«هدنة غزة»: ما خيارات الوسطاء لتجاوز التعثر؟

«حماس» تريد اتفاقاً شاملاً... وإسرائيل تلّوح بالتصعيد

رد فعل والد طفلة فلسطينية خلال جنازتها بالمستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
رد فعل والد طفلة فلسطينية خلال جنازتها بالمستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: ما خيارات الوسطاء لتجاوز التعثر؟

رد فعل والد طفلة فلسطينية خلال جنازتها بالمستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
رد فعل والد طفلة فلسطينية خلال جنازتها بالمستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

أزمة جديدة تواجه استئناف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، عقب تمسك «حماس» بأولوية إبرام صفقة شاملة تنهي الحرب المستعرة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في تجاهل للمقترح الإسرائيلي، الساعي لهدنة مؤقتة.

«حماس» التي لم تغلق الباب أمام قبول اتفاق تهدئة خصوصاً مع التصعيد الإسرائيلي واقتراب زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة الشهر المقبل، غازلت مبعوثه آدم بوهلر، الذي سبق أن التقى قياداتها بالدوحة، بالتأكيد على تطابق موقفهما بخصوص إبرام صفقة شاملة، وهو ما يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، توصيفاً لمرحلة «عض الأصابع» شديدة الصعوبة بين مناورات من الحركة الفلسطينية، وتصعيد من حكومة بنيامين نتنياهو.

وينقسم الخبراء إزاء دور الوسطاء بين السعي لإبرام صفقة شاملة، أو المحاولة مجدداً لتقريب وجهات النظر، والضغط على الطرفين لقبول تهدئة جزئية تقود لاتفاق شامل بدعم وضمانة أميركيين، وربما من تركيا، وفق المقترح المصري الأخير الذي قبلت به «حماس» مبدئياً، قبل تقديم نظيره الإسرائيلي منتصف الأسبوع.

ومقدماً طرحاً بديلاً، قال رئيس حركة «حماس» في غزة، خليل الحية، في كلمة متلفزة، مساء الخميس، إن «الحركة مستعدة للتفاوض على الفور بشأن اتفاق لتبادل جميع الرهائن مع عدد متفق عليه من الفلسطينيين المعتقلين لدى إسرائيل، في إطار صفقة تضمن الانسحاب الإسرائيلي، وتنهي الحرب في القطاع»، مضيفاً: «نؤكد استعدادنا للبدء الفوري في مفاوضات الرزمة الشاملة، التي تتضمن إطلاق سراح جميع الأسرى لدينا وعدد متفق عليه من أسرانا لدى الاحتلال. على الاحتلال في المقابل وقف الحرب تماماً على شعبنا والانسحاب الكامل من قطاع غزة».

وأضاف: «الاتفاقات الجزئية يستعملها نتنياهو وحكومته غطاءً لأجندته السياسية القائمة على استمرار حرب الإبادة والتجويع، حتى لو كان الثمن التضحية بأسراه جميعاً، ولن نكون جزءاً من تمرير هذه السياسة». ورحّب الحية بموقف المبعوث الأميركي، آدم بوهلر، بإنهاء ملف الأسرى والحرب معاً، وقال إنه «يتقاطع مع موقف الحركة في التوصل إلى اتفاق شامل»، بعد ساعات من تصريحات بوهلر، أفاد خلالها بأن «حماس» مُرحب بها «إذا كانت ستقدم شيئاً يتطابق مع محدداتنا»، مضيفاً أن هناك دائماً إمكانية للوصول إلى اتفاقية شاملة بشأن الرهائن.

نساء وأطفال غزيون نازحون يركبون على ظهر سيارة مع أمتعتهم أثناء عبورهم ممر نتساريم في وقت سابق (أ.ف.ب)

ونقلت شبكة «CNN» الأميركية عن قيادي بـ«حماس»، لم تسمه، قوله إن المقترح الإسرائيلي الذي تسلمته الحركة الاثنين، من القاهرة «مرفوض ونريد اتفاقاً شاملاً».

