سكان الضاحية الجنوبية لبيروت يبحثون عن بديل آمن للإقامة

ارتفاع الطلب على «الإيجارات» يعود بعد استهدافَين إسرائيليين

امرأتان تغادران مسكنهما القريب من موقع استهداف إسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
امرأتان تغادران مسكنهما القريب من موقع استهداف إسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
TT

سكان الضاحية الجنوبية لبيروت يبحثون عن بديل آمن للإقامة

امرأتان تغادران مسكنهما القريب من موقع استهداف إسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
امرأتان تغادران مسكنهما القريب من موقع استهداف إسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

يزداد الطلب على المنازل خارج الضاحية الجنوبية لبيروت، من قبل سكانها الساعين إلى مغادرتها خوفاً من تجدد حرب إسرائيل على لبنان، خصوصاً أنها نفذت في الأيام الأخيرة غارتين ضد أهداف قالت إنها لـ«حزب الله»؛ مما يؤكد أنه لا ضوابط تمنع إسرائيل من أي استهدافات جديدة، بإنذار أو من دونه.

وكثف سكان الضاحية البحث عن خيارات سكنية بديلة، تكون على مقربة من المنطقة الواقعة جنوب بيروت أو بعيدة قليلاً، بينما يواجه كثر عقبات جمّة تمنعهم من ذلك، منها ارتفاع الإيجارات وكذلك ارتباطاتهم العملية.

ويقول «يوسف» لـ«الشرق الأوسط»: «خرج شقيق والدي من الضاحية قبل أيام قليلة، إلى منزل أحد أقاربه في منطقة عالية، خوفاً من أن يصاب وعائلته بمكروه»، وهو الآن يبحث عن منزل يستأجره لوالديه في منطقة زقاق البلاط بالعاصمة بيروت، «لكن إقناعهم بالخروج لن يكون سهلاً».

أضرار ناتجة عن قصف إسرائيلي للضاحية الجنوبية الثلاثاء (إ.ب.أ)

ويضيف: «أخاف عليهم، كما شعرت بالذعر على ابني الصغير حين جرى تحذيرنا قبل استهداف المبنى في الـ(سان تريز)، حيث كان في المدرسة المحاذية، وقد تمكن أخي من الوصول إليه لإخراجه على الدراجة النارية».

ماذا سيفعل الفقراء؟

ويواجه الناس مشكلة ارتفاع أسعار الإيجارات منذ نشوب الحرب، بسبب زيادة الطلب على الوحدات السكنية، ولا تزال مرتفعة حتّى اليوم، بسبب تضرر منازل كثيرة في الضاحية والجنوب والبقاع، وبالتالي ازدياد الطلب عليها.

ويسأل يوسف: «ماذا سيفعل من لا يملك الأموال الكافية للاستئجار؟ إذ كثر ممن أعرفهم لن يتمكنوا من الخروج من منازلهم، بسبب التكلفة المرتفعة للإيجارات».

حماية الأطفال

ومنذ إعلان وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بقيت الضاحية الجنوبية بعيدة عن الاستهدافات الإسرائيلية التي تطال بشكل شبه يومي منطقتي الجنوب والبقاع، ووُجد الناس فيها بشكل طبيعي، وقد عاد قسم كبير منهم لممارسة حياته اليومية بعد ترميم منازلهم.

ولكن مع دخول الضاحية دائرة الاستهدافات، شعر الناس بأنهم في خطر دائم، نتيجة الاكتظاظ السكاني، والزحمة وقرب المباني بعضها من بعض. تقول نسرين، وهي من سكان منطقة طريق المطار: «بت أخاف على أولادي الأربعة من أن يصيبهم مكروه، فإسرائيل لا تؤتمن؛ للأسف عاد الخوف مجدداً إلينا».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد أن يصيب أطفالي أي مكروه، لذا بدأت التفتيش عن مكان آخر، يكون أكثر أماناً، بديلاً عن منزلي؛ أريد حمايتهم فقط».

