رسائل بارجة الأسطول السادس الأميركي لفرقاء ليبيا

رست في طرابلس ساعات عدة واتجهت إلى بنغازي

عسكريون بغرب ليبيا يرحبون بقائد الأسطول السادس للبحرية الأميركية (السفارة الأميركية)
عسكريون بغرب ليبيا يرحبون بقائد الأسطول السادس للبحرية الأميركية (السفارة الأميركية)
TT

رسائل بارجة الأسطول السادس الأميركي لفرقاء ليبيا

عسكريون بغرب ليبيا يرحبون بقائد الأسطول السادس للبحرية الأميركية (السفارة الأميركية)
عسكريون بغرب ليبيا يرحبون بقائد الأسطول السادس للبحرية الأميركية (السفارة الأميركية)

رست البارجة الحربية الأميركية «ماونت ويتني» عدة ساعات في ميناء الشعّاب بالعاصمة طرابلس، قبل أن تنطلق إلى بنغازي مخلّفة حالة من الاعتراض والغضب بين أطياف ليبية، كان من بينها أنصار نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

والبارجة التي أتت ليبيا، الأحد، بعد توقفها في تونس، حملت وفداً عسكرياً رفيعاً ضم قائد الأسطول السادس للبحرية الأميركية «جي تي أندرسون»، والمبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا، ريتشارد نورلاند، والقائم بالأعمال في سفارة الولايات المتحدة لدى ليبيا، جيريمي برنت.

وأثارت زيارة البارجة المفاجئة أسئلة عديدة في أذهان كثير من الليبيين حول المغزى وراء إبحارها إلى البلاد، واستعاد بعضهم «ذكريات سيئة» لمشاركة الأسطول السادس في ضربات عسكرية سابقة على بلدهم.

البارجة الأميركية «ماونت ويتني» لدى وصولها طرابلس (السفارة الأميركية)

ولخَّصت السفارة الأميركية مهمة الوفد العسكري الذي جاء محمولاً على البارجة بأنها تتمثل في مناقشة سبل التعاون الأمني بين البلدين، وتعزيز الأمن الإقليمي، والتأكيد على دعم وحدة ليبيا. لكن سياسيين عديدين لم تُشبعهم مثل هذه الإفادة المقتضبة وذهبوا إلى تفسيرات أبعد، بعضها يتعلق بـ«كرامة» ليبيا و«سيادتها».

الناتو والقذافي

وتوالت انتقادات أنصار القذافي على قدوم «ماونت ويتني»، وعدُّوها زيارة «استفزازية» تُذكّرهم بتاريخ «الأسطول السادس» في قصف ليبيا من قبل، بالإضافة إلى مشاركة بوارج حلف شمال الأطلسي (الناتو) في إسقاط نظام القذافي عام 2011.

ويقول الكاتب والأكاديمي الليبي الموالي للنظام السابق، مصطفى الفيتوري، في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «ما زلنا نتذكر استفزازات الأسطول السادس في ليبيا».

ويرى الفيتوري أن هذه البارجة كانت المركز الرئيسي لقيادة العمليات ضد بلده عام 2011، وطالب العسكريين الليبيين الذين استقبلوا من أسماهم بـ«الغزاة» بالاعتذار لمواطنيهم الذين قال إنه سقط منهم العديد من المدنيين قتلى وجرحى خلال القصف.

ومع مغادرة البارجة إلى بنغازي، توالت أيضاً التحليلات لمحاولة فك شفرات رسائلها، فذهب البعض إلى أنها تحمل «ترغيباً وترهيباً» فيما يتعلق بضرورة المسارعة في الوصول لحل سياسي يفضي إلى دعم جهود توحيد الجيش المنقسم، فضلاً عن التأكيد على دور أميركي «أكثر فاعلية» في مواجهة تصاعد النفوذ الروسي في البلاد.

وقال الدكتور موسى إبراهيم، عضو فريق «المصالحة الوطنية» الممثل لسيف الإسلام القذافي، إن الأسطول السادس «ليس جهازاً خيرياً؛ فهو الذي قصف ليبيا في 1986، وقتل مواطنين مدنيين في طرابلس وبنغازي».

ويرى إبراهيم أن أميركا «لم تأتِ لحماية ليبيا»؛ لكنها جاءت «لتسيطر، وتراقب، وتعيد رسم المشهد بما يخدم مصالحها» ومصالح إسرائيل. وقال: «هذا الأسطول شارك في العدوان على ليبيا عام 2011، ودمّر بنيتنا التحتية، ودَعَم الميليشيات، وأسقط الدولة».