وبحسب استطلاع جديد نشرته صحيفة «معاريف»، العبرية، الجمعة، فإن 62 في المائة من الإسرائيليين عبروا عن دعمهم لصفقة يتم بموجبها إطلاق سراح جميع الرهائن دفعة واحدة، مقابل وقف القتال والانسحاب من غزة، بينما عارضها 21 في المائة، و17 في المائة لم يحددوا موقفهم.

وعقب موقف «حماس»، علق مصدر أمني إسرائيلي، الجمعة، قائلاً إن «إسرائيل ستزيد الضغط العسكري على قطاع غزة، وهذا الرفض سيضر بـ(حماس) ومسؤوليها الكبار، وسيزداد الضغط العسكري من الجو والبحر والبر»، وقال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، على منصة «إكس»، الجمعة: «حان الوقت لفتح أبواب الجحيم على (حماس) لتكثيف القتال حتى احتلال القطاع بالكامل».

ويعتقد الخبير الاستراتيجي والعسكري، اللواء سمير فرج، أن «(حماس) تريد بهذا الرد، الوصول إلى الحل النهائي مرة واحدة، وليس خطوة بخطوة، وهذا يتوافق مع رغبة أميركا»، مشيراً إلى أن هذا يصطدم برغبة بنيامين نتنياهو، الذي قد يقابل بضغط أميركي قبل زيارة ترمب للشرق الأوسط.

فلسطينية تبكي على أقارب لها قُتلوا في غارة إسرائيلية ببيت لاهيا (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور، أيمن الرقب، أن الهدنة المنتظر بمرحلة «عض الأصابع»، وهي مرحلة شديدة الصعوبة، خصوصاً مع التصعيد الكبير من نتنياهو الذي يدرك أن أمامه مهلة بنهاية الشهر الحالي، وفق ما وجه به ترمب خلال لقاء بالبيت الأبيض، وكما تشير تسريبات الإعلام الإسرائيلي، وكذلك تدرك «حماس» ذلك، ومن ثم جاء رفضها لمزيد من الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي.

ولفت إلى أن المقترح الإسرائيلي قدمه نتنياهو ليُرفض، خصوصاً أن به عورات كثيرة، من بينها أنه لا يتحدث عن انسحاب أو مفاتيح إطلاق سراح الأسرى، وجاء رد «حماس» الداعي إلى «صفقة شاملة»، قبولاً داخلياً واسعاً في إسرائيل، كما تلاقى مع تصريحات سابقة من واشنطن.

ولم يعلق الوسطاء لا سيما بالقاهرة والدوحة على موقف «حماس»، غير أنه قبل كلمة خليل الحية، بشأن التمسك باتفاق شامل، قال أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، الخميس: «نسعى لتقريب وجهات النظر للتوصل إلى اتفاق ينهي معاناة الشعب الفلسطيني».

رجال إنقاذ فلسطينيون يتفقدون موقع قصف إسرائيلي على مبنى سكني في حي الشجاعية بمدينة غزة خلال وقت سابق (أ.ف.ب)

ويعتقد الرقب أن مصر وقطر ستتحركان بشدة، للتوصل إلى تهدئة جزئية وإحداث مقاربات نحو حل وسط، بغض النظر عن مطلب «حماس» بشأن «الصفقة الشاملة»، خصوصاً والأخيرة كان لديها استعداد لقبول المقترح المصري الأخير الجزئي الممهد لوقف دائم لإطلاق نار، وأبدت تجاوباً معه قبل أن ترد إسرائيل بمقترح منتصف الأسبوع، يشمل نزعاً لسلاح الحركة، وهو ما قوبل بالرفض.

