«المركزي» لتفكيك تعقيدات الإنفاق «المزدوج» بين حكومتي ليبيا

الدبيبة تحدَّث عن «آلية جديدة» لاستيراد المحروقات... وحمّاد يعد بـ«حزمة إصلاحات»

جانب من اجتماع «المركزي» في مقره ببنغازي مع حكومة حمّاد (الحكومة)
جانب من اجتماع «المركزي» في مقره ببنغازي مع حكومة حمّاد (الحكومة)
TT

«المركزي» لتفكيك تعقيدات الإنفاق «المزدوج» بين حكومتي ليبيا

جانب من اجتماع «المركزي» في مقره ببنغازي مع حكومة حمّاد (الحكومة)
جانب من اجتماع «المركزي» في مقره ببنغازي مع حكومة حمّاد (الحكومة)

سعى ناجي عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي، في أول تحرك من نوعه، بين الحكومتين المتنازعتين على السلطة في ليبيا، لتفكيك تعقيدات الإنفاق العام «المزدوج»، من خلال مناقشة سُبل إصلاح الوضع الاقتصادي، وتفعيل «الميزانية الموحدة».

وفي لقاءين متتابعين ما بين مقري المصرف في العاصمة طرابلس وبنغازي، أجرى عيسى مباحثات مع رئيسي الحكومتين عبد الحميد الدبيبة، وأسامة حمّاد، تمحورت حول ضرورة ترشيد الإنفاق، وسد «الفجوة بين الإيرادات والمصروفات»، والتحذير من زيادة بند الرواتب.

ناجي عيسى لدى وصوله إلى بنغازي (حكومة حماد)

وتتصاعد فاتورة الإنفاق على الرواتب في ليبيا بوتيرة كبيرة، فمنذ عام 2009 قفزت من 9 مليارات دينار إلى 67.6 مليار دينار خلال عام 2024، حسب «المصرف المركزي». (الدولار يساوي 5.47 دينار في السوق الرسمية)، و(7.12 دينار في السوق غير الرسمية).

واستهل عيسى تحركاته بمناقشات أجرها في طرابلس مع أعضاء اللجنة المالية بمجلس النواب، مساء الأربعاء، أعقبها باجتماع مع الدبيبة في مقر المصرف، تناول «تداعيات الإنفاق العام على الوضعين الاقتصادي والمالي، وآثاره على قوة الدينار الليبي».

وقال المصرف إن محافظه تطرَّق خلال اجتماعه برئيس حكومة «الوحدة» إلى «ضرورة الشروع في تنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، لرفع وتحسين مستوى معيشة الليبيين وفق خطة عمل سريعة»، مرتكزاً في ذلك إلى أن الإيرادات النفطية الموردة للمصرف «شهدت تحسناً ملحوظاً خلال هذا الأسبوع».

محافظ المركزي مستقبلاً الدبيبة مساء الأربعاء (المصرف المركزي)

ونقل المصرف عن الدبيبة «تأكيده أن حكومته بدأت فعلياً تطبيق آلية جديدة لاستيراد المحروقات، بعيداً عن نظام المبادلة السابق»، معرباً عن أمله في أن تتعاون جميع الجهات المعنية «للاضطلاع بدورها لاستمرار توفّر الوقود، وتحقيق الاستقرار في هذا القطاع الحيوي».

واتفق الطرفان في ختام الاجتماع على تنسيق الجهود بين حكومة والمصرف بشأن صرف رواتب أبريل (نيسان) مطلع الأسبوع المقبل، كما شددا على «ضرورة اتخاذ جملة من الإصلاحات في السياسات الاقتصادية - المالية، والنقدية والتجارية، بهدف تعزيز الإيرادات السيادية وتحسين سبل جبايتها؛ بالإضافة إلى اتخاذ كل التدابير لدعم قيمة الدينار الليبي، بما يُحافظ على استقرار سعر الصرف، ويُحقق الاستدامة المالية للدولة».

