أفكار وأوامر بسيطة تتيح للذكاء الاصطناعي إنشاء برامج كومبيوترية

تسهل لأي شخص إنتاجها من دون معرفته بلغات البرمجة

البرمجة من دون لغة برمجية تشابه عملية التحكم بالطرق القيديم بواسطة الازرار والمفاتيح
البرمجة من دون لغة برمجية تشابه عملية التحكم بالطرق القيديم بواسطة الازرار والمفاتيح
TT

أفكار وأوامر بسيطة تتيح للذكاء الاصطناعي إنشاء برامج كومبيوترية

البرمجة من دون لغة برمجية تشابه عملية التحكم بالطرق القيديم بواسطة الازرار والمفاتيح
البرمجة من دون لغة برمجية تشابه عملية التحكم بالطرق القيديم بواسطة الازرار والمفاتيح

أنا لست مبرمجاً، ولا أستطيع أن أكتب سطراً واحداً بلغة بايثون Python للبرمجة عالية المستوى، أو لغة جافا سكريبت JavaScript للبرمجة أو لغة C ++ للبرمجة.

وباستثناء فترة قصيرة في سنوات مراهقتي، عندما كنت أقوم ببناء مواقع إلكترونية وأتلاعب بالرسوم المتحركة، فإني لم أكن مهندس برمجيات، ولا أطمح إلى ترك الصحافة من أجل العمل في صناعة التكنولوجيا.

ومع ذلك، فقد كنت أكتب الكثير من الرموز(الأكواد) البرمجية على مدى الأشهر القليلة الماضية.

توظيف الذكاء الاصطناعي للبرمجة

ومن بين إبداعاتي توصلت إلى أداة تقوم بنسخ وتلخيص المدونات الصوتية (Podcasts) الطويلة، وأداة لتنظيم إشاراتي المرجعية (Bookmarks) على وسائل التواصل الاجتماعي في قاعدة بيانات قابلة للبحث، كما توصلت إلى موقع ويب يخبرني ما إذا كان حجم أي قطعة أثاث يناسب صندوق سيارتي، وإلى تطبيق يسمى LunchBox Buddy، الذي يحلل محتويات ثلاجتي ويساعدني في تحديد ما يمكنني تحضيره لغداء ابني في المدرسة.

محادثة مع اداة الذكاء الاصطناعي لصنع تطبيق لوجبات غداء للاطفال

وكل هذه الإبداعات كانت ممكنة بفضل تقنية الذكاء الاصطناعي، والاتجاه الجديد في الذكاء الاصطناعي الذي يُعرف باسم (Vibecoding). وهو مصطلح مبتكر يستخدم لوصف طريقة بناء التطبيقات أو المواقع باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل بسيط وغير تقني؛ إذ يشير إلى إنشاء البرامج أو تطوير التطبيقات عن طريق كتابة أو تقديم أفكار أو أوامر بسيطة، غالباً تكون نصوصاً، لأدوات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من كتابة الأكواد البرمجية المعقدة.

ويعد Vibecoding، وهو مصطلح ابتكره الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي أندريه كارباثي، اختصاراً مفيداً للطريقة التي تسمح بها أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم حتى للهواة غير المتخصصين ببناء تطبيقات ومواقع ويب تعمل بشكل كامل، فقط عن طريق كتابة التعليمات في مربع النص؛ إذ لا تحتاج إلى معرفة كيفية البرمجة لكي تمارس هذه الطريقة؛ إذ إنه مجرد وجود فكرة، وقليل من الصبر، عادةً ما يكون كافياً.

وصف الأفكار

وقد كتب كارباثي الشهر الماضي عن الأمر قائلاً: «هذه ليست برمجة حقيقية، أنا فقط أنظر إلى الأفكار والمشاكل، وأكتب وصفاً لما أريده، وأقوم بتشغيل الأدوات، ثم نسخ الأكواد ولصقها، وفي الغالب ينجح الأمر».

وقد كانت تجاربي الخاصة في Vibecoding تهدف إلى إنشاء ما أسميه «برمجيات الشخص الواحد» «software for one»، وهي تطبيقات صغيرة مُخصَّصة تهدف لحل مشاكل معينة في حياتي، فهذه ليست من أنواع الأدوات التي قد تبنيها شركات التكنولوجيا الكبيرة، ولا توجد سوق حقيقية لها، كما أن ميزاتها تكون محدودة، وبعضها يعمل بشكل جزئي فقط.