ويرى أن واشنطن لن تتحرك بشكل كبير؛ إلا بعد حلحلة مصر وقطر للأزمة، وتقريب وجهات النظر، ليكون التدخل الأميركي حاسماً بضغوط خاصة قبل زيارة ترمب للمنطقة، على أن تكون هناك ضمانات أميركية لـ«حماس».

بينما يعتقد فرج أن الوسطاء ليس أمامهم بشكل عملي سوى الاتجاه نحو إتمام «الصفقة الشاملة»، مع تعهد وضمانة أميركيين، وتفاهمات بشأن كيفية التغلب على رفض نزع السلاح الذي بات عملياً، ليس كما قبل الحرب؛ بل أقل بكثير جداً، ولا يمثل تهديداً كبيراً.


مقالات ذات صلة

مقتل فلسطيني خلال عملية اعتقال نفذتها الشرطة الإسرائيلية بالقدس الشرقية

المشرق العربي قوات الأمن الإسرائيلية تفرّق مصلين حاولوا التجمع خارج أسوار البلدة القديمة في القدس لأداء صلاة الفجر بمناسبة عيد الفطر (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني خلال عملية اعتقال نفذتها الشرطة الإسرائيلية بالقدس الشرقية

كشفت الشرطة الإسرائيلية، اليوم (الأربعاء)، عن أنها قتلت شاباً فلسطينياً حاول «خطف» سلاح أحد عناصرها خلال عملية ليلية في بلدة جبل المكبر بالقدس الشرقية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر قلقة إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف في الضفة

أعربت مصر عن بالغ قلقها إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي سيارات تحمل أول مجموعة من الجرحى يغادرون مقر الصليب الأحمر الفلسطيني في خان يونس متجهين إلى معبر رفح الحدودي مع مصر (إ.ب.أ) p-circle

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

قُتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية استهدفت مدينة غزة، بحسب ما أفادت هيئة الدفاع المدني ومستشفيان في القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)
جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)
TT

مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)
جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

قال سكان محليون إن 8 موريتانيين، قتلوا أمس (الخميس) داخل أراضي دولة مالي، حيث كانوا يعملون في رعاية قطعان من الماشية خلال رحلة انتجاع عبر الحدود بين البلدين، وسط تصاعد التوتر على الحدود.

واتهم السكان الجيش المالي بالتورط في حادثة القتل، فيما لم تصدر أي تصريحات من جهات رسمية مالية أو موريتانية حول الحادثة.

وقال عمدة محلي في تصريح لوكالة الأخبار المستقلة الموريتانية إن الضحايا ينحدرون من قرية سرسار، التي تتبع لبلدية عين فربه، في أقصى الشرق الموريتاني، بالقرب من الحدود مع دولة مالي. مضيفاً أن حادثة القتل وقعت في منطقة تسمى تنتله «70 كلم داخل الأراضي المالية»، ومشيراً إلى أن الرواية المحلية التي يتداولها السكان تؤكد أن الجيش المالي اعتقل نحو عشرة أشخاص، ليتم العثور لاحقاً على ثمانية منهم قتلى.

من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود (الجيش الموريتاني)

وأكد العمدة أن خمسة من بين القتلى شباب موريتانيون ينحدرون من قرية تتبع لبلديته، جرى التعرف على هوياتهم والتأكد منها، فيما لم يتم التعرف على القتلى الثلاثة الآخرين، مشيراً إلى أن «الجيش المالي أفرج عن طفلين كانا يرافقان الضحايا».

وعادت مصادر محلية اليوم (الجمعة) لتؤكد أن القتلى الثمانية هم موريتانيون، وينحدرون من القرية نفسها، وهم من عرقية «الفلاني»، التي تقطن جنوب موريتانيا، ولها وجود في جميع دول غرب أفريقيا، وتعتمد في أسلوب حياتها على تربية المواشي والأبقار بشكل خاص.

