تلويح أردني بـ«حظر الإخوان»... ومساعٍ لفك ارتباطها بحزب جبهة العمل

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: الجماعة أساءت التصرف مع «مرونة» السلطات

TT

تلويح أردني بـ«حظر الإخوان»... ومساعٍ لفك ارتباطها بحزب جبهة العمل

ملك الأردن عبدالله الثاني يشهد الاحتفال باليوم الوطني للعلم الأردني الأربعاء في عمّان (بترا)
ملك الأردن عبدالله الثاني يشهد الاحتفال باليوم الوطني للعلم الأردني الأربعاء في عمّان (بترا)

بدأت تتكشف في الأردن الاستحقاقات السياسية لإعلان السلطات عن ضبط خلايا متهمة بالتخطيط لإحداث «الفوضى» في البلاد، وألقت بظلالها على جماعة «الإخوان» غير المرخصة في البلاد، وذراعها الحزبية ممثلة في «جبهة العمل الإسلامي».

وقدّرت مصادر أردنية رفيعة المستوى تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن تداعيات الكشف عن «شبكة التسلح بالصواريخ والمسيرات» سيعقبها «خطوات على طريق التنظيم القانوني للعلاقة بين السلطات وجماعة الإخوان».

المصادر التي تحدثت (شريطة عدم الكشف عنها) شددت على أن «(المرونة) التي تعاملت بها السلطات الأردنية مع الجماعة غير المرخَّصة كانت فرصة لتنظيم الصفوف، واختصار النشاط، عبر ذراعها السياسية (حزب جبهة العمل) المرخَّص والممثل في البرلمان المنعقد حالياً؛ لكنها أساءت التصرف ولم تقابل المرونة الرسمية بضرورة وضع حد لتصرفات بعض قياداتها وأعضائها».

ونقل بيان للمخابرات العامة الأردنية، الثلاثاء، أنها أحبطت «مخططات كانت تهدف إلى المساس بالأمن الوطني، وإثارة الفوضى، والتخريب المادي داخل المملكة». وأفادت دائرة المخابرات الأردنية بأنها «ألقت القبض على 16 ضالعاً في تلك المخططات التي شملت تصنيع صواريخ، وحيازة مواد متفجرة وأسلحة، وإخفاء صاروخ مُجهز للاستخدام، ومشروع لتصنيع طائرات مسيَّرة، وتجنيد وتدريب عناصر داخل المملكة وإخضاعها للتدريب بالخارج».

حظر الجماعة وراد

وربطت المصادر «مصير الحركة الإسلامية في البلاد بمدى التزامها بحدود القوانين النافذة، وأن أي تصعيد لا يهدد فقط بحل جماعة الإخوان غير المرخَّصة في البلاد واعتبارها محظورة، بل قد يطال مصير حزب جبهة العمل الإسلامي»، ملمِّحة إلى أن الحزب «يمكن أن يكون متورطاً من خلال انتساب أعضاء من الخلية الإخوانية الـ17 لصفوفه. وبينما تمت إحالة المتهمين إلى محكمة أمن الدولة؛ فإن هناك مساءلات قانونية قد تشمل الحزب نفسه».

على أن مصادر «الشرق الأوسط» أكدت على أن هناك «رسالة واضحة للحركة الإسلامية بجناحيها في الجماعة والحزب، تفيد بضرورة إنهاء الازدواجية وفك الارتباط بينهما، وحصر العمل السياسي فقط في إطار (جبهة العمل الإسلامي) المرخَّص بموجب أحكام قانون الأحزاب الساري».

وشرحت المصادر بأن «استقواء الجماعة غير المرخصة والاستعراضات التي نفذتها خلال نشاطاتها السياسية في المرحلة الماضية، منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2023، دفعت الأجهزة الأمنية للعمل على متابعة اتصالات قيادات من الجماعة غير المرخصة مع الخارج».

ونشرت «الشرق الأوسط» في وقت سابق معلومات عن «تلقي قيادات إخوانية أردنية توجيهات من الخارج، وتحديداً من قيادات حركة (حماس) بإقحام الجبهة الشرقية (الأردن) في الضغط لإشغال إسرائيل على جبهات متعددة، وتخفيف عدوانها على قطاع غزة».

ولم تُخفِ المصادر أن الاتصالات التي قامت بها قيادات من «الإخوان» مع الخارج شملت «قيادات من (حماس) في الخارج، وعناصر فاعلة من (حزب الله اللبناني)، كما أجريت لقاءات بين عناصر وقيادات إخوانية أردنية مع قيادات في دول عربية وإقليمية، منها تركيا ولبنان، دون علم من حكومات البلدين».

مطالبات بمواقف واضحة

وتُطالِب السلطات الأردنية جماعة الإخوان بإعلان موقفها صراحة من «مخطط الفوضى»؛ إلا أنها أصدرت بياناً اعتبرت فيه أن ما تم الإعلان عنه هو «أعمال فردية، على خلفية دعم المقاومة، لا علم لجماعة الإخوان المسلمين بها، ولا تمت لها بصلة»، ورأت المصادر أن البيان «لم يتطرق إلى رفض أو استنكار (المخطط الإرهابي) الذي كشفت التحقيقات أنه موجَّه للداخل الأردني».

