مخاوف من «اثنين أسود» للأسواق الأميركية وتكرار سيناريو الكساد الكبير

هل يتراجع ترمب عن الرسوم وتنجح تكتيكاته في جلب الدول إلى طاولة المفاوضات؟

شاشة تظهر مؤشر «داو جونز» الصناعي في اختتام التداولات بعد تسجيله خسائر فادحة (إ.ب.أ)
شاشة تظهر مؤشر «داو جونز» الصناعي في اختتام التداولات بعد تسجيله خسائر فادحة (إ.ب.أ)
TT

مخاوف من «اثنين أسود» للأسواق الأميركية وتكرار سيناريو الكساد الكبير

شاشة تظهر مؤشر «داو جونز» الصناعي في اختتام التداولات بعد تسجيله خسائر فادحة (إ.ب.أ)
شاشة تظهر مؤشر «داو جونز» الصناعي في اختتام التداولات بعد تسجيله خسائر فادحة (إ.ب.أ)

أبدى عدد كبير من الخبراء والمحللين مخاوف من أن تشهد أسواق المال يوم الاثنين «حمام دم»، وانهيارات كما حدث في «الاثنين الأسود» عام 1987، خصوصاً بعد موجات البيع الضخمة التي استمرت يومي الخميس والجمعة، وكانت بمثابة خميس وجمعة أسودين، وجعلت المحللين يتخوفون مما يحمله الأسبوع الجديد من خسائر زائدة، وإشارات حقيقية عن مدى سوء الأوضاع.

وحذرت شبكة «سي إن بي سي» من تفاقم التضخم، وتوقف النمو الاقتصادي، وتكرار سيناريو عام 1987، ما لم يقم الرئيس ترمب بخطوات لتخفيف الضرر الزائد في أسواق المال العالمية.

وقد شهدت «وول ستريت» انخفاضات لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 4.8 في المائة يوم الخميس، وهو أكبر انخفاض في يوم واحد منذ جائحة «كوفيد - 19». وانخفض بشكل أكبر يوم الجمعة بنحو 6 في المائة ليصل إجمالي الخسائر إلى 6.6 تريليون دولار خلال يومين. كما شهد مؤشر «ناسداك» لشركات التكنولوجيا انخفاضاً بنسبة 6 في المائة بنهاية تداولات يوم الجمعة. وخرجت تصريحات متضاربة من مسؤولي البيت الأبيض حول ما إذا كانت الرسوم الجمركية دائمة أو أنها مجرد تكتيكات يمارسها ترمب للحصول على تنازلات حيث قال إن هذه الرسوم تمنح إدارته قوة كبيرة للتفاوض.

التاريخ يعيد نفسه

وجددت هذه الانخفاضات والاضطرابات في سوق الأسهم الأميركية، المخاوف من تكرار الاثنين الأسود الذي حدث في 19 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1987، حينما انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 22 في المائة، مسجلاً أكبر انخفاض في يوم واحد في تاريخ سوق الأسهم الأميركية. واستمرت الانخفاضات بقية الشهر، وبحلول أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) فقدت معظم مؤشرات سوق الأوراق المالية أكثر من 20 في المائة من قيمتها، وأدى ذلك إلى خسائر بقيمة 1.71 تريليون دولار. وقد تأثرت أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم، حيث شهدت الأسواق الأوروبية والآسيوية انخفاضات حادة في ذلك الوقت.

وأعادت اضطرابات سوق المال إلى الذاكرة ما حدث في عام 1929 حينما فقدت سوق الأسهم أكثر من 20 في المائة من قيمتها في يومين، وفقدان 50 في المائة في غضون ثلاثة أسابيع. في ذلك الوقت، انهارت «وول ستريت»، مما أدى إلى الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين، وما حدث بعد انهيار بنك «ليمان براذرز» عام 2008، والذعر الذي ساد أسواق الأسهم بعد جائحة «كوفيد - 19» عام 2020.

