وسط طموح عالمي وتحديات تنظيمية... مودي يقدِّم الهند كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي

غوتيريش وماكرون وألتمان يحذرون من المخاطر... وغيتس ينسحب من القمة

رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يمسك بالأيدي ويلتقط صوراً مع عدد من رؤساء الدول المشاركين خلال قمة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)
رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يمسك بالأيدي ويلتقط صوراً مع عدد من رؤساء الدول المشاركين خلال قمة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)
TT

وسط طموح عالمي وتحديات تنظيمية... مودي يقدِّم الهند كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي

رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يمسك بالأيدي ويلتقط صوراً مع عدد من رؤساء الدول المشاركين خلال قمة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)
رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يمسك بالأيدي ويلتقط صوراً مع عدد من رؤساء الدول المشاركين خلال قمة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)

قدَّم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، يوم الخميس، الهند كلاعب محوري في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مؤكداً أن بلاده تهدف إلى بناء التكنولوجيا محلياً وتصديرها عالمياً. وقال مودي أمام قادة العالم وكبار المسؤولين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا وصناع السياسات خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي: «التصميم والتطوير في الهند، ثمّ تقديمها للعالم، ثمّ تقديمها للبشرية».

وجاءت تصريحات مودي في وقت تسعى فيه الهند، إحدى أسرع الأسواق الرقمية نمواً في العالم، إلى الاستفادة من خبرتها في بناء بنية تحتية رقمية عامة واسعة النطاق، وتقديم نفسها كمركز فعال من حيث التكلفة للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي.

وتهدف الهند إلى توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي، مستغلة القمة لترسيخ مكانتها كجسر يربط بين الاقتصادات المتقدمة ودول الجنوب العالمي. ويستشهد المسؤولون بنظام الهوية الرقمية وأنظمة الدفع الإلكتروني في البلاد كنموذج لتطبيق الذكاء الاصطناعي بتكلفة منخفضة وفعالية عالية، خصوصاً في الدول النامية.

وقال مودي: «يجب أن نُعمّم استخدام الذكاء الاصطناعي، ليصبح أداة للشمول والتمكين، خاصة لدول الجنوب العالمي».

ومع ما يقرب من مليار مستخدم للإنترنت، أصبحت الهند سوقاً رئيسيةً لشركات التكنولوجيا العالمية الراغبة في توسيع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. ففي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت «مايكروسوفت» عن استثمار بقيمة 17.5 مليار دولار على مدى أربع سنوات لتعزيز البنية التحتية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في الهند. وجاء ذلك بعد إعلان «غوغل» عن استثمار 15 مليار دولار على مدى خمس سنوات، بما في ذلك خطط لإنشاء أول مركز ذكاء اصطناعي وطني. كما تعهدت «أمازون» باستثمار 35 مليار دولار بحلول عام 2030 لتعزيز التحول الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي. وتسعى الهند أيضاً إلى جذب استثمارات تصل إلى 200 مليار دولار في مراكز البيانات خلال السنوات المقبلة لتعزيز قدراتها التكنولوجية.

ناريندرا مودي في صورة جماعية مع قادة شركات الذكاء الاصطناعي بما في ذلك الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان والرئيس التنفيذي لـ«أنتروبيك» داريو أمودي خلال القمة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، تواجه البلاد تحديات جوهرية في تطوير نموذج ذكاء اصطناعي واسع النطاق خاص بها، على غرار نموذج «أوبن إيه آي» الأميركي أو «ديب سيك» الصيني، مما يُبرز تحدياتٍ مثل محدودية الوصول إلى رقائق أشباه الموصلات المتقدمة، ومراكز البيانات، ومئات اللغات المحلية التي يمكن التعلم منها.

غوتيريش يدق ناقوس الخطر

من جانبه، حذَّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قادة قطاع التكنولوجيا من المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن مستقبل هذه التكنولوجيا لا يمكن أن يُترك «رهيناً بأهواء قلة من أصحاب المليارات».

وفي كلمته، دعا غوتيريش إلى دعم صندوق عالمي بقيمة 3 مليارات دولار لضمان الوصول المفتوح إلى الذكاء الاصطناعي للجميع، مشدداً على أن «الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون ملكاً للجميع».