وكشف المصادر أن «قنوات حوار خلفية ظلت مفتوحة مع قيادات من الحركة الإسلامية لإطلاعهم على جوانب من (مخطط الفوضى) قبل نشر تفاصيله». لكن المصادر نفسها أكدت على أن «ازدواجية الخطاب لدى بعض القيادات أضعفت حلقات الثقة الرسمية بأي حوارات مع الحركة الإسلامية بجناحيها: الجماعة غير المرخصة، والحزب».

واكتفى حزب جبهة العمل الإسلامي بإصدار بيان، الثلاثاء، أعرب فيه عن «الإدانة والاستنكار لتورط أي مواطن في أعمال تستهدف أمن الوطن واستقراره»، مؤكداً «موقفه الثابت والصريح تجاه الحفاظ على أمن الأردن واستقراره ورفض أي مساس به».

وفيما أكد الحزب على أن «حمل السلاح حق حصري بيد الدولة»، لم يأتِ البيان على ذكر موقفه من القضية الأخيرة، مكتفياً بالحديث عن «ثقة الحزب بالقضاء الأردني في الكشف عن أي متورِّط بأي أعمال مرفوضة تستهدف أمن الوطن واستقراره الذي يمثل خطاً أحمر لا يسمح الأردنيون بالمساس به».

كما دعا الحزب إلى «كشف حقيقة الدوافع لدى المتهمين في القضية في ظل ما أوردته محاضر التحقيق الرسمية من محكمة أمن الدولة في وقت سابق مع عدد منهم، والمعلومات الواردة من ذويهم حول أسباب اعتقالهم».

تضامن واسع

وتواصلت، أمس، بيانات الدعم والتضامن العربي مع الأردن، بعد الكشف عن «مخطط الفوضى». وفي الرياض، أعربت وزارة الخارجية السعودية عن إشادة المملكة العربية السعودية بالإجراءات التي اتخذتها الجهات الأمنية في الأردن لإحباط مخططات كانت تهدف إلى المساس بأمنه وإثارة الفوضى، مؤكدة دعمها لما تتخذه الحكومة الأردنية من إجراءات، مشددة على تضامنها مع الأردن أمام كل ما من شأنه المساس بأمنه واستقراره.

وعلى نحو خاص، وبعدما أشارت التحقيقات إلى تلقي بعض المتهمين تدريبات في لبنان، أجرى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالاً هاتفياً بالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، للاطلاع منه على نتائج التحقيقات، وأبدى «كامل استعداده للتنسيق والتعاون بين البلدين»، حسبما أفادت به الرئاسة اللبنانية.

وقالت الرئاسة إن عون «أوعز إلى وزير العدل عادل نصار التنسيق مع نظيره الأردني بشأن التحقيقات وتبادل المعلومات بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والقضائية».

وبعد ساعات من الإعلان، يوم الثلاثاء، أجرى رئيس الوزراء اللبناني اتصالاً بنظيره الأردني مبدياً الاستعداد للتعاون، ومعرباً عن الدعم.

كما أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، الأربعاء، دعم الجامعة للأردن وما تتخذه حكومته من إجراءات في مواجهة «مخططات الفوضى والتخريب». وأشاد أبو الغيط، في بيان، بيقظة «المؤسسات الأمنية الأردنية وتحركها السريع لإحباط أي مخططات تمس أمن المملكة عبر استغلال الظروف الراهنة والسعي لزرع الفتن وإثارة الفوضى».

كما شددت مصر على وقوفها بشكل كامل، جنباً إلى جنب، مع الأردن، في مواجهة كل أشكال الإرهاب والجماعات المتطرفة. وأكدت مصر تضامنها مع الأردن في مواجهة تلك «المخططات الهدّامة والتخريبية».

الخطوة القانونية

وأعلن النائب العام لمحكمة أمن الدولة، العميد القاضي العسكري أحمد طلعت شحالتوغ في بيان صحافي، الأربعاء، أن «النيابة العامة لمحكمة أمن الدولة أنهت كافة الإجراءات القانونية المتعلقة بمجموعة من الموقوفين بعدد من القضايا التي أعلن عنها الثلاثاء وإحالتها إلى المحكمة».

ووفق لوائح الاتهام، أسند مدعي محكمة أمن الدولة للمتهمين في قضية «تصنيع الصواريخ»، تهمة «تصنيع أسلحة بقصد استخدامها على وجه غير مشروع بالاشتراك خلافاً لأحكام المادتين (3/ و) و(7/ ج) من قانون منع الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته، وبدلالة المادة (7/ و) من ذات القانون».

كما أسند تهمة جناية التدخل بتصنيع أسلحة بقصد استخدامها على وجه غير مشروع خلافاً لأحكام المادتين (3/ و) و(7/ ج) من قانون منع الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته.

كما أسند مدعي محكمة أمن الدولة تهمة جناية القيام بأعمال من شأنها «الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر خلافاً لأحكام المادتين (2) و(7/ ط) من قانون منع الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته».