وتخوّف المحللون من أن يعيد التاريخ نفسه، مشيرين إلى أن الركود لا مفر منه بعد رسوم ترمب الجمركية.

ولهذه المخاوف ما يبررها. فقد فرض الرئيس ترمب تعريفة جمركية 10 في المائة على جميع الواردات من 180 دولة، وفرض تعريفة جمركية أكثر صرامة على ستة من أكبر الشركاء التجاريين (الاتحاد الأوروبي 20 في المائة - المكسيك 25 في المائة - الصين 54 في المائة - كندا 25 في المائة - اليابان 24 في المائة - فيتنام 46 في المائة)، وسيدخل ذلك حيز التنفيذ يوم الأربعاء في التاسع من أبريل (نيسان). وهو ما يمثل فعلياً أكبر زيادة ضريبية في الولايات المتحدة منذ عام 1968، وفقاً لبنك «جي بي مورغان».

ويتخوف المحللون من الإجراءات الانتقامية التي قررتها الصين بفرض ضريبة 34 في المائة على الواردات الأميركية، وتوقعات بإجراءات انتقامية مماثلة من كندا والاتحاد الأوروبي، وأن تحذو دول أخرى حذوها في الأسابيع المقبلة، بما يعني أن سوق الأسهم قد تنخفض بشكل أكبر إذا تصاعدت الحرب التجارية.

وتشير التقارير إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تخطط لتشكيل جبهة موحدة ضد رسوم ترمب الجمركية، وأن تتخذ مجموعة من التدابير المضادة ضد واردات أميركية تصل قيمتها إلى 28 مليار دولار. وهي خطوة تعني انضمام الاتحاد الأوروبي إلى الصين وكندا في فرض رسوم جمركية انتقامية على الولايات المتحدة، في تصعيد يمكن أن يتحول إلى حرب تجارية عالمية بما يجعل السلع أكثر تكلفة للمستهلكين، ويدفع الاقتصادات في جميع أنحاء العالم إلى الركود

وكانت صدمة «وول ستريت» من قوة وصرامة الرسوم الجمركية التي حددها ترمب كبيرة وواضحة. وأشار عدد من المحللين إلى أنها «غير منطقية وعبثية»، وتدفع الولايات المتحدة إلى الركود، وتسبب ركوداً تضخمياً. وتندر المحللون من شعار MAWA (اجعلوا أميركا ثرية مرة أخرى) الذي رفعه ترمب، وأشاروا إلى أنه تحول إلى MAGDA أي «اجعلوا أميركا تعاني من الكساد العظيم مرة أخرى».

متداول في بورصة نيويورك يتابع تراجعات كل مؤشرات الأسهم (أ.ف.ب)

من النمو القوي إلى الركود

وخلال الأسبوع الماضي، تحولت التوقعات من النمو القوي للاقتصاد الأميركي، وتسارع نمو معدلات التوظيف، وانخفاض معدل البطالة، وارتفاع الأجور إلى خطر الركود. وأصبح انخفاض الأسهم، وعمليات البيع الموازية في السندات غير المرغوب فيها، وتكلفة التعريفات الجمركية، واحتمال ضعف الصادرات بسبب التعريفات الانتقامية، كلها عوامل تؤثر على التوقعات بالدخول إلى مرحلة كساد.

وقال بروس كاسمان الخبير الاقتصادي في بنك «جي بي مورغان» إن الركود هو النتيجة الأكثر احتمالاً بمجرد دخول الرسوم الجمركية المتبادلة حيز التنفيذ، متوقعاً أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنسبة 0.3 في المائة خلال العام الحالي، منخفضاً عن توقعات البنك السابقة في يناير (كانون الثاني) الماضي حين توقع نمو الناتج المحلي بنسبة 2 في المائة. وفي مذكرة بعنوان: «ستكون هناك دماء» رفع كاسمان احتمالات حدوث ركود عالمي من 40 في المائة إلى 60 في المائة.