وتشهد الحدود بين موريتانيا ومالي تصاعداً في التوتر، حيث ينفذ الجيش المالي منذ سنوات عملية عسكرية واسعة في محافظات محاذية لموريتانيا، ضد مقاتلي تنظيم القاعدة، خصوصاً (جبهة تحرير ماسينا)، التي يقودها أمادو كوفا، وهو أحد أشهر قادة تنظيم القاعدة في مالي، وينحدر من عرقية «الفلاني».

عناصر من الجيش الموريتاني على الحدود (الجيش الموريتاني)

وكانت مصادر محلية قد اتهمت الجيش المالي، قبل أسبوع، بقتل شابين من سكان قرية بغداد الموريتانية، الواقعة في المنطقة نفسها، وهو الحادث الذي أعلنت موريتانيا فتح تحقيق فيه، كما أصدرت قراراً بمنع الانتجاع في أراضي مالي على جميع المنمين الموريتانيين، خصوصاً في المنطقة الحدودية التي تشهد تصاعداً في التوتر منذ عدة أيام.

وشددت على «ضرورة التزام كل المواطنين بتعليمات السلطات الإدارية والدبلوماسية بخصوص الانتجاع في الأراضي المالية، والتنقل خارج البلاد»، مشيرة إلى أنها «أصدرت تعميماً إلى السلطات الإدارية يقضي بمنع الانتجاع داخل الأراضي المالية».

وأضافت الوزارة أنها طلبت من السلطات الإدارية المحلية «إطلاق حملات تحسيس واسعة النطاق لحث المنمين على عدم التوجه إلى المناطق غير الآمنة؛ حفاظاً على أرواحهم وممتلكاتهم»، مبرزة أنها شكّلت «لجاناً قروية لليقظة» على مستوى المناطق الحدودية، ضِمن ما سمّته «جهود القطاع الهادفة إلى تعزيز الأمن وتحسين آليات الرصد والتنسيق في المناطق الحدودية».

في السياق ذاته، أصدر حب الإنصاف الحاكم بياناً قال فيه إنه دعا أقسامه في المحافظات المحاذية للحدود مع مالي إلى «التعبئة والتحسيس، وحث المواطنين على الالتزام بتعليمات السلطات بخصوص منع الانتجاع داخل أراضي مالي».

وتمر العلاقات بين موريتانيا ومالي بفترة من التوتر بسبب احتكاكات على الحدود، ناتجة عن تصاعد وتيرة الحرب بين الجيش المالي والجماعات الإرهابية، فيما أعلن الجيش الموريتاني في أكثر من مرة أنه موجود على الحدود وفي أتم جاهزيته لحماية حوزته الترابية ومواطنيه.


باشاغا: لا توجد إرادة حقيقية لإنهاء وجود الميليشيات في ليبيا

باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)
باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)
TT

باشاغا: لا توجد إرادة حقيقية لإنهاء وجود الميليشيات في ليبيا

باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)
باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)

قال فتحي باشاغا، الرئيس السابق للحكومة الليبية المكلفة من البرلمان، إنه «لا توجد إرادة حقيقية لإنهاء وجود الميليشيات في البلاد»، محذراً من مخاطر «جدية» قد تقود إلى «تقسيم بلاده»، في ظلِّ استمرار الانقسام السياسي والعسكري.

وأوضح باشاغا في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «مصير الميليشيات في ليبيا، هو إما أن تضعف وتتحلل، أو يتم دمجها في مؤسسات الدولة إذا توفَّرت إرادة جادة لدى القيادات لتعزيز المؤسسات الأمنية الشرعية»، ورأى أن «الواقع الحالي يعكس غياب هذه الإرادة؛ حيث يسعى كل طرف لتوسيع نفوذه العسكري، والاستحواذ على المغانم؛ ما يهدِّد بدفع البلاد نحو صراع مسلح جديد»، مستبعداً «نجاح توحيد المؤسسة العسكرية في حال عدم وجود حكومة موحدة تقود الجيش بقيادة واحدة»، وقال إنه «لا يمكن تحقيق ذلك في ظلِّ التنافس بين أطراف متعددة».

