«أونكتاد»: الاقتصاد العالمي على أعتاب الركود في 2025 وسط تصاعد التوترات التجارية

توقعات بتباطؤ النمو إلى 2.3 %... و«مؤشر الخوف» يسجل ثالث أعلى مستوى تاريخي

منظر عام للمنطقة المالية المركزية في مومباي (رويترز)
منظر عام للمنطقة المالية المركزية في مومباي (رويترز)
TT

«أونكتاد»: الاقتصاد العالمي على أعتاب الركود في 2025 وسط تصاعد التوترات التجارية

منظر عام للمنطقة المالية المركزية في مومباي (رويترز)
منظر عام للمنطقة المالية المركزية في مومباي (رويترز)

أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، الأربعاء، أن النمو الاقتصادي العالمي قد يتباطأ إلى 2.3 في المائة خلال عام 2025، أي أقل من عتبة 2.5 في المائة التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها مؤشر على ركود عالمي. ويمثل هذا تباطؤاً حاداً مقارنةً بمتوسط ​​معدلات النمو السنوية في فترة ما قبل الجائحة، والتي كانت بطيئة أصلاً. وأشارت المنظمة إلى أن الاقتصاد العالمي قد سجل نمواً بنسبة 2.8 في المائة في عام 2024.

وأضاف التقرير: «يمثل هذا التراجع انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بمتوسط معدلات النمو السنوية المسجلة في فترة ما قبل الجائحة، التي كانت بدورها فترة من النمو الضعيف نسبياً على المستوى العالمي».

وبحسب «أونكتاد»، يؤدي تصاعد حالة عدم اليقين إلى خفض توقعات النمو الاقتصادي العالمي. وقد شهدت الأسواق المالية اضطرابات حادة هذا الشهر في ظل تصاعد حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية، لا سيما بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في الثاني من أبريل (نيسان)، فرض تعريفات جمركية واسعة على عدد من الدول. وبعد أيام، تراجع ترمب عن الرسوم المرتفعة على 12 اقتصاداً، لكنه في المقابل فرض تعريفات أكثر صرامة على الصين وصلت إلى 145 في المائة.

وفي بداية عام 2025، بلغ مؤشر عدم اليقين في السياسات الاقتصادية أعلى مستوياته منذ مطلع القرن؛ ما عكس تزايد القلق بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية. وفي أبريل من العام ذاته، أدت المخاوف المتزايدة بشأن الاقتصاد العالمي والتغيرات في السياسات التجارية إلى اضطرابات مالية كبيرة، تخللتها تصحيحات حادة وخسائر ملحوظة في الأسواق، حيث قفز «مؤشر الخوف» — الذي يقيس تقلبات سوق الأسهم الأميركية — إلى ثالث أعلى مستوى في تاريخه.

وأشارت إلى أن المخاوف من دخول الولايات المتحدة في حالة ركود تزداد، في ظل تصاعد القلق بين المستثمرين من تأثيرات الرسوم الجمركية المشددة.

تباطؤ في ديناميكية التجارة العالمية

شهدت التجارة العالمية ارتفاعاً ملحوظاً في أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025، مدفوعة جزئياً بتسارع الطلبات قبيل تطبيق الرسوم الجمركية الجديدة. إلا أن هذا الزخم مرشح للتراجع — وربما الانعكاس — مع دخول الإجراءات الجمركية حيّز التنفيذ خلال العام.

وخلال الفترة الممتدة من يناير (كانون الثاني) إلى نهاية مارس (آذار) 2025، انخفض مؤشر شنغهاي الشامل لصادرات الحاويات، وهو أحد المؤشرات الرئيسة لنشاط الشحن والتجارة الدولية، بنسبة 40 في المائة، ليصل إلى مستويات لم تُسجل منذ ما قبل الجائحة، حينما كانت تجارة السلع العالمية راكدة بالفعل.

ومع بلوغ حالة عدم اليقين في السياسات التجارية مستويات غير مسبوقة، فإنها تُثقل كاهل ثقة الشركات، وتعرقل التخطيط طويل الأجل، وتُعيد تشكيل أنماط التجارة العالمية. وأصبح المصنعون والمستثمرون يؤجلون قراراتهم، ويُعيدون تقييم استراتيجيات سلاسل الإمداد، ويكثفون جهود إدارة المخاطر.