محافظ المركزي مستقبلاً الدبيبة مساء الأربعاء (المصرف المركزي)

وسبق لـ«المصرف المركزي» التحذير في السادس من أبريل الحالي من خطورة الإنفاق العام «المزدوج» من جانب حكومتي «الوحدة» المؤقتة في طرابلس، والمُكلفة من مجلس النواب في بنغازي، مشيراً إلى أنه «ساهم في اتساع واختلال الفجوة بين الطلب والعرض من العملات الأجنبية؛ وحال دون المحافظة على استقرار سعر الصرف، والرفع من قيمة الدينار الليبي».

وكان المصرف قد أعلن في بيان مفصّل أن حجم الإنفاق العام المزدوج خلال 2024 بلغ 224 مليار دينار، وأشار إلى أن حكومة الدبيبة أنفقت 123 ملياراً، في حين جاء نصيب نظيرتها 59 ملياراً.

وتسبب الحديث عن «الإنفاق الموازي» في تسخين الجبهة بين «الحكومتين». فيما حمّل الدبيبة حكومة حمّاد، التي سماها «الموازية»، مسؤولية «الإنفاق من دون الرجوع إلى مؤسسات الدولة؛ ما أدَّى إلى تداعيات على الاقتصاد الوطني، تمثَّلت في استنزاف الاحتياطي النقدي»، وردَّ الأخير متهماً حكومة طرابلس بـ«اتباع أسلوب التدليس في إعطاء المعلومات المغلوطة».

وكان حمَّاد قد رفع إلى رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، مشروع قانون «الميزانية الموحدة» للعام الجديد، وصفت بأنها «الأضخم»؛ حيث تتجاوز 174 مليار دينار، وسط اعتراضات واسعة عليها من أطراف كثيرة بسبب عدم مراعاتها الأزمة التي يعانيها الاقتصاد الليبي راهناً.

حماد مرحباً بوفد «المركزي» لدى وصوله بنغازي صباح الخميس (الحكومة الليبية)

وركَّز لقاء عيسى بحماد في مدينة بنغازي، التي وصلها صباح (الخميس)، على تداعيات الأوضاع الاقتصادية والمالية الحالية في ليبيا. وقالت حكومة حمّاد إن الاجتماع، الذي حضره نائب المحافظ مرعي البرعصي، ومديرو الإدارات بالمصرف، تناول أيضاً «تداعيات الإنفاق العام على الأوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد، وتأثيرها على العملة الرسمية».

وتحدَّث حمّاد عن «العمل والتنسيق مع إدارة المصرف، وتسخير الجهود كلها لبناء اقتصادٍ وطني متماسك، قادر على مواجهة التحديات الحالية، وتحقيق مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة»، معلناً عن «حزمة من الإصلاحات» لمواجهة التحديات الاقتصادية.

وتتضمن هذه الحزمة، حسب حماد، «تحسين إنتاج مؤسسة النفط، وإلغاء نظام مبادلة الخام، واستحداث آلية شفافة لتوفير المحروقات، وتفعيل قانون الرواتب الموحد لتحقيق العدالة الاجتماعية، والعمل على توازن الرواتب بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب توحيد الأجهزة الرقابية لتعزيز الشفافية».

وقال عيسى إن «الإنفاق هو محور الأوضاع الاقتصادية». مشيراً إلى تحذيره السابق من «الفجوة بين الإيرادات والمصروفات»، وذهب إلى أن العجز في النقد الأجنبي بليبيا «جاء نتيجة ارتفاع الطلب، وعدم قدرة المصرف على تلبيته».

ودعا عيسى خلال الاجتماع إلى «ضرورة الاتفاق على ميزانية موحدة»، و«مراجعة سياسة دعم المحروقات؛ واستبدال الدعم النقدي بها»، كما حذَّر من «زيادة بند الرواتب، واستنزاف خزينة الدولة».