وقال بريستون كالدويل المحلل في شركة «مورنينغ ستار» إن احتمالات حدوث ركود اقتصادي تتراوح بين 40 في المائة و50 في المائة، مشيراً إلى أن الرسوم الجمركية ستؤدي إلى انخفاض في النمو الاقتصادي الأميركي، وتدهور مستويات المعيشة للأميركيين.

متداول في بورصة نيويورك يرصد تراجعات الأسهم بعد قرار ترمب فرض رسوم جمركية جديدة (إ.ب.أ)

تكتيكات التفاوض

ويراهن تيار متفائل من المحللين على أن يقوم ترمب بمفاوضات مع الشركاء التجاريين بما يمنع مزيداً من الانهيار في سوق الأسهم. وقال مايك ويلسون كبير استراتيجيي الأسهم الأميركية في «مورغان ستانلي»: «إذا رأينا أن الدول تأتي إلى طاولة المفاوضات في الأمد القريب، ويتم خفض معدلات الرسوم الجمركية، فمن المرجح أن يساعد ذلك في تخفيف بعض الضغوط. وإذا استمرت المفاوضات، وتم اتخاذ تدابير إضافية، فمن المرجح أن يرتفع خطر الركود».

وقال ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي إن سياساته لا تتغير أبداً، مما يشير إلى أن المفاوضات غير واردة. لكن يوم الجمعة، زعم ترمب أن فيتنام عرضت إلغاء رسومها الجمركية مقابل التوصل إلى اتفاق. وفسرت الأسواق ذلك على أنه استعداد للتفاوض، مما أدى إلى ارتفاع أسهم شركة «نايكي» التي تستورد منتجاتها من فيتنام.

ويقول خبراء الاقتصاد إن هذا التنافر يزيد من حالة عدم اليقين، ويجعل الشركات مترددة في اتخاذ قرارات استثمارية كبرى، مما يؤدي إلى مزيد من استنزاف الطلب الكلي.


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة تلزم طالبي البطاقة الخضراء بالتقديم لها من الخارج

الولايات المتحدة​ النظام حالياً يسمح لبعض الرعايا الأجانب بتقديم طلبات الحصول على البطاقة الخضراء وهم داخل الأراضي الأميركية (رويترز)

الولايات المتحدة تلزم طالبي البطاقة الخضراء بالتقديم لها من الخارج

أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترمب قاعدة جديدة تلزم الراغبين في الحصول على البطاقة الخضراء الخاصة بالإقامة الدائمة بتقديم طلباتهم من خارج الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الناشط محمود خليل خريج جامعة كولومبيا يتحدث بعد إطلاق سراحه من مركز احتجاز الهجرة الفيدرالي في يونيو 2025 (أ.ب)

محكمة أميركية ترفض استئناف حكم أتاح إعادة اعتقال ناشط مؤيد للفلسطينيين

رفضت محكمة استئناف اتحادية منقسمة إعادة النظر في حكم صادر بقضية محمود خليل ‌والذي فتح ‌الباب ​أمام ‌إدارة الرئيس ​الأميركي ترمب لإعادة اعتقاله.

«الشرق الأوسط» (فيلادلفيا)
الولايات المتحدة​ جانب من جلسة استماع أدلت فيها غابارد بإفادتها أمام مجلس الشيوخ 25 مارس (أ.ف.ب)

استقالة مديرة الاستخبارات الأميركية من إدارة ترمب

استقالت تولسي غابارد من منصبها مديرةً للاستخبارات الوطنية في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، معلنةً أنها مضطرة إلى التنحّي بسبب إصابة زوجها بالسرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مديرة المخابرات الوطنية الأميركية تولسي غابارد تنظر إلى الرئيس دونالد ترمب متحدثاً خلال فعالية بالبيت الأبيض (رويترز)

مديرة المخابرات الوطنية الأميركية تستقيل من حكومة ترمب

أعلنت مديرة المخابرات الوطنية الأميركية التي تباينت مواقفها مع الرئيس ترمب بشأن الحرب في إيران، استقالتها من منصبها، اليوم الجمعة، معللة ذلك بأسباب عائلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدَّث على هامش اجتماع وزراء خارجية دول حلف «الناتو» في مدينة هيلسينبورغ السويدية يوم 22 مايو 2026 (رويترز)

روبيو يتحدث عن «تقدم طفيف» في المحادثات مع إيران

تحدث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الجمعة، عن «تقدم طفيف» بالمحادثات مع طهران عبر الوساطة الباكستانية، مبدياً عدم اليقين بشأن إمكان التوصل لاتفاق.