واستند إبراهيم في غضبه إلى دور الأسطول السادس في دعم إسرائيل ومساندته «في جرائمها بغزة وفلسطين»، بحسب قوله، إلى جانب توفير «غطاء عسكري» لها في البحر المتوسط.

مشروع «موحد»

لكن أمام من يربط بين قدوم الوفد الأميركي على متن بارجة حربية وما يحمله هذا من رسائل في مواجهة تصاعد النفوذ الروسي في ليبيا، هناك من يشير إلى الحراك الدبلوماسي الأميركي المتسارع، فضلاً عن الحديث عن «مبادرة أميركية قريبة».

وسبق أن صرَّح سعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون الأفريقية والشرق أوسطية، لوسائل إعلام عربية، بأن الإدارة الأميركية تعمل على «مشروع موحد» يشمل جميع الفرقاء.

اجتماع مسؤولين بغرب ليبيا مع مسؤولين أميركيين بطرابلس على متن البارجة (السفارة الأميركية في ليبيا)

وشوهد على ظهر البارجة، وهي في الشعّاب، زمرة من سلطات طرابلس العسكرية والأمنية والسياسية، ضمت رئيس الأركان العامة الفريق أول محمد الحداد، وعضو المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، والمكلَّف بتسيير وزارة الخارجية الطاهر الباعور، وإبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة.

وفسّر كثيرون من مناوئي سلطات طرابلس هذا الحضور اللافت من قياداتها على البارجة على أنه استدعاء أميركي «لسلطات الدولة»، ما دفع البعض لتوجيه انتقادات لاذعة لحكومة الدبيبة، فيما يلتقي الوفد الأميركي لاحقاً قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

رسم خريطة ليبيا

ومع تصاعد نبرة «انتهاك السيادة» الليبية، قال علي رحومة السباعي، عضو مجلس النواب الليبي، في منشور عبر حسابه على «فيسبوك»: «الحاكم الفعلي أرسى مراكبه في بلدنا»، وزاد: «هذه حقيقة ونقطة بداية للسير نحو استعادة سيادة ليبيا».

وأضاف: «كل الواجهات السياسية التي ظهرت في بلادنا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى الآن هي أدوات للتحكم بيد الحاكم الفعلي»؛ وانتهى إلى قول: «لو أدرك الليبيون بيد من سيادة بلدهم، لكانت نقطة انطلاق لتوحيد جهودهم والنهوض بليبيا».

حفتر مستقبلاً وفداً أميركياً تتقدمه مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باربرا آي ليف في لقاء سابق (القيادة العامة)

ويرى متابعون أن واشنطن وموسكو تكثفان من وجودهما وتحركاتهما على الساحة الليبية سعياً لحلحلة الأزمة السياسية المعقّدة، لكن هذه المساعي تصطدم بمخاوف بعض من يرونها مجرد «حرب باردة على توسيع النفوذ».

وقد اتسعت الساحة الليبية، منذ رحيل النظام السابق، لكثير من الأطراف والأقطاب الدولية المتنافرة والمتعارضة سياسياً، وبات جميعها - بما في ذلك أميركا وروسيا - يعمل، بحسب متابعين، على «رسم خريطة ليبيا على نحو يخدم مصالحها الاستراتيجية».

وتعزز موسكو من وجودها المدعوم من حفتر، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. وتشير بعض التقارير إلى أن روسيا نقلت قواتٍ وعتاداً عسكرياً إلى مناطق في شرق ليبيا وجنوبها، ما يزيد من منسوب القلق محلياً ودولياً.

مروحية أميركية على متن البارجة «ماونت ويتني» (السفارة الأميركية)

وكانت إدارة الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، قد أطلقت «الاستراتيجية العشرية»، وهي خطة قيل حينها إنها تهدف إلى منع الصراع وتعزيز الاستقرار في دول عدة، من بينها ليبيا، لكنها إلى الآن لم ترَ النور، على الأقل في ليبيا.


