام.


مقالات ذات صلة

مصريون يتخوفون من تعمق أزمات القاهرة البيئية

يوميات الشرق جانب من أعمال التطوير في شارع جامعة الدول بالجيزة (الشرق الأوسط)

مصريون يتخوفون من تعمق أزمات القاهرة البيئية

سرعان ما عادت أزمة قطع الأشجار إلى الواجهة في مصر مع تصريحات حكومية بشأن «تعويض» الأشجار التي أزيلت من مناطق رئيسية في محافظة الجيزة.

منى أبو النصر (القاهرة )
بيئة حوت يسبح في المحيط الأطلسي (أ.ف.ب)

بفعل تغير المناخ... سطح المحيطات سجّل السبت متوسط حرارة قياسياً

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي، الاثنين، أن متوسط حرارة سطح المحيطات بلغ 21.1 درجة مئوية، السبت، مسجلاً رقماً قياسياً يومياً غير مسبوق، بفعل تغير المناخ.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

شهدت مناطق في أوروبا يقطنها 80 مليون نسمة حرارة تجاوزت 40 درجة لمرة واحدة على الأقل في الفترة بين 15 يونيو و15 أغسطس 2026.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق ﺗوﺛﻖ عدسة اﻟﻣﻔﺗﺷﺔ اﻟﺑﺣرﯾﺔ ﺳﻠﻣﻰ ﻋزﯾز اﻟﻘﺻﯾراﻟدوﻟﻔﯾن اﻟدوار ﻓﻲ ﻣﯾﺎه اﻟﺑﺣر اﻷﺣﻣر اﻟواﻗﻌﺔ ﺿﻣن ﻧطﺎق المحمية (خاص)

الدلافين الدوارة والنعام أحمر الرقبة من خلال عدسات سعودية

من بين المشاهد التي وثَّقتها عدسات العاملين، الدلافين الدوارة في مياه البحر الأحمر، ومواقع تعشيش السلاحف، ومشروع إعادة توطين النعام أحمر الرقبة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
بيئة إعادة توطين أربعة أفراد من النوع في محمية نيوم الطبيعية (المركز)

محميّة نيوم الطبيعية تشهد أولى ولادات الضبع المخطّط

وثّق المركز السعودي لتنمية الحياة الفطرية بالتعاون مع «نيوم» أولى ولادات الضبع المخطط بعد إعادة توطين أربعة أفراد من النوع بمحمية نيوم الطبيعية.


مادة مبتكرة تكشف تزوير العملات وجوازات السفر

المادة المبتكرة تتميز بقدرتها على تغيير لونها في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة (جامعة توركو)
المادة المبتكرة تتميز بقدرتها على تغيير لونها في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة (جامعة توركو)
TT

مادة مبتكرة تكشف تزوير العملات وجوازات السفر

المادة المبتكرة تتميز بقدرتها على تغيير لونها في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة (جامعة توركو)
المادة المبتكرة تتميز بقدرتها على تغيير لونها في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة (جامعة توركو)

طوّر باحثون من جامعة توركو في فنلندا مادة مبتكرة قالوا إنها قد تمهّد لتطوير علامات أمنية غير مرئية لمكافحة تزوير العملات وجوازات السفر والوثائق الرسمية.

وأوضح الباحثون أن المادة تتميز بقدرتها على تغيير لونها في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة، من دون أن يكون هذا التغير مرئياً للعين البشرية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Angewandte Chemie International Edition».

وتُعرف المادة الجديدة باسم «دافاين»، وهي معدن ينتمي إلى عائلة الكانكرينيت، اكتشفه الباحثون خلال دراسة خصائص معدن الهاكمانيت المعروف بقدرته على تغيير لونه عند تعرضه للأشعة فوق البنفسجية.

ويتحول الهاكمانيت عادة من الأبيض إلى الوردي أو البنفسجي عند تعرضه للأشعة فوق البنفسجية، ثم يعود إلى لونه الأصلي بعد تعرضه للضوء الأبيض لفترة مناسبة أو عند تسخينه إلى نحو 100 درجة مئوية، لكن الباحثين لاحظوا في أثناء تجاربهم أن إدخال الكالسيوم بدلاً من الصوديوم أدى إلى سلوك مختلف؛ إذ تحولت بعض العينات إلى اللون الأصفر، بينما لم يظهر على عينات أخرى أي تغير يمكن رؤيته بالعين، رغم حدوث تغيرات في خصائصها الضوئية.

