انقسام حول مستقبل عمليات مكافحة الإرهاب الأميركية في الصومال

بسبب ذكريات كوارث السياسة الخارجية السابقة في ليبيا وأفغانستان

مدرب من قوات العمليات الخاصة الأميركية يتحدث إلى مجندي «داناب» في عام 2023. درَّبت الولايات المتحدة وجهَّزت وحدات مختارة من القوات الخاصة الصومالية المعروفة باسم «داناب». حقوق الصورة (نيويورك تايمز)
مدرب من قوات العمليات الخاصة الأميركية يتحدث إلى مجندي «داناب» في عام 2023. درَّبت الولايات المتحدة وجهَّزت وحدات مختارة من القوات الخاصة الصومالية المعروفة باسم «داناب». حقوق الصورة (نيويورك تايمز)
TT

انقسام حول مستقبل عمليات مكافحة الإرهاب الأميركية في الصومال

مدرب من قوات العمليات الخاصة الأميركية يتحدث إلى مجندي «داناب» في عام 2023. درَّبت الولايات المتحدة وجهَّزت وحدات مختارة من القوات الخاصة الصومالية المعروفة باسم «داناب». حقوق الصورة (نيويورك تايمز)
مدرب من قوات العمليات الخاصة الأميركية يتحدث إلى مجندي «داناب» في عام 2023. درَّبت الولايات المتحدة وجهَّزت وحدات مختارة من القوات الخاصة الصومالية المعروفة باسم «داناب». حقوق الصورة (نيويورك تايمز)

اقترح بعض مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية إغلاق السفارة في العاصمة الصومالية مقديشو إجراءً وقائياً بعد التقدم الأخير الذي أحرزه مقاتلو «حركة الشباب».

المجندون يحملون العلم الصومالي خلال حفل تخرجهم (نيويورك تايمز)

كشف مسؤولون مطلعون على المناقشات الداخلية في الصومال، أن المكاسب الأخيرة التي حققتها حركة تمرد هناك دفعت بعض مسؤولي وزارة الخارجية إلى اقتراح إغلاق السفارة الأميركية في مقديشو، وسحب غالبية الموظفين الأميركيين، إجراءً أمنياً وقائياً.

عقد سيباستيان جوركا كبير مستشاري الرئيس ترمب لمكافحة الإرهاب اجتماعاً بين الوكالات في البيت الأبيض للبدء في مناقشة استراتيجية الإدارة تجاه الصومال (نيويورك تايمز)

مع ذلك، يخشى مسؤولون آخرون في إدارة ترمب، خصوصاً في مجلس الأمن القومي، من أن يؤدي إغلاق السفارة إلى تراجع الثقة في الحكومة المركزية الصومالية، وبالتالي إلى انهيار سريع عن غير قصد. وبدلاً من ذلك، يرغب هؤلاء المسؤولون في زيادة وتكثيف العمليات الأميركية في البلاد التي مزقتها الحرب لمجابهة «حركة الشباب»، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الجمعة.

المجندون يحملون العلم الصومالي خلال حفل تخرجهم (نيويورك تايمز)

تتأجج هذه المخاوف بسبب ذكريات كوارث السياسة الخارجية السابقة، مثل هجوم 2012 الذي شنّه مسلحون إسلاميون سيطروا على البعثة الأميركية في بنغازي بليبيا، والانهيار المفاجئ للحكومة الأفغانية مع انسحاب القوات الأميركية في 2021.

تدريبات إطلاق النار الحيّ أعدّتهم لمواجهة التهديد الوشيك من «حركة الشباب» على خطوط المواجهة (نيويورك تايمز)

كذلك، يبرِز هذا التوجه المعضلة الأوسع التي تواجهها إدارة ترمب وهي تحدد استراتيجيتها الخاصة بالصومال، الدولة غير المستقرة التي تسودها الفوضى وتعاني انقسامات قبلية معقدة، حيث خاضت الولايات المتحدة حرباً محدودة ضد الإرهاب لنحو عقدين من الزمن دون إحراز تقدم كبير.