مقالات ذات صلة

الجيش الأميركي يعلن إطلاق النار على سفينة حاولت خرق حصار الموانئ الإيرانية

شؤون إقليمية سفن تعبر مضيق «هرمز» قبالة بندر عباس جنوب إيران (أ.ف.ب)

الجيش الأميركي يعلن إطلاق النار على سفينة حاولت خرق حصار الموانئ الإيرانية

أعلن الجيش الأميركي، الثلاثاء، أنه أطلق النار على سفينة ترفع علم بنما كانت تحاول الاقتراب من ميناء إيراني، في خرق للحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شبه جزيرة مسندم العُمانية في ظل استمرار المفاوضات بشأن ترتيبات جديدة لإدارة الممر الملاحي الاستراتيجي (رويترز) p-circle

إيران: قريبون من اتفاق بشأن مضيق هرمز لكنه ليس كافياً لفتحه

قالت إيران إن التوصل إلى اتفاق مع سلطنة عمان بشأن السيطرة على مضيق هرمز أصبح قريباً، لكنه لن يكون كافياً ​لفتح الممر المائي.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية أحد عناصر البحرية الأميركية ينظر عبر منظار مكبر خلال تنفيذ حصار بحري على الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية) p-circle

توقف تصدير النفط الإيراني جراء الحصار البحري الأميركي

وفقاً لبيانات الشحن والأقمار الصناعية، لم تقم أي ناقلة بتحميل النفط في جزيرة خرج، ميناء التصدير الرئيسي لإيران، لمدة أسبوع على الأقل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية) يعترض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)

قائد البحرية الإسرائيلية السابق: نعاني من نقص في الصواريخ مثل أميركا وقد نستهدف إيران وحدنا

أعرب قائد البحرية الإسرائيلية السابق إليعازر ماروم عن قلقه من أن إسرائيل تعاني من نقص في الصواريخ الاعتراضية يشبه ذلك الذي تعاني منه الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ أنظمة صواريخ «باتريوت» خلال إعلان جاهزية نظام القيادة القتالية المتكاملة (IBCS) في بولندا يوم 18 ديسمبر 2025 (رويترز)

أميركا توقِّع اتفاقية لزيادة إنتاج قطع غيار الصواريخ الاعتراضية

قالت وزارة الدفاع الأميركية إنها وقَّعت اتفاقية إطارية مع شركتَي «لوكهيد مارتن» و«نورثروب غرومان»، لزيادة الطاقة الإنتاجية لمكونات أنظمة دفاعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

احتراق محطة كهرباء بمدينة الزاوية الليبية إثر هجوم بطائرة مسيرة

حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)
حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)
TT

احتراق محطة كهرباء بمدينة الزاوية الليبية إثر هجوم بطائرة مسيرة

حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)
حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)

أعلنت الشركة العامة للكهرباء في ليبيا صباح اليوم الأربعاء أن محطة تحويل الكهرباء جنوب مدينة الزاوية الواقعة بشمال غرب ليبيا تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة، ما أدى إلى احتراقها بالكامل وخروجها عن الخدمة، وفقدان التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة جنوب المدينة.

وأضافت، في منشور على صفحتها على «فيسبوك»، أنه فور وقوع الحادث، تحركت الفرق الفنية التابعة للشركة إلى الموقع للوقوف على حجم الأضرار وحصرها، والبدء في اتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة لمعالجة تداعيات الحادث والعمل على إعادة التغذية للمناطق المتضررة وفق الإمكانات الفنية المتاحة.

وحذرت الشركة من خطورة استمرار الاعتداءات على منشآت ومكونات الشبكة الكهربائية، وما قد يترتب عليها من تداعيات مباشرة على استقرار الشبكة العامة، مشيرة إلى أن «فقدان المزيد من محطات التحويل وخطوط ومكونات نقل الطاقة قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في المنظومة، قد تصل إلى حدوث إطفاء جزئي أو عام للشبكة الكهربائية».

وأكدت الشركة أن الاعتداءات والاختلالات الأمنية التي شهدتها مدينة الزاوية خلال الفترة الماضية انعكست بصورة مباشرة على قطاع الكهرباء، وتسببت في أضرار جسيمة لعدد من منشآت ومكونات الشبكة، إلى جانب تأثيرها المباشر على برامج الصيانة لوحدات الإنتاج بمحطة كهرباء الزاوية.


توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
TT

توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)

تصدر ملف توحيد المؤسسات الليبية محادثات رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الثلاثاء، في العاصمة الليبية طرابلس، وذلك خلال زيارة للأخير تستمر يومين، وتشمل أيضاً بنغازي، في وقت تشهد فيه البلاد تحركات سياسية ودبلوماسية متسارعة لإنهاء حالة الانقسام السياسي والعسكري المستمرة منذ سنوات.