وفي قضية مشروع تصنيع الطائرات المسيرة، أسند المدعي العام للمتهمين «القيام بأعمال من شأنها الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، خلافاً لأحكام المادتين (2 و7/ط) من قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006 وتعديلاته». وفي قضيتي التجنيد، أسند المدعي العام للمتهمين جناية «القيام بأعمال من شأنها الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، خلافاً لأحكام المادتين (2 و7/ ط) من قانون منع الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته».


مقالات ذات صلة

رحيل أحمد عبيدات... سياسي أردني أغضب الملك حسين بمواقفه السياسية

المشرق العربي الراحل أحمد عبيدات (وكالة الأنباء الأردنية - بترا)

رحيل أحمد عبيدات... سياسي أردني أغضب الملك حسين بمواقفه السياسية

توفي فجر الثلاثاء رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات الذي أثارت مواقفه السياسية غضب الراحل الملك الحسين في أكثر من مرحلة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
العالم العربي وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (أ.ف.ب)

وزير الخارجية الأردني يؤكد لنظيره الإيراني دعم بلاده جهود خفض التصعيد

أكد وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، في اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، الاثنين، ضرورة اعتماد الدبلوماسية والحوار في معالجة ملف طهران النووي.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل العاهل الأردني عبد الله الثاني في القاهرة الأحد (الرئاسة المصرية)

السيسي يستقبل ملك الأردن... وتركيز على خفض «التوتر الإقليمي»

شددت القاهرة وعمان على «أهمية خفض التوتر الإقليمي»، وذلك خلال مباحثات أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي العاهل الأردني عبد الله الثاني خلال قمة بالقاهرة 27 ديسمبر 2023 حول الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين في غزة (رويترز) p-circle

السيسي والملك عبد الله يؤكدان ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الحرب في غزة

ذكرت الرئاسة المصرية أن الرئيس عبد الفتاح السيسي بحث مع الملك عبد الله الثاني التطورات في قطاع غزة، حيث أكدا على ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الحرب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز) p-circle

ملك الأردن يتلقى دعوة من ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

قالت وزارة الخارجية الأردنية اليوم الأحد إن الملك عبد الله الثاني تلقى ‌دعوة من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ترمب ​للانضمام ‌لمجلس السلام في غزة.

«الشرق الأوسط» (عمان )

تراشق سياسي لبناني إثر وقوع 15 قتيلاً بانهيار مبنى في طرابلس

عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
TT

تراشق سياسي لبناني إثر وقوع 15 قتيلاً بانهيار مبنى في طرابلس

عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)

غضب عارم في مدينة طرابلس شمال لبنان، بعد انهيار مبنيين سكنيين متلاصقين؛ كل منهما من 3 طبقات ويضمان 12 شقة، راح ضحيته 15 قتيلاً، بينهم عائلات بأكملها، وسقط 8 أشخاص جرحى، انتُشلوا بعد عملية بحث مضنية. وأُخلي مبنى «جوهر» المجاور لهما، وهو آيل للسقوط أيضاً، فيما أُبلغ عن مبنى آخر في باب التبانة، وغيره بمنطقة القلمون.

ويعيش سكان هذه المناطق المحرومة حالة من الرعب؛ بسبب كثرة المباني السكنية المتصدعة والخطرة، فيما لا يجد السكان مأوى بديلاً، وتغيب الميزانيات اللازمة لتدعيم مبانيهم. ويضطر العشرات إلى ترك منازلهم كل يوم خوفاً من الموت تحت الأنقاض، ويتحولون إلى لاجئين في مدينتهم، ويخاطر آلاف آخرون بالبقاء.

وترأس رئيس الحكومة، نواف سلام، مساء الاثنين، اجتماعاً موسعاً لمتابعة تنفيذ الإجراءات اللازمة للتصدّي لقضية الأبنية المتصدّعة في طرابلس.

انهيار مبنيين

قبيل غروب شمس يوم الأحد، شعر سكان في باب التبانة بأن المبنى يرتجّ بهم، ولم يجدوا الوقت الكافي لمغادرته، فانهار على عائلات بأكملها، وارتجت أسس المبنى الملاصق فانهار أيضاً. من حسن الحظ أن بعض الشقق كان فارغاً، وأمكن خلال أقل من 24 ساعة إنهاء عمليات البحث بفضل الفرق التي جاءت من أكثر من منطقة.

وقال لـ«الشرق الأوسط» الدكتور محمود صيداوي، الذي كان جدّه قد شيّد أحد المبنيين قبل 60 سنة، إنه سكن هناك لأكثر من 26 عاماً، وإنه قضى طفولته في تلك العمارة. وشرح أن «المبنيين المنهارين متلاصقان إلى حد أننا كنا نقفز من سطح إلى آخر». علماً بأن صيداوي فقَدَ عمه سيف صيداوي وابنة عمه سالي في الانهيار، فيما خرج عمه الآخر الذي يسكن البناية نفسها برفقة ابنته إلى السوق، وعاد ليجد ابنه ميتاً تحت الهدم، فيما نجت زوجته.