ضغوط متزايدة على تمويل التنمية

تُسجل الأولويات المالية تحولاً في الاقتصادات الكبرى، حيث تتراجع المساعدة الإنمائية الرسمية، ويتقلص الإنفاق الاجتماعي، بينما تتضخم ميزانيات الدفاع. وتشير التقديرات الأولية إلى تراجع المساعدة الإنمائية الرسمية من الجهات المانحة الرئيسة بنسبة 18 في المائة بين عامي 2023 و2025، ضمن اتجاه هبوطي أوسع رغم الزيادة العامة في مستويات المساعدة العالمية.

وتراجعت التدفقات المالية إلى البلدان النامية من نحو 175 مليار دولار في 2020 إلى 160 ملياراً في 2023. ويحذّر التقرير من أن هذا التراجع يُهدد بتقويض التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة. في الوقت ذاته، يُسهم الحذر الاستثماري، في ظل أوضاع مالية متقلبة وتصاعد حالة عدم اليقين، في تقليص التمويل المتاح للتنمية طويلة الأجل.

البلدان النامية تواجه «عاصفة عاتية»

تجد الدول منخفضة الدخل نفسها في مواجهة «عاصفة عاتية» نتيجة تدهور الأوضاع الخارجية، وارتفاع أعباء الديون، وضعف النمو المحلي. وتشير البيانات إلى أن أكثر من نصف هذه الدول (35 من أصل 68) تمر إما بضائقة مالية فعلية أو معرَّضة لخطر داهم.

وقد أدى التراكم السريع للديون، خصوصاً في الدول النامية، إلى استنزاف الحيز المالي المحدود لديها، بالتزامن مع تشديد شروط التمويل. ومع استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض، تضطر الحكومات إلى تحويل مواردها بعيداً عن الخدمات الأساسية لتغطية تكاليف خدمة الدين.

وفي هذه الأثناء، تتجه رؤوس الأموال بشكل متزايد نحو الأصول والأسواق «الأكثر أماناً» أو «استقراراً» في الاقتصادات المتقدمة؛ ما يُلحق الضرر بالتدفقات المالية الواردة إلى الدول النامية.

وعلى الرغم من التحديات، يُسلط التقرير الضوء على التجارة بين بلدان الجنوب بصفتها مصدراً واعداً للفرص والمرونة. فهذه التجارة تُشكّل نحو ثلث التجارة العالمية، وتشهد نمواً أسرع مقارنة بغيرها من تدفقات التجارة. وقد أسهمت التبادلات التجارية في شرق وجنوب شرق آسيا بشكل خاص في هذا التوسع.

أولويات السياسة لتعزيز المرونة

في مواجهة تصاعد التوترات التجارية وتباطؤ النمو العالمي، يُحذّر التقرير من مخاطر التشرذم الاقتصادي والمواجهة الجيو - اقتصادية، داعياً إلى:

- تعزيز تنسيق السياسات على المستويين الإقليمي والدولي لاستعادة القدرة على التنبؤ في التجارة والتدفقات المالية.

- تكثيف التعاون متعدد الأطراف لضمان استقرار الأسواق وحماية الاقتصادات الهشة.

- البناء على الروابط التجارية والاقتصادية بين الدول النامية لتعزيز المرونة ومواجهة الصدمات العالمية.

- إعادة توازن الأولويات المالية، عبر تقليص الإنفاق العسكري وتوجيه الموارد نحو البنية التحتية المستدامة، والحماية الاجتماعية، والعمل المناخي.

- مواءمة السياسات المالية والنقدية والصناعية مع أهداف التنمية طويلة الأجل.


مقالات ذات صلة

لاري فينك من دافوس: في عصر الذكاء الاصطناعي «الثقة» هي العملة الأصعب

الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك (الشرق الأوسط)

لاري فينك من دافوس: في عصر الذكاء الاصطناعي «الثقة» هي العملة الأصعب

قال الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك، إن قدرة المنتدى الاقتصادي العالمي على الاستمرار والتأثير مرهونة بإعادة بناء الثقة وتوسيع دائرة المشاركة والحوار.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
الاقتصاد مارون كيروز

كيف نستجيب لتلاشي الحدود بين الاقتصاد والسياسة؟

ما كان في السابق من اختصاص مفاوضي التجارة والدبلوماسيين أصبح اليوم في صميم عمل كل رئيس تنفيذي وكل مجلس إدارة شركة.