جنود صوماليون وهم جزء من وحدة قتالية النخبة تسمى «داناب» يستعدون لتدريبات إطلاق النار الحي في قاعدة عسكرية في باليدوجلي بالصومال في وقت سابق من هذا الشهر (نيويورك تايمز)

يبدو أن هذه الاعتبارات تدفع سيباستيان غوركا، مستشار ترمب الأول لمكافحة الإرهاب، الذي يتبنى نهجاً متشدداً من استخدام القوة ضد المتشددين، نحو مواجهة المزيد من العناصر الانعزالية في تحالف ترمب. هذه المجموعة، التي سئمت من «الحروب الأبدية» التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، لا ترى مصلحة كبرى للولايات المتحدة في الصومال.

وعقد غوركا الأسبوع الماضي اجتماعاً بين الوكالات في البيت الأبيض لبدء مناقشة الوضع والتوصل إلى نهج محدد، وفقاً لمسؤولين اطلعوا على نتائج الاجتماع وتحدثوا شريطة عدم الإفصاح عن هويتهم لمناقشة أمور حساسة. وانتهى الاجتماع دون التوصل إلى أي قرار واضح.

قام لاري إي. أندريه جونيور السفير الأميركي لدى الصومال بزيارات دورية إلى أماكن أخرى في أنحاء البلاد بما في ذلك حفل التخرج... لكنه ممنوع من دخول مقديشو (نيويورك تايمز)

خلال فترات تولى فيها قيادة البلاد رؤساء من كلا الحزبين، اتبعت الولايات المتحدة سياسة دعم الحكومة الصومالية الضعيفة من خلال تدريب وحدات مختارة من قواتها الخاصة وتجهيزها، المعروفة باسم «داناب»، وتوفير الدعم لها باستخدام هجمات بالطائرات المسيَّرة في معاركها ضد «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة».

تهدف هذه السياسة إلى تمهيد الطريق أمام الحكومة الصومالية للحفاظ على الأمن بنفسها في النهاية، لكن، كما هو الحال في أماكن مثل أفغانستان، لم يحدث ذلك بعد. وتفاقمت الأوضاع وسط تقارير تفيد بأن بعض القوات الصومالية لم تقاتل، وأن الرئيس حسن شيخ محمود قد أبعد ليس فقط أفراداً من القبائل المنافسة ولكن أيضاً بعضاً من مؤيديه. ولم يرد مجلس الأمن القومي أو الـ«بنتاغون» على طلبات التعليق.

طائرة تجارية تحلّق فوق المنطقة الأمنية في مقديشو. حتى الجدران الخرسانية لا تصدّ كل العنف (نيويورك تايمز)

من جانبه، قال متحدث باسم وزارة الخارجية، الأربعاء، إن السفارة في مقديشو «ما زالت تعمل بكامل طاقتها»، وأن الوزارة «تراقب وتقيم باستمرار معلومات التهديد وتعدل إجراءاتنا الأمنية وإجراءات العمل وفقاً لذلك».

قالت مورين فاريل، التي كانت تشغل منصب المسؤول الأول عن السياسة الخاصة بأفريقيا في الـ«بنتاغون» في إدارة بايدن، إنه لا يوجد حل عسكري بحت وخالص لوجود «حركة الشباب». ودعت إلى التركيز على المتشددين الخطيرين مع محاولة دفع بقية المجموعة نحو تسويات سياسية.

وأضافت فاريل، التي تشغل الآن منصب نائب رئيس في شركة «فالار سولوشنز» للاستشارات الأمنية: «إذا كنا نفكر في الحد خفض مستوى وجودنا، فيجب أن نستخدم هذا الخفض المحتمل للضغط من أجل تحقيق تقدم حقيقي يتعلق بأهدافنا. هذه فرصة لا تتكرر إلا مرة كل عقد لنقول بجدية إننا مستعدون للمغادرة ما لم نرَ تغييرات كبيرة».