ونقلت حكومة حماد عن المحافظ إشادته بـ«مشروعات التنمية»، خاصة في مدينة درنة، وبـ«حزمة الإصلاحات» التي قدَّمها حماد، وقال «إنها ضرورية لحل الأزمة الاقتصادية». فيما قال حماد إن مصرف ليبيا المركزي «يُشكّل ركيزة أساسية في مسار الإصلاح الاقتصادي»، مؤكداً أهمية تعزيز دوره في «رسم السياسة النقدية، وتحقيق الاستقرار المالي، ودعم توحيد المؤسسات والشفافية، واستعادة الثقة بمؤسسات الدولة».


مقالات ذات صلة

اعتقالات في غرب ليبيا إثر احتجاجات على الغلاء وتدهور الخدمات

شمال افريقيا مظاهرة لمواطنين في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

اعتقالات في غرب ليبيا إثر احتجاجات على الغلاء وتدهور الخدمات

ساد هدوء حذر في العاصمة الليبية طرابلس وعدد من مدن غرب البلاد، السبت، وذلك عقب ليلة من الاحتجاجات الشعبية الحاشدة على ارتفاع الدولار والغلاء.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الدبيبة يصافح القصب في طرابلس الشهر الماضي (مكتب الدبيبة)

وعود رئيس «الوحدة» الليبية بإنهاء الميليشيات تنهار أمام ترسيخ تحالفاته معها

شدد الدبيبة، في خطابه السياسي خلال صيف العام الماضي، على أن الميليشيات عائق أمام بناء الدولة.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا «لواء سبل السلام» التابع لقوات «الجيش الوطني الليبي» في اصطفاف ليلي بأحد شوارع مدينة الكفرة (إعلام القيادة العامة)

اتساع رقعة الاشتباكات بين «الوطني الليبي» ومسلحين على حدود النيجر

اتسعت رقعة الاشتباكات في الجنوب الليبي بين قوات تابعة لـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر، ومجموعة مسلحة تنشط على الشريط الحدودي مع النيجر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا انتشار كثيف لقوات الأمن داخل طرابلس لمنع أي أحداث عنف أو مواجهات (أ.ب)

مناوئون للدبيبة يحشدون لـ«انتفاضة» ضد كل «الأجسام السياسية» الليبية

يحشد ليبيون في غرب البلاد لمظاهرات ضد الأجسام السياسية الحاكمة، تزامناً مع عودة الدبيبة إلى مصراتة من رحلة علاج في مدينة ميلانو الإيطالية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة خلال افتتاحه الفندق البلدي لمصراتة الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)

محاولة اغتيال مسؤول أمني تعيد التوتر إلى مصراتة الليبية

زادت محاولة اغتيال العقيد مصطفى الحار، المكلف بمهام مدير مكتب مكافحة الإرهاب والأنشطة الهدامة في مدينة مصراتة، حالة الاحتقان التي تعيشها المدينة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عودة هجمات البحر الأحمر تهدد تعافي قناة السويس

السفينة الفرنسية «CMA CGM SEINE» العملاقة خلال مرورها من قناة السويس في يناير الماضي (هيئة قناة السويس)
السفينة الفرنسية «CMA CGM SEINE» العملاقة خلال مرورها من قناة السويس في يناير الماضي (هيئة قناة السويس)
TT

عودة هجمات البحر الأحمر تهدد تعافي قناة السويس

السفينة الفرنسية «CMA CGM SEINE» العملاقة خلال مرورها من قناة السويس في يناير الماضي (هيئة قناة السويس)
السفينة الفرنسية «CMA CGM SEINE» العملاقة خلال مرورها من قناة السويس في يناير الماضي (هيئة قناة السويس)

تجددت مخاوف في مصر بشأن تأثر الملاحة في قناة السويس المصرية بالحرب الراهنة، بعد أشهر من تعافي إيراداتها، وربط خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» مدى تلك التأثيرات بـ«التطورات العسكرية خلال الفترة المقبلة».

وقال مسؤولان حوثيان لوكالة «أسوشييتد برس»، السبت، إن الجماعة اليمنية المدعومة من إيران «سوف تستأنف الهجمات على السفن التي تمر في البحر الأحمر».