علي بردى (واشنطن)

سيولة الأسهم العالمية تتراجع بـ6 مليارات دولار تحت ضغط عوائد السندات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

سيولة الأسهم العالمية تتراجع بـ6 مليارات دولار تحت ضغط عوائد السندات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

سجّلت صناديق الأسهم العالمية أول تدفقات نقدية خارجة أسبوعية لها منذ 9 أسابيع خلال الأسبوع المنتهي في 20 مايو (أيار)، في ظل تنامي حذر المستثمرين تجاه آفاق التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عقدين.

وبحسب بيانات «إل إس إي جي ليبر»، قام المستثمرون بتسييل صافي 6.13 مليار دولار من صناديق الأسهم العالمية، مسجّلين أول صافي مبيعات أسبوعية منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، مدفوعين بارتفاع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.201 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2007، مما عزّز المخاوف من تأثير تكاليف التمويل المرتفعة على قطاعات النمو وأرباح الشركات، وفق «رويترز».

الأسواق الأميركية تقود التراجعات

على الصعيد الجغرافي، قادت الأسواق الأميركية هذه التراجعات بضغط من عمليات جني الأرباح، حيث تمت تصفية صافي 12.05 مليار دولار من صناديق الأسهم الأميركية، وهو أكبر مستوى مبيعات أسبوعية لها منذ منتصف مارس، وشملت الانسحابات صناديق الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة بقيمة 7.18 مليار دولار و1.86 مليار دولار و555 مليون دولار على التوالي.

وفي المقابل، شهدت الصناديق الأوروبية تدفقات داخلة بلغت 4.62 مليار دولار، بينما سجلت الصناديق الآسيوية تدفقات خارجة بقيمة 570 مليون دولار، وتخلّى المستثمرون عن صافي 2.95 مليار دولار من صناديق الأسهم في الأسواق الناشئة للأسبوع الرابع على التوالي.

وارتفع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.201 في المائة، ما أثار مخاوف من انعكاساته على أسهم النمو وهوامش أرباح الشركات.

وعلى مستوى القطاعات، سحب المستثمرون استثمارات من صناديق الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة بقيمة 7.18 مليار دولار و1.86 مليار دولار و555 مليون دولار على التوالي.

صناديق قطاع التكنولوجيا

في المقابل، غرّدت صناديق قطاع التكنولوجيا العالمية منفردة مستمرة في جذب السيولة للأسبوع السابع على التوالي بصافي تدفقات داخلة بلغ 6.94 مليار دولار، في حين شهدت صناديق القطاعين المالي والصناعي تدفقات خارجة أسبوعية بقيمة 2.8 مليار دولار و1.3 مليار دولار على التوالي، نتيجة مخاوف التباطؤ.

وجذبت صناديق السندات الأميركية استثمارات بقيمة 12.5 مليار دولار، متماشية مع صافي مشتريات الأسبوع السابق البالغ 12.83 مليار دولار.

كما سجلت صناديق السندات ذات التصنيف الاستثماري القصير إلى المتوسط، وصناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة، وصناديق سندات البلديات، تدفقات داخلة بلغت 4.63 مليار دولار و4.43 مليار دولار و1.53 مليار دولار على التوالي.

وفي المقابل، اشترى المستثمرون صافي 12.04 مليار دولار من صناديق سوق المال الأميركية، مع عكس التدفقات الخارجة البالغة 4.19 مليار دولار في الأسبوع السابق.

