«الرسوم الجمركية» تتصدر اجتماعات الربيع لـ«صندوق النقد» و«البنك» الدوليين

وسط تساؤلات بشأن التزام واشنطن

عاملة تنظف المسرح قبيل افتتاح اجتماعات الربيع لـ«صندوق النقد» و«البنك» الدوليين في واشنطن يوم 17 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
عاملة تنظف المسرح قبيل افتتاح اجتماعات الربيع لـ«صندوق النقد» و«البنك» الدوليين في واشنطن يوم 17 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
TT

«الرسوم الجمركية» تتصدر اجتماعات الربيع لـ«صندوق النقد» و«البنك» الدوليين

عاملة تنظف المسرح قبيل افتتاح اجتماعات الربيع لـ«صندوق النقد» و«البنك» الدوليين في واشنطن يوم 17 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
عاملة تنظف المسرح قبيل افتتاح اجتماعات الربيع لـ«صندوق النقد» و«البنك» الدوليين في واشنطن يوم 17 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

يجتمع هذا الأسبوع مئات من قادة المالية العالميين في واشنطن، وكل منهم يحمل هدفاً واحداً: «مَن الذي يمكنني التحدث معه لإبرام صفقة تجارية؟».

تُعدّ الاجتماعات نصف السنوية لـ«صندوق النقد الدولي» و«مجموعة البنك الدولي» فعالياتٍ مزدحمةً تتميز بالحوار متعدد الأطراف على مستوى عالٍ، إلى جانب الاجتماعات الثنائية بين وزراء المالية الذين يسعون لإبرام صفقات بشأن تمويل المشروعات، والاستثمارات الأجنبية في بلدانهم، ومنح الإعفاءات من الديون للاقتصادات الأضعف.

لكن هذا العام، بدلاً من التنسيق السياسي بشأن قضايا مثل التغير المناخي، والتضخم، والدعم المالي لأوكرانيا في صراعها ضد غزو روسيا، سيكون هناك موضوع واحد يهيمن على الاجتماعات: «الرسوم الجمركية»، وبالتحديد، كيفية الخروج من تأثير الحملة غير المسبوقة للرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) الماضي، وفق «رويترز».

ومن المرجح أن يتركز قدر كبير من الاهتمام على شخص واحد؛ هو سكوت بيسنت، كبير المفاوضين لدى ترمب بشأن صفقات الرسوم الجمركية، والذي لا يزال دعمه لصندوق النقد والبنك الدوليين موضع تساؤل.

وقال جوش ليبسكِي، مدير «مركز الجيو - اقتصاد» في «مجلس الأطلسي»: «حروب التجارة ستهيمن على هذا الأسبوع، وكذلك المفاوضات الثنائية التي تحاول كل دولة تقريباً إجراءها بطريقة أو بأخرى». وأضاف: «لذلك؛ ستكون هذه الاجتماعات الربيعية مختلفة عن أي وقت مضى، وفيها ستهيمن قضية واحدة فقط».

تخفيضات ملحوظة

تبرز في الأفق بالفعل رسوم ترمب الجمركية التي تهيمن على التوقعات الاقتصادية العالمية لـ«صندوق النقد الدولي»، التي من المقرر أن يُصدِرها يوم الثلاثاء؛ مما من شأنه أن يزيد من الضغوط على أعباء ديون البلدان النامية.

وقالت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي»، الأسبوع الماضي، إن توقعات النمو في «تقرير آفاق الاقتصاد العالمي» ستتضمن «تخفيضات ملحوظة ولكن دون ركود»، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى «عدم الاستقرار الكبير» والتقلبات في الأسواق التي تسببها اضطرابات الرسوم الجمركية.

وأضافت غورغييفا أن الاقتصاد الحقيقي في العالم لا يزال يعمل بشكل جيد، لكنها حذرت بأن تصورات سلبية متنامية بشأن الفوضى التجارية والمخاوف من الركود قد تبطئ النشاط الاقتصادي.

وقال ليبسكِي إن تحدياً جديداً قد يواجه صانعي السياسات، وهو ما إذا كان الدولار سيظل يُعدّ من الأصول الآمنة، بعد أن تسببت الرسوم الجمركية لترمب في بيع حاد للسندات الأميركية.