وتأثرت حركة المرور بقناة السويس في وقت سابق نتيجة هجمات الحوثيين على سفن الشحن في البحر الأحمر، بسبب حرب إسرائيل على غزة في 2023. لكن مع توقيع «اتفاق غزة» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، انخفضت تلك الهجمات بنسبة كبيرة.

وبلغت خسائر قناة السويس خلال عامَي 2024 و2025 نحو 12 مليار دولار، بسبب تداعيات «حرب غزة» وتغيير عديد من الخطوط الملاحية مسارها، وفق تصريحات رئيس «هيئة قناة السويس»، الفريق أسامة ربيع، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وحققت «القناة» في عام 2023 إيرادات بلغت 10 مليارات و200 مليون دولار.

ويرجح مستشار النقل البحري وخبير اقتصادات النقل، أحمد الشامي، أن «يسود الترقب والحذر من قبل شركات الملاحة حتى نهاية شهر رمضان». ويدلل على ذلك بأن «الفترة الحالية هي من أهدأ الفترات التجارية في العالم؛ لأنها فترة الإجازات الصينية، وحجم التجارة في هذا التوقيت تقريباً أقل من 65 في المائة من طبيعته، وذلك من يناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط) حتى منتصف مارس (آذار) من كل عام». لكنه يرى أنه «إذا لم تتوقف الحرب على إيران، فسوف تتأثر قناة السويس بما هو أسوأ من الربع الثاني خلال عام 2024».

ويتوقع الشامي «عدم إعلان أي شركة من شركات الملاحة تغيير مسارها من العبور في قناة السويس، بل ستظل هذه الشركات في حالة ترقب لما هو قادم».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله أسامة ربيع (شمالاً) بحضور المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

وأنعش عبور سفينة حاويات فرنسية عملاقة في مجرى قناة السويس، نهاية يناير الماضي، الآمال المصرية بعودة حركة الملاحة في الممر الملاحي الحيوي إلى طبيعتها، في ظل تأكيدات رسمية متكررة على تعافي الإيرادات وحركة السفن المارة، في حين يرى مراقبون أن «عودة هجمات البحر الأحمر سوف تهدد التعافي الذي شهدته قناة السويس خلال الأشهر الماضية».

وكان رئيس هيئة القناة تحدث خلال اجتماع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، الشهر الماضي، عن تحسن الإيرادات بصورة أكبر خلال النصف الثاني من عام 2026 مع عودة حركة بعض الخطوط الملاحية إلى مستوياتها الطبيعية بنهاية العام.

نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير صلاح حليمة، قال: «بالتأكيد سوف يكون هناك تأثير على الملاحة في قناة السويس»، لكنه رهن هذا التأثير بـ«حجم الاستهداف الحوثي، وهل سيكون ضد إسرائيل مباشرة، أو سيكون ضد بعض السفن المارة فقط، سواء الإسرائيلية أو الأميركية أو أي سفن أخرى».

ويضيف أنه «مجرد وجود توتر بهذا الشكل في المنطقة يكون له تأثير سلبي على حركة الملاحة، وبالتالي سوف تتأثر إيرادات قناة السويس بعد أشهر من التعافي».

عبور الحوض العائم «Green Dock3» بقناة السويس في ديسمبر الماضي (هيئة قناة السويس)

ويشير حليمة إلى «التحركات المصرية الحالية لتجنب التصعيد في المنطقة، ومحاولة الوصول إلى تهدئة... وأعتقد أن هناك عدداً من الدول التي اتخذت نفس الموقف، وجميعها تصب في النهاية على توقف الحرب».

وأعلنت «هيئة قناة السويس» الشهر الماضي تسجيل نمو في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024-2025.

ويؤكد حليمة أن «التأثيرات المستقبلية على القناة سوف تتوقف على مدى قيام الحوثيين باستهداف السفن فعلاً؛ لأن ما حدث حتى الآن مجرد إعلان من جماعة الحوثي عن استهدافات محتملة». ويوضح: «قد يكون هناك بعض الحذر من جانب شركات في حركة السفن، وذلك لحين اتضاح الصورة أكثر».