صورة أرشيفية للمبنيين اللذين انهارا في مدينة طرابلس مساء الأحد... وتبدو عليهما آثار التهالك (الشرق الأوسط)

ويضيف صيداوي: «العمارة عانت خلال معارك باب التبانة - جبل محسن. أصابها كثير من القذائف والرصاص، وقد اضطررنا إلى تركها بسبب الحروب، وسكنَ في شقتنا صديقي من آل الصايغ الذي قضى نحبه في الحادث هو وزوجته وابنته». ويؤكد أن «كل شارع (سوريا) في باب التبانة، تصدعت عماراته؛ بسبب كثرة القذائف والارتجاجات، وهي تحتاج هدماً وإعادة بناء».

التبليغ عن 600 مبنى

وتعدّ حادثةُ الانهيار تلك الثانيةَ خلال أسبوعين، حيث هوت السقوف على رؤوس الساكنين تحتها في طرابلس، بينما يقدّر عدد المباني الخطرة بالمئات، فيما إيواء العائلات أمر غير متوفر. وتتقاذف الجهات المعنية المسؤوليات، وتقف البلدية عاجزة أمام تراكم سنوات من الإهمال وغياب الآليات اللازمة للإنقاذ، وقلة عدد المهندسين لتلبية تبليغات الأهالي.

عناصر من الدفاع المدني وآليات تشارك في رفع الأنقاض وإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس بشمال لبنان (د.ب.أ)

وبينما كانت عمليات البحث جارية عن ناجين، خرج الأهالي بالمئات في مظاهرات احتجاجية عارمة، وتوجهوا إلى مكاتب ومنازل نواب المدينة، ورشقوها بما تيسر، وحاولوا اقتحام المداخل، محملين إياهم مسؤولية الإهمال. وتدخل «فوج المغاوير» في الجيش اللبناني، وسجل انتشاراً كبيراً في المدينة لتهدئة الوضع.

ويقول رئيس بلدية طرابلس، عبد الحميد كريمة، لـ«الشرق الأوسط»، إن 105 مبانٍ في طرابلس آيلةٌ للسقوط يتوجب هدمها بالكامل، وإن نحو 620 مبنى مهدداً يمكن تدعيم أساساتها. ويلفت إلى أن «ما انهار مساء الأحد، لم يكن ممسوحاً أو مهدداً، ولم يُنذَر السكان». وفي رد على أن قاطني المبنى أنذروا البلدية ولم يُستجب لهم، يرد كريمة: «لقد وضعنا الخط الساخن في خدمة الأهالي منذ أسبوعين. منذ حينها أُبلغ عن أكثر من 600 مبنى. ولم تتمكن فرقنا من الكشف على أكثر من 104 مبانٍ، فيما الـ500 الباقية لا تزال في الانتظار»، مؤكداً أن «العدد أكبر بكثير، وطرابلس بحاجة إلى ورشة ضخمة، ومسح شامل للأبنية».

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون بموقع انهيار مبنيين في طرابلس شمال لبنان (إ.ب.أ)

وكان كريمة قد وضع استقالة المجلس البلدي في تصرف وزير الداخلية، عادّاً أن الوضع بات يتجاوز إمكانيات البلدية. وقال في مؤتمره الصحافي إن «القرار ليس تهرّباً من المسؤولية، بل لوضع الحكومة وأجهزتها أمام مسؤولياتها الكاملة تجاه هذا الوضع الخطير».

وبخصوص هذا الملف الموروث، يقول كريمة: «بذلت البلدية أقصى جهدها، بالتعاون مع نقابة المهندسين، وأعدّت برنامج (كول سنتر) والمسح، لكن المباني التي مسحناها جزء من عدد كبير من المباني، ونتحدث عن حياة الآلاف من أهلنا المهددين؛ جراء أمر مزمن وتقصير من قبل الدولة والسلطات».

هذا يعطي فكرة عن حجم المأساة في مدينة عانت أحياؤها الشعبية إهمالاً طويلاً، ومعارك متلاحقة، وفقراً مدقعاً، وأصبحت مشكلتها تحتاج إلى ورشة كبرى للإعمار والترميم.

تحرك حكومي

إثر الحادثة، دعا رئيس الوزراء، نواف سلام، إلى اجتماع عاجل في منزله بوزيرَيْ؛ الداخلية أحمد الحجار، والعدل عادل نصار، ووجههما إلى طرابلس للإشراف على التنسيق بين الأجهزة العاملة على الأرض، كما عقد اجتماعاً موسعاً في السراي الحكومي يضم جميع المعنيين من وزراء وهيئات محلية للتصدي لقضية الأبنية المتصدعة.

الوضع القاتم لم يمنع التجاذبات السياسية، حيث قال نائب طرابلس، فيصل كرامي، في تصريح: «ما جرى هو نتيجة الإهمال الذي حذّرنا منه مراراً. ولا تكفي عبارات الأسف بعد سقوط الضحايا. كل قطرة دم تُسفك بسبب غياب الدولة هي مسؤولية هذه الحكومة وبرقبتكم»، وأضاف: «من يعجز عن حماية الناس، فلا يحق له الاستمرار في حكمهم. المطلوب إغاثة فورية بالأفعال لا بالكلام، وإلا فلتكن استقالة فورية».