كما شهدت الصناديق الآسيوية تدفقات خارجة بقيمة 570 مليون دولار، مقابل تدفقات داخلة إلى الصناديق الأوروبية بلغت 4.62 مليار دولار.

أسواق السندات

وفي أسواق السندات، اشترى المستثمرون صافي 21.89 مليار دولار من صناديق السندات العالمية، مواصلين بذلك موجة شراء للأسبوع السابع على التوالي.

وسجلت صناديق السندات قصيرة الأجل، والسندات الحكومية، وسندات الخزانة قصيرة إلى متوسطة الأجل، وصناديق سندات اليورو، تدفقات داخلة أسبوعية بلغت 7.47 مليار دولار و3.09 مليار دولار و1.68 مليار دولار على التوالي. كما سجلت صناديق سوق النقد تدفقات داخلة بقيمة 1.06 مليار دولار، مقارنة بتدفقات خارجة بلغت 10.41 مليار دولار في الأسبوع السابق.

وفي الوقت نفسه، جذبت صناديق الذهب والمعادن الثمينة تدفقات داخلة بلغت 2.34 مليار دولار، مواصلةً أداءها الإيجابي للأسبوع الثاني على التوالي.

وفي أسواق الناشئة، تخلّى المستثمرون عن صافي 2.95 مليار دولار من صناديق الأسهم، في الأسبوع الرابع على التوالي من التدفقات الخارجة، كما سحبوا 256 مليون دولار من صناديق السندات بعد سلسلة شراء استمرت 6 أسابيع، وفق بيانات شملت 28,926 صندوقاً.


حقبة وارش تبدأ: مواجهة نارية مع التضخم وعوائد السندات

قاضي المحكمة العليا الأميركية كلارنس توماس يؤدي اليمين الدستورية لكيفين وإلى جانبه زوجته بالبيت الأبيض (د.ب.أ)
قاضي المحكمة العليا الأميركية كلارنس توماس يؤدي اليمين الدستورية لكيفين وإلى جانبه زوجته بالبيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

حقبة وارش تبدأ: مواجهة نارية مع التضخم وعوائد السندات

قاضي المحكمة العليا الأميركية كلارنس توماس يؤدي اليمين الدستورية لكيفين وإلى جانبه زوجته بالبيت الأبيض (د.ب.أ)
قاضي المحكمة العليا الأميركية كلارنس توماس يؤدي اليمين الدستورية لكيفين وإلى جانبه زوجته بالبيت الأبيض (د.ب.أ)

تسلّم كيفين وارش رسمياً دفة قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي بعد أدائه اليمين الدستورية ليصبح الرئيس الحادي عشر للبنك المركزي، لتبدأ بذلك حقبة نقدية جديدة تأتي في توقيت هو الأكثر حرجاً للاقتصاد الأميركي منذ عقود.

ويواجه وارش فور تصفير عدّاد ولايته معضلة اقتصادية مركبة، تتشابك فيها الضغوط التضخمية الناتجة عن قفزة أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار جراء الحرب في إيران، مع تدهور حاد في ثقة المستهلكين الأميركيين، وضغوط مستمرة من سوق السندات العالمية التي تواصل دفع العوائد طويلة الأجل إلى مستويات قياسية.

مراسم تاريخية ورسائل رئاسية

وقد أدى وارش اليمين الدستورية أمام قاضي المحكمة العليا كلارنس توماس في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض، وسط حضور لافت لكبار المسؤولين، وفي مقدمتهم وزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس، وبحضور زوجته جين لودر. واستغل الرئيس دونالد ترمب المناسبة لتجديد انتقاداته الحادة لرئيس الفيدرالي السابق جيروم باول، مؤكداً دعمه الكامل لوارش، ومطالباً إياه بالحفاظ على استقلالية البنك، مع السعي لخفض أسعار الفائدة، حيث اعتبر ترمب أن النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة ارتفاع التضخم، واعداً بهبوط الفائدة بالتوازي مع السيطرة على أسعار الطاقة.