وأدرجت حكومة «الوحدة» الزيارة، في إطار «التشاور والتنسيق المستمر بين البلدين حول عدد من الملفات محلّ الاهتمام المشترك»، في وقت تأتي فيه المحادثات على وقع تحركات دولية وإقليمية متسارعة حول الأزمة الليبية، وفي مقدمتها المبادرة الأميركية المطروحة لتسوية الأزمة.

وانصبّت محادثات الدبيبة وفيدان على تطورات الأوضاع في المنطقة وانعكاساتها على الأمن والاستقرار الإقليميين، إلى جانب مستجدات المسار السياسي الليبي، وسبل دعم الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الوطنية وتعزيز الاستقرار.

كما تناول اللقاء ملفات التعاون بين ليبيا وتركيا، وسبل تطويرها في عدد من المجالات، بما يخدم مصالح البلدين، وفق البيان الحكومي، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن طبيعة هذه الملفات أو نتائج المباحثات.

وتكتسب زيارة فيدان أهمية خاصة، لكونها تشمل طرابلس وبنغازي، بما يعكس اتساع نطاق الاتصالات التركية مع الأطراف الليبية، في وقت تتابع فيه أنقرة عن كثب المبادرات المطروحة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والمؤسسي في البلاد.

من لقاء سابق جمع بين الدبيبة واردوغان في أنقرة (الرئاسة التركية)

ومن المقرر أن يجري وزير الخارجية التركي في بنغازي محادثات مع عدد من المسؤولين والقيادات العسكرية في شرق ليبيا، في إطار سعي تركيا لتعزيز التواصل مع مختلف مراكز القوة في البلاد.

ونقلت وكالة «الأناضول» التركية عن مصدر دبلوماسي تركي أن أجندة فيدان تتركز على تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الراهنة في المسار السياسي الليبي، وأهمية الاستقرار في البلاد، إلى جانب متابعة المبادرات الأميركية ومسار الأمم المتحدة السياسي.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتأتي التحركات التركية في توقيت حساس بالنسبة إلى المشهد الليبي، مع استمرار الاتصالات بشأن المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، والتي تتضمن، وفق ما تم تسريبه عن ملامحها، إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في البلاد، مع تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الفريق أول صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، في حين يبقى الدبيبة رئيساً للحكومة.

وتبدي أنقرة منذ أعوام انفتاحاً متزايداً على بناء علاقات مع مختلف مراكز القوة في ليبيا، ولا سيما شرق البلاد، بعدما ارتبط دعمها خلال حرب طرابلس (2019 - 2020) بشكل وثيق بحكومة «الوفاق الوطني» السابقة في غرب ليبيا.

ويعكس انتقال الاتصالات التركية من طرابلس إلى بنغازي توجهاً نحو توسيع هامش الحركة في الملف الليبي، وعدم حصر العلاقات في طرف واحد، خصوصاً مع تعقد المشهد السياسي والعسكري وصعوبة التوصل إلى تسوية، من دون إشراك القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وبحسب المصدر الدبلوماسي الذي نقلت عنه «الأناضول»، فإن أنقرة تسعى إلى تعزيز الحوار مع المسؤولين الليبيين «من دون التمييز بين غرب البلاد وشرقها وجنوبها»، مع التشديد على أهمية حماية الحقوق والمصالح المشتركة للبلدين في شرق المتوسط على أساس مبدأ «رابح - رابح».

كما يتضمن الموقف التركي دعم جهود الأمم المتحدة، الرامية إلى إجراء انتخابات «نزيهة وموثوقة وشفافة» في ليبيا، مع التأكيد على التعاون مع مختلف الأطراف الليبية والمجتمع الدولي لدفع المسار السياسي إلى الأمام.

ويمثل الملف الاقتصادي جانباً رئيسياً من التحرك التركي، في ظل رغبة أنقرة في تطوير تعاونها القائم مع ليبيا في قطاع الطاقة على أساس المنفعة المتبادلة، وتنفيذ مشروعات جديدة، إلى جانب ضمان استمرار أنشطة الشركات التركية في ليبيا بصورة آمنة ومستدامة.

ويحظى قطاع المقاولات بصفة خاصة بحضور لافت للشركات التركية في ليبيا، فيما تسعى أنقرة إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وتوسيعها، بالتوازي مع تثبيت حضورها السياسي والأمني في بلد يحتل موقعاً استراتيجياً في منطقة شرق المتوسط.