عنصر من الدفاع المدني أمام ركام مبنيين انهارا في طرابلس بشمال لبنان (إ.ب.أ)

أما رئيس الوزراء السابق، ابن المدينة، نجيب ميقاتي، فطالب الحكومة بـ«استكمال الإجراءات التي كانت قد بوشرت في الحكومة السابقة، لا سيما لجهة تكليف بلدية طرابلس، التي تملك الإحصاءات الكاملة بشأن واقع المباني، بالتعاون مع وزارة الداخلية والبلديات، إلزام أصحاب الأبنية المتصدّعة بترميمها وتدعيمها في أسرع وقت ممكن». وأشار إلى أنه في حال تعذّر ذلك لأسباب مادية، فإنه ينبغي على الدولة رصد مبالغ من الخزينة العامة لتدعيم هذه المباني.

وهو ما حدا برئيس الوزراء، نواف سلام، إلى التذكير بأنه «أمام حجم هذه الكارثة الإنسانية التي هي نتيجة سنوات طويلة من الإهمال المتراكم، واحتراماً لأرواح الضحايا، فإنني أهيب بكل العاملين في السياسة، في طرابلس أو خارجها، أن يترفعوا عن محاولات توظيف هذه الكارثة المروعة لجني مكاسب سياسية رخيصة وآنية. فهذا أمر معيب»، مؤكداً: «أنا وحكومتي لم ولن نتهرب من المسؤولية، وسوف نستمر في القيام بواجباتنا كاملة؛ بما فيها محاسبة مَن قد يكون مقصراً في هذه القضية».


الرئيس الفلسطيني يصدر قراراً بنشر مسودة الدستور المؤقت

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
TT

الرئيس الفلسطيني يصدر قراراً بنشر مسودة الدستور المؤقت

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)

أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً، اليوم الاثنين، بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، وإتاحتها للاطلاع العام عبر المنصة الإلكترونية المخصصة للجنة الوطنية لصياغة الدستور، وفي وسائل النشر التي تقررها اللجنة.

وذكرت «وكالة الأنباء الفلسطينية» أن القرار يهدف إلى توسيع نطاق المشاركة المجتمعية في صياغة الوثيقة الدستورية، من خلال دعوة المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية والخبراء والأكاديميين إلى تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم على المسودة، خلال فترة تمتد إلى 60 يوماً من تاريخ نشر القرار.

وبحسب القرار، ستتولى لجنة التنسيق والصياغة المنبثقة من لجنة إعداد الدستور المؤقت تسلم الملاحظات وتنظيمها ودراستها، حيث سيتم تصنيفها إلى ملاحظات جوهرية تتعلق بالمبادئ الدستورية، وأخرى فنية مرتبطة بالصياغة والتنظيم، تمهيداً لإدخال التعديلات اللازمة بما يحقق المصلحة العامة والتوافق الوطني.

وأشارت الوكالة إلى أن اللجنة ستعد تقريراً مفصلاً بنتائج دراسة الملاحظات والتوصيات، ليُرفع إلى الرئيس الفلسطيني لمناقشته واعتماده قبل إعداد النسخة النهائية من مشروع الدستور.


هل ينجح اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة أم دونه عوائق؟

غراف لخطة تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية»
غراف لخطة تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية»
TT

هل ينجح اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة أم دونه عوائق؟

غراف لخطة تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية»
غراف لخطة تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية»

هل سيطبق الاندماج بين «قوات سوريا الديمقراطية» ومؤسسات الدولة السورية بسلاسة، أم سيعوقه عائق؟ وهل ستتخلى «قسد» فعلاً عن سلطة خبرتها لأكثر من عشر سنوات من النفوذ العسكري، والمدني في بعض مناطق سوريا؟ هل سينجح اتفاق 30 يناير (كانون الثاني) برعاية من واشنطن، وأربيل بكل أبعاده؟ أم بشكل جزئي يخص نقاطاً معينة فقط؟

بالنظر إلى آراء الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، هناك توجه يرى أنه عند الانتقال من النص إلى التنفيذ ستبدو فرص النجاح محدودة، بينما يرى توجه آخر أنه لا يوجد سبب حقيقي يدعو إلى الاعتقاد بفشل مسيرة اندماج المؤسسات العسكرية والمدنية لـ«قسد» في مؤسسات الدولة السورية، طالما أنها تمت برعاية إقليمية، ودولية.

بداية المسار مشجع مع تسليم الدولة لمطار القامشلي الدولي، وحقل الرميلان النفطي، دون التوقف عند إنزال علم، أو توقيف أفراد، فالطرفان من حيث المبدأ يريدان للتجربة أن تنجح، فالسوريون يترقبون توحد سوريا مرة أخرى، وعودة الاستقرار، وانتعاش الاقتصاد، أما التفاصيل المتبقية فلا تزال تحمل التساؤلات عن إمكانية تنفيذها، وستؤجل الأجوبة عليها لحين أزوف الاستحقاق.

