الجزائر تبعد عشرات المهاجرين إثر توترات حادة مع دول الساحل

الاحترازات الحكومية تحيل إلى موجة عنصرية استهدفت الوافدين الأفارقة

صورة لمهاجرين أفارقة اعتقلهم الجيش الجزائري (وزارة الدفاع الجزائرية)
صورة لمهاجرين أفارقة اعتقلهم الجيش الجزائري (وزارة الدفاع الجزائرية)
TT

الجزائر تبعد عشرات المهاجرين إثر توترات حادة مع دول الساحل

صورة لمهاجرين أفارقة اعتقلهم الجيش الجزائري (وزارة الدفاع الجزائرية)
صورة لمهاجرين أفارقة اعتقلهم الجيش الجزائري (وزارة الدفاع الجزائرية)

سارعت السلطات الجزائرية إلى إبعاد عدد كبير من المهاجرين غير النظاميين، المتحدرين من جنوب الصحراء، عن الأماكن العامة، في إجراء احترازي لمنع تعرضهم لاعتداءات، إثر التصعيد الخطير الذي تشهده العلاقات الجزائرية مع 3 من جيرانها في جنوب الصحراء، خصوصاً مالي.

إخفاء داخل مراكز خاصة

ولاحظ سكان العاصمة الجزائرية «اختفاء» الأطفال أبناء المهاجرين من شوارعها الرئيسية، الذين يقفون على مدار اليوم، لعرض خدمة تنظيف زجاج السيارات في أوقات الازدحام. كما لم يعُد يظهر أثر منذ أيام، للشبان المهاجرين في ورش البناء والأشغال العامة والخاصة، المنتشرين عادة في ضواحي العاصمة، والذين يتم تشغيلهم منذ سنين طويلة، لأنهم يشكلون يداً عاملة منخفضة التكلفة. كما توارت عن الأنظار عشرات النساء «الأفريقيات»، اللاتي كنّ يشكلن جزءاً من المشهد العام في المدن الكبيرة، ويطلبن صدقات ومساعدات من السكان طوال اليوم.

سفير النيجر لدى الجزائر أثناء تسلم أوراق اعتماده في 2020 (الرئاسة الجزائرية)

وأكدت مصادر من محافظة الجزائر العاصمة، أن المئات من المهاجرين السريين من دول الساحل يوجدون منذ أيام في مراكز مخصصة للأشخاص الذين يواجهون صعوبات في حياتهم، حيث يجدون هناك المأوى والغذاء والرعاية الصحية حماية لهم. وسخّرت السلطات عدداً كبيراً من أعوان أجهزة «الدعم الإنساني والنشاط الاجتماعي التضامني»، لإنجاح ما يشبه حملة استباقية لحماية المهاجرين من خطر محتمل، وفق تعبير المصادر ذاتها، التي أشارت إلى «حرص الجهات الحكومية على منع وقوع أي احتكاكات، أو اعتداءات قد يتعرض لها هؤلاء الرعايا، الذين يبقون ضيوفاً على الجزائر، حتى يتم ترحيلهم إلى بلدانهم طبقاً لاتفاقات مع سلطات هذه البلدان».

مظاهرة أمام سفارة الجزائر في باماكو (صحافة مالية)

وتحيل هذه الاحترازات الحكومية إلى «موجة عنصرية»، لقيت انتشاراً في منصات الإعلام الاجتماعي، استهدفت المهاجرين من دول الساحل، في سياق أزمة دبلوماسية خطيرة نشبت بين الجزائر ومالي أساساً، بسبب تحطيم مسيّرة مالية مقاتلة من طرف سلاح الجو الجزائري منذ أقل من أسبوعين. ويشكل النيجريون أكثرية من بين المهاجرين من الساحل.

حملات ترحيل فاشلة

من المعروف أن رعايا النيجر، الذين يصلون إلى الجزائر بأعداد ضخمة سنوياً، يعتزمون في الغالب، الانتقال إلى إسبانيا بعد فترة من الاستقرار في البلاد، تمهيداً لـ«شراء الطريق» نحو أوروبا. وتوجد فئة أخرى تسافر إلى ليبيا للانطلاق منها نحو إيطاليا. وفي كلتا الحالتين، يسعى كثير منهم لتوفير الأموال من خلال العمل في ورش البناء أو لدى العائلات الميسورة، ثم يواصلون رحلتهم. ونتيجة لذلك، تعوّد سكان العاصمة الجزائرية، وبعض المدن الكبرى في السنوات الأخيرة، على العيش مع المهاجرين النيجريين، وغالبيتهم أطفال يمارسون التسول.

الرئيس الجزائري مع السفير المالي (الرئاسة الجزائرية)

وشنت قوات الأمن الجزائرية حملات كثيرة في السنين الأخيرة، تمثلت في ترحيلهم إلى الحدود، لكنها لم تقضِ على المشكلة، بسبب إلغاء حكومة النيجر، التي جاءت بعد تنحية الرئيس محمد بازوم بالقوة في انقلاب تم في 26 يوليو (تموز) 2023، قانوناً يجرم تهريب الأشخاص عبر الحدود، الأمر الذي أثار يومها مخاوف بلدان الاتحاد الأوروبي، التي توقعت وصول عدد كبير من رعايا النيجر وبلدان الساحل المجاورة إلى أبوابها بجنوب المتوسط.