وتسارعت خلال الأسابيع الأخيرة وتيرة الاتصالات التركية مع قيادات سياسية وأمنية وعسكرية ليبية من المعسكرين، في مشهد يعكس تحولاً لافتاً في مقاربة أنقرة للملف الليبي، ويثير تساؤلات بشأن حدود هذا الانفتاح وأهدافه في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، أجرى وكيل وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة» عبد السلام الزوبي، ومستشار الأمن القومي إبراهيم الدبيبة، محادثات مع الجانب التركي، ممثلاً في رئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم كالين، ووزير الخارجية هاكان فيدان.

وجاءت هذه الاتصالات بعد أقل من أسبوعين على زيارة صدام حفتر إلى تركيا، حيث التقى فيدان وبحث معه آخر التطورات في ليبيا والقضايا الإقليمية والدولية، مع التأكيد على أهمية استمرار التنسيق، بما يعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد استقبل الدبيبة في 18 أبريل (نيسان) الماضي، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، في أحدث لقاء رفيع المستوى بين الجانبين.

وتحمل التحركات التركية المتزامنة بين طرابلس وبنغازي دلالات تتجاوز الاتصالات الثنائية، إذ تأتي في مرحلة تعيد فيها القوى الدولية والإقليمية حساباتها بشأن مستقبل الترتيبات السياسية والعسكرية في ليبيا، بينما تحاول أنقرة الحفاظ على نفوذها ومصالحها، وفتح قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الفاعلة في أي تسوية مقبلة.


«جرائم مجهولة» وإجراءات ملتبسة تُعقّد أزمة «ملكية خطوط الجوال» في مصر

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
TT

«جرائم مجهولة» وإجراءات ملتبسة تُعقّد أزمة «ملكية خطوط الجوال» في مصر

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)

تابع الشاب المصري هاني جاد بقلق الأزمة التي تعرض لها الطالب الجامعي عمرو عمارة، بعد أن تلقى اتهامات «تتعلق بالاتجار بالمخدرات»، لمجرد ملكيته لرقم هاتف جوال لم يستخدمه واستغله آخرون؛ ما دفعه للاستعلام عن الأرقام المسجلة باسمه، فاكتشف وجود خطين، تبعها بعدد من الإجراءات التي لا يعلم ما إذا كانت كافية أم أنه يحتاج للمزيد، ولذلك بدأ يركز على توعية المحيطين به ودفعهم للاستعلام عن الأرقام الهاتفية، تجنباً لوقوعهم ضحايا لـ«جرائم مجهولة».

وكانت محكمة الجنايات المصرية قد قضت غيابياً على الطالب عمارة بالسجن المؤبد (25 عاماً) في قضية اتجار بالمخدرات، بعد سقوط عصابة تهريب للمواد المخدرة، كانت تستخدم خطا مسجلاً باسمه في عملياتها الإجرامية. وظهر الشاب منذ أيام، قبل تسليم نفسه لإعادة إجراءات المحاكمة، ليبين أنه قدم بطاقته لشقيقة صديقه التي تعمل في إحدى فروع الاتصالات، فسجلت خطاً باسمه لاستكمالها التارجت، لكنه لم يتسلمه أو يستخدمه، ولا يعلم كيف وصل لهذه العصابة.

وعكس عمارة الذي قدم بطاقته طوعاً، وشهد على لحظة خروج الخط، دون أن يتوقع ما قد يجلبه ذلك من مشكلات، شكا آلاف المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي من اكتشافهم وجود العديد من الخطوط المسجلة بأسمائهم دون أن يعلموا عنها شيئًا، وسط تساؤلات عن الإجراءات اللازمة، وقلقهم من احتمال تورطهم في «جرائم لم يرتكبوها».

وتوجه جاد، الذي يعمل في شركة المياه الحكومية بمحافظة الشرقية (دلتا النيل) قبل أيام إلى فرع شركة الاتصالات للاستعلام عن هذه الخطوط، ومعرفة كيف نُسبت له دون علمه، لكنه لم يخرج بإجابات واضحة، فطلب وقف هذه الخطوط، ووقَّع على استمارة معنونة بـ«عدم حيازة وإيقاف خط»، بينما يترقب حالياً ما سينتهي إليه تحقيق النيابة العامة مع شركات الاتصالات في مصر حول القضية، والتفكير فيما إذا كان سيتخذ إجراءات قانونية أخرى تحميه من التورط في أي قضية، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر قد أحال، الاثنين، شركات الهواتف المحمولة الأربع إلى النيابة العامة، للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين، اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها، وذلك «في ضوء ما قام به الجهاز من إجراءات الفحص والتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين، وما تلا ذلك من استكمال للأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها».