مديرة «صندوق النقد الدولي» كريستالينا غورغييفا تتحدث عن الاقتصاد العالمي قبيل اجتماعات الربيع في واشنطن يوم 17 أبريل 2025 (رويترز)

الاجتماعات التاريخية

كانت اجتماعات «صندوق النقد» و«البنك» الدوليين، إلى جانب اجتماع موازٍ لوزراء المالية في «مجموعة العشرين»، منتديات حاسمة لتنسيق سياسات قوية في أوقات الأزمات مثل جائحة «كوفيد19» والأزمة المالية العالمية لعامي 2008 و2009.

لكن هذه المرة، مع حضور وزراء التجارة، من المتوقع أن يكون تركيز الوفود على تعزيز اقتصاداتها أولاً، وفق ما ذكر خبراء السياسات.

وقالت نانسي لي، وهي مسؤولة سابقة في وزارة الخزانة الأميركية و«زميلة سياسة أولى» في «مركز التنمية العالمية» بواشنطن: «التركيز في هذه الاجتماعات خلال السنوات الماضية، الذي كان منصباً بشكل كبير على إصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف وتعزيز هيكل الديون السيادية، سيتغير إلى حد كبير».

محادثات الرسوم الجمركية مع بيسنت

اليابان، التي تعاني تحت وطأة رسوم ترمب البالغة 25 في المائة على السيارات والصلب، ورسوم متبادلة أخرى قد تصل إلى 24 في المائة، تسعى بشكل خاص إلى إتمام صفقة بشأن الرسوم الجمركية الأميركية بسرعة.

ومن المتوقع أن يلتقي وزير المالية الياباني، كاتسونوبو كاتو، مع بيسنت لاستئناف المفاوضات خلال الاجتماعات الجانبية لـ«صندوق النقد» و«البنك» الدوليين.

كما قبل وزير المالية الكوري الجنوبي، تشوي سانغ موك، دعوة من بيسنت للاجتماع هذا الأسبوع لمناقشة ملف التجارة، وفقاً لما ذكرته وزارة المالية في سيول، حيث يسعى حليف أميركا المعتمد على الصادرات إلى تأجيل تطبيق الرسوم الجمركية بنسبة 25 في المائة والتعاون مع الولايات المتحدة في مجالات مثل الطاقة وبناء السفن.

أسئلة بشأن دعم الولايات المتحدة المؤسسات متعددة الأطراف

...لكن كثيراً من المشاركين في الاجتماعات يطرحون أسئلة بشأن دعم إدارة ترمب «صندوق النقد» و«البنك» الدوليين. وقد دعت وثيقة «مشروع 2025» (البيان السياسي اليميني المتطرف الذي أثر على كثير من قرارات ترمب لإعادة تشكيل الحكومة) الولايات المتحدة إلى الانسحاب من هذه المؤسسات.

وقالت لي: «أرى دوراً رئيسياً لوزير الخزانة بيسنت في هذه الاجتماعات للإجابة عن بعض الأسئلة الأساسية جداً»، وأضافت: «أولاً، وقبل كل شيء، هل ترى الولايات المتحدة أن دعم بنوك التنمية متعددة الأطراف يصب في مصلحتها؟».

أشخاص يسيرون بالقرب من مبنى «صندوق النقد الدولي» في واشنطن يوم 20 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

الدعم المالي الأميركي

وقال رئيس «البنك الدولي»، أجاي بانغا، الأسبوع الماضي، إنه أجرى مناقشات بناءة مع إدارة ترمب، لكنه لا يعرف ما إذا كانت ستقوم بتمويل المساهمة الأميركية التي تبلغ 4 مليارات دولار في «صندوق النقد» لمساعدة البلدان الأشد فقراً، التي تعهد بها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن العام الماضي.

ومن المتوقع أيضاً أن يوسع بانغا هذا الأسبوع نطاق تمويل الطاقة في «البنك» من التركيز الأساسي على الطاقة المتجددة، ليشمل المشروعات النووية والغازية، فضلاً عن التحول نحو مشروعات التكيف مع المناخ، وهو مزيج يتماشى بشكل أكبر مع أولويات ترمب.