وتفجر التوتر في المنطقة عندما تم إسقاط طائرة مسيرة من نوع «بيرقدار تي بي 2»، تابعة للقوات المسلحة المالية، ليلة 31 مارس (آذار) الماضي إلى 1 أبريل (نيسان) الحالي، على الحدود بين الجزائر ومالي. ووفقاً لوزارة الدفاع الجزائرية، فإن الطائرة وهي من صنع تركي، انتهكت المجال الجوي الجزائري لمسافة كيلومترين، مما يبرر حسبها، تدخل الدفاع الجوي لاعتراضها وتحطيمها. لكن باماكو رفضت هذه الرواية بشكل قاطع، مؤكدة أن الطائرة «كانت تتحرك في المجال الجوي المالي حصرياً، في إطار مهمة مراقبة ضد الجماعات المسلحة الإرهابية». ودعت الجزائر الحكومة المالية إلى الاطلاع على بيانات مخصصة لهذه الحادثة، منشورة في موقع وزارة الدفاع، تثبت حسبها «المناورات الخطيرة التي أجرتها الطائرة المسيّرة داخل التراب الجزائري».

نسخة من «درون» تم تحطيمها من طرف سلاح الجو الجزائري (صحافة مالية)

وفي مواجهة ما وصفته بـ«العدوان الصريح»، سارعت مالي إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الدبلوماسية، شملت استدعاء سفيرها لدى الجزائر، وإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الجزائرية. وقد لاقت هذه القرارات دعماً سريعاً من عضوتي «تحالف بلدان الساحل» الأخريين، بوركينا فاسو والنيجر، «اللتين استدعتا أيضاً سفيريهما لدى الجزائر، تضامناً مع مالي».

ورداً على ذلك، اتخذت الجزائر إجراءات مماثلة، معلنة التخلي عن إيفاد سفير جديد لها إلى «فاسو». كما أعلنت مالي والجزائر، الخميس الماضي، رفع خلافهما إلى مجلس الأمن الدولي.

صراع حاد بين الجزائر والعقيد غويتا

تصاعدت الأزمة بتنظيم مظاهرة أمام سفارة الجزائر لدى مالي في 8 الشهر المالي، حيث رأت الجزائر في ذلك «تصرفاً عدوانياً صادراً مباشرة عن السلطة العسكرية في باماكو»، بقيادة العقيد عاصيمي غويتا، الذي جهر بخصومته ضد الجزائر مطلع 2024، عندما قرر إلغاء «اتفاق السلام» مع المعارضة الطرقية، الذي تقود الجزائر وساطته الدولية منذ التوقيع عليه فوق أرضها عام 2015.

وزير خارجية الجزائر مع سفير مالي لدى الجزائر (الخارجية الجزائرية)

ويتعامل غويتا مع معارضيه بوصفهم «إرهابيين»، بسبب سعيهم لإقامة حكم ذاتي في الشمال الحدودي مع الجزائر. ويتهم الجزائر بـ«تشجيعهم ضده وضد الوحدة الترابية لمالي»، وهو ما ينفيه الجزائريون، الذين يؤكدون أن «همهم الوحيد هو ألا تنفلت الأوضاع في مالي»، حفاظاً على أمنهم القومي. كما أن علاقة الجزائر بكل من باماكو ونيامي شهدت تحولاً ملحوظاً، منذ أن أبرمت العاصمتان تحالفات مع مجموعات «فاغنر» الروسية المسلحة، وانتشرت عناصر هذه الأخيرة على طول الحدود المشتركة، وهو ما عدّته الجزائر تهديداً مباشراً لنفوذها في المنطقة.


مقالات ذات صلة

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

شمال افريقيا السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية في تجمع دعائي بشرق العاصمة تحسباً للانتخابات التشريعية (إعلام حزبي)

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

أطلقت الأحزاب الجزائرية حملة مزدوجة تحسباً للانتخابات التشريعية، المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، تتركز في مسارين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)

البابا يختتم جولته في الجزائر بوقفة إنسانية عند «مهد القديس أغسطينوس»

أكد البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، خلال لقائه نزلاء «دار المسنين» في عنابة، أن «رسالة السماء تنحاز دوماً إلى المستضعفين».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً بابا الفاتيكان بالمطار (الرئاسة الجزائرية) p-circle 00:51

في مستهل زيارة تاريخية للجزائر... بابا الفاتيكان ينشر رسالة سلام

انطلاقاً من الجزائر، بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، يوم الاثنين، جولة أفريقية تشمل أربع دول، وتهدف إلى تعزيز حوار الأديان، وقيم التسامح، والتعايش الديني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليو الرابع عشر بعد هبوطه في مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائر... 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:51

رئيس الجزائر: أدعو مع البابا ليو بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان

دعا الرئيس الجزائري، خلال لقائه بابا الفاتيكان، بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ليو الرابع عشر لدى وصوله إلى الجزائر في بداية جولة أفريقية (رويترز)

البابا ليو يبدأ زيارة تاريخية للجزائر في مستهل جولة أفريقية

تستعد الجزائر لاستقبال ليو الرابع عشر اليوم (الاثنين) في زيارة تاريخية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

تعهدت الجهات المانحة تقديم مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار إلى السودان، وذلك خلال المؤتمر الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين أمس، برعاية ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

وعُقد «مؤتمر برلين» وسط غياب ممثلين عن طرفي الحرب، أي الجيش السوداني، والحكومة الموالية له، و«قوات الدعم السريع». وقبل انطلاقه، انتقدت الحكومة السودانية استضافة ألمانيا للمؤتمر، قائلة إن هذا «تدخل مفاجئ وغير مقبول» في الشأن الداخلي. ويعد هذا المؤتمر الدولي الثالث حول السودان بعد مؤتمرين سابقين في باريس، ولندن.

وحض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في كلمة مسجلة خلال المؤتمر، على السلام في السودان، و«إنهاء كابوس» الحرب، ووقف «التدخلات الخارجية، وتدفق الأسلحة اللذين يؤججان النزاع». وطالب طرفي القتال بـ«وقف فوري للأعمال الحربية».


رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.