تروي نسرين كيف يصعب عليها أن تخرج من حيث وُلدت وترعرعت: «يوجد هنا أهلنا وأصدقاؤنا، لكن نحن مجبرون على فعل ذلك».

ولا تزال تجهل نسرين الوجهة التي ستذهب إليها، علماً بأنها نزحت خلال الحرب إلى بيروت الإدارية، حيث وقعت الاستهدافات أيضاً، لكنها تؤكد أن «أسعار المنازل المعروضة مرتفعة جداً»، وهي تبحث راهناً عن منزل بسعر مقبول.

عقبات من نوع آخر

عقبات من نوع آخر واجهها عليّ، وهو أحد سكان حي ماضي... يقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أريد استئجار منزل في منطقة المنصورية، لكن المالك رفض تأجيري؛ بحجة أنني من الطائفة الشيعية».

لبنانيون يتفقدون الدمار الناتج عن الاستهداف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية (د.ب.أ)

وقد برر مالك الشقة الأمر قائلاً: «لن يقبل سكان المبنى بذلك»؛ بسبب المخاوف من استهدافات إسرائيلية لأشخاص ينتمون إلى بيئة «حزب الله» كما حدث في مناطق لبنانية عدّة خلال الحرب، علماً بأن بدل الإيجار كان 500 دولار؛ أيّ نحو الراتب الذي يتقاضاه علي من وظيفته، ورغم ذلك، «فإنني أردت الخروج من المنطقة إلى مكان يكون آمناً، ولكن هذه المرة ربما سنموت في منازلنا في حال لم يُقبل تأجيرنا المنازل».

البحث عن خيارات بديلة

خديجة (43 سنة) من هؤلاء، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «قبل يومين، بدأت البحث عن خيارات بديلة عبر الإنترنت، وتحديداً في منصة (تيك توك)، وجدت منازل بأسعار مناسبة في القرى المحيطة بمدينة صيدا، تتراوح بين 250 دولاراً و300 دولار، وهي غير مفروشة، لكن لا مشكلة؛ المهم أن سعرها مقبول».

اختارت خديجة، وهي ربة منزل وأم لولدين، هذه المنطقة تحديداً؛ لأنها عانت من بُعد المسافة خلال نزوحها الأول إلى منطقة زغرتا مع بدء الحرب، ومن حركة المرور الكثيفة يوم الهروب، ولا تريد تكرار التجربة مرة أخرى.

وكذلك تشعر بالخوف راهناً «مما تشهده المنطقة من أحداث على الجانب السوري»، وتخشى «أي امتداد للاشتباك الطائفي هناك»، لذلك؛ تعتقد أن «القرى المحيطة بصيدا، والتي لم تُستهدف خلال الحرب الأخيرة، ستكون أكثر أماناً».

لكنها في الوقت نفسه، تخشى أن «ترتفع أسعار الإيجارات أكثر في حال حصلت حرب موسعة»، حينها «ستكون هذه التكلفة أكبر من قدراتي»، وفق ما تقول.

في انتظار اللحظة الأخيرة

على مقلب آخر، ينتظر بعض الناس ليرى كيف ستسير الأمور... سناء من هؤلاء الذين ينتظرون، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «لن أترك منزلي في الوقت الراهن. ليس هناك مكان آمن أينما ذهبنا، لكنني سأكون مرغمة على الخروج، في حال تدهورت الأمور أكثر، أو أن استهدافاً وقع على مقربة مني هنا».

وتسكن سناء في تحويطة الغدير، وعائلتها مؤلفة من 5 أفراد؛ هي وزوجها و3 أولاد، أعمارهم متفاوتة بين 11 عاماً وسنة ونصف... تُخبر أنها حتماً تشعر بالخوف على أطفالها كثيراً، أما الوجهة، فإنها ستكون إلى أطراف بيروت؛ لأنها تعمل ممرضة وتريد أن تكون على مقربة من مكان عملها.