وبمزيد من الدراسة، تبين أن المادة المسؤولة عن هذه الظاهرة هي «دافاين»، التي يتغير لونها في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة، وهو نطاق غير مرئي للعين البشرية. ورغم امتلاك «دافاين» وهاكمانيت الكالسيوم الصيغة الكيميائية نفسها، فإنهما يختلفان في ترتيب الذرات داخل بنيتهما البلورية، وفق النتائج. وتتميز بنية «دافاين» بوجود أنفاق طويلة وفارغة، في حين يحتوي الهاكمانيت على تجاويف مختلفة.

وكان إنتاج «دافاين» النقي تحدياً أمام الباحثين في البداية؛ إذ كان التوازن الكيميائي يميل إلى تكوين هاكمانيت الكالسيوم بدلاً منها؛ لذلك عمل الفريق على تحسين عملية التصنيع بالتعاون مع باحثين في هندسة المواد، والاستعانة أيضاً بأساليب التعلم الآلي، حتى تمكن من إنتاج أنقى صورة ممكنة من المادة.

ولم يكن الباحثون يعرفون في البداية السبب الدقيق وراء تغير خصائص «دافاين» عند تعرضها للضوء، لكنهم افترضوا أن الآلية قد تكون مشابهة لما يحدث في الهاكمانيت، وأظهرت الدراسة أن آلية تغير اللون متشابهة بالفعل في المادتين، رغم اختلاف بنيتهما، فعند تعرض «دافاين» للضوء، يحدث انتقال لإلكترون من أيون محدد إلى فجوة مرتبطة بالكلور داخل البنية البلورية؛ ما يغير طريقة تفاعل المادة مع الضوء، ويؤدي إلى استجابة لونية في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة. ومن ثم، تظل المادة بيضاء ظاهرياً، ولا يستطيع الإنسان ملاحظة التغير، بينما يمكن رصده باستخدام مطياف أو كاميرا حساسة للأشعة تحت الحمراء.

واختبر الباحثون إمكانية استخدام هذه الخاصية في تطوير علامات أمنية غير مرئية، باستخدام كاميرا منخفضة التكلفة أزيلت منها مرشحات اكتشاف الألوان، بحيث أصبح مستشعر السيليكون قادراً على التقاط نطاق الأطوال الموجية المناسب لـ«دافاين». وأظهرت الاختبارات إمكانية اكتشاف تغير المادة بوضوح تحت الأشعة تحت الحمراء بعد ضبط حساسية الكاميرا.

ووفق الباحثين، تفتح هذه الخاصية المجال، من حيث المبدأ، لاستخدام «دافاين» في إنشاء علامات أمنية لا تظهر بالعين المجردة على العملات أو جوازات السفر أو الوثائق الرسمية، ويمكن للجهات المختصة التحقق من وجود العلامة باستخدام كاميرا أو جهاز حساس للأشعة تحت الحمراء.


غورفيندر سينغ: «رحمة» يتحدى سرديات الانتقام والكراهية

ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)
TT

غورفيندر سينغ: «رحمة» يتحدى سرديات الانتقام والكراهية

ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي غورفيندر سينغ إن اختياره الرحمة، بدلاً من الانتقام، لتكون القوة العاطفية المحركة لفيلمه «رحمة» (Rehmat)، جاء رغبة في تحدي السرديات التي تقدمها أفلام كثيرة تتناول الانتقام وتغلفه بالأفكار القومية والدينية، مشيراً إلى أن الرحمة تمثل بالنسبة إليه طريقة لمواجهة هذه السرديات وإعادة الاعتبار لقيم إنسانية قديمة.

وأوضح سينغ في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن إقليم «البنجاب» كان دائماً جزءاً من ثقافة توفيقية تعايشت فيها الديانات، مشيراً إلى أن الحكم الاستعماري البريطاني الذي أدَّى إلى تقسيم المنطقة عام 1947 على أسس دينية غيَّر ذلك الواقع بصورة جذرية، لكن آثار الماضي المتسامح لا تزال حاضرة، مؤكداً أن استقبال الغرباء يمثل جزءاً من هذا الإرث.

وتدور أحداث «رحمة» في «البنجاب» بالهند، من خلال ثلاث حكايات مترابطة؛ الأولى عن امرأة تخفي رجلاً غريباً مصاباً داخل منزلها، بينما تواجه عائلته الحزن واختيارات صعبة، والثانية عن أسرة تعيش تحت وطأة اختفاء أحد أفرادها، أما الحكاية الثالثة فتدور حول رجل مسن غامض، وشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في المسابقة الدولية الرئيسية للدورة الـ79 من مهرجان «لوكارنو السينمائي» في نسخته الماضية.