مصلحة متبادلة

خورشيد دلي... محلل سياسي كردي سوري

واضح أن تنفيذ الاتفاق بدأ يشق طريقه على أرض الواقع، وهناك أسباب كثيرة تقف وراء ذلك، أهمها أن الاتفاق احتوى على خريطة طريق واضحة، وعلى خطوات متسلسلة. والأهم وجود مصلحة متبادلة لكل من الحكومة السورية و«قسد»، وهي مصلحة تكمن في تحقيق هدف الإدارة السورية الجديدة المتمثل بتوحيد سوريا، فيما مصلحة «قسد» تكمن في بقاء قواتها قوة محلية تساهم في إدارة المناطق الواقعة تحت نفوذها، وبما يؤمن ذلك مشاركة الكرد في الحياة السورية في المرحلة المقبلة.

يتابع دلي أن الأبعد من المصلحة المتبادلة لدمشق و«قسد» فإن هذا الاتفاق يحظى بدعم دولي، وإقليمي، وعربي. وهو في الأصل جاء نتيجة جهود دبلوماسية مكثفة لكل من واشنطن، وباريس، وأربيل، ما يحقق للاتفاق نوعاً من الرعاية، والمظلة، والضمانة لنجاحه.

وعليه يمكن القول إنه لا يوجد سبب حقيقي يدعو إلى الاعتقاد بفشل مسيرة اندماج المؤسسات العسكرية والمدنية التي تعبر عن تجربة «قسد» في مؤسسات الدولة السورية. وما سبق، لا يعني عدم بروز تحديات هنا أو هناك، وهي تحديات ربما تتعلق ببعض التفاصيل، لكن مجيء الاتفاق على النحو المذكور، وفي ظل ظروف ميدانية وسياسية مغايرة، يوفر إمكانية تجاوز أي عقبة، أو إشكالية قد تظهر هنا، أو هناك.

الباحث خورشيد دلي يرى أن تنظيم النفوذ في الاتفاق «لا ينص على تخلي (قسد) و(الأسايش) عن نفوذهما، ودورهما». وإنما ينظم هذا النفوذ في إطار هيكلة القوات ضمن وزارتي الدفاع، والداخلية، مع الإشارة إلى أن الاتفاق يعطي دوراً أساسياً لقوات «الأسايش» (الأمن الداخلي الكردي) في المرحلة المقبلة. فيما ستتم إعادة النظر في دور «قسد» كقوة عسكرية، حيث ستتنظم في فرقة عسكرية مؤلفة من ثلاثة ألوية في محافظة الحسكة، ولواء رابع في كوباني يتبع إدارياً القيادة الأمنية في حلب. وستنسحب القوات العسكرية لـ«قسد» والجيش السوري من المدن إلى أماكن متفق عليها في الشدادي، وجبل كوكب.

مرافقة مركبات عسكرية أميركية لحافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية 8 فبراير (رويترز)

ويبدو أن المطلوب من العملية التنظيمية هذه خلق آلية جديدة لمحاربة تنظيم «داعش» التي تولت الحكومة السورية مسؤولية محاربتها بعد انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة التنظيم... وهنا تبرز أهمية دمج قوات «قسد» في الجيش السوري على اعتبار أنها قوات لها تجربة طويلة في محاربة التنظيم، وتتمتع بخبرة كبيرة في مقارعة خلاياه بالتعاون مع التحالف الدولي.

كما أن بقاء قوات «الأسايش» و«قسد» -حتى لو أن الأخيرة أطلقت على نفسها اسماً آخر- يشكل عامل ثقة مهماً لسكان المناطق الكردية بوصفها قوات تعبر عنها، وتتشكل من أبنائها، ويحقق رؤية سياسية نحو سوريا منشودة ليست فيها سياسة إقصاء للمكون الكردي. ولعل ما سيعزز هذا المسار السياسة الانفتاحية التي يبديها الرئيس الشرع تجاه القضية الكردية في سوريا، لا سيما بعد المرسوم ١٣ الذي أصدره بهذا الخصوص. وفي ظل ما سبق يمكن الحديث عن بقاء دور أساسي لقوات «الأسايش» و«قسد» في تلك المناطق، مع هيكلة وآلية لعملها ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية السورية التي ستصبح هذه القوات جزءاً منها.

معوقات في التطبيق

سامر الأحمد... صحافي وباحث سوري مختص بتطورات الشرق السوري

أعتقد أن الاتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة عاملين حاسمين، الأول: التحول في ميزان القوة الميداني في الجزيرة السورية، مع تقدم الجيش السوري بدعم واضح من قطاعات واسعة من الأهالي، في ظل رفض متراكم لوجود «قسد» بسبب سجلها الأمني، والانتهاكات المستمرة. والثاني: التغير في الموقف الدولي، لا سيما الأميركي، حيث تراجع الغطاء السياسي، والعسكري عن «قسد»، بالتوازي مع انخراط دمشق في مسار التعاون مع التحالف الدولي.

من حيث المبدأ، الاتفاق -كما وُصف دولياً– يمثل فرصة تاريخية لـ«قسد» للانتقال من كيان عسكري-أمني خارج الدولة إلى إطار وطني جامع، كما أنه يفتح باباً حقيقياً أمام المكوّن الكردي السوري لنيل حقوقه ضمن الدولة السورية، بعيداً عن الصيغ الفوقية المفروضة بالقوة.