وتقول: «لديّ أصدقاء كثر، بدأوا البحث عن منازل يستأجرونها خارج الضاحية، خصوصاً الذين كانوا على مقربة من مكان الاستهدافات».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يعارض انسحاب قواته من سوريا لأنه يقيد حرية عملياته

شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يقف بجوار حاجز على جبل الشيخ 8 يناير 2025 (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يعارض انسحاب قواته من سوريا لأنه يقيد حرية عملياته

أعربت مصادر في قيادة الجيش الإسرائيلي عن معارضتها لمضمون المحادثات الجارية بين دمشق وتل أبيب للتوصل إلى اتفاق «تفاهمات أمنية»

«الشرق الأوسط» (تل ابيب)
المشرق العربي عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)

استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

سُجّل استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية إثر استفزازات إسرائيلية للضغط عليه للانسحاب من نقاط تموضع فيها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

مرّ أكثر من عام على انتهاء الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان، ولا يزال عدد كبير من اللبنانيين نازحين؛ يعيشون ظروفاً حياتية صعبة للغاية.

حنان حمدان (بيروت)
المشرق العربي قائد الجيش العماد رودولف هيكل (قيادة الجيش)

زيارة «مفصلية» لقائد الجيش اللبناني إلى واشنطن بداية فبراير

يستعد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، لزيارة واشنطن بين 3 و5 فبراير (شباط) المقبل، بعد تأجيل الزيارة التي كانت مقررة نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز الأحد (إعلام حزب الله)

السلاح لا يطمئن بيئة «حزب الله» بلا إعمار بلدات جنوب لبنان

يخطئ الأمين العام لـ«حزب الله» إذا ظن أن إكثاره من إطلالاته المتلفزة سيؤدي إلى شد عصب بيئته بتأييدها احتفاظه بسلاحه بلا تعهدات بإعمار البلدات المدمّرة.

محمد شقير (بيروت)

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، اليوم (الثلاثاء)، أن «ما حققته الحكومة بين 5 أغسطس (آب) و5 سبتمبر (أيلول) بشأن حصر السلاح بيد الدولة ليس قليلاً».

وأضاف عون، خلال استقباله السلك الدبلوماسي: «منذ أكثر من 10 أشهر تمكّن الجيش من السيطرة على جنوب الليطاني ونظّف المنطقة من السلاح غير الشرعي».

وقال: «رغم كل الاستفزازات والتخوين والتجريح والتجني سنواصل أداء واجبنا تجاه الدولة».

وتابع: «نؤكد تطلعنا إلى استمرار مسارنا حتى تعود الدولة كاملة تحت سلطة واحدة، وسنوقف نهائياً أي استدراج أو انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا».

وختم: «سنعمل كي يكون جنوب لبنان كما كل حدودنا الدولية في عهدة قواتنا المسلحة حصراً».

وتواصل إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرّت أكثر من عام. وتقول إسرائيل بشكل أساسيّ إن هذه الضربات تستهدف «حزب الله،» وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

وكان الجيش اللبناني أعلن قبل أسبوعين إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع سلاح «حزب الله»، التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة. إلا أن إسرائيل شككت في الخطوة وعدّتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطلبها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
TT

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يُعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وصرح المتحدث الرسمي باسم «الرئاسة المصرية»، محمد الشناوي، في بيان صحافي اليوم، بأن جدول أعمال المنتدى يتضمّن سلسلة من الفعاليات يشارك فيها قادة دول ورؤساء منظمات دولية وإقليمية، إلى جانب ممثلين عن كبرى مؤسسات القطاع الخاص.

وأشار الشناوي إلى أن جلسات المنتدى سوف تتناول موضوعات تتعلق بتعزيز التعاون الدولي، ودعم مسارات الازدهار العالمي، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار بوصفها قاطرة للنمو، فضلاً عن الاستثمار في رأس المال البشري.