لكن بيسنت دعم برنامج القرض الجديد لـ«صندوق النقد الدولي» الذي تبلغ قيمته 20 مليار دولار مساعدة للأرجنتين، فقد زار بوينس آيرس الأسبوع الماضي، في إظهارٍ لدعم الإصلاحات الاقتصادية للبلاد، قائلاً إن الولايات المتحدة تريد مزيداً من هذه البدائل للصفقات الثنائية «الجشعة» مع الصين.

دعم الولايات المتحدة لـ«صندوق النقد الدولي»

وقال 3 مسؤولين سابقين في وزارة الخزانة الأميركية، الذين مثلوا الولايات المتحدة لاحقاً في مجلس إدارة «صندوق النقد الدولي»، إن «الصندوق» يمثل «صفقة مالية رائعة لأميركا».

وفي مقال نشرته صحيفة «ذا هيل»، كتب ميغ لوندسيجر وإليزابيث شورتينو ومارك سوبل، أن «صندوق النقد الدولي» يوفر للولاياتِ المتحدة؛ أكبرِ مساهم فيه، نفوذاً اقتصادياً كبيراً بتكلفة ضئيلة للغاية.

وأضافوا أنه «إذا تراجع الدعم الأميركي لـ(صندوق النقد الدولي)، فإن الصين ستكون المستفيد الأكبر... ونفوذنا على (صندوق النقد الدولي) يسمح لنا بتحقيق الأولويات الأميركية».


مقالات ذات صلة

استطلاع: المركزي الأوروبي يتجه لرفع الفائدة للمرة الثانية والأخيرة في سبتمبر

الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

استطلاع: المركزي الأوروبي يتجه لرفع الفائدة للمرة الثانية والأخيرة في سبتمبر

أظهر استطلاع رأي أجرته «رويترز» ونُشرت نتائجه يوم الخميس أن البنك المركزي الأوروبي سيرفع أسعار الفائدة في 10 سبتمبر للمرة الثانية والأخيرة.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت برلين )
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

صندوق النقد يرحب بتعديلات قانون المصارف في لبنان ويعدّها «خطوة كبيرة»

رحب صندوق النقد الدولي بإقرار مجلس النواب اللبناني تعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف، واصفاً الخطوة بأنها «كبيرة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

مخاوف بمصر بشأن تداعيات ارتفاع الدين العام وسط تصاعد التوترات الإقليمية

على عكس خطط الحكومة المصرية التي تستهدف خفض الدين العام إلى 78 في المائة من الناتج الإجمالي، توقَّع"«صندوق النقد» بلوغ هذه النسبة 82.2 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يتوسط وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط خلال الجلسة التشريعية بمجلس النواب (إعلام البرلمان)

لبنان يعدّل قانون المصارف المعلّق على تشريعات معالجة «الفجوة»

قضت التسوية التي اعتُمدت في إقرار «التعديلات»، وفق مسؤول مالي معني، بضرورة «مسايرة» تعليمات «صندوق النقد»، وحفظ الاستجابة لهواجس السلطة النقدية...

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد مركبات في أحد ميادين دمشق (رويترز)

صندوق النقد الدولي يوافق على برنامج مساعدات فنية لسوريا

أعلن صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، عن موافقته على برنامج مساعدات فنية واسع النطاق لسوريا التي مزقتها الحرب، حيث تعمل الحكومة الجديدة على إعادة بناء الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الحرب تُنعش الضغوط التضخمية وتعاود رفع أسعار الجملة في الولايات المتحدة

عامل يجمع طلبات لتسليمها من أرضية المستودع بمركز توزيع تابع لشركة «أمازون» في فينيكس بأريزونا (أرشيفية - رويترز)
عامل يجمع طلبات لتسليمها من أرضية المستودع بمركز توزيع تابع لشركة «أمازون» في فينيكس بأريزونا (أرشيفية - رويترز)
TT

الحرب تُنعش الضغوط التضخمية وتعاود رفع أسعار الجملة في الولايات المتحدة

عامل يجمع طلبات لتسليمها من أرضية المستودع بمركز توزيع تابع لشركة «أمازون» في فينيكس بأريزونا (أرشيفية - رويترز)
عامل يجمع طلبات لتسليمها من أرضية المستودع بمركز توزيع تابع لشركة «أمازون» في فينيكس بأريزونا (أرشيفية - رويترز)

عاود تضخم أسعار الجملة الارتفاع الشهر الماضي، بعد تراجع في وقت سابق من الصيف، في ظل استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز، الناجم عن الحرب في إيران، في إبقاء التكاليف عند مستويات مرتفعة.