مخاطر الانقسام

يرى باشاغا أن «حالة الانقسام في ليبيا تُنذر بمخاطر جدية قد تصل إلى التفكك أو التقسيم إلى أكثر من كيان، في ظلِّ تصاعد بعض الدعوات، خصوصاً في الجنوب، للانفصال»، محذِّراً من أن «اتساع دائرة التشظي قد يفتح المجال أمام صراعات مسلحة تغذيها تدخلات خارجية».

وأشار باشاغا إلى أن مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» «يتبادلان تعطيل القرارات، خصوصاً قوانين الانتخابات، وسط غياب التنسيق، رغم ما نصَّ عليه الاتفاق السياسي»، لافتاً إلى «تكتلات داخل المجلس الأعلى للدولة، والدعوات لانقسام البرلمان بين طرابلس وبنغازي، ما يزيد تعقيد المشهد». وعدَّ أن «الأخطر هو امتداد الانقسام إلى داخل السلطة القضائية، بما يحمله من تهديد مباشر لمنظومة العدالة وسيادة القانون، وانعكاسات سلبية على الاستقرار العام في البلاد».

وباشاغا هو رئيس سابق للحكومة المعينة من مجلس النواب بين مارس (آذار) 2022 ومايو (أيار) 2023 بعد سحب البرلمان الثقة من حكومة الدبيبة، وشغل سابقاً منصب وزير الداخلية في حكومة «الوفاق» برئاسة فائز السراج.

دور الأمم المتحدة

في تقييمه لدور الأمم المتحدة، قال باشاغا إن بعثتها «نجحت بعد فبراير (شباط) 2011 في بعض المحطات وفشلت في أخرى»، مبرزاً أن «تكرار تغيير المبعوثين الأمميين يؤدي إلى انقطاع في متابعة الخطط»، عادّاً أنها «غالباً ما تنجح في المرحلة الأولى، أي تشكيل حكومات انتقالية، لكنها لا تستكمل المسار نحو الهدف النهائي المتمثل في انتخابات تمنح شرعيةً كاملةً لمؤسسات الدولة دون طعون قانونية».

وأضاف باشاغا أنه «رغم نجاحها في اتفاقَي الصخيرات 2015 وجنيف 2021 في تشكيل سلطات تنفيذية، فإنها أخفقت في إيصال البلاد إلى الانتخابات، لتبقى حالة الانسداد قائمة».

وتعيش ليبيا على وقع انقسام سياسي وعسكري، حيث تتنازع السلطة فيها حكومتان، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى تسيطر على شرق ليبيا وأجزاء من جنوبها بقيادة أسامة حماد، ومدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

ويرى باشاغا أن الرؤية الحالية للبعثة الأممية «لا تزال غير واضحة»، موضحاً أنها «اكتفت بتشكيل لجنة استشارية، مع الاستمرار في منح مجلسَي النواب والأعلى للدولة فرصةً لإقرار قوانين الانتخابات ومعالجة وضع المفوضية، دون مؤشرات حقيقية على التوافق»، مشيراً إلى أن ذلك «يعكس بطئاً ملحوظاً، مرتبطاً أيضاً بتباينات دولية وإقليمية حول الملف الليبي».

كما لفت باشاغا إلى أنَّ اختيار المشاركين في الحوار المهيكل «لا يخلو من ملاحظات»، إذ «تشير بعض الأطراف إلى عدم اختيارها ضمن المشاركين، وهو ما يثير تساؤلات حول معايير الاختيار والإنصاف في التمثيل»، إلى جانب «تساؤلات بشأن مدى إلزامية التوصيات التي قد تصدر عن هذا الحوار».