وقال المحامي حسن شومان لـ«الشرق الأوسط» إن «قضية شرائح الجوال خطيرة، وقد توقع الشخص في قضايا كبيرة تتعلق بالأموال، مثل سرقات إلكترونية أو نصب، أو قضايا جنائية كالتحرش والمخدرات... وغيرها؛ لذا لا تجب استهانة الشخص الذي اكتشف وجود شريحة باسمه بذلك، واتباع الإجراءات».

ونصح شومان المواطنين في البداية بالتوجه إلى فروع الشركات التي أصدرت الخطوط باسمه، والاستعلام عن هذه الأرقام، وتوقيع استمارة إنكار ملكية للخط ووقفه، ثم التوجه إلى قسم الشرطة، وعمل محضر يثبت فيه عدم معرفته شيء عن هذه الأرقام، ويطالب شركة المحمول بتوضيح كيف خرجت باسمه، لافتاً إلى أن «الأمر قد ينطوي على قضايا تزوير».

وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام محلية أن 100 شخص ترددوا على 9 أقسام لتحرير محاضر ضد شركات المحمول بسبب شرائح الجوال.

مقر الشركة المصرية للاتصالات الرئيسي في ميدان الجيزة (الشرق الأوسط)

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد وجَّه في بيان، أخيراً، المتضررين بالتقدم بشكوى للجهاز. وطمأن المواطنين بأن «مجرد تسجيل خط هاتف محمول باسم شخص لا يرتب بذاته مسؤوليته عن الأفعال التي تتم باستخدامه، متى ثبت أن الخط لا يخصه، أو لم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية».

وأضاف شومان موضحاً: «صحيح أن التحقيقات القانونية تستطيع إثبات ما كان الخط في حوزة صاحبه المُسجل باسمه أم لا وقت ارتكاب جريمة، لكن مجرد حدوثها دون إنكار سابق لهذا الخط قد يعرضه للتوقيف احتياطياً لانتهاء الإجراءات، أو القبض عليه لحين إعادة إجراءات المحاكمة لو صدر حكم غيابي ضده، لذا ننصح باستباق كل ذلك بالتقدم بمحضر ضد شركات المحمول».

وقضية عمارة التي ذاع صيتها أخيراً ليست الأولى من نوعها. ويقول المحامي محمود فراج لـ«الشرق الأوسط» إنه رفع قضية ضد رقم يبعث رسائل إزعاج وتحرش وتشهير بموكلة لديه، وبعد الحكم الصادر بخمس سنوات ضد صاحب الخط تنازلت موكلته عن القضية لتأكدها أن «الخط لم يكن في حيازة الشخص المُسجل باسمه، وأن شخصاً آخر استغله وارتكب جرائمه في حقها».

وشدد فراج على أهمية الوعي القانوني بما قد يحدث للشخص من مجرد وجود اسمه على خطوط لا يستخدمها، والتحرك بتقديم شكاوى في الجهات المختصة، ومحضر في قسم الشرطة.

وفوجئ الصحافي محمود العمري بوجود عدة شرائح اتصالات باسمه، ليس له صلة مباشرة بها ولم يستخرجها. وقرر تحرير محضر ضد الشركة، واتخاذ الإجراءات القانونية وصولاً لطلب تعويض، كما توجه إلى فرع للشركة للحصول على ما يثبت تسجيل هذه الشرائح باسمه، لكن الموظف رفض تسليمها إياه، متوقعاً في بوست عبر «فيسبوك» أن تكون الشركات قد أصدرت توجهات بذلك، لكنه أكد الاستمرار في الإجراءات.

ويشير المحامي محمد الصاوي إلى أن «الحصول على تعويض من شركات المحمول مرتبط بحدوث ضرر على الشخص، الذي صدر خط باسمه، لكن عدم وقوع ضرر لا يستوجب تعويضاً»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بينما يقول حسن شومان إن موكلين كُثراً يأتون لمكتبه يسألون عن الإجراءات التي عليهم اتباعها، وعن إمكانية حصولهم على تعويض، في التباس واضح لدى المستخدمين.

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد أكد «العمل على تعزيز وسائل التحقق من هوية المستخدمين، ومن بينها منظومة التحقق البيومتري، بما يرفع مستوى دقة البيانات، ويعزز أمن وسلامة خدمات الاتصالات».