لكن بناء البرمجيات بهذه الطريقة، من خلال وصف مشكلة في جملة أو جملتين، ثم مشاهدة نموذج ذكاء اصطناعي قوي يعمل على بناء أداة مُخصَّصة لحلها، هو تجربة مذهلة، فهي تخلق شعوراً بالذهول الناتج عن استخدام الذكاء الاصطناعي، على غرار ما شعرت به بعد استخدام تطبيق ChatGPT لأول مرة.

وهي أفضل طريقة وجدتها لإثبات قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم للمشككين، والتي يمكنها أتمتة أجزاء كبيرة من البرمجة الأساسية للكومبيوتر، وقد تكون قادرة قريباً على تحقيق إنجازات مماثلة في مجالات أخرى.

صحيح أن أدوات البرمجة باستخدام الذكاء الاصطناعي موجودة منذ سنوات، وقد صُممت أدوات سابقة، مثل GitHub Copilot، لمساعدة المبرمجين المحترفين على العمل بشكل أسرع، وذلك جزئياً من خلال تكملة أسطر الشيفرة البرمجية الخاصة بهم بالطريقة نفسها التي يكمل بها ChatGPT الجملة، لكننا كنا لا نزال في حاجة إلى معرفة كيفية البرمجة للحصول على أقصى استفادة منها والتدخل عندما يتعثر الذكاء الاصطناعي.

أدوات ذكية جديدة

لكن على مدى العام أو العامين الماضيين، تم بناء أدوات جديدة للاستفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر قوة التي تمكّن حتى المبتدئين من البرمجة مثل المحترفين.

وتعمل هذه الأدوات، التي تشمل Cursor وReplit وBolt وLovable، بالطريقة نفسها تقريباً، فبناءً على تعليمات المُستخدِم، تقوم الأداة بتصميم المنتَج، وتحدد أفضل الشيفرات البرمجية ولغات البرمجة التي يجب استخدامها، ثم تبدأ العمل على بناء المنتَج، وتسمح معظم الأدوات باستخدام محدود مجاني، مع وجود مستويات أخرى مدفوعة تفتح ميزات أفضل، وقدرة على بناء المزيد من المنتجات.

وبالنسبة لغير المبرمجين، فإن الـVibecoding يمكن أن يبدو وكأنه أشبه بالسحر، فبعد كتابة التعليمات الخاصة بك، تظهر سطور غامضة من التعليمات البرمجية بسرعة، وبعد بضع ثوانٍ قليلة، إذا سار كل شيء على ما يرام، يظهر نموذج أولي يعمل، ويمكن للمستخدمين اقتراح تعديلات أو تغييرات، وعندما يكونون راضين عن منتجهم الجديد، فإن بإمكانهم نشره على الويب أو تشغيله على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، ويمكن أن تستغرق العملية بضع دقائق فقط، أو ساعات عدة، اعتماداً على مدى التعقيد.

تجربة تخلق شعوراً بالذهول من قدرات الأدوات الذكية

تطبيق شخصي لوجبة غداء للأطفال

وقد طلبت من Bolt بناء تطبيق يمكن أن يساعدني في تحضير وجبة غداء مدرسية لابني، بناءً على صورة تم تحميلها لمحتويات ثلاجتي، وبعد نحو 10 دقائق من إدخال التعليمات الخاصة بي، كان LunchBox Buddy وهو الاسم الذي اختاره الذكاء الاصطناعي لتطبيقي الجديد، جاهزاً، واقترح إعداد شطيرة ديك رومي عادية.

ولم تكن جميع تجاربي في Vibecoding ناجحة، حيث واجهت صعوبة لمدة أسابيع في بناء أداة «Inbox Autopilot» التي يمكنها الرد على رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بي تلقائياً، بأسلوبي في الكتابة نفسه، كما واجهت عقبات عند محاولة دمج العمليات التي يتم تنفيذها باستخدام الذكاء الاصطناعي في تطبيقات مثل Google Photos وiOS Voice Memos، والتي لم يتم تصميمها للعمل بشكل جيد مع الإضافات الخارجية من أطراف ثالثة.

