​بكين تتحدى منطق واشنطن التصعيدي... بأدوات القوة الصامتة

اليوان وسندات الخزانة... مفاتيح الصين في معركة كسر العظم الاقتصادية

علمان أميركي وصيني أمام ورقتي دولار ويوان تحمل كل منهما صورة بنجامين فرنكلين وماو تسي تونغ (رويترز)
علمان أميركي وصيني أمام ورقتي دولار ويوان تحمل كل منهما صورة بنجامين فرنكلين وماو تسي تونغ (رويترز)
TT

​بكين تتحدى منطق واشنطن التصعيدي... بأدوات القوة الصامتة

علمان أميركي وصيني أمام ورقتي دولار ويوان تحمل كل منهما صورة بنجامين فرنكلين وماو تسي تونغ (رويترز)
علمان أميركي وصيني أمام ورقتي دولار ويوان تحمل كل منهما صورة بنجامين فرنكلين وماو تسي تونغ (رويترز)

منذ أن أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة الحرب التجارية ضد الصين في عام 2018، شهد العالم تصاعداً مستمراً في التوترات الاقتصادية بين أكبر قوتين اقتصاديتين. ومع عودته إلى الحلبة السياسية في حملته الانتخابية لعام 2025، تعهد ترمب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 60 في المائة على الواردات الصينية في حال فوزه. جاء الرد الصيني سريعاً عبر وسائل الإعلام الحكومية، محذراً من أن مثل هذه الخطوة ستؤدي إلى «حرب تجارية شاملة»، وستقابل بإجراءات مماثلة. هذه التصريحات لم تكن مجرد تهديدات إعلامية، بل كانت تعكس استعداداً استراتيجياً من بكين لمواجهة أسوأ السيناريوهات.

لكن ما بدأ بتهديدات مبطنة تحوّل إلى واقع قاسٍ من الرسوم الجمركية المتبادلة، وبلغ ذروته مؤخراً بإعلان ترمب رفع الرسوم على الواردات الصينية إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 125 في المائة. هذه الخطوة، التي جاءت رداً على ما عدّه ترمب «عدم احترام» الصين، التي ترافقت مع رفع بكين لرسومها على البضائع الأميركية إلى 84 في المائة، تنذر بتصعيد خطير قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى حافة الهاوية.

في هذا المشهد المعقد، لا تقف الصين مكتوفة الأيدي. فقد أدركت مبكراً مخاطر الاعتماد المفرط على السوق الأميركية، وعملت على تنويع شركائها التجاريين وتقليل تبعيتها لواشنطن.

دونالد ترمب ورئيس الصين شي جينبينغ يصافحان بعضهما بعضاً قبل اجتماعهما الثنائي خلال قمة «قادة مجموعة العشرين» في أوساكا يونيو 2019 (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، لا يزال حجم التبادل التجاري بين البلدين ضخماً، حيث بلغ نحو 585 مليار دولار في عام 2024. وتستورد الولايات المتحدة من الصين سلعاً بقيمة 440 مليار دولار، بينما تصدر إليها ما قيمته 145 مليار دولار، مما يخلق عجزاً تجارياً كبيراً لصالح بكين يقدر بنحو 295 مليار دولار. ورغم أن هذا العجز قد يكون أقل من الرقم التريليوني الذي يروج له ترمب، فإنه يمثل نحو واحد في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.

وفي مواجهة هذا الضغط الزائد، تمتلك الصين مجموعة متنوعة من الأدوات الاقتصادية والسياسية للرد على الإجراءات الأميركية. فبكين، كما صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية: «لن تتراجع أبداً عندما تواجه التحدي»، وقد توعدت باتخاذ «تدابير مضادة إضافية». ورغم أن القيادة الصينية تدرك أن العودة إلى المواجهة لن تكون سهلة، لا اقتصادياً ولا سياسياً، خصوصاً في ظل التحديات الداخلية مثل أزمة سوق العقارات وتباطؤ الاستهلاك، فإن الصين اليوم أكثر استعداداً من أي وقت مضى. فهي أكثر ثقة بقدرتها على امتصاص الصدمات، وأكثر حزماً في الدفاع عن مصالحها.

أعلام الولايات المتحدة والصين في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

الأدوات الاقتصادية للصين في المواجهة

1. الرسوم الجمركية المتبادلة: كما فعلت في الرد على تصعيد ترمب، رفعت الصين رسومها على الواردات الأميركية إلى 84 في المائة، ويمكنها التصعيد بشكل أكبر، مستهدفة قطاعات حيوية للصادرات الأميركية، مثل المنتجات الزراعية والمواد الصناعية. ورغم أن الولايات المتحدة تصدر إلى الصين أقل مما تستورد منها، فإن هذه الصادرات تمثل سوقاً مهمة للمنتجين الأميركيين، خصوصاً المزارعين الذين شهدوا بالفعل تقلصاً في حصتهم السوقية بالصين منذ بداية الحرب التجارية.