وأعلنت الحكومة يوم الخميس، أن مؤشر أسعار المنتجين الصادر عن وزارة العمل، والذي يقيس التضخم قبل وصوله إلى المستهلكين، ارتفع بنسبة 5.4 في المائة في أغسطس (آب) مقارنةً بالعام السابق، مقابل 4.7 في المائة في يوليو (تموز). وكان التضخم السنوي لأسعار الجملة قد بلغ ذروته هذا العام عند 5.9 في المائة في مايو (أيار)، بعدما أدى الصراع في إيران إلى ارتفاع تكاليف الطاقة. وعلى أساس شهري، ارتفعت أسعار الجملة بنسبة 0.4 في المائة بين يوليو وأغسطس، بعد زيادة بلغت 0.1 في المائة في الشهر السابق، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ورغم ظهور بعض المؤشرات على انحسار التضخم خلال الأشهر الأخيرة، فإنه لا يزال مرتفعاً، مما يزيد الضغوط على المستهلكين الذين يواجهون ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والملابس وغيرها من السلع الأساسية. وقد تجاوزت أسعار النفط العالمية حاجز 100 دولار للبرميل هذا الأسبوع، مدفوعةً بتجدد التوترات في الشرق الأوسط، في حين صعّد الرئيس دونالد ترمب حربه التجارية مع كندا، مما يشير إلى احتمال أن تؤدي الرسوم الجمركية إلى مزيد من الارتفاع في التكاليف. ويشكل استمرار ارتفاع الأسعار تحدياً سياسياً لإدارة ترمب وللجمهوريين الذين يستعدون لخوض انتخابات التجديد النصفي.

وباستبعاد فئتي الغذاء والطاقة، اللتين تتسم أسعارهما بالتقلب، ارتفعت الأسعار الأساسية بنسبة 0.2 في المائة بين يوليو وأغسطس، وهي النسبة نفسها المسجَّلة في الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، ارتفعت الأسعار الأساسية بنسبة 4.6 في المائة، مقارنةً مع 4.2 في المائة في يوليو.

وستخضع بيانات يوم الخميس لتدقيق دقيق للغاية، إذ قد تساعد على تحديد ما إذا كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيرفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل خلال اجتماع السياسة النقدية المقرر عقده الأسبوع المقبل. كما تسهم بيانات مؤشر أسعار المنتجين في احتساب مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، والمقرر صدوره في 30 سبتمبر (أيلول).


العراق يواجه أسوأ صدمة اقتصادية مع اضطراب صادرات النفط عبر «هرمز»

حرفي تقليدي لطبل الدف يعمل في ورشته بمدينة الموصل، العراق (رويترز)
حرفي تقليدي لطبل الدف يعمل في ورشته بمدينة الموصل، العراق (رويترز)
TT

العراق يواجه أسوأ صدمة اقتصادية مع اضطراب صادرات النفط عبر «هرمز»

حرفي تقليدي لطبل الدف يعمل في ورشته بمدينة الموصل، العراق (رويترز)
حرفي تقليدي لطبل الدف يعمل في ورشته بمدينة الموصل، العراق (رويترز)

يتعرَّض الاقتصاد العراقي لصدمة حادة نتيجة اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مع تراجع حاد في صادرات النفط التي يعتمد عليها العراق بصورة كبيرة لتمويل موازنته وتوفير العملة الأجنبية؛ ما يضع المالية العامة والحساب الجاري والاحتياطيات أمام ضغوط متزايدة.

وقال «معهد التمويل الدولي»، في تقرير صدر الخميس، إن صادرات النفط العراقية ستنخفض بنحو 22 في المائة خلال 2026؛ ما سيدفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى الانكماش بنحو 11 في المائة، في حين يتسع العجز المالي إلى نحو 11.8 في المائة من الناتج، والعجز في الحساب الجاري إلى 13.1 في المائة.

ورغم ارتفاع متوسط سعر خام برنت المتوقَّع إلى 89 دولاراً للبرميل هذا العام، مقارنة مع 69 دولاراً في 2025، فإن ارتفاع الأسعار لن يوفر للعراق سوى دعم محدود، في ظل الخصومات الكبيرة التي يُباع بها الخام العراقي، وارتفاع تكاليف الشحن، وبقاء أحجام الصادرات أقل بكثير من مستويات ما قبل الصراع.