لكن عند الانتقال من النص إلى التنفيذ، تبدو فرص النجاح محدودة، فالبنية الفعلية لـ«قسد» لا تزال، إلى حدّ كبير، خاضعة لتأثير حزب «العمال الكردستاني»، الذي يحتفظ بمفاصل القرار الأمني، والعسكري. ومن هذا المنظور، فإن الاندماج يعني خسارة الحزب لأهم ساحة نفوذ إقليمي، وفقدان مصادر تمويل، وحركة استراتيجية، ما يجعله غير متحمس لتطبيق الاتفاق فعلياً.

آثار المعارك مع «قسد» في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب يوم 12 يناير 2026 (أ.ب)

العائق الأساسي لا يكمن في غياب النوايا لدى بعض القيادات السورية داخل «قسد»، يقول الأحمد، بل في افتقارهم للقدرة على اتخاذ القرار النهائي. وتتمثل أبرز معوقات التطبيق في ملفات جوهرية، مثل تسليم السلاح الثقيل، وضبط معبر سيمالكا، وخروج القيادات والعناصر الأجنبية التابعة لحزب «العمال»، والانسحاب من المدن، وحصر الانتشار في المناطق ذات الغالبية الكردية.

في هذا السياق، نحن أقرب إلى تكرار تجارب سابقة، مثل اتفاق الشيخ مقصود، واتفاق ١٠ مارس (آذار)، حيث جرى استنزاف الوقت دون تنفيذ كامل. لذلك، ورغم أن خيار المواجهة العسكرية ليس مرجحاً على المدى القريب، فإنه يبقى احتمالاً قائماً ليكون أداة ضغط ميداني إضافية لفرض تنفيذ الاتفاق، وليس بالضرورة خيار حرب شاملة.

إلى جانب ذلك، تبدو الدولة السورية حاسمة في خيار استعادة السيطرة الكاملة على محافظة الحسكة، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من السيادة الوطنية، سواء تم ذلك عبر المسار السلمي، وتنفيذ الاتفاق، أو عبر الخيار العسكري في حال فشل التطبيق. المؤشرات السياسية والميدانية الحالية توحي بأن هذا التوجه يحظى بتفهم، يدعمه الضغط الشعبي الداعي للخلاص من سلطة وهيمنة حزب «العمال» ومؤسساته الأمنية في الحسكة، وأيضاً بدعم ضمني من أطراف دولية فاعلة ترى في إنهاء فواعل ما دون الدولة خطوة ضرورية لإعادة الاستقرار، وضبط الحدود، وتوحيد المرجعية الأمنية والعسكرية في المنطقة.

البحث عن شركاء مدنيين

حسين جلبي... كاتب صحافي

من الصعوبة بمكان تصور قبول حزب «العمال الكُردستاني» واستطالاته السورية من قوات «قسد» وغيرها بالواقع السوري الجديد بسهولة، وتسليمه بفقدان جميع امتيازاته من سلطة، ونفوذ، ومال، وحيز جغرافي، وحاضنة خاصة؛ بين ليلة وضحاها، في الوقت الذي تُعتبر فيه تجربة الإدارة الذاتية «منجزه الوحيد الذي يتباهى به»؛ بعد نصف قرن من العمل العسكري الدموي والدعائي الصاخب، وحقله الذي طبق فيه أفكار زعيمه أوجلان، والآيديولوجيا التي يؤمن بها، رغم أن تلك التجربة هي في الأساس منحة قسرية من نظام الأسد، وجد نفسه مرغماً على تقديمها للحزب على خلفية الثورة الشعبية عليه.

هذه المنحة من نظام الأسد تمت بناءً على اتفاق تسلم وتسليم غير معلن للمنطقة بين الطرفين، أراد من خلالها تفويض الحزب للقيام بضبط إيقاع الشارع الكُردي، وحماية ثروات المنطقة الاستراتيجية لمصلحته، بحيث تتاح له الفرصة للتفرغ للخطر الوجودي الذي هدد معاقله الرئيسة.

أفراد من قوات الأمن الداخلي الكردية أمام مطار القامشلي الدولي بينما يزور وفد من الحكومة السورية المطار الأحد لإعادة افتتاحه (رويترز)

يتوقع جلبي أن تكون عملية اندماج تشكيلات قوات «قسد» في المؤسسات الحكومية السورية شكلية. في الواقع، سيعود حزب «العمال الكُردستاني» إلى العمل السري عبر الحفاظ على هياكله الإدارية، والأمنية، والعسكرية، ونقلها إلى تحت الأرض، إذا جاز التعبير، بحيث سيعمل على التأثير على مجرى الأحداث عبر «حكومة ظل» غير معلنة، تقوم بفرض شخصيات تابعة لها في المراكز الإدارية، والأمنية للمنطقة، ومنع غير الموالين له من توليها، بمختلف الوسائل، ولعل أبسطها التهديد.

هذا بالإضافة إلى متابعة القيام بممارسات أُخرى لم يتوقف عنها حتى بعد طرد زعيمه من سوريا، وحظر أنشطته، ومنها فرض الإتاوات باسم جمع التبرعات، وتجنيد الكُرد في صفوفه.