وأشار إلى أن ترك مستقبل الذكاء الاصطناعي في أيدي حفنة من الدول أو قلة من أصحاب الثروات قد يؤدي إلى تعميق عدم المساواة عالمياً، محذراً من أن الاستخدام غير المنظم يمكن أن يُفاقم التحيز ويزيد الضرر الاجتماعي. وأضاف أن التطبيق الصحيح للذكاء الاصطناعي يمكن أن يُسرّع التقدم في مجالات الطب والتعليم، ويُعزّز الأمن الغذائي، ويدعم جهود العمل المناخي والتأهب للكوارث، ويحسِّن الوصول إلى الخدمات العامة الحيوية.

ولمواجهة هذه التحديات، أنشأت الأمم المتحدة هيئة استشارية علمية للذكاء الاصطناعي لمساعدة الدول على اتخاذ قرارات مدروسة بشأن هذه التكنولوجيا الثورية. وأكد غوتيريش على ضرورة حماية الأفراد، خصوصاً الأطفال، من الاستغلال، مشيراً إلى أنه «لا ينبغي أن يكون أي طفل فأر تجارب للذكاء الاصطناعي غير المنظم».

كما دعا إلى وضع ضوابط عالمية تضمن الرقابة والمساءلة، وإنشاء «صندوق عالمي للذكاء الاصطناعي» لبناء القدرات الأساسية. وأوضح أن الهدف هو جمع 3 مليارات دولار، وهو مبلغ أقل من واحد في المائة من الإيرادات السنوية لشركة تقنية واحدة، مؤكّداً أن هذا استثمار زهيد مقابل نشر الذكاء الاصطناعي بما يعود بالنفع على الجميع، بما في ذلك الشركات المطوّرة له.

وحذَّر غوتيريش أيضاً من أن عدم الاستثمار سيؤدي إلى تخلف العديد من الدول عن ركب عصر الذكاء الاصطناعي، مما يزيد الانقسامات العالمية، مشدداً على ضرورة أن تتحول مراكز البيانات إلى الطاقة النظيفة لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة والمياه، بدلاً من تحميل المجتمعات الضعيفة الأعباء البيئية.

ماكرون يؤكد على رقابة آمنة للذكاء الاصطناعي

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد أكَّد خلال القمة، عزمه على ضمان رقابة آمنة على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المتسارعة التطور. وقد بادر الاتحاد الأوروبي إلى وضع معايير تنظيمية عالمية عبر قانون الذكاء الاصطناعي، الذي تم اعتماده عام 2024 ويُطبَّق تدريجياً.

وقال ماكرون: «نحن عازمون على مواصلة صياغة قواعد اللعبة مع حلفائنا، مثل الهند». وأضاف: «أوروبا لا تركز بشكل أعمى على التنظيم، بل هي بيئة حاضنة للابتكار والاستثمار، وفي الوقت ذاته بيئة آمنة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي (أ.ب)

وأشار إلى أن فرنسا تعمل على مضاعفة عدد العلماء والمهندسين المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، حيث توفر الشركات الناشئة في هذا القطاع «عشرات الآلاف» من فرص العمل. وفي الشهر الماضي، أقرَّ المشرعون الفرنسيون مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الخامسة عشرة، وينتظر التصويت النهائي في مجلس الشيوخ، بعد حظر مماثل فرضته أستراليا في ديسمبر الماضي.

وأضاف ماكرون: «ستكون حماية الأطفال من مخاطر الذكاء الاصطناعي والإساءة الرقمية إحدى أولوياتنا في مجموعة السبع»، مشدداً على أنه «لا يوجد أي مبرر لتعريض أطفالنا على الإنترنت لما هو محظور قانوناً في العالم الواقعي».

وأكَّد الرئيس الفرنسي أن فرنسا «ملتزمة بهذا المسار» بالتعاون مع العديد من الدول الأوروبية، موضحاً ثقته في انضمام الهند إلى هذا الجهد. وختم قائلاً: «حماية أطفالنا ليست مجرد تشريع، بل هي مسألة حضارة».