أوراق نقدية من الدولار الأميركي معروضة لدى أحد مكاتب الصرافة في بغداد (د.ب.أ)

صادرات النفط تحت الضغط

وأوضح التقرير أن العراق من أكثر الاقتصادات تعرُّضاً لاضطراب الملاحة في هرمز، نظراً إلى أن الجزء الأكبر من الخام المنتَج في جنوب البلاد يصل إلى الأسواق العالمية عبر المحطات النفطية في الخليج، بينما لا تزال طاقات التصدير البديلة محدودة.

وتوفر الطريق الشمالية عبر تركيا متنفساً محدوداً، في حين تحتاج مسارات التصدير المقترحة عبر سوريا والأردن إلى استثمارات كبيرة وسنوات من العمل، قبل أن تتمكن من توفير طاقة تصديرية مؤثرة.

وبحسب تقديرات المعهد، ستتراجع صادرات النفط العراقية بنحو 30 في المائة في المتوسط خلال 2026 مقارنة بالعام السابق، فيما ينخفض إنتاج الخام إلى نحو 3.3 مليون برميل يومياً، مقابل 4.4 مليون برميل يومياً في 2025.

ويعني ذلك أن ارتفاع أسعار النفط لن يكون كافياً لتعويض خسارة أحجام الصادرات، خصوصاً أن سعر التعادل المالي للنفط في العراق ارتفع من نحو 55 دولاراً للبرميل في 2020 إلى 85 دولاراً في 2025، قبل أن تدفع الصدمة الحالية نقطة التعادل إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل.

الاحتياطيات تواجه الاستنزاف

ويتوقع «معهد التمويل الدولي» أن تنخفض احتياطيات العراق الرسمية، باستثناء الذهب، من نحو 74 مليار دولار في نهاية 2025 إلى 56 مليار دولار بنهاية العام الحالي، مع استمرار البنك المركزي في توفير العملة الأجنبية لتمويل الواردات والحفاظ على ربط الدينار بالدولار.

ومع ذلك، يرى المعهد أن الاحتياطيات ستبقى مصدراً مهماً من مصادر الحماية الخارجية، وإن كانت سرعة استنزافها ستصبح أكثر أهمية إذا استمر اضطراب الملاحة عبر هرمز حتى 2027.

وفي الوقت نفسه، يُتوقع ارتفاع الدين العام إلى 63.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، مقارنة مع 53.1 في المائة في 2025، نتيجة اتساع احتياجات التمويل الحكومية.

في لقطة شاشة مأخوذة من فيديو مُوزَّع يظهر رشّ الماء على ناقلة النفط «نيو أندروس» التي أفاد مسؤولو الميناء بأنها تعرضت لهجوم من طائرة مسيّرة في المياه الإقليمية العراقية (رويترز)

انتعاش قوي في 2027

ويفترض السيناريو الأساسي للمعهد أن تعود حركة الملاحة عبر هرمز تدريجياً إلى طبيعتها خلال الأشهر المقبلة مع تراجع التوترات الإقليمية وبدء العمل بترتيبات أمنية مؤقتة.

وفي هذه الحالة، يتوقع التقرير تعافي إنتاج النفط وصادراته بالكامل بحلول منتصف 2027؛ ما سيدفع الناتج المحلي الحقيقي إلى النمو بنسبة 12.6 في المائة، بعد انكماشه 10.9 في المائة خلال 2026.

كما يتوقع ارتفاع الناتج المحلي الهيدروكربوني بنسبة 24.3 في المائة العام المقبل، بعد انكماشه 20.5 في المائة خلال 2026، بينما يظل نمو الاقتصاد غير النفطي محدوداً عند نحو 2 في المائة.

ومن شأن تعافي الصادرات النفطية أن يسهم في تقليص العجزين المالي والحساب الجاري، واستقرار الاحتياطيات الأجنبية، لكنه لن يلغي نقاط الضعف الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي.

الإنفاق الحكومي يقيد التعافي

ويشير التقرير إلى أن قدرة الحكومة العراقية على امتصاص صدمة الإيرادات النفطية محدودة بسبب ارتفاع الالتزامات المرتبطة بأجور القطاع العام ومعاشات التقاعد، إلى جانب ضعف الإيرادات غير النفطية واحتياجات الإنفاق على البنية التحتية.