اعتقالات في غرب ليبيا إثر احتجاجات على الغلاء وتدهور الخدمات

مظاهرة لمواطنين في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
مظاهرة لمواطنين في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
TT

اعتقالات في غرب ليبيا إثر احتجاجات على الغلاء وتدهور الخدمات

مظاهرة لمواطنين في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
مظاهرة لمواطنين في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

ساد هدوء حذر في العاصمة الليبية طرابلس وعدد من مدن غرب البلاد، السبت، عقب ليلة من الاحتجاجات الشعبية الحاشدة على ارتفاع الدولار والغلاء وتدهور الخدمات، وسط حالة من الغموض حول الوضع الصحي لرئيس حكومة «الوحدة» (المؤقتة)، عبد الحميد الدبيبة.

تسود في ليبيا حالة من الغموض حول الوضع الصحي لرئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)

هذه المظاهرات واجهتها مجموعات مسلحة، تابعة لحكومة «الوحدة»، بمحاولات فض بالقوة وعمليات توقيف، في حين يدرس حلفاء الدبيبة في «مجلس الدولة» آليات إدارة المرحلة الانتقالية في حال تدهور حالته الصحية مجدداً.

وشهدت العاصمة طرابلس ومدن أخرى ليل الجمعة وفجر السبت، موجة احتجاجات عارمة للتنديد بتدهور الأوضاع المعيشية وانهيار العملة المحلية. وتحدث شهود عيان وتقارير إعلامية عن وقوع إطلاق نار عشوائي، واستخدام كثيف لقنابل الغاز المسيل للدموع أمام مقر رئاسة حكومة «الوحدة» في «طريق السكة» بطرابلس، في محاولة لتفريق متظاهرين غاضبين حاولوا الوصول إلى مقر الحكومة للتعبير عن استيائهم من تردي الخدمات وغلاء الأسعار.

ورصدت وسائل إعلام محلية إطلاق القوات الحكومية الرصاص الحي لقمع المتظاهرين أمام مقر الحكومة، بعدما تجمع المئات في «ميدان الشهداء» بقلب العاصمة، وسط هتافات طالبت بإسقاط كافة الأجسام السياسية القائمة في شرق البلاد وغربها دون استثناء.

ورفع المحتجون شعارات تنادي بإنهاء الفساد المستشري في المؤسسات العامة، وتشكيل حكومة موحدة تبسط سيطرتها على كامل التراب الليبي. كما هتفوا، بحسب وكالة الأنباء الليبية الرسمية، بوحدة البلاد، وطالبوا بالإسراع بالانتخابات، وبحكومة موحدة، رافضين كافة المسارات الأخرى التي تتجاهل مطالب الشعب وإرادته بإجراء انتخابات حرة، تفرز سلطات وقيادات شرعية تقود البلاد وتحفظ السيادة الليبية.

وتأتي هذه المظاهرات، التي امتدت إلى مدينتَي الزاوية وزليتن، على وقع أزمة اقتصادية خانقة؛ إذ سجل سعر صرف الدولار مستويات قياسية، متجاوزاً حاجز الـ10 دنانير ليبية، ما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن.

وفي غياب تقارير مستقلة، رصدت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» وقوع حملة اعتقالات واسعة طالت بعض المشاركين في هذه المظاهرات السلمية، احتجاجاً على تدهور الظروف الاقتصادية والمعيشية في البلاد، مشيرة إلى رصدها تورط عناصر أمنية تابعة لجهاز الأمن الداخلي ووزارة الداخلية، وقوة التدخل والسيطرة التابعة لحكومة «الوحدة»، في تنفيذ عمليات احتجاز تعسفي ضد المتظاهرين الذين خرجوا ليلة السبت في شوارع العاصمة.