ألتمان يؤكد الحاجة الملحّة لتنظيم الذكاء الاصطناعي

قال سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، المطوِّرة لبرنامج «تشات جي بي تي»، خلال القمة، بأن العالم يواجه حاجة ملحَّة لتنظيم هذه التكنولوجيا سريعة التطور. وأضاف: «إتاحة الذكاء الاصطناعي للجميع هي أفضل طريقة لضمان ازدهار البشرية»، محذراً من أن تركيز هذه التقنية في يد شركة أو دولة واحدة قد يؤدي إلى كارثة. وأوضح ألتمان أن هذا لا يعني الاستغناء عن أي تنظيم أو ضمانات، بل إن الحاجة إليها ملحة، كما هو الحال مع التقنيات الأخرى عالية القدرات. وأضاف: «التكنولوجيا دائماً ما تغيّر طبيعة الوظائف، ودائماً ما نجد طرقاً جديدة وأفضل لأدائها». وأشار إلى أن روبوت الدردشة «تشات جي بي تي»، المدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي، يشهد استخداماً أسبوعياً من نحو 100 مليون مستخدم في الهند، أكثر من ثلثهم من الطلاب.

سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» يتحدث خلال قمة الذكاء الاصطناعي في نيودلهي (أ.ب)

انسحاب بيل غيتس وإخفاقات تنظيمية

انسحب بيل غيتس من قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في الهند قبل ساعات من إلقاء كلمته الرئيسية يوم الخميس، مما شكل ضربة إضافية لحدث واجه بالفعل تحديات تنظيمية وجدلاً حول الروبوتات وازدحاماً مرورياً خانقاً. وتبعه انسحاب جنسن هوانغ من شركة «إنفيديا»، مما أضاف صعوبة على أول منتدى رئيسي للذكاء الاصطناعي في الجنوب العالمي، الذي تسعى الهند من خلاله لترسيخ مكانتها كصوت رائد في حوكمة الذكاء الاصطناعي.

وأوضحت «مؤسسة غيتس» أن الانسحاب جاء لضمان تركيز القمة على الأولويات الأساسية، بعد أيام قليلة من نفي المؤسسة شائعات غيابه. وقد شهدت القمة إخفاقات تنظيمية أثارت استياء الحضور، شملت إغلاق قاعات العرض أمام الجمهور، وإجبار جامعة غالغوتيا على إخلاء جناحها بعد تقديم روبوت تجاري على أنه ابتكار الجامعة، فضلاً عن إغلاق الشرطة للطرق بشكل متكرر لإفساح المجال لحركة الشخصيات المهمة، مما تسبب بفوضى في دلهي ذات الـ20 مليون نسمة.

كما أظهرت لقطات على وسائل التواصل الاجتماعي الحضور يسيرون مسافات طويلة وسط المدينة بسبب انقطاع وسائل النقل. وانتقدت أحزاب المعارضة الحكومة ورئيس الوزراء لسوء التنظيم، فيما أكد باوان خيرا، المتحدث باسم حزب المؤتمر، أن هذه الظروف تعكس تقصيراً في التخطيط القائم.

رغم ذلك، تعهدت شركات كبرى باستثمارات تزيد عن 100 مليار دولار في مشروعات الذكاء الاصطناعي في الهند، بما في ذلك مجموعات «أداني» و«مايكروسوفت» و«يُوتا»، بينما تتوقع الحكومة أن تتجاوز التعهدات 200 مليار دولار خلال العامين المقبلين، رغم تحذيرات المحللين من الضغوط على شبكة الكهرباء وإمدادات المياه نتيجة التوسع السريع.