ولفت المتحدث إلى أن الرئيس المصري سوف يلتقي على هامش أعمال المنتدى، نظيره الأميركي دونالد ترمب، وذلك للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي.


ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
TT

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية، وسط تصاعد الضغوط الأميركية لحسم المواقف من المبادرة الجديدة.

ويدرك حلفاء واشنطن، وكذلك بعض خصومها وفي مقدّمهم الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ، أن عامل الوقت لا يعمل لصالحهم، مع تكثيف البيت الأبيض ضغوطه على قادة الدول الـ65 المدعوة لتأكيد موقفها من المجلس، وتوقيع الميثاق التأسيسي بحلول الساعة 10:30 صباح الخميس في دافوس. ويتوقّع أن يعرض ترمب ملامح المبادرة التي يروّج لها باعتبارها «إطاراً دولياً جديداً» لإدارة النزاعات، في خطاب أمام قادة الأعمال المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي يوم الأربعاء.

ومع اتساع دائرة الدعوات لتشمل دولاً لا تجمعها علاقات ودية، تتزايد التساؤلات حول طبيعة تفويض «مجلس السلام» وآليات اتخاذ القرار داخله. ويرى دبلوماسيون مجتمعون في دافوس أن المبادرة، التي يُفترض أن تبدأ بملف غزة قبل أن تمتد لاحقاً إلى بؤر ساخنة أخرى حول العالم، قد تُشكّل تحدياً مباشراً لدور الأمم المتحدة، وتعيد رسم قواعد إدارة الصراعات الدولية خارج الأطر التقليدية.

ميثاق المجلس: من غزة إلى النزاعات العالمية

بعد إعلانه المرحلة الثانية من خطة السلام في قطاع غزة في 17 يناير (كانون الثاني)، وجّه البيت الأبيض دعوة إلى أكثر من 60 دولة للانضمام إلى «مجلس السلام»، الذي يشكّل ركناً أساسياً في برنامج أُقرّ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب وقف إطلاق النار في القطاع. وكان الهدف الأصلي من المجلس هو دعم الإدارة الفلسطينية عبر تنسيق جهود إعادة الإعمار وتحفيز التنمية الاقتصادية، بعد عامين من الحرب بين إسرائيل و«حماس».

دافوس تشهد الخميس تدشين «مجلس السلام» (رويترز)

وحظي المجلس حينها بموافقة رسمية بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على أن يقتصر دوره جغرافياً على غزة وينتهي تفويضه في عام 2027. غير أن وثيقة الميثاق التي تسرّبت إلى وسائل الإعلام تكشف عن مراجعة جوهرية في طموحات الرئيس الأميركي، إذ توسّع نطاق المهمة ليشمل «تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات»، من دون أي إشارة مباشرة إلى غزة.

رئاسة دائمة... وعضوية مشروطة

وتشير الوثائق الأولية إلى أن الرئيس ترمب سيحظى برئاسة دائمة للمجلس، فيما تُمنح الدول عضوية لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتحوّل إلى عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار. وفيما لم تتضح بعد الجهة المستفيدة من هذه المساهمات، لمّح مسؤولون أميركيون في تسريبات صحافية إلى أنها ستُخصّص لصندوق إعادة إعمار القطاع الفلسطيني.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار غزة ستتطلب نحو 53 مليار دولار، ما يضيف بعداً مالياً بالغ الحساسية إلى المبادرة.

«استبدال» الأمم المتحدة

يرى ترمب نفسه على نحو متزايد كمهندس عالمي لـ«السلام بالقوة»، ويسعى إلى تكريس هذا الدور عبر طرح إطار دولي جديد يتجاوز، بحسب رؤيته، «بطء آليات العمل داخل الأمم المتحدة» وما يعتبره حالة من «الشلل المؤسسي» التي تعوق الاستجابة للأزمات الدولية.