وظَّف المخرج الموسيقي التصويرية بشكل مختلف في الأحداث (الشركة المنتجة)

وقال سينغ إنه يتعمد عدم تقسيم شخصياته إلى أبطال وأشرار، ويرفض رؤية العالم باعتباره أبيض وأسود قدر الإمكان، خصوصاً في ظل الآيديولوجيات القائمة على الانقسام والكراهية، مشيراً إلى أن «صعود التعصب في الهند وأجزاء أخرى من العالم يمثل نتيجة لهذه الحالة، لأن الإنسان يعيش دائماً في حالة من الالتباس بشأن ما هو صواب وما هو خطأ، وهذا الالتباس يرتبط أيضاً بالتعاطف»، على حد تعبيره.

المخرج الهندي غورفيندر سينغ (الشركة المنتجة)

وأضاف المخرج أن مهمته لا تتمثل في تقديم إجابات أخلاقية جاهزة للجمهور، بل في وضع الشخصيات داخل مواقف تضطرها إلى اتخاذ قرارات قد تبدو محيرة له وللمشاهد معاً، موضحاً أن «المشكلة في الأخلاق تقسم العالم إلى الصواب والخطأ، والخير والشر، والطيب والشرير، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً من هذه الثنائية، ومن ثم لا يفرض الفيلم أحكاماً أخلاقية على الشخصيات وأفعالها».

وقال سينغ إن «رحمة» يتحدث عن الفقد، لكنه لا يتخلى عن الأمل، لأن الأمل هو ما يساعد الناس على الاستمرار مهما كانت قسوة حياتهم، لافتاً إلى أن «تقديم المشاعر، سواء كانت الخسارة أو الأمل، بصورة عاطفية مبالغ فيها يمثل مشكلة، لأنه يمنع المشاهد من الوصول بنفسه إلى إحساسه تجاه الحدث، ووضع الأشياء والمشاعر في حالة من المقابلة يساعد على استحضار المشاعر بصورة أكثر صدقاً»، على حد تعبيره.

وعن اختيار عنوان «رحمة» بدلاً من إطلاق اسم إحدى الشخصيات على الفيلم، قال غورفيندر سينغ إن «العمل لا يدور حول شخصية واحدة، وأفلامي عموماً لا تتمحور حول فرد واحد، فلا أستطيع تقديم الصورة الكاملة من منظور شخص واحد، والحكاية في (رحمة) تتوزع بين شخصيات وتجارب وذكريات تتقاطع مع بعضها البعض».

وأرجع اختياره سرد ثلاث حكايات مترابطة بدلاً من متابعة بطل واحد إلى رغبته في التخلص من فكرة الخطية التقليدية للحبكة لأن مجموعات مختلفة من الشخصيات تصبح مهمة في أوقات مختلفة من الفيلم، تاركة وراءها ذكرياتها وآثارها التي تتداخل مع الحاضر.

عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان لوكارنو (الشركة المنتجة)

وحول حضور الماضي بشكل مستمر داخل الحاضر في «رحمة»، قال المخرج إن «الماضي هو الحدث السابق في أي حكاية، لكنه يظل يترك آثاره وانطباعاته على الحاضر، والأماكن التي يعيش فيها الأشخاص تستحضر قرابة قرن ونصف القرن من تاريخ البنجاب، ولذلك لم يتعامل مع العمارة باعتبارها مجرد خلفية للأحداث، وإنما جعلها سرداً موازياً لما يحدث أمام الكاميرا، بحيث تحمل الجدران والأبنية ذاكرة المكان مثلما تحملها الشخصيات».

وأوضح سينغ أن «الفيلم ينتقل بين طبقات معمارية وزمنية مختلفة، بدءاً من منزل حضري معاصر للطبقة الوسطى، مروراً بمنزل ريفي في البنجاب يعود إلى مرحلة ما بعد التقسيم، ثم منزل يعود إلى ما قبل التقسيم، وصولاً إلى مبنى مدرسة من القرن التاسع عشر بناه المستعمرون، معتبراً أن هذه الطبقات تنكشف واحدة تلو الأخرى، وأن الأماكن تسكن الفيلم مثل الشخصيات، وتحكي قصتها الخاصة».

تناول الفيلم جوانب إنسانية في حياة أبطاله (الشركة المنتجة)

وعن عودة رشيد علي إلى المكان الذي ولد فيه، وما إذا كان الوطن يتحول في لحظة ما من مكان إلى ذاكرة، قال سينغ إن «الإجابة صعبة بالنسبة إليه لأنه لم يعش تجربة التهجير شخصياً، وهي تجربة عاشها جيل أجداده»، مشيراً إلى أن الوطن الذي تركه أجداده، في الجزء الغربي من «البنجاب» الذي أصبح الآن في باكستان، كان بالنسبة لهم ماضياً مريراً، لطخته ذكريات المجازر الطائفية التي شهدوها عام 1947، ولذلك لم يكن استحضاره مرتبطاً بالحنين أو تمجيد الماضي.