وأدانت المؤسسة ما وصفته بـ«الممارسات القمعية والاستبدادية»، التي تهدف إلى تكميم الأفواه ومصادرة الحق في التعبير السلمي، وطالبت الأجهزة الأمنية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة المعتقلين تعسفياً، والتوقف عن انتهاك القواعد الدستورية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري المؤقت، وقانون تنظيم التظاهر السلمي.

كما حمّلت حكومة «الوحدة» المسؤولية القانونية الكاملة عن سلامة وحياة المحتجزين، مذكّرة إياها بالتزامات ليبيا الدولية، بموجب «العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية».

إلى ذلك، التزمت «الوحدة» والمجلس الأعلى للدولة الصمت حيال تقارير إعلامية عن شروع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة في مناقشة خطوات إدارة المرحلة الانتقالية، بعد الحديث عن تدهور الحالة الصحية للدبيبة مجدداً.

وانتشرت مرة أخرى شائعات على وسائل إعلام وصفحات تواصل اجتماعي ليبية، تفيد بـ«عودة وعكة صحية» للدبيبة في مصراتة مساء الجمعة، ودخوله العناية المركزة للمرة الرابعة في أقل من شهرين، لكن حسابات إعلامية ليبية نفت أي وعكة جديدة، مؤكدة أن الدبيبة «بخير».

ولم يظهر الدبيبة علناً منذ عودته إلى البلاد، حيث هبطت طائرته في مطار مصراتة الدولي، ولم يصدر أي بيان رسمي يشير إلى تدهور صحي لاحق، علماً بأنه خضع لفحوصات طبية إضافية الأسبوع الماضي في مدينة ميلانو الإيطالية.

واستمر الدبيبة البالغ من العمر 65 عاماً في أداء مهامه، رغم تعرضه لوعكة صحية سابقة الشهر الماضي، حيث خضع لما وصفه بتدخل طفيف لم يحدده في مستشفى القلب والأوعية الدموية بمدينة مصراتة، في حين رجحت مصادر طبية وإعلامية خضوعه لعملية قسطرة قلبية ناجحة.

المظاهرات خرجت للتنديد بموجة الغلاء وتدهور الأوضاع المعيشية وانهيار العملة المحلية (أ.ف.ب)

في المقابل، كشفت بعثة الأمم المتحدة عن إحراز ما وصفته بتقدم ملموس في «الحوار المهيكل»، الرامي لمعالجة الجذور العميقة للأزمة التي طالما جرى ترحيلها من مرحلة إلى أخرى؛ إذ أكد المتحدث باسم البعثة، محمد الأسعدي، أن جولات الحوار في طرابلس أنجزت 40 يوم عمل، ركزت على قضايا ملحّة تعكس تطلعات الشارع الليبي.

وقال الأسعدي لـ«الشرق الأوسط» إن مجموعات العمل ستواصل لقاءاتها الفنية «عبر الإنترنت» خلال شهر رمضان، لضمان استمرارية الجهد الدولي في توحيد المؤسسات، واصفاً «الحوار المهيكل» بأنه «عملية شاملة تستهدف بناء رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، ودعم توحيد المؤسسات، وتهيئة البيئة المناسبة للوصول إلى الاستقرار الدائم عبر صناديق الاقتراع، استناداً إلى مبادئ الشمول والتنوع»، على حد قوله.

ويُعد «الحوار المهيكل»، الذي انطلق في منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أحد مسارات «الخريطة الأممية»، التي طرحتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي لمعالجة الانقسام بين حكومتَي طرابلس والشرق، ويركز على أربعة ملفات رئيسية هي: الحوكمة، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية، والأمن.