وعبّر مسؤولون أوروبيون، ولا سيما في أروقة دافوس، عن مخاوفهم من سعي ساكن البيت الأبيض إلى تحجيم دور الأمم المتحدة، أو حتى «استبدالها»، عبر توسيع صلاحيات «مجلس السلام» خارج إطار غزة. وتزداد هذه الهواجس في ظل انعقاد اجتماعات المجلس في غياب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي اعتذر عن المشاركة في أعمال دافوس بسبب إصابته بالزكام، وفق نائب المتحدث باسمه فرحان حق.

«مجلس السلام» لن يكون محصوراً بغزة فقط (أ.ف.ب)

ويشير ميثاق المجلس، الذي نُشرت نسخة منه في وسائل إعلام عدة، إلى أن «العديد من مقاربات بناء السلام تُضفي طابعاً مؤسسياً على الأزمات، بدلاً من قيادة المجتمعات إلى تجاوزها»، داعياً إلى «التحلّي بالشجاعة للابتعاد عن أساليب ومؤسسات أخفقت مراراً في تحقيق أهدافها».

حذر أوروبي وتهديدات مبطّنة

يعمل حلفاء أوروبيون على تنسيق موقف مشترك والسعي لتعديل بنود الميثاق المقترح، بحسب مصادر مطّلعة، في وقت تتكثف فيه المشاورات خلف الكواليس، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة أو في أروقة دافوس المتوتّرة.

ويدرك الأوروبيون أن الوقت ليس في صالحهم مع اقتراب موعد الخميس، ولا سيما في ظل تزامن هذه الجهود مع مرحلة دقيقة من المفاوضات المرتبطة بالحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا، ومع تهديدات ترمب بـ«شراء» غرينلاند الدنماركية.

وكان الموقف الفرنسي الأشد حدّة داخل القارة الأوروبية، إذ استبعد الرئيس إيمانويل ماكرون انضمام باريس إلى المجلس «في هذه المرحلة»، مشيراً إلى تساؤلات جوهرية تتعلق باحترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة. وردّ ترمب لاحقاً بلهجة ساخرة، ملوّحاً في منشور على منصة «تروث سوشال» بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على صادرات فرنسية، قبل أن يستدرك بأن باريس «ليست ملزمة بالمشاركة».

مواقف دولية متباينة

من جانبها، عبّرت إسرائيل عن «تحفّظات» على المجلس. فرغم دعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «مبدأ» «مجلس السلام»، اعتبر مكتبه أن اللجنة المنفصلة المعنية بغزة، والتي يُفترض أن تعمل تحت مظلة المجلس، «لم يتم التنسيق بشأنها مع إسرائيل وتتعارض مع سياستها»، ولا سيما بعد إدراج مسؤولين من قطر وتركيا ضمنها.

في المقابل، أبدت دول أخرى انفتاحاً مشروطاً. وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إنه منفتح «من حيث المبدأ» على الانضمام، مع التشديد على ضرورة مناقشة الشروط. فيما امتنع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن تأييد المبادرة، مكتفياً بالإشارة إلى مشاورات مع الحلفاء.

وفي أميركا اللاتينية، أكّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أنه سيصبح عضواً مؤسساً في المجلس، فيما عرضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها «وسيطاً محتملاً». عربياً، قبل ملك المغرب محمد السادس الانضمام إلى المجلس، ليصبح أول زعيم عربي يؤكد مشاركته، إلى جانب دول مثل فيتنام وكازاخستان والمجر (هنغاريا).

وأبدت موسكو وبكين حذراً لافتاً. فقد أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تلقى دعوة رسمية، وأن موسكو تدرس تفاصيلها. أما الصين، فأكدت تسلّمها الدعوة من دون الإفصاح عمّا إذا كانت ستقبلها، في ظل هدنة تجارية هشّة مع واشنطن.