2. سندات الخزانة الأميركية: راكمت الصين بشكل مستمر سندات الخزانة الأميركية على مدار العقود الأخيرة، حيث بلغ حجم احتياطيات البنك المركزي الصيني نحو 3.2 تريليون دولار بحلول يناير (كانون الثاني) 2025، ومع تريليونات الدولارات الأميركية، وجدت الصين أن سندات الخزانة الأميركية تشكل الخيار الأكثر أماناً لاحتياطياتها من العملات الأجنبية. وبحلول ديسمبر (كانون الأول) 2024 كانت الصين تمتلك 759 مليار دولار من سندات الخزانة، وهي تعد الشكل الرئيس للديون الأميركية التي تمتلكها. ويخشى بعض المحللين والمستثمرين أن تلجأ الصين إلى بيع هذه السندات انتقاماً، وأن يؤدي استخدام هذا الاحتياطي بوصفه سلاحاً إلى زيادة أسعار الفائدة، مما قد يضر بالنمو الاقتصادي العالمي.

3. اليوان الضعيف: تقوم الصين بتوجيه اليوان نحو الانخفاض بوتيرة مدروسة، حيث يسعى البنك المركزي إلى تقليل بعض التأثيرات الاقتصادية الناتجة عن الحرب التجارية دون الإضرار باستقرار الأسواق المالية. تسعى هذه الاستراتيجية إلى الحفاظ على النمو القائم على التصدير، مما يتيح للصين خلق فرص عمل وزيادة الإنتاجية. من أجل ذلك، تحتاج الصين إلى إبقاء اليوان ضعيفاً مقارنة بالدولار الأميركي، وهو ما يسهم جزئياً في تعويض تأثير الرسوم الجمركية المفروضة من قبل ترمب. على سبيل المثال، يقوم المصدرون الصينيون ببيع الدولارات التي يتلقونها من الصادرات للحصول على اليوان، مما يعزز من الطلب على العملة الصينية ويزيد من عرض الدولار الأميركي. وإذا توقف بنك الشعب الصيني عن التدخل في هذه العملية، فإن اليوان سيتصحح تلقائياً ويعزز، مما يجعل الصادرات الصينية أكثر تكلفة، ويؤدي إلى أزمة كبيرة في البطالة بسبب فقدان الأعمال التصديرية.

تُظهر هذه الصورة التوضيحية أوراقاً نقدية صينية 100 يوان وأميركية 100 دولار في بكين (أ.ف.ب)

4. المعادن النادرة: تعدّ الصين أكبر مورد عالمي لهذه المعادن، التي تضم 17 عنصراً في الجدول الدوري، والتي تستخدم على نطاق واسع في التصنيع عالي التقنية من المركبات الكهربائية إلى الأسلحة. وتُمثل ما يقرب من 70 في المائة من إنتاج العالم من المعادن النادرة، وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية. وبالتالي فإن فرض رسوم على هذه المعادن يهدد بإحداث هزة في الإمدادات العالمية من المواد الرئيسة.

5. الأبعاد السياسية والاستراتيجية: منذ بداية الحرب التجارية، عملت الصين على تعزيز علاقاتها التجارية مع دول أخرى، خاصة في الجنوب العالمي. ومن خلال تقديم القروض والإعفاءات من الديون، تمكنت الصين من توسيع أسواقها، وتخفيف الضغط الناتج عن القيود الأميركية. ورغم التحديات، ترى بكين اليوم أنها أكثر استعداداً للرد، مستفيدة من تجارب الماضي في عام 2018 عندما تلقى الاقتصاد الصيني صدمة كبيرة، ولكنه سرعان ما امتص الضربة بفضل سلسلة من الإجراءات التحفيزية والدعم المحلي. وفي ظل تباطؤ اقتصادي عالمي وبيئة دولية مشحونة، تراهن الصين على توازن القوى المتغير، ورغبة العالم في الابتعاد عن هيمنة الولايات المتحدة.

تداعيات اقتصادية وخيمة

رغم هذه الأدوات الاستراتيجية، فإن الحرب التجارية المتصاعدة سيكون لها تداعيات سلبية على الاقتصاد الصيني. فقد أشارت «سيتي» في مذكرة لها إلى أن الرسوم الجمركية المرتفعة قد تؤدي إلى سحب نمو الصين إلى الوراء بمقدار 1.5 نقطة مئوية على أساس سنوي، مع تأثير إضافي قدره 0.6 نقطة مئوية في عام 2025. كما خفض «غولدمان ساكس» توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى 4 في المائة في عام 2025 و3.5 في المائة في عام 2026، بعد أن كانت قد توقعت 4.5 في المائة و4 في المائة سابقاً، بسبب تأثيرات الرسوم الجمركية.

شاحنات بمحطة الحاويات بميناء تشينغداو في مقاطعة شاندونغ بالصين (رويترز)

استراتيجية ترمب

تتبنى إدارة ترمب منطق «التفوق في التصعيد»، معتقدة أن الولايات المتحدة، بفضل اعتمادها الأقل على الصادرات الصينية، ستخرج منتصرة. لكن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على واردات صينية حيوية مثل الإلكترونيات الاستهلاكية والأدوية والمكونات الصناعية الأساسية، وسيؤدي ارتفاع أسعار هذه السلع حتماً إلى زيادة التضخم، وإلحاق الضرر بالمستهلك الأميركي. صحيح أن ترمب لا يخفي ميوله القومية الاقتصادية، لكنه قد يواجه عواقب غير متوقعة، خصوصاً أن نتائج الحرب التجارية لم تكن دائماً لصالح الولايات المتحدة. فقد أظهرت تقارير اقتصادية أن الشركات الأميركية والمستهلكين هم من تحملوا الجزء الأكبر من تكلفة الرسوم، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والصناعة. ومع ذلك، يراهن ترمب على أن تصعيده الجديد سيمنحه ورقة ضغط قوية في مفاوضاته المحتملة مع الصين.

اقتصاد العالم بين نموذجين

منذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، شهد العالم فترة من التكامل التجاري الهائل، ولكن هذا النموذج بدأ يتآكل مع وصول ترمب إلى الحكم في 2016. اليوم، وفي ظل تصارع القوى بين واشنطن وبكين، تتكشف معركة تتجاوز الرسوم الجمركية لتطاول الأسس العميقة للنظام الاقتصادي العالمي. إنها مواجهة بين نموذجين: أميركي يسعى إلى إعادة فرض الهيمنة عبر الضغط والتقييد، وصيني يراهن على التوسع الصبور وإعادة تشكيل موازين القوى. ومع كل جولة من التصعيد، يتسارع الانقسام بين عالم يسعى فيه ترمب إلى فرض قواعد لعب جديدة لصالح الولايات المتحدة، وآخر يتقدمه الصين بثقة، حاملة رؤيتها لعالم متعدد الأقطاب.

وفي ظل هذا المشهد المشحون، فإن ما يُرسم في الكواليس قد يحدد ملامح الاقتصاد العالمي لعقود قادمة، حيث لا مكان للحياد، وكل قرار يحمل وزنه في ميزان الهيمنة المقبلة.


مقالات ذات صلة

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

الاقتصاد صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)

ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقع أمراً تنفيذياً يلغي الرسوم العقابية البالغة 25 % التي ​فرضها على الواردات من الهند بسبب شرائها النفط الروسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (ا.ف.ب)

ترمب يوقع أمراً بفرض رسوم جمركية على أي دولة  تتعامل تجارياً مع إيران

قال البيت الأبيض إن الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب وقع ‌أمراً تنفيذياً ربما يقضي بفرض رسوم جمركية بنسبة ⁠25 ‌في المائة على ‍الدول ‍التي ‍تتعامل تجاريا مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار بنك الاحتياطي الهندي عند بوابة مقره في نيودلهي (رويترز)

الهند تُثبت سعر الريبو بدعم الاتفاقات التجارية والتوقعات الاقتصادية

أبقى بنك الاحتياطي الهندي، يوم الجمعة، على سعر الريبو الرئيسي دون تغيير، مدعوماً بتوقعات اقتصادية إيجابية وتراجع الضغوط بعد إبرام اتفاقات تجارية.

«الشرق الأوسط» (مومباي )
الاقتصاد وزير الخارجية الأرجنتيني بابلو كيرنو (يمين) عقب توقيع اتفاقية تجارية واستثمارية مع الولايات المتحدة (حساب كيرنو عبر منصة إكس)

الأرجنتين توقع اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة

أعلنت الأرجنتين توقيعها اتفاقية تجارية واستثمارية مع أميركا، تفتح بموجبها أسواقها أمام المنتجات الأميركية مقابل تخفيف الرسوم الجمركية على بعض الصادرات.

«الشرق الأوسط» (بوينوس آيرس)

مصر توقع اتفاقاً تاريخياً للترددات مع شركات الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار

هواتف محمولة  (رويترز - أرشيفية)
هواتف محمولة (رويترز - أرشيفية)
TT

مصر توقع اتفاقاً تاريخياً للترددات مع شركات الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار

هواتف محمولة  (رويترز - أرشيفية)
هواتف محمولة (رويترز - أرشيفية)

قال مجلس الوزراء المصري، في بيان، السبت، إن القاهرة وقعت صفقة بقيمة 3.5 مليار دولار لتخصيص 410 ميجاهرتز إضافية من الطيف الترددي الجديد لشركات المحمول بالبلاد، ووصفها بأنها «أكبر صفقة للترددات في تاريخ قطاع الاتصالات منذ بدء تقديم خدمات المحمول بمصر».

ومن المتوقع أن تدفع شركات الاتصالات، وهي: «المصرية للاتصالات» المملوكة للدولة، و«فودافون مصر»، وأورنج مصر»، و«إي آند مصر»، 3.5 مليار دولار للحكومة بموجب الصفقة.

وذكر مجلس الوزراء أن الطيف الترددي المخصص حديثاً يعادل إجمالي الحيز الترددي المخصص لشركات الاتصالات منذ دخول خدمات الهاتف المحمول حيز التشغيل في مصر قبل 30 عاماً.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي داخل مصنع إنتاج أجهزة جوال في مصر (مجلس الوزراء المصري)

وقال وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، عمرو طلعت، إنه بهذه الصفقة «نضاعف السعات الترددية المتاحة للمشغلين على مدار ثلاثين عاماً في صفقة واحدة»، بما يضمن «جاهزية الشبكات لاستيعاب تطبيقات المستقبل».

وخففت مصر من أزمة نقص العملة الصعبة بمساعدة من برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي، وإيرادات قياسية في قطاع السياحة، وتحويلات من المصريين العاملين في الخارج، واتفاقيات استثمارية مع دول الخليج بعشرات المليارات من الدولارات.

Your Premium trial has ended


ألمانيا تخسر تريليون دولار منذ 2020 جرَّاء الأزمات الاقتصادية

فقد القطاع الصناعي الألماني الذي يُعدُّ عصب الاقتصاد عوامل دعم مهمة بسبب رسوم ترمب الجمركية (رويترز)
فقد القطاع الصناعي الألماني الذي يُعدُّ عصب الاقتصاد عوامل دعم مهمة بسبب رسوم ترمب الجمركية (رويترز)
TT

ألمانيا تخسر تريليون دولار منذ 2020 جرَّاء الأزمات الاقتصادية

فقد القطاع الصناعي الألماني الذي يُعدُّ عصب الاقتصاد عوامل دعم مهمة بسبب رسوم ترمب الجمركية (رويترز)
فقد القطاع الصناعي الألماني الذي يُعدُّ عصب الاقتصاد عوامل دعم مهمة بسبب رسوم ترمب الجمركية (رويترز)

بلغت التكلفة الاقتصادية لسلسلة الأزمات التي شهدتها ألمانيا خلال السنوات الماضية قرابة تريليون يورو (1.18 تريليون دولار)، حسب تقديرات معهد الاقتصاد الألماني «آي دابليو».

وأوضح المعهد المقرب من اتحادات أرباب العمل، أن الخسائر المتراكمة في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الأعوام الستة منذ 2020، وصلت إلى نحو 940 مليار يورو.

وأشار المعهد إلى أن هذه الخسائر تعادل -عند احتسابها بالنسبة لكل موظف- فقداناً في القيمة المضافة يزيد بوضوح على 20 ألف يورو، وذلك نتيجة جائحة «كورونا»، وتداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، والسياسة التصادمية للولايات المتحدة.

ووفقاً لحسابات المعهد، يعود ربع هذه الخسائر الضخمة إلى العام الماضي، الذي طغت عليه النزاعات الجمركية مع حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ووفقاً لبيانات رسمية، تجنبت ألمانيا في عام 2025 بالكاد الدخول في عام ثالث على التوالي من دون نمو اقتصادي؛ حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي زيادة طفيفة بلغت 0.2 في المائة.

وقال الباحث في المعهد، ميشائيل جروملينغ: «العقد الحالي اتسم حتى الآن بصدمات استثنائية وأعباء اقتصادية هائلة، تجاوزت في الوقت الراهن مستويات الضغط التي حدثت في أزمات سابقة».