وقد زاد ترمب، خلال القسم الأكبر من فترته الرئاسية الأولى، من الجهود العسكرية في الصومال، بما في ذلك تخفيف القيود التي كانت مفروضة على هجمات الطائرات المسيرة خلال فترة رئاسة أوباما. مع ذلك خلال الأسابيع الأخيرة من ولايته، غيّر ترمب مساره فجأة وأمر بانسحاب معظم القوات الأميركية من الصومال باستثناء عدد قليل مكلّف حراسة السفارة.

أعاد الجيش نشر قواته في كينيا وجيبوتي المجاورتين، لكنه استمر في إرسال بعضها إلى الصومال في زيارات قصيرة في إطار الدعم المستمر للقوات الصومالية التي تدربها الولايات المتحدة وتجهزها. في 2022، بعد شكوى القادة العسكريين من أن الدخول والخروج من الصومال يشكل خطراً لا داعي له، سمح الرئيس جو بايدن بعودة الجيش إلى عمليات الانتشار طويلة الأجل هناك.

بحسب القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا، يوجد حالياً ما بين 500 و600 جندي أميركي في الصومال. كذلك نفذت الإدارة الجديدة هجمات جوية عدة ضد عناصر تنظيم «داعش» في شمال الصومال.

وقبل أسابيع عدة، تمكنت «حركة الشباب» من التقدم مسافة أكبر من مقديشو بفضل التفوق في ميدان المعركة، بحسب مسؤولين؛ ما أثار مخاوف بشأن سلامة السفارة الأميركية، وهي عبارة عن خندق يشبه الحصن في المطار. وأبطأ موسم الأمطار إيقاع القتال منذ ذلك الحين؛ ما وفر بعض الوقت.

في هذا السياق، قال عمر محمود، محلل بارز لشؤون الصومال والقرن الأفريقي في «مجموعة الأزمات الدولية»، إن هجمات «حركة الشباب»، التي بدأت في أواخر فبراير (شباط) فاجأت الحكومة في البداية، واستعادت المجموعة بعض القرى الريفية التي فقدتها أمام القوات الصومالية منذ عامين. مع ذلك أوضح أن هذه المكاسب مبالغ فيها إلى حد ما، وأن الحركة لا تبدو مهتمة حالياً بمهاجمة مقديشو.

الولايات المتحدة هي واحدة من دول عدّة تقدم المشورة والمساعدة للحكومة الصومالية في حربها ضد «حركة الشباب» (نيويورك تايمز)

وكتب في رسالة بالبريد الإلكتروني: «تواجه الحكومة صعوبات بالتأكيد، حيث لم يقدم المجندون الجدد الذين تلقوا تدريباً حديثاً أداءً جيداً في ساحة المعركة، والبلاد منقسمة سياسياً بشدة — لكن هناك مبالغة في المخاوف من سقوط مقديشو. ومن المعتاد في البيئة الصومالية، خصوصاً بين الشركاء الدوليين، أنه بمجرد حدوث سلسلة من الأخطاء، يبدأ الجميع في توقع الأسوأ».

مع ذلك، يدعم بعض مسؤولي وزارة الخارجية إغلاق السفارة وسحب الموظفين الدبلوماسيين بوتيرة محكومة، لتجنب الحاجة إلى عملية إجلاء طارئة مفاجئة، كما حدث في مطار كابل بأفغانستان في أغسطس (آب) 2021.

وتتعرض الخارجية أيضاً لضغوط لدمج عمليات السفارات في أفريقيا؛ لذا فإن تركيز الموظفين الدبلوماسيين المعنيين بالصومال في مكان آخر في شرق أفريقيا، مثل كينيا أو جيبوتي، سيسهم في تحقيق هدف توفير التكاليف، بحسب ما نُقل عن بعض المسؤولين.