مخاوف في مصر من «تداعيات سلبية» للحرب الأميركية - الإيرانية

اجتماع سابق لرئيس الوزراء مع عدد من الوزراء لمتابعة الأسعار في السوق المصرية (وزارة التموين المصرية)
اجتماع سابق لرئيس الوزراء مع عدد من الوزراء لمتابعة الأسعار في السوق المصرية (وزارة التموين المصرية)
TT

مخاوف في مصر من «تداعيات سلبية» للحرب الأميركية - الإيرانية

اجتماع سابق لرئيس الوزراء مع عدد من الوزراء لمتابعة الأسعار في السوق المصرية (وزارة التموين المصرية)
اجتماع سابق لرئيس الوزراء مع عدد من الوزراء لمتابعة الأسعار في السوق المصرية (وزارة التموين المصرية)

فعَّلت مصر «غرفة الأزمات» في مجلس الوزراء، مع بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، استعداداً لمواجهة تداعيات سلبية متوقعة على الاقتصاد المصري الذي يحاول أن يتجاوز المراحل الصعبة، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة.

ورغم تأكيدات حكومية على أن السلع الاستراتيجية متوفرة لشهور، وإمدادات الغاز مؤمَّنة مع وجود خطط احتياطية لعدم تأثر الكهرباء، فإن تسارع الأحداث واحتمالات تفاقمها في المنطقة، يثيران قلق مواطنين وخبراء اقتصاد، من موجات جديدة لارتفاع الأسعار، ومستويات جديدة من التضخم.

وقالت «الخارجية المصرية»، في بيان، السبت، إنها تتابع أوضاع الجاليات المصرية في المنطقة، «وحالة البعثتين المصريتين في طهران وتل أبيب، على خلفية التطورات المتسارعة والتصعيد العسكري »، مشيرة إلى عدم وقوع أي إصابات بين أبناء الجاليات المصرية حتى صدور البيان.

وداخلياً، عقد رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، لقاءات مع الوزراء المعنيين بملفات مرتبطة بالسلع الغذائية والمواد البترولية. وأكد وزير التموين المصري شريف فاروق لمدبولي «توافر مخزون آمن من مختلف السلع الأساسية، بأرصدة تكفي عدة شهور، مع استمرار الجهود الخاصة بضخ السلع في الأسواق، ومتابعة الأسعار، لتحقيق الضبط اللازم لصالح المواطنين».

وطمأن وزير البترول المصري كريم بدوي، رئيس الوزراء، على «استقرار الاحتياطيات من المواد البترولية عند مستويات آمنة، مع انتظام تأمين الإمدادات بتنوع منتجاتها لمختلف الاستخدامات، خصوصاً القطاعات الإنتاجية»، مشيراً إلى أن المرحلة الماضية شهدت تنفيذ إجراءات لتعزيز الجاهزية لأي سيناريوهات، ووُضعت خطط متكاملة تدعم سرعة الاستجابة في مواجهة أي متغيرات طارئة في هذا القطاع، حسب بيان رسمي.

وبالمثل، أكد وزير الكهرباء المصري محمود عصمت، استقرار العمل بالشبكة القومية للكهرباء في مختلف قطاعاتها، مع انتظام تأمين إمدادات المحطات من الغاز الطبيعي، ووجود خطط لاستمرار العمل لضمان استقرار الشبكة واستمرارية التيار الكهربائي لمختلف الاستخدامات.

ولم تقلل تأكيدات الوزراء لاستعداد مصر المسبق لسيناريو الحرب، من مخاوف الشارع المصري من تداعياتها السلبية، خصوصاً أن تصريحات حكومية سابقة وعدت بأن يشهد عام 2026 تحسناً في الأوضاع؛ ما لم تحدث تغيرات إقليمية كبيرة.

رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي يتابع تداعيات التصعيد في المنطقة (مجلس الوزراء المصري)

وحدّد الباحث الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، الآثار المتوقعة على الاقتصاد المصري، في ارتفاع معدلات التضخم، وتدهور سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فضلاً عن التأثيرات المتوقعة والسريعة على سوق المال.

وأوضح عبد النبي لـ«الشرق الأوسط» «أن التداعي الأول كأثر فوري للأحداث ستشهده سوق المال (البورصة) عند افتتاح معاملاتها الصباحية الأحد، متأثراً بالتراجع المتوقع لأسواق المال الخليجية.