ويرى المعهد أن الاستجابة قصيرة الأجل ستعتمد على مزيج من خفض الإنفاق الرأسمالي، وتراكم المتأخرات المحلية، وزيادة الاقتراض الداخلي، مع استخدام جزء من الاحتياطيات لتلبية احتياجات العملة الأجنبية.

لكن هذه الإجراءات قد تؤثر بدورها في النمو غير النفطي، الذي يتوقع المعهد أن ينكمش بنحو 1 في المائة في 2026 قبل أن ينمو 2 في المائة فقط في 2027.

ويعزو المعهد ضعف النمو غير النفطي إلى مشكلات هيكلية أعمق، تشمل ضعف الاستثمار الخاص، والقيود التمويلية، وارتفاع البطالة، وضعف بيئة الأعمال، ومشكلات الحوكمة، إلى جانب أزمة الكهرباء.

وزير النفط العراقي باسم محمد خضير خلال حضوره افتتاح الدورة الرابعة من المعرض والمؤتمر الدولي للعراق لمشاريع النفط والغاز والبترول في بغداد (أ.ب)

مسارات بديلة للنفط

وفي محاولة لتقليص الاعتماد على هرمز، يعمل العراق على تطوير مسارات بديلة لتصدير النفط، تشمل تركيا وسوريا والأردن.

ويشير التقرير إلى أن العراق بدأ استخدام ميناء بانياس السوري لنقل زيت الوقود، مع خطط لبدء نقل الخام، إلا أن الكميات الحالية تظل صغيرة مقارنة بصادرات العراق التي تبلغ نحو 3.6 مليون برميل يومياً.

ويبرز مشروع خط أنابيب حديثة - بانياس بوصفه أحد أكثر الخيارات قدرة على تنويع صادرات العراق على المدى المتوسط، بطاقة أولية تتراوح بين 1 و1.5 مليون برميل يومياً، مع إمكانية رفعها إلى مليونَي برميل يومياً.

لكن تنفيذ المشروع يتطلب تمويلاً واستثمارات طويلة الأجل واستقراراً أمنياً وتوافقاً سياسياً مستداماً.

الاستثمار الأميركي فرصة ومخاطرة

وفي المقابل، يرى «معهد التمويل الدولي» أن تدفقات الاستثمار الأجنبي تمثل أحد مصادر الدعم للاقتصاد العراقي على المدى المتوسط، بعدما ارتفعت التدفقات الإجمالية من نحو 2 إلى 3 مليارات دولار سنوياً خلال 2020 - 2022 إلى 8.6 مليار دولار في 2025، بما يعادل نحو 4 في المائة من الناتج المحلي.

ويرتبط الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات بقطاع النفط والغاز، ومشروعات التقاط الغاز ومعالجته، وتطوير قطاع الكهرباء.

كما يلفت التقرير إلى تنامي الاهتمام التجاري الأميركي بالعراق، مع سعي شركات، من بينها «شيفرون» و«كونوكو فيليبس» و«هاليبرتون» و«إتش كيه إن إنرجي» و«كي بي آر»، واحتمال عودة «إكسون موبيل»، إلى تطوير مشروعات في النفط والغاز.

ويرى المعهد أن تنفيذ هذه المشروعات يمكن أن يدعم الطاقة الإنتاجية، ويزيد التقاط الغاز، ويحسن إمدادات الكهرباء، ويفتح المجال أمام دورة استثمار جديدة، لكنه يحذر في الوقت نفسه من مخاطر التنفيذ المرتبطة بالوضع الأمني والسياسي.

نساء عراقيات يتصفحن الكتب في معرض بغداد الدولي للكتاب في بغداد (أ.ف.ب)

الاستقرار السياسي شرط للتعافي

وبحسب التقرير، شهد المشهد السياسي العراقي تحسُّناً نسبياً منذ تولي رئيس الوزراء علي الزيدي منصبه في مايو (أيار) 2026، مع تركيز أكبر على تعزيز سلطة الدولة ومكافحة الفساد وجذب الاستثمار وتطوير العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على علاقات عملية مع إيران.