وإلى جانب «خريطة الطريق» التي طرحتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه في أغسطس (آب) الماضي لحلِّ الأزمة الليبية، ومن بين بنودها «الحوار المهيكل»، يقود مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، جهوداً لتوحيد الحكومتين عبر لقاءات تجمع مسؤولين من الطرفين لتوحيد البلاد في عواصم غربية.

وفي هذا السياق، قال باشاغا: «إن تحركات بولس أثارت تساؤلات، إذ يرى البعض أنَّها تسير بموازاة مسار البعثة الأممية الداعي لحكومة جديدة مُوحَّدة تقود إلى انتخابات»، محذِّراً من أنَّ «جهود دمج الحكومتين في الشرق والغرب قد تفسح الطريق لتمكين الأطراف المعنية اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً لتعظيم مكاسبها، بما قد يفاقم الصراع ويزيد احتمالات الصدام».

وأضاف: «لا أظنُّ أنَّ جهود بولس ستقود إلى دمج بين الحكومتين، خصوصاً في ظلِّ أزمة ثقة عميقة تجعل التوافق بينهما على إدارة موحدة للبلاد أمراً صعباً في المدى القريب»، مؤكداً أن «الدور الأميركي يظلُّ داعماً للبعثة الأممية، كما في اتفاقَي (الصخيرات) و(جنيف)، وإن لم يحظَ برضا ليبي كامل». كما شدَّد باشاغا على «الحاجة إلى تنسيق أوثق مع الدول الإقليمية المنخرطة في الملف الليبي، لأنَّ الانقسام لم يعد داخلياً فقط، بل أصبح إقليمياً ودولياً».

تدخل الأطراف الدولية

بخصوص المسار الدستوري، قال باشاغا إن «الجمود، وخصوصاً (مسودة 2017)، يعكس صراعاً سياسياً وآيديولوجياً بين أطراف تسعى لإدراج نصوص تخدم مصالحها وتمديد سيطرتها على الحكم وموارد ليبيا»، مضيفاً أن «تدخل بعض الأطراف الدولية يفاقم هذا الوضع ويعرقل التوصُّل إلى حل سياسي حقيقي».

وجدَّد باشاغا إدانته لاغتيال سيف الإسلام القذافي، وأي عملية قتل خارج القانون، قائلاً: «إن حلَّ الخلافات يجب أن يكون عبر القضاء»، مطالباً «السلطات القضائية بالإفصاح بشفافية عن مجريات التحقيق وهوية المتهمين»، ومشدِّداً على «ضرورة بناء دولة مؤسسات مستقرة، مع احترام مشارَكة كل التيارات السياسية، بما فيها تيار النظام الجماهيري دون إقصاء لأي ليبي».


غياب الدبيبة المتكرر يثير تساؤلات الليبيين بشأن وضعه الصحي

الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)
TT

غياب الدبيبة المتكرر يثير تساؤلات الليبيين بشأن وضعه الصحي

الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)

بات عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، يتغيب عن المشهد العام بشكل لافت منذ فترة، وتمثّل ذلك في عدم مشاركته في صلاة عيد الفطر المبارك ومظاهر الاحتفال في كل من العاصمة طرابلس ومسقط رأسه مصراتة، فضلاً عن غيابه عن أي فعالية أو اجتماع رسمي بعد انتهاء عطلة العيد، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات بوجوده في إحدى العواصم الغربية لأغراض علاجية.

وتستند هذه التكهنات، وفق مراقبين، إلى أن الغياب يأتي في أعقاب وعكة صحية تعرّض لها في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، أجرى على أثرها تدخلاً جراحياً بالقلب في أحد مستشفيات مصراتة. لكن ما عمّق الغموض هذه المرة هو الصمت الحكومي غير المعتاد، إذ لم يصدر أي بيان أو توضيح يتعلق بمكان الدبيبة أو وضعه الصحي.