تعهدات الإصلاح وتحديات الثورة التقنية

وفي هذا السياق، قال ترمب، الذي لم يتوقف عن انتقاد رئيس الفيدرالي السابق جيروم باول لعدم خفضه أسعار الفائدة، إن وارش سيحظى بـ«الدعم الكامل من إدارتي»، وإنه يريده أن يكون «مستقلاً تماماً» في دوره الجديد، لكنه حثه أيضاً على الإدراك بأن «النمو لا يعني التضخم».

وأضاف ترمب لاحقاً في كلية روكلاند المجتمعية بمدينة سوفيرن في نيويورك: «سوف نخفض أسعار الفائدة... الفائدة ستنخفض مع هبوط أسعار الطاقة، وسترون ما سيحدث. لقد كان لدي رئيس فاشل للفيدرالي، واليوم أصبح لدي رئيس عظيم للفيدرالي، وهو كيفين وارش».

من جانبه، وصف وارش استدعاءه مجدداً للخدمة العامة بأنه «شرف العمر»، متعهداً بـ«قيادة مجلس احتياطي فيدرالي موجّه نحو الإصلاح، والتعلم من النجاحات والإخفاقات السابقة، والهروب من الأطر والنماذج الإستاتيكية (الجامدة)، مع الحفاظ على معايير واضحة للنزاهة، والأداء».

ترمب يلقي كلمة بعد مراسم أداء اليمين الدستورية لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد (د.ب.أ)

انقسام داخلي وضغوط لرفع الفائدة

وعلى صعيد السياسة النقدية، تشتعل الأجواء داخل أروقة الفيدرالي حتى قبل الاجتماع الأول لوارش والمقرر في 16 و17 يونيو (حزيران) المقبل؛ إذ فاجأ عضو مجلس المحافظين كريستوفر والر الأسواق بتبني موقف متشدد، مطالباً بالتخلي تماماً عن «التحيز للتيسير النقدي»، وفتح الباب أمام إمكانية رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم الشامل.

وتناغمت تصريحات والر مع توجهات عدد من الأعضاء المعارضين للسياسة السابقة، مما دفع الأسواق الفورية والمستقبلية إلى تسعير احتمالية رفع الفائدة في وقت مبكر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهو ما يضع تعهدات وارش بمحاربة التضخم أمام اختبار حقيقي أمام الأسواق وزملائه في المجلس.

بيسنت خلال مشاركته بمراسم أداء اليمين الدستورية لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد في البيت الأبيض (د.ب.أ)

معضلة الاستقلالية واختبار «النقاط» الأول

وسيكون وارش تحت المجهر في رصد التزامه باستقلالية الفيدرالي، لا سيما مع ترقب قرار المحكمة العليا بشأن محاولات ترمب السابقة إقالة المحافظة ليزا كوك، وبالمقارنة مع الدفاع المستميت لباول عن استقلال القرار النقدي. وسيمثل اجتماع يونيو أول محطة جوهرية لوارش، حيث سيتعين عليه تحديد ما إذا كان سيقدم «مخطط نقاط» يظهر توقعاته الخاصة لمسار الفائدة بنهاية العام الحالي، وهو القرار الذي سيكشف للأسواق ما إذا كان وارش يتبنى رؤية مغايرة وجريئة تخرجه من عباءة «التفكير الجماعي» الذي انتقد به زملاءه سابقاً، أم أنه سيتحرك في ذات المسار الحذر لتفادي إرباك أسواق السندات المضطربة بطبيعتها.