وبالطبع، يرتكب الذكاء الاصطناعي أخطاءً أحياناً، فذات مرة، عندما حاولت إنشاء موقع ويب لمتجر إطارات في الحي الذي أسكن به، اختلق الذكاء الاصطناعي تقييمات مزيفة من صفحة مفترضة للمتجر على Yelp (وهو موقع يقدم تقييمات للمحال التجارية والخدمات) وأضافها إلى صفحة التقييمات على الموقع الإلكتروني للمتجر.

وفي مرة أخرى، عندما حاولت تحويل قصة طويلة كتبتها موقعاً إلكترونياً تفاعلياً، أدرج الذكاء الاصطناعي نحو نصف النَص وترك النصف الآخر.

وبعبارة أخرى، لا يزال الـVibecoding في حاجة إلى الاستفادة من وجود البشر للإشراف على الروبوتات أو على الأقل التواجد بالقرب منها، ومن المحتمل أن يكون أفضل لمشاريع الهواة، وليس للمهام الأساسية.

لكن هذه الحال قد لا تستمر طويلاً، فالكثير من شركات الذكاء الاصطناعي تعمل على تطوير وكلاء لهندسة البرمجيات التي قد تحل محل المبرمجين البشريين بشكل كامل، وبالفعل، يحقق الذكاء الاصطناعي درجات عالمية في اختبارات البرمجة التنافسية، كما قامت الكثير من شركات التكنولوجيا الكبرى، بما في ذلك «غوغل»، بتفويض جزء كبير من أعمالها الهندسية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وقد صرَّح سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لـلشركة أخيراً، بأن الشيفرة البرمجية التي يولدها الذكاء الاصطناعي تمثل أكثر من ربع جميع الشيفرات الجديدة الذي يتم نشرها في الشركة.

إذن، لو كنت مبرمجاً مبتدئاً، وهو النوع الذي يبدو أن الذكاء الاصطناعي من المرجح أن يحل محله، فقد أشعر بحالة من الذعر بشأن مستقبل وظيفتي، لكنني مجرد شخص يحب التجريب وبناء الأدوات التي تعمل على تحسين حياتي بطرق بسيطة، والـVibecoding، أو البرمجة الفعلية، هي أحد المجالات التي يبدو أن الذكاء الاصطناعي يتطور فيها بشكل لا لَبس فيه.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

تكنولوجيا شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات بتكوين بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد قطعة نقدية من فئة 2 يورو إلى جانب ورقة نقدية من فئة 10 جنيهات إسترلينية في صورة توضيحية (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

دعا البنك المركزي الأوروبي، الاتحادَ الأوروبي، إلى تسريع اعتماد «اليورو الرقمي»، محذراً من أن أي تأخير قد يعمّق اعتماد القارة على شركات التكنولوجيا الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

تدفقات قوية نحو صناديق الأسهم العالمية بقيادة أوروبا وآسيا

شهدت صناديق الأسهم العالمية تدفقات قوية بقيادة أوروبا وآسيا، في مؤشر على توجه المستثمرين نحو التنويع وتقليل الانكشاف على أسهم التكنولوجيا الأميركية المتقلبة.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد تمثيلات للعملة الرقمية «بتكوين» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بعد ملامسة الـ60 ألف دولار... البتكوين ترتد من أدنى مستوى في 16 شهراً

ارتفع سعر البتكوين، يوم الجمعة، بعد وصوله إلى أدنى مستوى له في 16 شهراً عند 60 ألف دولار، مع ظهور بوادر تراجع الضغوط العالمية على أسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد متداولو العملات أمام شاشة تعرض مؤشر كوسبي وسعر صرف الدولار مقابل الوون في مقر بنك هانا بسيول (أ.ب)

تراجع حاد للأسهم الآسيوية لليوم الثالث وسط ضغوط على قطاع التكنولوجيا

واصلت الأسهم الآسيوية تراجعها يوم الجمعة، في ظل غياب أي مؤشرات على انحسار موجة الهبوط الحاد في أسهم التكنولوجيا التي تضرب «وول ستريت» لليوم الثالث على التوالي.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».