وعلى الرغم من أن عدداً من وزرائه حرصوا على تأكيد أن لقاءاتهم مع بعض المسؤولين تجري بتكليف منه، لم تنجح هذه التصريحات في إنهاء هذا الجدل.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الليبي، فرج فركاش، أن هناك «حالة ترقب لا يمكن إنكارها حيال غياب الدبيبة، يعمقها الصمت الحكومي حول أي خبر يتعلق به»، وقال إن الدبيبة «لم يظهر إعلامياً منذ الأيام الأخيرة من شهر رمضان، كما لُوحظ عدم مشاركته الليبيين في صلاة العيد واللقاءات الاجتماعية المعتادة؛ وهو ما يُعد نهجاً غير معتاد له».

وأشار فركاش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تغيب الدبيبة غذّى التكهنات حول خضوعه للعلاج في إحدى الدول الأوروبية، وأثار تساؤلات قانونية حول الجهة التي تدير مهام الحكومة في ظل غياب تفويض معلن لأي من نوابه».

ويتوقع فركاش أن يؤدي هذا الغموض في المشهد الراهن إلى «تزايد الضغوط السياسية على حكومة (الوحدة) خلال الفترة المقبلة»، مشيراً إلى أن «خصومها لن يتوقفوا عن إثارة مسألة قدرة الدبيبة على ممارسة مهامه حتى إذا استأنف الأخير ظهوره الإعلامي».

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة» التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، وحكومة في بنغازي برئاسة أسامة حماد، مكلفة من البرلمان وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

في المقابل، يرى رئيس «الاتحاد الوطني» للأحزاب الليبية، أسعد زهيو، أن «تعامل غالبية الليبيين مع صحة الدبيبة ينحصر في البعد الإنساني والتعاطف مع الأمر، فيما يقتصر الجدل حول تداعياتها السياسية على المؤيدين والخصوم».

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى «أهمية موقع الدبيبة ممثلاً للسلطة في غرب البلاد، والجدل الممتد حول حكومته منذ 2021»، معتبراً أن «غيابه وما يغذيه من شائعات قد يكون أحد العوامل التي تستند إليها الأطراف المحلية والدولية للدفع بتشكيل حكومة موحدة للبلاد تمهيداً لإجراء الانتخابات».

وخلال الأيام الماضية، لم تكفّ بعض صفحات مواقع التواصل عن إثارة أخبار تتعلق بالدبيبة، والتكهن بتعرضه لوعكة صحية، بل ذهب بعضها إلى الحديث عن صراع في الكواليس بين المقربين منه من وزراء ومستشارين على خلافته.

أما مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشرف عبد الله، فيرى أن الجدل حول صحة الدبيبة وعدم ظهوره الإعلامي «يعود إلى المخاوف المترتبة على غيابه عن المشهد السياسي، بالنظر إلى هشاشة بنية السلطة في ليبيا وشخصيتها باعتمادها على الفرد لا على مؤسسات دستورية»، لافتاً إلى «عدم وجود بنود واضحة في نصوص الاتفاقيات السياسية الحاكمة للفترة الانتقالية بشأن خلو منصب رئيس الحكومة».

ووصف عبد الله التركيبة الأمنية للمنطقة الغربية بكونها «بالغة التعقيد في ظل تصاعد نفوذ مدن بعينها مثل مصراتة وطرابلس والزاوية، والثقل السياسي والتسليحي لكل منهم بالنظر إلى عدد ليس هيناً من المجموعات المسلحة التي توجد هناك». ورأى أن الدبيبة «نجح في البقاء بموقعه عبر نسج شبكة مصالح ترتكز على احتواء قيادات تلك المجموعات المسلحة مالياً».

وحذّر مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية من أن غياب الدبيبة «الذي يمثّل المورد المالي لهذه المجموعات المسلحة، قد يتسبّب في عودتها إلى الصراع فيما بينها على مناطق النفوذ والمراكز والمؤسسات المالية الكبرى، وفي مقدمتها المصرف المركزي، مما يعني شللاً في عمل تلك المؤسسات».