إدانة مارين لوبان تُحدِث زلزالاً عابراً للقارات... واليمين العالمي مستنفَر دفاعاً عنها

البيت الأبيض والكرملين «قلقان» على الديمقراطية الأوروبية بعد قرار المحكمة الفرنسية

مارين لوبان في جلسة مساءلة للحكومة الفرنسية بالبرلمان الثلاثاء (أ.ف.ب)
مارين لوبان في جلسة مساءلة للحكومة الفرنسية بالبرلمان الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

إدانة مارين لوبان تُحدِث زلزالاً عابراً للقارات... واليمين العالمي مستنفَر دفاعاً عنها

مارين لوبان في جلسة مساءلة للحكومة الفرنسية بالبرلمان الثلاثاء (أ.ف.ب)
مارين لوبان في جلسة مساءلة للحكومة الفرنسية بالبرلمان الثلاثاء (أ.ف.ب)

ليس أمراً عابراً أن يدلي الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدلوه في ملف الحكم الصادر بحق زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان، الذي ينزع عنها أهلية الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، بسبب فضائح استخدام أموال الاتحاد الأوروبي الممنوحة لنواب حزب «التجمع الوطني» الذي تتزعمه. فالحكم الصادر عن محكمة البداية في باريس أحدث زلزالاً مدوياً، وكشف كل ما يجري في فرنسا، لسبب رئيسي مفاده أن حظوظ لوبان في أن تصبح الرئيسة المقبلة للجمهورية الفرنسية، كانت قد أصبحت أمراً ممكناً، وهو ما تظهره استطلاعات الرأي التي تضعها متقدمة بفارق كبير عن منافسيها المحتملين.

كذلك، فإن وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في بلد كبير مؤسس للاتحاد الأوروبي، وعضو دائم في مجلس الأمن ويمتلك السلاح النووي، سيُحدِث زلزالاً في أوروبا، وقد يفتح الباب لأحزاب يمينية متطرفة أخرى، مثل حزب «البديل» في ألمانيا للسطو على السلطة.

مارين لوبان في الجمعية الوطنية (رويترز)

وإذا كان ترمب قد اهتم بإقصاء لوبان، فلسببين: الأول أنها تُعد من الداعمين والمعجبين الكبار به، وقد زارت الولايات المتحدة بعد إعادة انتخابه لتهنئته. والثاني أن ترمب يرى أن ما تعانيه يذكِّره بما واجهه شخصياً. لذا، قال لمجموعة من الصحافيين في البيت الأبيض، وفق ما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه «حُظر عليها الترشُّح لخمس سنوات وهي المرشَّحة الأوفر حظاً. هذا يُشبه بلدنا، يُشبهه تماماً»، عادّاً قرار المحكمة إدانة لوبان بالاختلاس، ومنعها من الترشُّح للانتخابات «قضية بالغة الأهمية».

وقبل ترمب، قالت الناطقة باسم البيت الأبيض تاني بروس، إن «استبعاد أشخاص من العملية السياسية أمر مثير للقلق بشكل خاص... نحن ندعم حق الجميع في تقديم آرائهم في المجال العام».

وكان إيلون ماسك -وهو الشخص الأكثر قرباً من ترمب، والجاهز دوماً للتدخل في الشؤون الأوروبية ودعم المتطرفين، كما فعل بالنسبة للانتخابات البريطانية ثم الألمانية- قد «أفتى» بأن استبعاد لوبان عن الترشح «سيأتي بنتائج عكسية»، وعدَّ أن إدانتها جاءت نتيجة «استغلال غير منصف للنظام القضائي».

وسبق للكرملين -عبر ديمتري بيسكوف، الناطق باسم الرئاسة الروسية- أن ندد بما شهدته باريس، عادّاً أن «مزيداً من العواصم الأوروبية يسلك مسارات تنتهك المعايير الديمقراطية».

النائبة اليمينية لور لافاليت تتحدث في البرلمان الثلاثاء (أ.ف.ب)

تعزيز الحماية الأمنية

ما سبق يدل بقوة على أن قرار المحكمة الفرنسية الذي تناول -إلى جانب لوبان- 8 من نواب حزبها السابقين والحاليين، و12 شخصاً من المتعاونين معهم، لم يعد مسألة فرنسية محضة؛ ولكن تفاعلاتها تنعكس بقوة في الوسطين السياسي والشعبي، وتطرح كثيراً من التساؤلات حول الصورة السياسية لفرنسا بعد خروج لوبان منها.