مقالات ذات صلة

«طوكيو المحبطة» تبحث دعم الين من باب النفط

الاقتصاد مخازن نفطية في مدينة إيماباري غرب اليابان (رويترز)

«طوكيو المحبطة» تبحث دعم الين من باب النفط

تُفكّر اليابان في خطة مثيرة للجدل لوقف تراجع الين، وذلك عبر الدخول في أسواق عقود النفط الآجلة

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مشاة أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم بمدينة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

الأسهم الصينية تهبط وسط ضبابية الوضع الإيراني

تراجعت أسهم الصين وهونغ كونغ يوم الخميس، حيث يدرس المستثمرون احتمالات خفض تصعيد الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم والسندات في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

«نيكي» يفقد مكاسبه المبكرة مع تزايد الغموض حول «حرب إيران»

تراجع مؤشر نيكي الياباني للأسهم بعد مكاسبه المبكرة ليغلق على انخفاض يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد متداولو العملات يراقبون عبر الشاشات مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب «كوسبي» (أ.ب)

الأسواق الآسيوية في «منطقة انتظار» قلقة وسط ترقب لمفاوضات التهدئة

سيطرت حالة من الترقب والحذر على تعاملات الأسهم الآسيوية، الخميس، بينما تمسك الدولار بمكاسبه، حيث فضّل المستثمرون مراقبة التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد مصفاة نفط في منطقة كيهين الصناعية في كاواساكي بجنوب طوكيو (رويترز)

النفط يرتفع مجدداً مع إعادة المستثمرين تقييم آفاق وقف إطلاق النار بالشرق الأوسط

ارتفعت أسعار النفط، يوم الخميس، معوضةً بعض خسائر اليوم السابق، مع إعادة المستثمرين النظر في آفاق خفض التصعيد في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

البرلمان الأوروبي يُصادق على اتفاقية ترمب الجمركية… مع إدراج ضمانات مشددة

أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)
أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)
TT

البرلمان الأوروبي يُصادق على اتفاقية ترمب الجمركية… مع إدراج ضمانات مشددة

أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)
أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)

وافق مشرِّعو الاتحاد الأوروبي، يوم الخميس، بشروط، على اتفاقية الرسوم الجمركية التي أبرمها الاتحاد مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في خطوة تأمل أوروبا من خلالها حماية علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تسعى فيه لتنويع شراكاتها التجارية حول العالم.

وكانت بروكسل وواشنطن قد أبرمتا، الصيف الماضي، اتفاقية تحدِّد الرسوم الجمركية بنسبة 15 في المائة على معظم سلع الاتحاد الأوروبي، وفق «وكالة الأنباء الفرنسية».

إلا أن حملة ترمب الجمركية لعام 2025، التي شملت فرض رسوم باهظة على الصلب والألمنيوم وقطع غيار السيارات، دفعت الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة، إلى تعزيز علاقاته التجارية مع بقية أنحاء العالم، ومنذ ذلك الحين وقّع اتفاقات مع دول من أميركا الجنوبية إلى أستراليا، ولا يزال يسعى لإبرام المزيد.

ومع ذلك، لم يتخلَّ الاتحاد الأوروبي عن علاقته مع أكبر شركائه التجاريين، الولايات المتحدة، حيث تبلغ قيمة تبادلاتهما التجارية 1.6 تريليون يورو (1.9 تريليون دولار).

ووافقت أغلبية كبيرة من المُشرِّعين الأوروبيين على خفض الرسوم الجمركية الأوروبية على بعض الواردات الأميركية، في خطوة أولى نحو تنفيذ اتفاقية عام 2025، مع إدراج ضمانات إضافية.

وقال فالديس دومبروفسكيس، كبير المسؤولين الاقتصاديين في الاتحاد الأوروبي، خلال جلسة برلمانية قبل التصويت: «يمثل تصويت اليوم خطوةً إجرائيةً مهمة، وإشارةً سياسيةً على التزام الاتحاد الأوروبي بوعوده».

وأضاف أن الاتفاقية لا تزال بحاجة لمزيد من التفاوض مع دول الاتحاد قبل التنفيذ النهائي، على الرغم من أمل بروكسل في أن تسير المحادثات بسرعة.

ورحَّب ماروش سيفكوفيتش، مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، بالتصويت ووصفه بأنه «خطوة حاسمة»، مشيراً إلى أنه سيلتقي الممثل التجاري الأميركي، جيمسون غرير، على هامش اجتماع منظمة التجارة العالمية في الكاميرون يوم الجمعة.