مارون كيروز
الاقتصاد قارب يشق طريقه عبر أفق مدينة الدوحة في قطر (أ.ب)

«قطر المركزي»: يجب موازنة مخاطر الذكاء الاصطناعي مع متطلبات رأس المال والسيولة

قال محافظ مصرف قطر المركزي إن المخاطر التشغيلية الناجمة عن تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي يجب التعامل معها باعتبارها مخاطر احترازية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
الاقتصاد مصفاة نفط تابعة لشركة صناعة النفط في صربيا (NIS) في بانشيفو (أ.ب)

النفط يرتفع على خلفية بيانات اقتصادية صينية إيجابية

ارتفعت أسعار النفط، اليوم الثلاثاء، بعد أن عززت بيانات النمو الاقتصادي الصينية، التي فاقت التوقعات، التفاؤل بشأن الطلب.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد رقائق الذهب تعرض في «غاليري 24»، وهي شركة حكومية لتجارة الذهب بالتجزئة، في سورابايا، شرق جاوة (أ.ف.ب)

الذهب يلامس الـ4700 دولار وسط تهديدات ترمب للاتحاد الأوروبي

تداول الذهب والفضة قرب مستويات قياسية، الثلاثاء، حيث أدت تهديدات الرئيس الأميركي بضم غرينلاند إلى تدهور المعنويات العالمية وزادت من الإقبال على الأصول الآمنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«سي إم إيه - سي جي إم» الفرنسية تقلص رحلاتها عبر قناة السويس

أعلنت «ميرسك» ثاني أكبر شركة شحن حاويات في العالم الأسبوع الماضي عودتها لقناة السويس (رويترز)
أعلنت «ميرسك» ثاني أكبر شركة شحن حاويات في العالم الأسبوع الماضي عودتها لقناة السويس (رويترز)
TT

«سي إم إيه - سي جي إم» الفرنسية تقلص رحلاتها عبر قناة السويس

أعلنت «ميرسك» ثاني أكبر شركة شحن حاويات في العالم الأسبوع الماضي عودتها لقناة السويس (رويترز)
أعلنت «ميرسك» ثاني أكبر شركة شحن حاويات في العالم الأسبوع الماضي عودتها لقناة السويس (رويترز)

​أعلنت مجموعة «سي إم إيه - سي جي إم» الفرنسية للنقل ‌البحري، ‌الثلاثاء، ⁠أنها قررت ​تحويل ‌مسار سفنها العاملة على عدد من الخطوط في الوقت ⁠الراهن لتبحر عبر ‌رأس ‍الرجاء ‍الصالح بدلاً ‍من قناة السويس، وأرجعت هذا إلى السياق الدولي ​الذي تكتنفه حالة من ⁠الضبابية.

وذكرت، في بيان، أنه ستتم مراجعة الوضع على نحو منتظم.

وكانت شركات الشحن تُفكّر في العودة إلى ممر التجارة الحيوي بين آسيا وأوروبا بعد أن تم تغيير مسار السفن حول جنوب أفريقيا في أواخر عام 2023 عقب هجمات شنّها الحوثيون اليمنيون في البحر الأحمر، بسبب الحرب في غزة. وأدى وقف إطلاق النار في غزة وما تبعه من هدوء في هجمات الحوثيين إلى رفع الآمال في عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها.

وبعد تسيير رحلات محدودة برفقة سفن حربية، كانت الشركة التي تتخذ من مرسيليا مقراً لها على أهبة الاستعداد لتوسيع استخدامها لهذا الخط الملاحي، الذي يعد أقصر طريق يربط بين آسيا وأوروبا، حيث أرسلت سفينتي حاويات كبيرتين عبر قناة السويس الشهر الماضي، بينما كانت تخطط لرحلات منتظمة بدءاً من يناير (كانون الثاني)؛ لخدمة النقل بين الهند والولايات المتحدة.

وذكرت الشركة أنها ستعيد، «في الوقت الحالي توجيه السفن العاملة على خطوطها الفرنسية الآسيوية 1 (FAL 1) والفرنسية الآسيوية 3 (FAL3) وخدمات نادي البحر الأبيض المتوسط ​​السريع (MEX) عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا»، مشيرة إلى «السياق الدولي المعقد وغير المستقر».

ولم تدلِ بأي تفاصيل إضافية، وهي ثالث أكبر شركة شحن حاويات في العالم، حول حالة عدم اليقين العالمية.

وأعلنت شركة «ميرسك»، ثاني أكبر شركة شحن حاويات في العالم، الأسبوع الماضي أن إحدى خدماتها ستعبر البحر الأحمر وقناة السويس ابتداءً من هذا الشهر.