والتخوف الكبير في الساحة الفرنسية، هو أن تخرج الأمور عن السيطرة؛ خصوصاً بعد أن أعلن رئيس الحزب جوردان بارديلا عن «مظاهرات وتجمعات شعبية للاحتجاج على ما صدر عن المحكمة».

وكشفت القاضية بنديكت دو بيرتوي، رئيسة المحكمة التي صدر عنها الحكم الخاص بـلوبان، أنها «تعرضت لتهديدات»؛ الأمر الذي دفع بوزير العدل جيرالد دارمانان إلى التنديد بذلك، وعَدَّه «غير مقبول». وأفادت مصادر الشرطة، الثلاثاء، بتعزيز الحضور الأمني في محيط منزل القاضية المذكورة. كما ندد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في باريس بالتهديدات التي تستهدف؛ ليس فقط بنديكت دو بيرتوي؛ بل أيضاً تستهدف القاضيين الآخرين اللذين أصدرا معها الأحكام.

وإذا كانت زعيمة اليمين المتطرف قد خرجت صامتة من المحكمة، قبل النطق بالحكم، وامتنعت عن الإدلاء بأي تصريح، فإنها ليل الاثنين- الثلاثاء، وبمناسبة مقابلة تلفزيونية على القناة الأولى، فتحت النار في كل اتجاه، واستمرت في ذلك الثلاثاء. واستفادت من الفرصة لإيصال مجموعة من الرسائل لمحازبيها ومناصريها، ومنها لتحذير السلطات. وأول إجراء كان الإعلان عن أنها عازمة على استئناف الحكم الصادر بحقها. بيد أن المشكلة أن هذا الاستئناف لا تأثير له على قرار حرمانها من الترشح لأي منصب انتخابي طيلة 5 سنوات؛ لأن العمل به فوري.

مارين لوبان خلال جلسة مساءلة الحكومة الثلاثاء (أ.ف.ب)

وبالمقابل، فإن تتمة الحكم -وتحديداً طلب سجنها 4 سنوات، منها عامان مع وقف التنفيذ، والاستعاضة عن العامين الآخرين بالإقامة الجبرية في منزلها، مع إلزامها بحمل سوار إلكتروني- تتوقف بانتظار ما سيصدر عن محكمة الاستئناف. ورهان لوبان أن تسرع العدالة بتحديد موعد جديد، وأن يصدر حكمها قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية القادمة، ربيع عام 2027، إما بتأكيد حكم محكمة البداية وإما بنقضه. بيد أن ما تطلبه ليس مؤكداً بسبب البطء المعروف للقضاء الفرنسي، والمهل الملزمة لإعلان الترشح.

السلاح النووي

بانتظار ذلك، لا تقف لوبان وحزبها مكتوفي اليدين. ففي اجتماع مجموعة نواب حزبها التي ترأسها في الجمعية الوطنية صباح الثلاثاء، عدَّت أن «النظام» استخدم ضدها «قنبلة نووية» لمنعها من الترشح، وأن ما عانت منه هو «محاكمة سياسية»؛ مضيفة أنه «إذا استُخدم ضدنا سلاح بهذه القوة المدمرة فلأننا -بوضوح- قريبون من الفوز في الانتخابات» الرئاسية المقبلة.

وشددت على أنها «لن تكون خانعة»، وأنها ستقاوم، منبهة من أن «تدخل السلطة القضائية في الانتخابات الرئاسية هو تهديد للنظام العام (...) لا تسمحوا لأنفسكم بالترهيب (...) سنكون هنا حتى تحقيق الفوز».

وذهبت ليل الاثنين- الثلاثاء إلى تأكيد أن القضاة «انتهكوا دولة القانون»، وأنهم «خضعوا لتعليمات أو أمر، أو للمناخ السياسي السائد». وتوجهت للسلطات بالتحذير بقولها: «الليلة، يشعر الملايين من الفرنسيين بالغضب؛ بل بالغضب الشديد، لرؤية أنه في فرنسا، أرض حقوق الإنسان، يطبق القضاة ممارسات كنا نظن أنها محجوزة للأنظمة الاستبدادية».

رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو وإلى يمينه وزير العدل جيرالد دارمانان خلال جلسة المساءلة (أ.ف.ب)

وأكثر من مرة، دافعت عن براءتها قائلة: «أنا بريئة، وهذه القضية التي رفعها ضدي خصومي السياسيون تستند إلى حجج غير صلبة. ما حصل هو خلاف إداري مع البرلمان الأوروبي. لا يوجد إثراء شخصي، لا يوجد فساد، لا يوجد شيء من هذا القبيل».

ولكن لوبان استخدمت حُجة خاطئة بقولها إن المحكمة لجأت إلى استخدام قانون بمفعول رجعي، وهو أمر غير جائز. وهذه الحجة لجأ إليها أيضاً محاموها أكثر من مرة. والواقع أنها تجافي الحقيقة؛ لأن القانون أُقر في البرلمان الفرنسي قبل عشرين يوماً من نهاية المدة الزمنية التي تحاكم بشأنها.

لكن الرسالة الأساسية لرئيسة «التجمع الوطني» كانت لمحازبيها، وذلك بتأكيدها أنها «لن تنسحب مطلقاً من الحياة السياسية»، وأنها «ليست مستعدة لمثل هذا التنكر السهل للديمقراطية». وفي السياق عينه، استبعدت راهناً أن تستفيد من عفو يصدره رئيس الجمهورية الذي كان خصمها الانتخابي، وهزمها في عامي 2017 و2022، آملة في «أن تصحح محكمة الاستئناف أخطاء محكمة البداية». كذلك استبعدت أن تحتل منصب رئاسة الحكومة في حال ترشح جوردان بارديلا لرئاسة الجمهورية وفاز بها. وكان الأخير قد ندد بـ«ديكتاتورية القضاة»؛ عادّاً ما حصل «تاريخاً أسود بالنسبة للديمقراطية الفرنسية».

حقيقة الأمر: أن كل دفاع لوبان وحزبها يقوم على حرف الأنظار عن الأخطاء التي ارتُكبت، ومنها اختلاس نحو 3 ملايين يورو من تقديمات البرلمان الأوروبي واستخدامها في غير مكانها. وما يغيظها أن أحزاباً أخرى واقعة في المخالفات نفسها التي ارتكبها حزبها، ومنها حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد الذي يتزعمه المرشح الرئاسي السابق (واللاحق) جان لوك ميلونشون، وأيضاً حزب «الحركة الديمقراطية» الوسطي الذي يقوده رئيس الحكومة الحالي فرنسوا بايرو.


مقالات ذات صلة

رئيس «القضاء» العراقي يدعو إلى مراجعة أحكام الدستور

المشرق العربي عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)

رئيس «القضاء» العراقي يدعو إلى مراجعة أحكام الدستور

دعا القاضي فائق زيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق البرلمانَ إلى مراجعة أحكام الدستور وإجراء التعديلات اللازمة.

حمزة مصطفى (بغداد)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يتراجع عن نقل إعدام منفّذ هجوم «فورت هود» بالبثّ الحي

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تراجعه عن بث عملية إعدام نضال حسن، المُدان بقتل جنود أميركيين، التي ستكون رمياً بالرصاص على يد فرقة إعدام عسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
الولايات المتحدة​ الناطقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تتحدث مع الصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

قاضٍ فيدرالي يرفض حظر ترمب على وسائل إعلامية

أصدر قاضٍ فيدرالي قراراً يسمح لشبكتي «سي إن إن» و«إم إس ناو» وموقع «بوليتيكو» بالدخول إلى البيت الأبيض، رغم الحظر الذي فرضه الرئيس دونالد ترمب.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الشرطة تقتاد دوان ديفيس عقب جلسة النطق بالحكم عليه في قضية قتل مغني الراب توباك شاكور في لاس فيغاس بولاية نيفادا الأميركية يوم 13 أكتوبر 2026 (رويترز)

السجن المؤبد لمدبّر قتل مغني راب شهير بعد أكثر من 30 عاماً على الجريمة

حُكم على دوان «كيفي دي» ديفيس بالسجن المؤبد مع إمكانية الإفراج المشروط بعد 40 عاماً، لتدبيره قتل مغني الراب توباك شاكور.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.