وكشف سينغ أن اختيار اسم «رحمة» جاء نتيجة مصادفة غريبة أثناء التصوير، عندما غنت مجموعة من النساء في الفيلم أغنية دينية، لم يكُنَّ يعرفن مسبقاً ماذا سيغنين، موضحاً أن الأغنية كانت تتحدث عن الرحمة والأمل، فوجد نفسه أمام العنوان الذي كان يبحث عنه من دون أن يدرك ذلك، وحدث ذلك في منتصف التصوير.

وعن عدم اعتماده على موسيقى تصويرية تقليدية، قال سينغ إن موسيقى الخلفية تمثل عنصراً خارجياً يُستخدم عادة للتأكيد على الصوت والصورة أو تعزيز تأثيرهما، ولذلك لا يعتبرها جزءاً أصيلاً من فن السينما.

وأكَّد أن «رحمة» كان مختلفاً منذ مرحلة الكتابة، لأنه كان مقتنعاً منذ البداية بأنه لن يعتمد على موسيقى تصويرية في الخلفية، بحيث لا تأتي الأغاني من خارج التجربة السينمائية، وإنما تصبح جزءاً من الدراما وشخصياتها وحياتها اليومية.


ذاكرة الماء... نساء يُعِدن تشكيل وجه «البندقية»

تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
TT

ذاكرة الماء... نساء يُعِدن تشكيل وجه «البندقية»

تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)

تبدو البندقية، تلك المدينة المعلقة فوق الماء، للوهلة الأولى كأنها عصية على التغيير. مدينة تنتمي إلى الماضي بقدر ما تنتمي إلى الحاضر، وتواصل تغذية خيال ملايين الزوار القادمين إليها من مختلف أنحاء العالم. غير أن المدينة التي تبدو ثابتة خارج الزمن تتغير في الواقع باستمرار، وإن كان تغيرها يجري ببطء وتحت السطح، مثل المياه التي تحملها، حسب صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لطالما ارتبط اسم البندقية بفكرة الخلود والثبات. مدينة لا تتغير، أو هكذا تبدو، لكن خلف هذه الصورة الحالمة تواجه البندقية واقعاً أكثر هشاشة وتعقيداً. فارتفاع مستوى سطح البحر، وتقلبات المد والجزر التي أصبحت أكثر صعوبة في التنبؤ بها، يُعيدان تشكيل البحيرة، ويهددان التوازن الدقيق الذي تقوم عليه المدينة.

وفي الداخل، تضغط السياحة الجماعية على نسيج الحياة اليومية. منازل تتحول إلى مساكن للإيجار قصير الأجل، ومتاجر وخدمات محلية تفسح المجال أمام أنشطة موجهة إلى الزوّار، فيما يواصل السكان مغادرة المركز التاريخي للمدينة. ومع رحيلهم، تشغل السياحة المساحات التي يتركونها وراءهم، لتصبح فينيسيا أمام مفارقة واضحة: السياحة نتيجة التحول الذي تشهده المدينة، وسبب له في الوقت نفسه.

لكن بعيداً عن قصتي السياحة المفرطة والتغير المناخي، تجري في البندقية عملية تحول أكثر هدوءاً، تتعلق بمن يملك الحق في استخدام فضائها العام، ومن يحق له أن يكون جزءاً من هويتها.

حين يكون الماء هو الشارع

تقوم البندقية على شبكة من نحو 150 قناة صالحة للملاحة، وهي ليست مجرد ممرات مائية خلابة، بل شوارع المدينة الفعلية، فعبرها ينتقل السكان، وتتحرك الأعمال، وتدور تفاصيل الحياة اليومية.

وعلى مدى قرون، كان هذا الفضاء تحكمه قواعد واضحة، وأعراف غير مكتوبة، أبقت النساء إلى حد كبير بعيداً عنه.

فكما تعرضت النساء في مدن كثيرة للتهميش داخل الفضاء العام والشوارع، واجهن في البندقية شكلاً مشابهاً من الإقصاء، لكن في الماء هذه المرة.

لم يكن حضورهن مألوفاً في قيادة القوارب، أو في مهن مثل قيادة الجندول والقوارب التقليدية، أو في صناعة القوارب، ولا في مسابقات التجديف.

غير أن هذا الواقع بدأ يتغير.