انقسمت أجزاء من الصومال إلى مناطق شبه مستقلة. ويُقال إن هناك خياراً آخر قيد الدراسة، وهو نقل بعض المنشآت والمعدات إلى قاعدة جوية تعود إلى الحقبة السوفيتية في إحدى هذه المناطق مثل جمهورية أرض الصومال. وعرض الرئيس الصومالي مؤخراً على إدارة ترمب السيطرة على قواعد جوية وموانئ بحرية، بما في ذلك قاعدة في جمهورية أرض الصومال، رغم أن حكومته لا تسيطر على تلك المنطقة، كما أفادت وكالة «رويترز» أواخر مارس (آذار).

خلال الاجتماع بين الوكالات الأسبوع الماضي، عارض غوركا تقليص الوجود الأميركي، قائلاً إنه لا يمكن تحمل فكرة سيطرة «حركة الشباب» على البلاد، واقترح بدلاً من ذلك تكثيف الهجمات ضد المسلحين.

من شأن أي تغييرات أن تثير أسئلة معقدة حول العلاقات مع الحلفاء المهتمين بالصومال، حيث لدى إثيوبيا، والإمارات، وتركيا ومصر، قوات تسعى أيضاً للتصدي إلى «حركة الشباب». كذلك كانت كينيا ضحية لهجمات خارجية من قِبل الجماعة الإرهابية.

كما سيثير تقليص العمليات مسألة ما إذا كانت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ستستطيع مواصلة تشغيل محطة داخل الصومال. خلال هجوم بنغازي، لم يسيطر المسلحون على البعثة الأميركية فحسب، بل قصفوا أيضاً مبنى قريب تابع لـ«سي آي إيه».

مع ذلك، تعد كل هذه التعقيدات ثانوية في مقابل القرار الذي يحدّد الاستراتيجية الأميركية في الصومال.

السؤال الجوهري هو: هل نستمر في السياسات نفسها إلى أجل غير مسمى لمنع «حركة الشباب» من التقدم، ونزيد الهجمات بشكل كبير ضد مقاتلي الحركة، أم نقلص الوجود مع الاحتفاظ بالقدرة على تنفيذ هجمات بطائرات مسيَّرة ضد أهداف إرهابية مهمة محدودة من قواعد أبعد؟

جزء من المعضلة هو المسألة غير المحسومة بشأن ما تعنيه سيطرة «حركة الشباب» على جزء أكبر من الصومال، بما في ذلك ما إذا كانت سترضى بحكم البلاد فقط، أم ستشن هجمات إرهابية خارجية أو تستضيف جماعات إرهابية تفعل ذلك؟

وظهرت «حركة الشباب» من قلب بيئة الصومال التي تتسم بالفوضى في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأعلنت ولاءها لتنظيم «القاعدة» في 2012. ونفذت أجزاءً من الجماعة هجمات خارج الصومال، بما في ذلك إطلاق نار جماعي في «مركز ويستغيت التجاري» بالعاصمة الكينية نيروبي عام 2013، وهجوم على قاعدة «مانداباي» الجوية الأميركية بكينيا في يناير (كانون الثاني) 2020، بعد أن كثَّفت إدارة ترمب الأولى هجمات الطائرات المسيرة ضد الحركة.

يقع الصومال على ساحل خليج عدن من اليمن، التي كثفت فيها إدارة ترمب حملة قصف ضد الحوثيين المدعومين من إيران، والذين يهددون طرق الشحن الدولية من قناة السويس وإليها. وقال الجنرال مايكل لانغلي، قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا، في شهادته أمام الكونغرس خلال الأسبوع الماضي، إن الجيش يراقب علامات تواطؤ بين «حركة الشباب» والحوثيين.


مقالات ذات صلة

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended