«تسونامي» من الصادرات الصينية يهدد المصانع العالمية مع تصاعد حرب الرسوم

صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)
صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)
TT

«تسونامي» من الصادرات الصينية يهدد المصانع العالمية مع تصاعد حرب الرسوم

صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)
صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)

على مدى عقود، احتفظ مجمّع «فولكسفاغن» في مدينة وولفسبورغ الألمانية بلقب أكبر مصنع سيارات في العالم. إلا أن شركة «بي واي دي» الصينية، الرائدة في صناعة السيارات الكهربائية، بصدد تغيير هذه المعادلة؛ إذ تبني حالياً مصنعين عملاقين في الصين، يتمتع كل منهما بطاقة إنتاجية تفوق ضعفي القدرة الإنتاجية لمجمع وولفسبورغ التاريخي.

وتظهر البيانات الحديثة من بنك الصين المركزي أن البنوك المملوكة للدولة قد قدمت قروضاً إضافية بقيمة 1.9 تريليون دولار للمقترضين الصناعيين خلال السنوات الأربع الماضية. وعلى أطراف المدن في جميع أنحاء الصين، يتم بناء مصانع جديدة ليلاً ونهاراً، بينما يتم تحديث المصانع الحالية باستخدام الروبوتات والأتمتة، وفق صحيفة «نيويورك تايمز».

وتؤدي استثمارات الصين وتقدمها في مجال التصنيع إلى موجة من الصادرات التي تهدد بإغلاق المصانع وتسريح العمال، ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن أيضاً في جميع أنحاء العالم.

وقالت كاثرين تاي، التي كانت ممثلة التجارة الأميركية في عهد الرئيس السابق جو بايدن: «تسونامي قادم للجميع».

وكانت الرسوم الجمركية المرتفعة التي أعلن عنها الرئيس ترمب يوم الأربعاء، والتي تسببت في تراجع الأسهم في آسيا وأماكن أخرى، هي الاستجابة الأكثر تطرفاً حتى الآن لدفع الصين للتصدير. ومن البرازيل وإندونيسيا إلى تايلاند والاتحاد الأوروبي، قامت العديد من البلدان بتحريك رسوم جمركية بشكل أكثر هدوءاً أيضاً.

وأعرب القادة الصينيون عن غضبهم إزاء الانتشار الأخير للحواجز التجارية، وخاصة التعريفات الجمركية الأخيرة التي فرضها ترمب. وهم يفخرون بمعدلات الادخار المرتفعة في الصين، وساعات العمل الطويلة، ووفرة المهندسين ومبرمجي البرمجيات، فضلاً عن قوتها العاملة من الكهربائيين، واللحامين، والميكانيكيين، وعمال البناء، وغيرهم من الحرفيين المهرة.

وفي ليلة السبت، قرأ مذيع على شاشة التلفزيون الحكومي بياناً حكومياً يدين الولايات المتحدة: «إنها تستخدم الرسوم الجمركية لتقويض النظام الاقتصادي والتجاري الدولي القائم» من أجل «خدمة المصالح الهيمنية للولايات المتحدة».

وقبل خمس سنوات، وقبل انفجار فقاعة الإسكان، كانت الرافعات التي تقوم ببناء الأبراج السكنية تملأ تقريباً كل مدينة في الصين. اليوم، اختفت العديد من تلك الرافعات وأصبح التي تبقى منها نادراً ما يتحرك. وبإيعاز من بكين، حولت البنوك سريعاً إقراضها من العقارات إلى الصناعة.

وتستخدم الصين عدداً أكبر من الروبوتات الصناعية مقارنة ببقية العالم مجتمعة، ومعظم هذه الروبوتات تُصنَع في الصين بواسطة شركات صينية، على الرغم من أن بعض المكونات لا تزال مستوردة. وبعد عدة سنوات من النمو السريع، زادت عمليات تركيب المعدات الصناعية الجديدة هذا العام بنسبة 18 في المائة إضافية.

وعندما افتتحت شركة «زيكر»، وهي شركة صينية لتصنيع السيارات الكهربائية، مصنعها في نينغبو، وهي مدينة تقع على بعد ساعتين بالسيارة جنوب شنغهاي، قبل أربع سنوات، كان المصنع يضم 500 روبوت. والآن ارتفع العدد إلى 820، مع وجود المزيد في طور الإعداد.

ومع بدء تشغيل المصانع الجديدة، تتسارع صادرات الصين بشكل سريع. فقد ارتفعت بنسبة 13.3 في المائة في عام 2023، ثم زادت بنسبة 17.3 في المائة في العام الماضي.

كما أن القروض التي تقدمها البنوك المملوكة للدولة تمول ازدهاراً في البحث والتطوير في الشركات. فقد افتتحت شركة «هواوي»، وهي مجموعة صناعية تصنع منتجات متنوعة مثل الهواتف الذكية وقطع غيار السيارات، مركزاً للأبحاث في شنغهاي يضم 35 ألف مهندس، ويحتوي على عشرة أضعاف المساحة المخصصة للمكاتب والمختبرات مقارنة بمقر شركة «غوغل» في مدينة ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا.

ويواجه القادة في جميع أنحاء العالم صعوبة في تحديد ما إذا كانوا سيرتفعون بالرسوم الجمركية لحماية ما تبقى من قطاعاتهم الصناعية.

وكانت الصين قد وسعت بسرعة حصتها في التصنيع العالمي على مدى عقود. وجاء هذا النمو أساساً على حساب الولايات المتحدة والدول الصناعية القديمة الأخرى، ولكن أيضاً على حساب الدول النامية. وقد زادت حصتها إلى 32 في المائة وتستمر في الارتفاع، مقارنة بـ 6 في المائة في عام 2000.

ويعد الناتج الصناعي للصين أكبر من الناتج المشترك للولايات المتحدة وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا.

وحتى قبل فوز ترمب بفترة رئاسية ثانية، حذر مسؤولو إدارة بايدن خلال عامهم الأخير في الحكم من تجاوز الطاقة الإنتاجية الصناعية في الصين. وقد تم رفع بعض الرسوم الجمركية، خصوصاً على السيارات الكهربائية.

ولكن خلال السنوات الثلاث الأولى من ولايته، ركز مسؤولو إدارة بايدن بشكل أساسي على تشديد القيود على تصدير تقنيات مثل الرقائق الإلكترونية المتقدمة، مستشهدين بمخاوف الأمن القومي. بينما أبقوا الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب والتي تراوحت بين 7.5 في المائة و25 في المائة على نصف صادرات الصين إلى الولايات المتحدة خلال فترة ولايته الأولى.

ومن غير المؤكد كيف ستسير الأمور مع نهج الرئيس الأكثر تشدداً هذه المرة. فقد تباطأت الصادرات الصينية في بعض الأحيان بسبب الرسوم الجمركية، ولكنها لم تتوقف. بينما تتأهب دول أخرى لاحتمال أن يتم تحويل الصادرات الصينية إلى أماكن أخرى، مما يهدد اقتصادات الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة مثل الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية.

وكانت شركات السيارات الصينية تستعد لدخول سوق السيارات الأميركية في عام 2017، عندما تولى ترمب منصبه لأول مرة. وقامت شركة «جي إيه سي موتور» في مدينة قوانغتشو الصينية بإحضار العشرات من وكلاء السيارات الأميركيين إلى معرض السيارات في المدينة في نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام. وأعلنت الشركة عن خطط لبيع سيارات الدفع الرباعي والشاحنات الصغيرة التي تعمل بالبنزين في الولايات المتحدة بحلول نهاية عام 2019.

لكن شركة «جي إيه سي موتور» وغيرها من الشركات الصينية ألغت خططها بعد أن شمل ترمب السيارات في رسومه الجمركية الأولية التي بلغت 25 في المائة بعد عدة أشهر.

ولا تزال الشركات الصينية لا تبيع أي سيارات تقريبا في الولايات المتحدة، ومن غير المرجح أن يتغير هذا: فمع التحركات الأخيرة التي اتخذها ترمب، تواجه الشركات الصينية الآن رسوما جمركية تصل إلى 181 في المائة.

وبعد أن تم حظرها في الولايات المتحدة، واصلت شركات السيارات الصينية بناء المصانع وركزت حملاتها التصديرية في أماكن أخرى. وقد شهدت مبيعاتها قفزات كبيرة في أستراليا وجنوب شرق آسيا، حيث استحوذت على حصة سوقية من العلامات التجارية اليابانية والأميركية. وفي المكسيك، كانت حصة الشركات الصينية 0.3 في المائة فقط في عام 2017؛ ولكن بحلول العام الماضي، ارتفعت إلى أكثر من 20 في المائة.

كما دفعت الزيادة السريعة في المبيعات داخل الاتحاد الأوروبي والأدلة على تقديم الحكومة الصينية دعماً مالياً لهذه الشركات، المسؤولين في الاتحاد الأوروبي إلى فرض رسوم جمركية تصل إلى 45 في المائة على السيارات الكهربائية من الصين في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ولا تبني الصين مصانع سيارات فحسب، بل قامت أيضاً ببناء طاقة تكرير بتروكيماوي في السنوات الخمس الماضية أكثر من أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة منذ الحرب العالمية الثانية. ومن المتوقع أن تبني الصين هذه المصافي بشكل أسرع هذا العام. ثم يتم تحويل البتروكيماويات إلى بلاستيك وبوليستر وفينيل وإطارات.

وقال روبرت إي. لايتهايزر، الذي كان الممثل التجاري للولايات المتحدة في فترة ترمب الأولى، إن الرسوم الجمركية الأميركية الأخيرة «هي علاج متأخر للغاية - السبب الجذري هو عقود من السياسات الصناعية الصينية التي خلقت فائضاً مذهلاً في الطاقة الإنتاجية وعدم توازن عالمياً».

جزء من السبب وراء صادرات الصين الضخمة هو أن شعبها يستهلك قليلاً جداً. فقد قضت أزمة سوق العقارات منذ عام 2021 على جزء كبير من مدخرات الطبقة الوسطى ودمرت العديد من الأسر الثرية.

وتشهد الإيرادات الضريبية في الصين تراجعاً ملحوظاً، في وقت يتسارع فيه الإنفاق العسكري بوتيرة متزايدة. هذا التباين دفع الحكومة إلى توخي الحذر في إطلاق حزم تحفيزية لدعم الاستهلاك المحلي. وبدلاً من ذلك، لجأت بكين إلى تعزيز صادراتها كوسيلة للتعويض عن الركود في قطاع الإسكان، ما أسفر عن خلق ملايين الوظائف المرتبطة ببناء المصانع وتجهيزها وتشغيلها، مما أبقى عجلة الاقتصاد دائرة رغم التحديات الداخلية.

وقد انضم بعض الاقتصاديين الصينيين مؤخراً إلى نظرائهم الغربيين في اقتراح ضرورة تقوية شبكة الأمان الاجتماعي الهزيلة في البلاد. وفي بداية هذا العام، كان الحد الأدنى من المعاش الحكومي لكبار السن لا يتجاوز 17 دولاراً شهرياً. وهذا يكاد لا يكفي لشراء المواد الغذائية، حتى في الريف الصيني.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، دعا أستاذ الاقتصاد الشهير في جامعة تسينغهوا، لي داوكوي، علناً إلى رفع المعاش الشهري الأدنى عدة أضعاف ليصل إلى 110 دولارات. وادعى أن الحكومة الصينية قادرة على تحمل هذه التكلفة، وأن الإنفاق الإضافي من قبل كبار السن سيحفز الاقتصاد بالكامل.

لكن المسؤولين الصينيين رفضوا نصيحته. عندما تم إصدار الموازنة في الخامس من مارس (آذار)، تضمنت زيادة في المعاشات التقاعدية الشهرية ــ ولكن بمقدار 3 دولارات فقط، ليصل الإجمالي إلى 20 دولاراً شهرياً.

وخصصت الموازنة ذاتها 100 مليار دولار للاستثمارات، بما في ذلك الموانئ والبنية الأساسية الأخرى الداعمة للمصدرين. وكان هناك أيضاً برنامج جديد لتحديث تكنولوجيا التصنيع في 20 مدينة صينية.


مقالات ذات صلة

افتتاح جسر جديد بين الصين وكوريا الشمالية بعد 12 عاماً على تشييده

آسيا جسر نهر يالو الجديد المصمم لربط منطقة داندونغ الجديدة في الصين بمدينة سينويجو في كوريا الشمالية (رويترز)

افتتاح جسر جديد بين الصين وكوريا الشمالية بعد 12 عاماً على تشييده

يُفتتح، هذا الأسبوع، جسر جديد يربط بين الصين وكوريا الشمالية، وفق ما أفاد التلفزيون الرسمي الصيني، اليوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد امرأة تتسوق في مركز تسوق في بكين (إ.ب.أ)

الصادرات الصينية تقفز 36.3 % وتدفع الفائض التجاري نحو مستوى قياسي

قفزت الصادرات الصينية في سبتمبر (أيلول) بأكثر من المتوقع، لتضع البلاد على مسار تسجيل فائض تجاري سنوي قياسي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سيارات معدَّة للتصدير في ميناء يانتاي بمقاطعة شاندونغ الصينية (رويترز)

الصين وأوروبا لتفادي «حرب تجارية» بعد اتفاق بشأن السيارات

اعتبرت بكين أنها والاتحاد الأوروبي بإمكانهما تفادي التصعيد في مختلف النزاعات بينهما، في ظل ازدياد المخاوف من اندلاع حرب تجارية قد تكون لها تداعيات سلبية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سبائك الذهب معروضة في معرض الصين الدولي للمجوهرات في بكين (إ.ب.أ)

البنك المركزي الصيني يواصل شراء الذهب للشهر الـ23

واصل البنك المركزي الصيني زيادة حيازاته من الذهب في سبتمبر (أيلول)، ليمدد مشترياته المتواصلة من المعدن النفيس للشهر الـ23 على التوالي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان مع الرئيس التنفيذي لشركة «سينوبك» (السفارة السعودية لدى الصين)

الرميان يجري مباحثات في بكين لتعزيز التعاون في الاستثمار والطاقة

بحث ياسر الرميان في بكين تعزيز شراكات صندوق الاستثمارات العامة مع الصين في مجالي الطاقة، والاستثمار، بالتزامن مع توسع حضوره بالسوق الصينية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الهند تتجاوز اليابان في 2027 وسط تباطؤ النمو الآسيوي

عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)
عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)
TT

الهند تتجاوز اليابان في 2027 وسط تباطؤ النمو الآسيوي

عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)
عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)

من المتوقع أن تتجاوز الهند اليابان لتصبح رابع أكبر اقتصاد بالعالم في 2027، مع بلوغ ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي 4.52 تريليون دولار، في تحول يعكس تفاوت مسارات النمو بين أكبر اقتصادات آسيا، وسط ضغوط كثيرة من ارتفاع أسعار الطاقة، والتوترات المالية العالمية، ومخاطر تصحيح طفرة الذكاء الاصطناعي.

وتأتي هذه التوقعات في وقت رجّح صندوق النقد الدولي تباطؤ نمو اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ إلى 4.4 في المائة في 2027، مقارنة بـ4.8 في المائة بالعام الحالي و5 في المائة خلال 2025، رغم رفع تقديراته للعامين الحالي والمقبل مقارنة بتوقعاته الصادرة في أبريل (نيسان).

وفق توقعات الصندوق، ستتراجع اليابان إلى المرتبة السادسة عالمياً في 2027، خلف الهند والمملكة المتحدة، بعدما تحتفظ بالمركز الرابع خلال العام الحالي. وتستفيد الهند من زخم نمو قوي، إذ رفع الصندوق توقعاته لنمو اقتصادها في 2026 إلى 7 في المائة، بينما يُتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الياباني إلى 0.7 في المائة، تحت ضغط ارتفاع تكاليف الطاقة والتضخم والتحديات الديمغرافية.

وقال مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في الصندوق، كريشنا سرينيفاسان، إن الهند دخلت صدمة أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من موقع قوي، بفضل متانة أساسياتها الاقتصادية والانضباط المالي ووفرة الاحتياطيات، ما ساعدها على التعامل مع تداعيات الصدمة.

في المقابل، تواجه اليابان ضغوطاً كثيرة من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الواردات، في ظل تراجع الين الذي سجل أدنى مستوياته أمام الدولار خلال 40 عاماً في الصيف، إلى جانب شيخوخة السكان التي تثقل النشاط الاقتصادي. كما أسهم استمرار ارتفاع أسعار المستهلكين منذ ربيع 2022 في زيادة الضغوط التضخمية، ودفع بنك اليابان إلى رفع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة عقود.

مخاطر الطاقة والذكاء الاصطناعي

وعلى مستوى المنطقة، أشار الصندوق إلى أن توقعات النمو لا تزال محاطة بمخاطر تميل إلى الجانب السلبي، في مقدمتها احتمال إطالة أمد الصراع في الشرق الأوسط، بما قد يبقي أسعار السلع الأولية مرتفعة، ويزيد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

وفي المقابل، أسهمت الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دعم اقتصادات آسيوية متقدمة، إذ يُتوقع أن يرتفع نموها إلى 3.2 في المائة في 2026، مقابل 2.5 في المائة في العام الماضي. لكن الصندوق حذّر من أن أي تصحيح في طفرة الاستثمار في هذه التقنيات قد يضغط على النمو العالمي، مع تعرض آسيا لمخاطر أكبر نتيجة انكشافها على سلاسل إنتاج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وتظهر التوقعات تفاوتاً إضافياً بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة في المنطقة؛ إذ يُرجح أن يتباطأ نمو الاقتصادات الآسيوية الناشئة إلى 5.1 في المائة في 2026، من 5.6 في المائة في 2025، متأثراً بارتفاع تكاليف الطاقة.

عوائد السندات تضغط على المالية العامة

وحذّر الصندوق من أن استمرار ارتفاع عوائد السندات العالمية أو حدوث اضطرابات في أسواق الدين لدى الاقتصادات الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو واليابان، قد ينتقل إلى الأسواق الآسيوية، رافعاً تكاليف الاقتراض ومفاقماً الضغوط على المالية العامة.

وتزيد مستويات الدين العام واحتياجات التمويل المرتفعة في أجزاء من المنطقة من مخاطر تشديد الأوضاع المالية، بما قد يرفع أعباء خدمة الدين ويحد من قدرة الحكومات على زيادة الإنفاق لمواجهة الصدمات.

وفي هذا السياق، دعا سرينيفاسان البنوك المركزية إلى مواصلة إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار، والتواصل بوضوح بشأن توجهات السياسة النقدية، والاستعداد لتشديدها عندما تكون توقعات التضخم أقل رسوخاً أو الضغوط التضخمية أكثر استمراراً، مع الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية.

كما شدد على محدودية الحيز المالي في ظل بقاء الدين العام أعلى من مستويات ما قبل جائحة «كوفيد - 19»، داعياً إلى اعتماد تدابير دعم مؤقتة ومحددة للفئات الأكثر تضرراً، بدلاً من الدعم الشامل لأسعار الوقود أو فرض قيود على الأسعار، لما قد يترتب على هذه الإجراءات من تكاليف مالية مرتفعة.


ارتفاع تكلفة التأمين ضد التعثر يثير مخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي

اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
TT

ارتفاع تكلفة التأمين ضد التعثر يثير مخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي

اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)

بلغت تكلفة التأمين ضد مخاطر التخلف المحتمل عن سداد الديون لدى شركات التكنولوجيا الأميركية مستويات قياسية، في أحدث مؤشر على تنامي الضغوط الائتمانية المرتبطة بما يُعرف بـ«استثمارات الذكاء الاصطناعي»، ولا سيما مراكز البيانات التي تعتمد على إيرادات مستقبلية.

ورغم أن أسهم الشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي لا تزال من بين أكبر الرابحين في أسواق الأسهم العالمية هذا العام، فإن كثيراً منها شهد تراجعاً حاداً خلال الأسابيع القليلة الماضية، مع إعادة المستثمرين تقييم تكلفة رأس المال في ظل ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم، وفق «رويترز».

كما تساور بعض المستثمرين والمحللين الشكوك بشأن توقيت تحقيق عوائد على الاستثمارات التي تُضخ بمليارات الدولارات في مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية وغيرها من البنى التحتية، بل حتى بشأن احتمالات تحقيق هذه العوائد من الأساس.

وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب على عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان، وهي أدوات توفر حماية من مخاطر التعثر المالي واكتسبت أهمية كبيرة خلال الأزمة المالية في عام 2008، حتى بالنسبة إلى شركات كبرى مثل «أبل» و«أمازون» و«مايكروسوفت».

أما الشركات المنافسة لهذه المؤسسات أو مورّدوها أو عملاؤها، ممن يتحملون أعباء ديون أكبر، فقد ارتفعت تكلفة هذه العقود لديهم بوتيرة أسرع.

ما عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان؟

هي أدوات مالية مشتقة توفر حماية من مخاطر عجز الجهة المُصدرة للسندات، سواء كانت شركة أو حكومة، عن الوفاء بالتزاماتها المالية.

ويتوقع مستثمرو السندات الحصول على مدفوعات الفائدة واسترداد أصل المبلغ عند الاستحقاق، لكنهم يواجهون احتمال عدم سداد هذه المستحقات.

ويساعد شراء عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان المستثمرين على التحوط من هذه المخاطر؛ إذ تعمل فعلياً كنوع من التأمين ضد التخلف عن السداد أو وقوع أحداث ائتمانية أخرى. فعلى سبيل المثال، إذا انخفضت قيمة سند ما لأي سبب، فقد يلجأ المستثمر إلى زيادة حيازته من هذه العقود لتعويض جزء من الخسائر.

وتجدر الإشارة إلى أن أياً من الشركات التي ارتفعت تكلفة عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان الخاصة بها مؤخراً لم تتخلف عن سداد التزاماتها، ولم تشر إلى احتمال حدوث ذلك.

هل هذه سوق ضخمة؟

وفقاً للجمعية الدولية للمقايضات والمشتقات (ISDA)، يبلغ حجم سوق عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان المرتبطة بجهة واحدة (Single-name CDS)، التي تغطي سندات مُصدر واحد، نحو 9 تريليونات دولار. وتشير بيانات بنك التسويات الدولية إلى أن هذا الحجم يمثل جزءاً صغيراً من أسواق السندات العالمية، التي تتجاوز قيمة أوراقها المالية القائمة 150 تريليون دولار.

وتُعد العقود المرتبطة بالديون الحكومية الأكبر ضمن سوق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان.

ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مؤسسة «ديبوزيتوري ترست آند كليرينغ كوربوريشن» بلغ متوسط التداول اليومي في سوق هذه العقود ككل 16 مليار دولار خلال الربع الثاني، مقارنة بـ13 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق.

ومع ذلك، قد تظل أحجام التداول اليومية محدودة، حتى بالنسبة إلى عقود الشركات الكبرى، وقد تقتصر أحياناً على أرقام أحادية. وهذا يعني أن صفقات صغيرة نسبياً قد تؤثر في الأسعار بدرجة غير متناسبة مع حجمها.

من يشتري عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان؟

عادةً ما يشتري مستثمرو السندات هذه العقود من خلال وسيط، غالباً ما يكون بنكاً استثمارياً، يتولى بدوره ترتيب الحماية مع مؤسسة مالية توفرها. وتُصنف هذه الصفقات ضمن المعاملات التي تتم خارج البورصة (over-the-counter)، أي أنها لا تمر عبر غرفة مقاصة مركزية.

وتشارك صناديق التحوط أيضاً في هذه السوق، إذ تبيع عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان إلى مستثمرين يسعون إلى التحوط من مخاطر محددة.

ويدفع المشتري رسوماً دورية تُعرف باسم «القسط» (premium) إلى البائع، الذي يتحمل في المقابل مخاطر وقوع حدث ائتماني، مثل التخلف عن السداد.

وتُسعّر هذه العقود بناءً على ما يُعرف بـ«الهامش الائتماني» (credit spread)، وهو عدد نقاط الأساس (basis points) التي يتقاضاها بائع العقد من المشتري مقابل توفير الحماية. وكلما ارتفعت المخاطر المتصورة لوقوع حدث ائتماني، اتسع الهامش.

فعلى سبيل المثال، إذا بلغ هامش عقد مقايضة التخلف عن سداد الائتمان 100 نقطة أساس، فهذا يعني أن تكلفة التأمين تبلغ دولاراً واحداً سنوياً لكل 100 دولار من الديون المشمولة بالحماية.

ما الذي يحدث في سوق هذه العقود لدى شركات التكنولوجيا؟

تُظهر بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس» أن تكلفة عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان الخاصة بشركة «كور ويف» وهي شركة لتشغيل مراكز البيانات مثقلة بالديون وتقع في قلب الاضطرابات الحالية، تجاوزت 1000 نقطة أساس.

وتشير هذه الأسعار إلى ارتفاع احتمال التعثر الضمني في السداد إلى نحو 63 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، مقارنة بنحو 30 في المائة قبل عام.

وتعكس تحركات أسعار هذه العقود في قطاع التكنولوجيا قلق المستثمرين بشأن سرعة تحول الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح، ومدى قدرة الشركات المثقلة بالديون على تحقيق عوائد كافية بالسرعة المطلوبة لتغطية تكاليف الفوائد المتنامية.

كما جرى تداول عقود مقايضة مخاطر الائتمان الخاصة بشركة «أوراكل» عند نحو 300 نقطة أساس، وهو مستوى أعلى بكثير من مستويات العقود لدى شركات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وارتفعت هذه العقود الخاصة بشركة «إنفيديا» بشكل حاد خلال الأسابيع الأخيرة إلى نحو 90 نقطة أساس، في حين بلغت نحو 104 نقاط أساس لدى شركة «ميتا».

وللمقارنة، يُتداول مؤشر عقود مقايضة مخاطر الائتمان للجهات المصنفة ضمن فئة الدرجة الاستثمارية عند نحو 60 نقطة أساس.

ما الذي يؤدي إلى صرف تعويضات عقود مقايضة مخاطر الائتمان؟

يُصرف التعويض بموجب هذه العقود عند وقوع حدث ائتماني محدد، قد يشمل الإفلاس أو عجز الجهة المُصدرة عن سداد مستحقات السندات.

وعندما تزداد المخاوف بشأن الجدارة الائتمانية للجهة المُصدرة، يرتفع الطلب عادةً على الحماية، ما يؤدي إلى اتساع هوامش عقود مقايضة مخاطر الائتمان.

إذا كانت هذه العقود توفر التأمين فأين تكمن المشكلة؟

توفر عقود مقايضة مخاطر الائتمان وسيلة للتحوط أمام حاملي السندات. لكن ارتفاع المخاطر المتوقعة يزيد تكلفة الحماية، ما قد يدفع المستثمرين إلى بيع السندات، ويرفع تكاليف الاقتراض على الجهات المُصدرة.

وقد تؤدي هذه التطورات إلى تفاقم المخاوف بشأن الجدارة الائتمانية، بما يخلق حلقة مفرغة تزداد فيها تكاليف الاقتراض مع ارتفاع المخاطر، الأمر الذي يزيد بدوره الضغوط المالية على الشركات.


«المنتدى الاقتصادي العالمي» قد يختار لاغارد رئيسة له في نوفمبر

كريستين لاغارد خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (رويترز)
كريستين لاغارد خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (رويترز)
TT

«المنتدى الاقتصادي العالمي» قد يختار لاغارد رئيسة له في نوفمبر

كريستين لاغارد خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (رويترز)
كريستين لاغارد خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (رويترز)

قد يعيِّن «المنتدى الاقتصادي العالمي» كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، رئيسةً جديدة لمجلس أمنائه في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، في خطوة من شأنها أن تعجِّل بمغادرتها منصبها الحالي وتفتح الباب أمام إعادة ترتيب المناصب القيادية في البنك، وفق 4 مصادر مطلعة على شؤون المنتدى تحدثت إلى «رويترز».

ومن المقرر أن يجتمع مجلس أمناء المنتدى في 2 نوفمبر، وقد يصوِّت خلال الاجتماع على اختيار لاغارد، التي تتمتع بدعم واسع داخل المجلس، وفق المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هوياتها نظراً إلى حساسية المسألة. ولم يُتَّخذ قرار نهائي بعد، في حين قد يكتفي المجلس بتحديد موعد لاحق للتصويت، بما يتيح الإعلان عن لاغارد رئيسةً معيّنة قبل الاجتماع السنوي للمنتدى في دافوس خلال يناير (كانون الثاني).

ومن شأن مغادرة لاغارد البنك المركزي الأوروبي قبل انتهاء ولايتها المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) 2027 أن تتيح لقادة الاتحاد الأوروبي اختيار خلف لها قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع العام المقبل، وسط مخاوف في الأوساط السياسية الأوروبية من أن يؤدي فوز اليمين المتطرف إلى تعقيد المفاوضات بشأن التعيينات الأوروبية.

وكانت لاغارد، وزيرة المالية الفرنسية السابقة البالغة 70 عاماً، قد أكدت أنها ستبقى في منصبها حتى العام المقبل، لكنها لم تتعهد بالاستمرار حتى نهاية ولايتها الرسمية.

إعادة ترتيب المناصب القيادية

وقد تفتح مغادرتها المبكرة الباب أمام اتفاق أوسع بين دول الاتحاد الأوروبي بشأن المناصب القيادية في البنك المركزي، في وقت يشهد فيه المجلس التنفيذي تغييرات مرتقبة. فإلى جانب شغور محتمل في منصب الرئيس، يأتي ذلك بعد استقالة إيزابيل شنابل الشهر الماضي، بينما تنتهي ولاية كبير الاقتصاديين فيليب لين في مايو (أيار) المقبل.

وتشير التوقعات إلى أن كلاوس نوت الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هيرنانديز دي كوس المحافظ السابق للبنك المركزي الإسباني، من أبرز المرشحين لخلافة لاغارد. وفي المقابل، تسعى فرنسا، وفق المصادر، إلى الحصول على منصب كبير الاقتصاديين، بينما تعتزم ألمانيا ترشيح خلف لشنابل، المسؤولة عن عمليات السوق في البنك.

ويضم مجلس أمناء المنتدى الاقتصادي العالمي شخصيات من القطاعين العام والخاص، من بينها لاري فينك الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك»، وأندريه هوفمان نائب رئيس «روش»، اللذان يتشاركان رئاسة المجلس، إلى جانب كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، والملكة رانيا العبد الله.