مسؤول في «الفيدرالي» يدعو لإزالة «التحيز نحو التيسير النقدي»

كريستوفر والير يلقي كلمة خلال مؤتمر بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد في بالو ألتو بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)
كريستوفر والير يلقي كلمة خلال مؤتمر بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد في بالو ألتو بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)
TT

مسؤول في «الفيدرالي» يدعو لإزالة «التحيز نحو التيسير النقدي»

كريستوفر والير يلقي كلمة خلال مؤتمر بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد في بالو ألتو بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)
كريستوفر والير يلقي كلمة خلال مؤتمر بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد في بالو ألتو بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)

قال كريستوفر والير، محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو صوت مؤثر في صنع السياسات، وكان، حتى وقت قريب، يدعو إلى خفض أسعار الفائدة، يوم الجمعة، إن على «الفيدرالي» إزالة «التحيز نحو التيسير النقدي» من بيان سياسته، بما يفتح فعلياً الباب أمام احتمال رفع أسعار الفائدة.

وأكد والير أنه لا يدعو في هذه المرحلة إلى رفع الفائدة، لكنه يرى أنه من الضروري، على الأقل، إبقاء سعر الفائدة الحالي دون تغيير، إلى أن يتضح أن التضخم، الذي يخشى أن يكون في اتساع ويصبح أكثر استمرارية، يظهر بوادر العودة إلى هدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، وفق «رويترز».

وأضاف: «التضخم لا يسير في الاتجاه الصحيح». وجاءت تصريحاته في كلمة أُعدّت لإلقائها أمام منتدى اقتصادي في ألمانيا. ومع إظهار البيانات الأخيرة أن مقياس التضخم المفضّل لدى «الفيدرالي» بلغ 3.8 في المائة خلال أبريل (نيسان)، واتساعه ليشمل السلع والخدمات، قال: «أؤيد إزالة عبارة (التحيز نحو التيسير) من بيان سياستنا النقدية لتوضيح أن خفض سعر الفائدة ليس أكثر احتمالاً في المستقبل من رفعه».

وسرعان ما دفعت تعليقاته توقعات الأسواق نحو احتمال رفع أسعار الفائدة. وأظهرت تسعيرات العقود المرتبطة بسعر الفائدة الفيدرالي، يوم الجمعة، احتمالاً بنحو الثلثين لرفع بمقدار ربع نقطة مئوية، بحلول اجتماع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وقبل تصريحات والير، كان المتداولون يراهنون على رفع أولي لأسعار الفائدة، بحلول ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وقال والير: «الخطوة التالية، سواء أكانت رفعاً أم خفضاً، ستعتمد على البيانات. إن إزالة أي إشارة إلى مدى وتوقيت التعديلات الإضافية ستوضح هذه النقطة». وأضاف أنه مستعد لاتخاذ هذه الخطوة بسبب ارتفاع التضخم وظهور استقرار في سوق العمل، وهو ما كان وراء توقعاته الأخيرة بخفض الفائدة.

وتابع: «لا أرى أن احتمال ضعف سوق العمل هو القوة المهيمنة التي ينبغي أن توجه السياسة النقدية في الأشهر المقبلة».

وتُعزز تصريحاته المعضلة التي يواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش. وبدلاً من الإشراف على خفض أسعار الفائدة، كما توقّع عدد من المحللين حتى وقت قريب، قد يواجه وارش، الآن، دعماً قوياً من زملائه في اجتماع 16-17 يونيو (حزيران) لدفع أول بيان سياسي له بصفته رئيساً نحو اتجاه متشدد. وقد عارض ثلاثة مسؤولين في «الفيدرالي» هذا التغيير، خلال اجتماع أبريل.

وأبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير، في اجتماعه الأخير. ومن المتوقع أن يفعل ذلك مجدداً عندما يجتمع صانعو السياسة في 16-17 يونيو، للمرة الأولى في عهد رئيسه الجديد.

وأظهرت محاضر اجتماع أبريل أن عدداً متزايداً من المسؤولين أشاروا إلى أن رفع أسعار الفائدة قد يكون ضرورياً لمواجهة التضخم الذي بدا أنه يتوسع خارج نطاق تأثير أسعار النفط المرتفعة أو الرسوم الجمركية على الواردات التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.