وتروي القصص التي يجمعها هذا المشروع كيف تستعيد نساء البندقية هذا الفضاء من خلال التقاليد نفسها، فهن لا يقطعن صلتهن بالماضي، بل يستندن إليه؛ يحملن مهارات ومهناً شكلت جزءاً من هوية المدينة لقرون، ثم يعِدن تقديمها من منظور جديد.

أول امرأة تقود الجندول

في عام 2010، أصبحت جورجيا بوسكولو أول امرأة تحصل على رخصة لقيادة الجندول في البندقية، منهية بذلك حاجزاً مهنياً استمر قروناً، وممهدة الطريق أمام نساء أخريات.

ومع ذلك، لا تزال النساء العاملات في هذه المهنة قلة. ووفقاً لزملائهن من سائقي الجندول، يمكن عدّ العاملات فعلياً في المهنة على أصابع اليدين، رغم أن عدداً أكبر من النساء اجتزن اختبارات التأهيل خلال السنوات الأخيرة.

وتضم البندقية نحو 440 سائق جندول مرخصاً، إضافة إلى نحو 200 سائق بديل؛ وهم أشخاص مؤهلون اجتازوا الاختبارات المطلوبة، لكنهم لم يحصلوا بعد على رخصتهم الخاصة.

امرأة وحيدة بين «الساندوليستي»

ولا تقتصر عودة النساء إلى مياه البندقية على الجندول، فهناك أيضاً مهنة «الساندوليستا»، وهي قيادة قارب «ساندولو»، أحد القوارب الفينيسية التقليدية ذات القاع المسطح، والذي كان يستخدم على نطاق واسع في الماضي للتنقل اليومي عبر البحيرة.

واليوم، لم يتبقَّ من العاملين في هذه المهنة سوى نحو 20 شخصاً، بينهم امرأة واحدة فقط: كيارا كورتو.

أما في أحواض بناء القوارب التقليدية المتبقية في المدينة، والمعروفة باسم «سكويري»، فتتولى سيلفيا سكاراموتسا دوراً نادراً للغاية؛ فهي المرأة الوحيدة التي تحمل لقب «مايسترا داسيا»، أي خبيرة صناعة القوارب الخشبية وبنائها وإصلاحها.

«فتيات بأقصى سرعة»

وفي الوقت الذي تدخل فيه بعض النساء إلى المهن التقليدية، تعمل أخريات على فتح أبواب جديدة.

في عام 2020، أسست مارتا كانينو مبادرة «Fie a Manetta»، وهو اسم يمكن ترجمته تقريباً إلى «فتيات بأقصى سرعة»، في إشارة إلى النساء اللاتي يتولين قيادة القوارب.

وتُعد المبادرة أول مدرسة، ولا تزال الوحيدة، لتعليم قيادة القوارب ذات المحركات في البندقية، تديرها نساء وتفتح أبوابها أمام الجميع.

ولدت الفكرة من إدراك كانينو أن عالم الملاحة لا يزال إلى حد كبير مجالاً يُهيمن عليه الرجال.

وتقول كانينو: «يا فتيات، علينا أن نبدأ التعرف بعضنا إلى بعض، ومنح دورنا في هذه المدينة قيمة اجتماعية ووزناً سياسياً».

إعادة تعريف المدينة من الماء

لا تدخل النساء إلى مياه البندقية عبر شعارات كبيرة أو حملات صاخبة. يحدث الأمر في كثير من الأحيان بهدوء، من خلال العمل والممارسة اليومية.

امرأة تقود جندولاً، وأخرى تجدّف بقارب تقليدي، وثالثة تبني القوارب، وأخريات يتعلمن قيادة القوارب ذات المحركات.

قد تبدو هذه الممارسات، كل واحدة منها على حدة، مجرد استثناءات محدودة في مدينة عريقة تحكمها تقاليد راسخة، لكنها، مجتمعة، تكشف عن تحول أعمق.

فالنساء لا يكتفين بدخول فضاء كان مغلقاً أمامهن طويلاً؛ إنهن يشاركن في إعادة تعريف هذا الفضاء نفسه.

وفي مدينة يكون فيها الماء شارعاً، يصبح وجود النساء على الماء أكثر من مجرد ممارسة لمهنة أو مهارة؛ إنه استعادة لجزء من المجال العام، وإعادة رسم لعلاقة المدينة بسكانها، ولصورة البندقية التي يحملها العالم عنها.

وهكذا، في حين تتغير البندقية بفعل ارتفاع المياه والسياحة وضغوط العصر، تتغير أيضاً من الداخل بفضل نساء يخضن مياهها، ويحملن تقاليدها إلى مستقبل مختلف.