«ويوم الاثنين، حين يبدأ التداول في سوق النفط بالبورصات العالمية، سنجد ارتفاعاً كبيراً إثر الضربات التي استهدفت دول نفطية، ما سيهدد عملية الإمدادات، وينعكس على أسعار النفط عالمياً، ومن ثم زيادة فاتورة استيراده على الدولة المصرية، وتراجع سعر الجنيه أمام الدولار»، حسب عبد النبي.

وسبق أن تعهد رئيس الوزراء المصري بعدم رفع أسعار المحروقات في مصر بعد آخر تحريك لها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ما لم تقع أحداث إقليمية تؤثر في سوق النفط العالمية.

ورأى الباحث الاقتصادي أن كل ذلك سينعكس على ارتفاع معدلات التضخم، التي لن تكون فقط متأثرة بالقوة الشرائية للمواطنين، بل بأحداث خارجية؛ ما سيؤدي إلى موجات تضخمية أعمق قد تمتد إلى النصف الأول من عام 2026.

وارتفع معدل التضخم على أساس شهري في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى 1.2 في المائة، بعدما كان الارتفاع طفيفاً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بنسبة 0.2 في المائة.

وبدوره، قال الخبير الاقتصادي علي الإدريسي، إن «أي تصعيد عسكري تقوده إيران في منطقة الخليج، خصوصاً إذا وصل إلى حد إغلاق مضيق هرمز، سيمثل صدمة اقتصادية عالمية تنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد المصري؛ فالمضيق يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وأي تعطّل لحركته يعني قفزة حادة في أسعار الطاقة، وعودة موجات التضخم المستورد، وارتفاع درجة عدم اليقين في الأسواق الدولية».

وأضاف الإدريسي، في بوست عبر «فيسبوك»، أن «السيناريو الأخطر يتمثل في قفز أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 110 أو 120 دولاراً للبرميل. في هذه الحالة، سترتفع فاتورة الواردات البترولية لمصر؛ ما يضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي، ويزيد الحاجة إلى تدبير عملة أجنبية إضافية. ومع كون الطاقة عنصراً أساسياً في تكلفة النقل والإنتاج، فإن الزيادة ستنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات، خصوصاً الغذاء والمنتجات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة».

يأتي ذلك في وقت تعاني فيه الأسواق المصرية من ارتفاعات موسمية للأسعار مرتبطة بشهر رمضان.

«سوق العتبة» وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويبدي مستشار «الأكاديمية العسكرية للدراسات الاستراتيجية»، اللواء محمد الغباري، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قلقه من عودة استهداف الحوثيين للسفن في البحر الأحمر؛ ما سيعني تدهور حركة الملاحة مجدداً في قناة السويس، بعدما بدأت تشهد تحسناً ملحوظاً مع وقف الحرب في غزة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وقُدرت خسائر قناة السويس المصرية إثر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، على مدار عامين، إلى ما يناهز 9 مليارات دولار (الجنيه نحو 47 دولاراً).

ودفع تفاقم القلق عضو مجلس النواب (البرلمان) مصطفى بكري إلى المطالبة بعقد جلسة طارئة لمجلس النواب؛ لبحث تداعيات التصعيد الإقليمي، محذراً من انعكاساته المباشرة على الأمن القومي المصري، واستقرار منطقة الشرق الأوسط، وفق وسائل إعلام محلية.

لكن الغباري ما زال يرى أن «الضربات العسكرية حتى الآن، محدودة، في إطار سياسة ليِّ الذراع لدفع إيران إلى القبول بشروط المفاوضين، وهو أمر يُستخدم أحياناً عند تعثر مفاوضات قائمة، ولا يعني انسداد المفاوضات، أو الانتقال إلى حالة الحرب الواسعة».

وتستمر «لجنة الأزمات» في مجلس الوزراء في متابعة الأوضاع والمستجدات «على مدار الساعة»؛ «لعرضها على رئيس مجلس الوزراء، للاطلاع على مجريات الموقف، وتطورات الأحداث، وسيناريوهات الأزمة، والوقوف على تأثيراتها في دول المنطقة، والداخل المصري»، وفق بيان رسمي.