9 % انخفاضاً في صادرات ألمانيا للولايات المتحدة خلال 11 شهراً

منظر جوي لمحطة حاويات في ميناء هامبورغ (رويترز)
منظر جوي لمحطة حاويات في ميناء هامبورغ (رويترز)
TT

9 % انخفاضاً في صادرات ألمانيا للولايات المتحدة خلال 11 شهراً

منظر جوي لمحطة حاويات في ميناء هامبورغ (رويترز)
منظر جوي لمحطة حاويات في ميناء هامبورغ (رويترز)

تراجعت الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة في 2025 على نحو ملحوظ؛ بسبب سياسة الرسوم الجمركية التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

فقد أعلن «مكتب الإحصاء الاتحادي» في فيسبادن، الثلاثاء، أن ألمانيا صدرت بضائع بقيمة نحو 135.8 مليار يورو (159.1 مليار دولار) إلى الولايات المتحدة بين يناير (كانون الثاني) ونوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، بانخفاض يبلغ نحو 9.4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

في المقابل، ارتفعت الواردات من الولايات المتحدة إلى ألمانيا بنسبة 2.2 في المائة لتصل إلى 86.9 مليار يورو.

وأدى تراجع الصادرات وزيادة الواردات إلى انكماش فائض ألمانيا التجاري مع الولايات المتحدة في الفترة الزمنية المذكورة ليبلغ 48.9 مليار يورو، وهو أدنى مستوى منذ عام الجائحة 2021، وفق بيانات «المكتب».

وكان الفائض قد بلغ في الفترة نفسها من 2024 مستوى قياسياً عند 64.8 مليار يورو. ورغم هذا التراجع الذي يقدر بنحو الربع، فإن الولايات المتحدة بقيت الدولة التي حققت ألمانيا معها أعلى فائض تجاري عالمياً.

وتكبد صانعو السيارات الألمان تراجعات كبيرة في تعاملاتهم مع الولايات المتحدة، حيث انخفضت قيمة صادرات السيارات وقطع الغيار من يناير إلى نوفمبر 2025 بنسبة 17.5 في المائة، لتصل إلى 26.9 مليار يورو. كما تراجعت صادرات الآلات الألمانية إلى الولايات المتحدة بنسبة 9 في المائة، لتصل إلى نحو 24 مليار يورو. أما صادرات المنتجات الدوائية فارتفعت بشكل طفيف بنسبة 0.7 في المائة إلى 26.2 مليار يورو.

وتواجه الشركات الألمانية صعوبات كبيرة جراء الرسوم الأميركية. وتعدّ الولايات المتحدة أهم سوق تصديرية لألمانيا. وأسهم التراجع في التعاملات مع السوق الأميركية في استمرار انخفاض إجمالي الصادرات الألمانية لثالث عام على التوالي.

وكان ترمب قد أعلن السبت الماضي - على خلفية النزاع بشأن غرينلاند - عن رسوم إضافية بدءاً من فبراير (شباط) المقبل ضد ألمانيا و7 دول أوروبية أخرى، وجميعها دول أعضاء في «حلف شمال الأطلسي (ناتو)».

وستبلغ الرسوم 10 في المائة بدءاً من 1 فبراير المقبل و25 في المائة بداية من 1 يونيو (حزيران) المقبل، وستظل مطبقة إلى أن يُتوصل إلى اتفاق بشأن «الشراء الكامل والشامل لغرينلاند»، وفق ترمب. وتمثل هذه التهديدات تصعيداً جديداً في النزاع التجاري بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة.


تهديد ترمب بالرسوم بشأن غرينلاند يباغت ألمانيا ويهدد نمو 2026

أفق مدينة فرانكفورت (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت (رويترز)
TT

تهديد ترمب بالرسوم بشأن غرينلاند يباغت ألمانيا ويهدد نمو 2026

أفق مدينة فرانكفورت (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت (رويترز)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديده الأخير بفرض رسوم جمركية على أوروبا بسبب نزاع غرينلاند ضربة قوية إلى ألمانيا، أكبر اقتصاد في المنطقة، في وقت كانت فيه الآمال معلّقة على انتعاش اقتصادي متواضع بعد سنوات من الركود.

وفُوجئت الحكومة الألمانية والشركات المعتمدة على التصدير بتصعيد ترمب نهاية الأسبوع الماضي، حيث لوّح بفرض تعريفات جمركية على خلفية نزاع جيوسياسي لا اقتصادي.