إن اندماج قوات «قسد» وتفرعاتها فعلياً في المؤسسات السورية، تطبيقاً للاتفاقات الموقعة مع الحكومة السورية، يتوقف على مقاربة الأخيرة للوضع، ذلك أن منظومة حزب «العمال الكُردستاني» معروفة بعدم التزامها بالاتفاقات التي توقع عليها، بل تتصرف دوماً وكأنها غير موجودة، هناك مثلاً ثلاث اتفاقيات وقعتها مع المجلس الوطني الكُردي برعاية إقليم كُردستان، لم تنفذ حرفاً واحداً منها.

ويخلص جلبي إلى أنه على الحكومة السورية عدم الاستمرار بسياسة مكافأة «قسد»، ومراضاتها، ومنحها كل شيء لمجرد امتلاكها السلاح، بل متابعة اندماجها العسكري، والبحث بالتوازي عن شركاء مدنيين من الكُرد لهم مصلحة في تطبيع الأوضاع، ودعمهم ليتمكنوا من كسر الطوق النفسي الذي أحاطهم به حزب «العمال الكُردستاني»، وتحريرهم من الرعب، وجعلهم يدركون أن مصلحتهم تكمن في العيش في أوضاع طبيعية، مواطنين سوريين تم الاعتراف بهويتهم، ولغتهم، وخصوصيتهم الكُردية، والعمل على تطبيق مقتضيات ذلك الاعتراف، والاستفادة منها.

3 عقبات أمام الاندماج

المعتصم كيلاني... باحث في القانون والعلاقات الدولية

يمثّل مسار الاندماج الجاري في محافظة الحسكة بين الدولة السورية وقوى الأمر الواقع اختباراً بالغ الحساسية، لا يقل تعقيداً عن كونه خطوة سياسية، أو إدارية. فالعقبات التي تواجه هذا الاندماج ليست تقنية فحسب، بل بنيوية، وتتصل بجذور الأزمة السورية نفسها، وبالسؤال المفتوح حول شكل الدولة، وطبيعة علاقتها بمكوناتها.

أولى هذه العقبات تتمثل في أزمة الثقة المتراكمة، فسنوات الصراع، والانقسام، وما رافقها من تجارب حكم محلي منفصلة، خلقت مخاوف متبادلة لدى شرائح كردية مصنفة إرهابية مسيطرة على القرار السياسي، والعسكري لـ«قسد» ممثلة بحزب «PPK»، وأيضاً أوساط كردية تخشى فقدان مكتسبات تحققت خارج سلطة المركز، كما أن هناك قطاعات أخرى تخشى أن يتحول الاندماج إلى غطاء لإعادة إنتاج منظومات استبدادية بصيغ جديدة.

هذه الفجوة في الثقة لا يمكن ردمها بخطاب سياسي عام، بل تتطلب ضمانات عملية، وشفافية كاملة في آليات الدمج، ومشاركة حقيقية لأبناء المنطقة في صنع القرار.

أما العقبة الثانية فذات طابع سيادي، وأمني، وتتصل باستمرار تعدد المرجعيات العسكرية، والسياسية، وخصوصاً الارتباط القائم بين بعض الفصائل المحلية وتنظيمات عابرة للحدود. فوجود أجندات غير سورية في القرار الأمني أو العسكري يقوّض أي مسار اندماج وطني، ويحوّل الاتفاقات إلى ترتيبات هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار إقليمي.

لا يمكن بناء استقرار دائم في ظل ازدواج السلاح، أو تضارب الولاءات، ما يجعل فك الارتباط الخارجي شرطاً أساسياً لأي اندماج حقيقي.

أما العقبة الثالثة فتتجلى في التحديات الاقتصادية، والخدمية، فالمواطن في الحسكة سيحكم على جدوى الاندماج من خلال نتائج ملموسة في حياته اليومية، من خلال تحسين الخدمات، وانتظام الرواتب، وإدارة عادلة للموارد، وفرص عمل حقيقية. إن أي إخفاق في هذا الجانب سيعيد إنتاج الشكوك بسرعة، بغض النظر عن النوايا السياسية المعلنة. التجارب السابقة في مناطق سورية أخرى أظهرت أن الفشل الخدمي كان دائماً مدخلاً لتآكل الشرعية. وتبرز كذلك عقبة الحوكمة، والإدارة، حيث يشكّل الانتقال من نموذج إدارة محلية شبه مستقلة إلى منظومة دولة مركزية -أو لا مركزية- تحدياً معقداً. غياب تصور واضح للامركزية الإدارية، وحدود صلاحياتها، وآليات المساءلة، يفتح الباب أمام صراعات نفوذ داخلية، ويهدد بتحويل الاندماج إلى عملية شكلية لا تمس جوهر السلطة. في المحصلة، فإن اندماج الحسكة يواجه اختباراً متعدد المستويات يتمثل في: ثقة مفقودة، وسيادة منقوصة، واقتصاد هش، وإدارة غير محسومة. تجاوز هذه العقبات يتطلب مشروعاً وطنياً واضح المعالم، ويقوم على الشراكة، ووحدة القرار، وحكم القانون، لا على إدارة مؤقتة للتوازنات.