لكن المعهد يرى أن هذا التحسن لا يزال هشاً، في ظل استمرار نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، وقدرتها العسكرية، وارتباطاتها السياسية والاقتصادية.

ويحذر التقرير من أن تجدُّد الهجمات على المصالح الأميركية أو دول الخليج قد يؤدي إلى ردود عسكرية، ويقوّض العلاقات الاقتصادية للعراق مع دول مجلس التعاون، ويضعف ثقة المستثمرين.

المخاطر الجيوسياسية

ويعتبر المعهد أن أكبر المخاطر السلبية على آفاق العراق في 2027 تتمثل في عدم التوصل إلى اتفاق موثوق بين الولايات المتحدة وإيران، أو عدم القدرة على الحفاظ عليه؛ ما قد يطيل اضطراب الملاحة في هرمز ويؤخر عودة حركة الشحن إلى طبيعتها ويبقي أقساط التأمين مرتفعة.

وفي حال طال أمد الصدمة، قد تتسارع وتيرة استنزاف الاحتياطيات ويرتفع الدين العام بوتيرة أكبر، بحيث يتجاوز 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2027 في السيناريو الأسوأ.

ويخلص «معهد التمويل الدولي» إلى أن تعافي صادرات النفط يمكن أن يمنح العراق نافذة زمنية لإجراء الإصلاحات وإعادة بناء الاحتياطيات، لكن استدامة التعافي ستظل مرتبطة بقدرة الحكومة على تقليص الاعتماد على النفط، وإصلاح المالية العامة والمصارف والكهرباء، وتحسين الحوكمة وبيئة الاستثمار.


«المركزي التركي» يثبّت الفائدة عند 37 % للمرة الخامسة

البنك المركزي التركي ثبَّت سعر الفائدة عند 37 % للمرة الخامسة في اجتماع لجنته للسياسة النقدية الخميس (رويترز)
البنك المركزي التركي ثبَّت سعر الفائدة عند 37 % للمرة الخامسة في اجتماع لجنته للسياسة النقدية الخميس (رويترز)
TT

«المركزي التركي» يثبّت الفائدة عند 37 % للمرة الخامسة

البنك المركزي التركي ثبَّت سعر الفائدة عند 37 % للمرة الخامسة في اجتماع لجنته للسياسة النقدية الخميس (رويترز)
البنك المركزي التركي ثبَّت سعر الفائدة عند 37 % للمرة الخامسة في اجتماع لجنته للسياسة النقدية الخميس (رويترز)

للمرة الخامسة على التوالي، ثبّت البنك المركزي التركي سعر الفائدة على إعادة الشراء لمدة أسبوع (الريبو) المعتمد معياراً أساسياً لأسعار الفائدة عند 37 في المائة، مدفوعاً بمؤشرات التضخم وتقلبات أسعار الطاقة نتيجة حرب إيران.

فقد أبقت لجنة السياسة النقدية للبنك، في اجتماعها السادس للعام الحالي، الخميس، على سعر الفائدة على الإقراض لليلة واحدة عند 40 في المائة، وسعر الفائدة على الاقتراض لليلة واحدة عند 35.5 في المائة، دون تغيير. وخالف البنك التوقعات السابقة بخفض الفائدة بواقع 100 نقطة أساس إلى 36 في المائة.

ضعف الطلب المحلي وأسعار الطاقة

وقالت اللجنة، في بيان عقب الاجتماع، إنه رغم التقلبات الشهرية، فإن أرقام التضخم الأخيرة والمؤشرات الرائدة تشير إلى انخفاض في الاتجاه العام للتضخم، وإن بيانات النشاط الاقتصادي والتأثير المحدود لصدمات العرض على الأسعار المحلية يؤكدان ضعف الطلب المحلي.

وسجَّل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين تراجعاً طفيفاً في أغسطس (آب) الماضي بأقل قليلاً من التوقعات السابقة، في حين واصل التضخم الشهري ارتفاعه في ظل استمرار ضغط أسعار الطاقة والتقلبات الناجمة عن حرب إيران.

يواصل التضخم المرتفع ضغطه على «المركزي التركي» في تحديد أسعار الفائدة (رويترز)

وحسب بيانات صادرة عن معهد الإحصاء التركي الرسمي، ارتفع معدل التضخم الشهري بنسبة 1.84 في المائة في أغسطس، مخالفاً التوقعات السابقة بنسبة طفيفة، في حين بلغ معدل التضخم السنوي 31.51 في المائة. وسجَّل التضخم الشهري في يوليو (تموز) ارتفاعاً بنسبة 1.78 في المائة، في وقت بلغ المعدل السنوي 31.75 في المائة.