وقال الخبير الاقتصادي في بنك «آي إن جي»، كارستن برزيسكي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «بالنسبة إلى ألمانيا، ستكون هذه الرسوم بمثابة سُمٍّ قاتل»، مضيفاً أن حالة عدم اليقين المتزايدة «تُعرّض للخطر بشكل واضح الانتعاش الهشّ الجاري».

وقد حقّقت ألمانيا التي عانت طويلاً من ارتفاع أسعار الطاقة وانخفاض الطلب في الصين والمنافسة الشديدة من العملاق الآسيوي، بالإضافة إلى حملة الرسوم الجمركية الأميركية السابقة؛ نمواً محدوداً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2 في المائة فقط في عام 2025 بعد عامَين من الركود.

وكانت الآمال معلّقة على إنفاق حكومي ضخم لإعادة بناء القوات المسلحة وترميم البنية التحتية المتهالكة، مع توقعات الحكومة بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.3 في المائة في 2026. لكن هذا التفاؤل تراجع بعد تهديد ترمب بفرض رسوم تصل إلى 25 في المائة على منتجات ثماني دول أوروبية، من بينها ألمانيا، إثر رفضها مطالب ضم غرينلاند.

وأثارت هذه التصريحات مخاوف الشركات الألمانية، مؤدية إلى تراجع أسعار الأسهم وارتفاع أسعار الأصول الآمنة مثل الذهب، وأشعلت موجة من الحيرة والغضب.

وقال الرئيس المشارك لشركة «إكسيتون فوتونيكس» المتخصصة في صناعة الليزر، ثورستن باور: «إن غرينلاند تبالغ في هذا الجنون»، معبراً عن شعور يشارك فيه العديد من قادة الأعمال.

واستنكر اتحاد الصناعات الألمانية «التصعيد غير المناسب والمضر لجميع الأطراف»، مؤكداً أن ذلك «يشكّل ضغطاً هائلاً على العلاقات عبر الأطلسي». كما وصفت الرابطة الألمانية لتجار الجملة والمصدرين تهديد ترمب الأخير بأنه «شائن»، مؤكدة وقوفها إلى جانب الدنمارك، وقائلة: «الديمقراطية والحرية لا يمكن القضاء عليهما بالتعريفات الجمركية العقابية».

ويأتي هذا التصعيد بعد أن اتفق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في يوليو (تموز) على تحديد سقف للتعريفات الجمركية على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي عند 15 في المائة، مع إعفاء معظم السلع المستوردة من التعريفات، وهو ما رحّبت به العديد من الشركات الألمانية بحذر.

وحذّرت الرابطة الألمانية للشركات الصغيرة والمتوسطة من أن الرسوم الجديدة ستضر بشكل خاص بهذه الشركات، مؤكدة أنه «يجب ألا تسمح أوروبا لنفسها بالوقوع ضحية للابتزاز»، مع الدعوة إلى رد حازم إذا طُبّقت الرسوم بالفعل.

وقد ألحقت الرسوم الجمركية الأميركية السابقة خسائر كبرى، إذ أظهرت بيانات وكالة الإحصاء الألمانية انخفاض الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة بنسبة 9.4 في المائة بين يناير (كانون الثاني) ونوفمبر (تشرين الثاني)، مع تراجع فائض ألمانيا التجاري مع أكبر اقتصاد عالمي إلى أدنى مستوى منذ 2021.

وأوضح أندرو كينينغهام، من «كابيتال إيكونوميكس»، أن «تطبيق الرسوم الجديدة لفترة طويلة قد يكلّف اقتصاد منطقة اليورو بين 0.2 في المائة و0.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع تأثير أكبر على ألمانيا»، لكنه أضاف أنه من غير المرجح تنفيذها كما أعلن، وأن الاتحاد الأوروبي سيتوخى الحذر لتجنّب المزيد من التصعيد.

يأتي هذا الغموض في وقت حساس لقطاع السيارات الألماني الحيوي الذي يستعد لتصاعد التوترات التجارية عبر الأطلسي بعد تهديد ترمب الأخير، والذي وصفه محللو قطاع السيارات بأنه أكثر حدة من تهديد العام الماضي.

وقال محلل السيارات في «بنك ميتزلر»، بال سكرتا: «ربما لم تكن رسوم العام الماضي مبررة بالكامل، لكن يمكن تبريرها اقتصادياً. أما فيما يتعلق بغرينلاند، فقد جاء التهديد فجأة ويفتقر إلى أي مبرر منطق الاقتصاد الكلي».