ووفقاً للتقديرات؛ بلغت التكلفة الاقتصادية لفترة الركود بين عامي 2001 و2004 نحو 360 مليار يورو بالقيمة الحقيقية، بينما سجلت الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009 خسائر في القيمة المضافة تقدر بنحو 525 مليار يورو.

ولحساب حجم الخسائر الاقتصادية، قارن جروملينغ المسار الفعلي للاقتصاد بسيناريو افتراضي يفترض غياب هذه الأزمات. وبناء على افتراض أن النشاط الاقتصادي كان سيواصل نموه وفق متوسط وتيرة العقود الثلاثة الماضية، خلصت الدراسة إلى حدوث «خسائر اقتصادية كبيرة ومتزايدة».

وأضاف جروملينغ أن «النشاط الاقتصادي في ألمانيا، بعد التعافي من صدمة الجائحة، لم يتجاوز مستوى عام 2019 خلال الأعوام الثلاثة الماضية»، موضحاً أن هذه الحالة من الركود الفعلي، مقارنة بمسار افتراضي متصاعد، أدت إلى اتساع الفجوة بشكل مستمر، وارتفاع الخسائر الاقتصادية بصورة واضحة في السنوات الأخيرة.


مصر: مبادرة تمويلية لتوفير مليار دولار للشركات الناشئة من الجهات الحكومية

وزيرة التخطيط المصرية رانيا المشاط خلال الإعلان عن مبادرة تمويلية للشركات الناشئة (مجلس الوزراء)
وزيرة التخطيط المصرية رانيا المشاط خلال الإعلان عن مبادرة تمويلية للشركات الناشئة (مجلس الوزراء)
TT

مصر: مبادرة تمويلية لتوفير مليار دولار للشركات الناشئة من الجهات الحكومية

وزيرة التخطيط المصرية رانيا المشاط خلال الإعلان عن مبادرة تمويلية للشركات الناشئة (مجلس الوزراء)
وزيرة التخطيط المصرية رانيا المشاط خلال الإعلان عن مبادرة تمويلية للشركات الناشئة (مجلس الوزراء)

أعلنت مصر، السبت، إطلاق مبادرة تمويلية موحدة، تستهدف تنسيق الموارد التمويلية المتاحة لدى الجهات الحكومية، وتفعيل آليات مبتكرة لتعظيم أثرها بمعدل يصل إلى 4 أضعاف.

وأوضحت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية أن المبادرة «تستهدف حشد تمويلات بقيمة مليار دولار على مدار 5 سنوات لقطاع الشركات الناشئة، من خلال موارد حكومية وضمانات واستثمارات مشتركة مع صناديق رأس المال المخاطر وجهات استثمارية وتمويلية أخرى من القطاع الخاص».

وقالت رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي ورئيس المجموعة الوزارية لريادة الأعمال، إن المبادرة التمويلية تُشارك بها عدد من الجهات الوطنية وهي جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وشركة ضمان مخاطر الائتمان، والبنك المركزي، والهيئة العامة للرقابة المالية، وهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات، ووزارات الاستثمار والمالية والبيئة.

جاء ذلك خلال فعالية إطلاق «ميثاق الشركات الناشئة» التي تُعقد بالمتحف المصري الكبير، ويشهدها الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والوزراء أعضاء المجموعة الوزارية، وممثلو الشركات الناشئة ورواد الأعمال.

وأوضحت «المشاط» أن الهدف من المبادرة التمويلية الموحدة تحفيز استثمارات القطاع الخاص ورأس المال المخاطر في كافة مراحل نمو الشركات الناشئة المصرية عبر إطار حكومي وآليات تمويلية متنوعة.

وأضافت أن ركائز المبادرة تشمل ضمان استمرار ضخ التمويلات للشركات الناشئة، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة لمتابعة تقدم الشركات الناشئة، وتشكيل إطار تنسيقي يضم جميع الجهات المعنية، بالإضافة إلى إشراك مجتمع ريادة الأعمال في مراجعة النتائج لضمان تلبية احتياجات السوق، وربط الشركات الناشئة بالمستثمرين الدوليين، فضلاً عن العمل على تدخلات استباقية وتصحيحية في حالة وجود فجوات تمويلية للشركات الناشئة.

كما ذكرت أن المبادرة توفر آليات استثمار متنوعة تناسب احتياجات الشركات في مختلف مراحل نموها، بدءاً من مرحلة الفكرة وحتى الوصول إلى شركات مليارية (يونيكورن) أو التخارج، منوهة بأن المبادرة تستهدف الوصول إلى نحو 5000 شركة منها 500 شركة، بالإضافة إلى 5 شركات مليارية (يونيكورنز).