ولفت البيان إلى أنه من ناحية أخرى، يشكّل ارتفاع أسعار الطاقة الناتج من التطورات الجيوسياسية خطراً تصاعدياً على توقعات التضخم، وأنه يجري رصد آثار هذه التطورات على توقعات التضخم من كثب من خلال قنوات التكلفة والنشاط الاقتصادي والتوقعات.

استمرار التشديد النقدي

وأضاف أن تشديد السياسة النقدية سيستمر حتى استقرار الأسعار، وسيعزز عملية خفض التضخم من خلال الطلب وسعر الصرف وتوقعات السوق، مشيراً إلى أن لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي ستحدد الخطوات، التي يتعين اتخاذها فيما يتعلق بسعر الفائدة من خلال نهج حذر، وبطريقة تعمل على الحد من ارتفاع الاتجاه الأساسي للتضخم وتوفير الظروف النقدية والمالية التي من شأنها أن تهبط بالتضخم إلى الهدف المنشود على المدى المتوسط، وهو 5 في المائة، مع الوضع في الحسبان التأثيرات المتأخرة لتشديد السياسة النقدية.

وشدد على أنه سيتم استخدام جميع أدوات السياسة النقدية بشكل حاسم، وسوف تتخذ اللجنة قراراتها ضمن إطار متوقع ومستند إلى البيانات وشفاف، وسيتم تشديد السياسة حال حدوث انهيار مفاجئ لتوقعات التضخم.

وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشيك (من حسابه في إكس)

في تصريحات أدلى بها، الأربعاء، قال وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك، إن تركيا لا تزال تمر بفترة من التضخم المرتفع، مؤكداً أن التزام الحكومة باستقرار الأسعار لا يزال قوياً للغاية.

ولفت إلى أن العودة إلى نظام سعر ⁠الصرف ⁠المتغير الحر أمر مرغوب فيه، لكنه يتطلب انخفاض التضخم وتوقعات أكثر استقراراً وتداولاً ثنائي الاتجاه في سوق الصرف الأجنبي.

توقعات محبطة

ورفعت الحكومة التركية توقعاتها للتضخم في نهاية العام الحالي إلى 28.4 في المائة، في تعديل يعكس التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للحرب مع إيران على أسعار الطاقة والسلع، متعهدة التمسك بسياساتها الهادفة إلى إعادة التضخم إلى خانة الآحاد بحلول عام 2029، بالتوازي مع تسريع النمو الاقتصادي إلى 5 في المائة.

وقال نائب الرئيس التركي جودت يلماظ، خلال عرض برنامج الحكومة الاقتصادي متوسط الأجل للفترة 2027- 2029، الأحد الماضي، إن مكافحة التضخم استغرقت وقتاً أطول من المتوقع نتيجة تداعيات حرب إيران؛ مشيراً إلى أن الآثار المباشرة وغير المباشرة للصراع على التضخم تقدَّر بنحو 7 في المائة، وفق تقديرات البنك المركزي.

نائب الرئيس التركي جودت يلماظ خلال عرض البرنامج الاقتصادي متوسط الأجل للحكومة للفترة بين 2027 - 2029 (من حسابه في إكس)

وتوقع يلماظ أن يبدأ التضخم في التراجع مجدداً خلال الربع الأخير من 2026، ليصل إلى 28.4 في المائة بنهاية العام الحالي ارتفاعاً من 16 في المائة في البرنامج السابق ومتوسط 24 في المائة الذي حدَّده البنك المركزي من قبل، وأن ينخفض إلى 21 في المائة في 2027، و13.5 في المائة في 2028، ثم 9 في المائة في 2029. وقال إن الاتجاه النزولي القوي للتضخم استقر مؤقتاً؛ نتيجة ضغوط من جانب العرض ناجمة عن تداعيات حرب إيران، لكنه أكد أن الحكومة حققت «تقدماً كبيراً» في مكافحة التضخم، الذي لا يزال يمثل الأولوية الرئيسية لبرنامجها الاقتصادي.