ضمانات إضافية

جاء الضوء الأخضر بعد أشهر من التأخير، إذ قاوم المُشرِّعون الموافقة على الاتفاقية؛ بسبب التوترات عبر الأطلسي بشأن غرينلاند، ثم أُرجئت مرة أخرى بعد قرار المحكمة العليا الأميركية إلغاء كثير من الرسوم التي فرضها ترمب.

وتحسَّنت الأمور بعد أن أعلنت المفوضية الأوروبية التزامها بالاتفاقية رغم قرارات الولايات المتحدة، ودعت المُشرِّعين إلى أن يحذوا حذوها، بعد تلقيهم تطمينات من واشنطن.

ومع ذلك، ردَّ ترمب بنظام تعريفات جمركية جديد؛ ما دفع المُشرِّعين الأوروبيين إلى تشديد الاتفاقية القائمة عبر إدراج ضمانات متعددة، منها انتهاء تخفيضات الرسوم الجمركية للاتحاد الأوروبي تلقائياً في مارس (آذار) 2028، وربط تخفيضات التعريفات على الصلب والألمنيوم بتخفيضات مماثلة من الجانب الأميركي.

وقالت النائبة في البرلمان الأوروبي، كاثلين فان بريمبت، خلال المناقشة: «دعونا لا نكون ساذجين. سيأتي المزيد من إكراه ترمب والفوضى، ولهذا السبب نقول اليوم: لا إعفاء، ولا شيك على بياض».

وأضافت فان بريمبت أن ضعف الاتحاد الأوروبي أمام تداعيات الحروب والصدمات الأخرى دفع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى جعل تنويع الشركاء التجاريين أولويةً قصوى؛ بهدف تقليل الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة والصين.

وبدأت هذه الجهود بتوقيع اتفاقية طال انتظارها مع تجمع «ميركوسور» في أميركا الجنوبية في يناير (كانون الثاني)، ثم أبرمت بروكسل اتفاقيةً أخرى مع الهند، وفي هذا الأسبوع فقط تم توقيع اتفاقية متعثرة مع أستراليا.

وقال الخبير الاقتصادي أندريه سابير: «لقد عجَّل عامل ترمب بإتمام هذه الاتفاقات، سواء بالنسبة لنا أو لشركائنا». وأضاف أن الاتحاد الأوروبي، مدفوعاً بسياسات ترمب، يسعى لإنشاء أكبر شبكة عالمية لمناطق التجارة الحرة، وهي استراتيجية ذات «بعد دفاعي» تمكِّنه من مواجهة الضغوط التجارية.

وأكد سابير من «مركز بروجيل للأبحاث» أن هذه الاتفاقات تُشكِّل جزءاً من ترسانة الاتحاد الأوروبي، وتُعدّ أدواته الاستراتيجية في النظام التجاري الدولي، مضيفاً: «تحظى شبكة التجارة الحرة هذه بثقل كبير في مناقشاتنا مع العملاقين: الولايات المتحدة، والصين».


«طوكيو المحبطة» تبحث دعم الين من باب النفط

مخازن نفطية في مدينة إيماباري غرب اليابان (رويترز)
مخازن نفطية في مدينة إيماباري غرب اليابان (رويترز)
TT

«طوكيو المحبطة» تبحث دعم الين من باب النفط

مخازن نفطية في مدينة إيماباري غرب اليابان (رويترز)
مخازن نفطية في مدينة إيماباري غرب اليابان (رويترز)

تُفكّر اليابان في خطة مثيرة للجدل لوقف تراجع الين، وذلك عبر الدخول في أسواق عقود النفط الآجلة، وفقاً لمصادر، في ظلّ فقدان أدوات السياسة النقدية التقليدية فاعليتها في مواجهة ضغوط التضخم المُستمرة. ولا تزال تفاصيل الاقتراح شحيحة، بعد أن أفادت «رويترز» يوم الاثنين بأنه قيد المناقشة، لكن الفكرة تُؤكّد على تزايد إحباط طوكيو. يرى صانعو السياسات بشكل متزايد أن الارتفاعات المضاربية في أسعار الطاقة هي المُحرّك الرئيسي لضعف الين مقابل الدولار؛ وهي مُشكلة لم يعد التيسير النقدي والتدخل اللفظي قادرين على احتوائها. ومع ذلك، يشكك المحللون، حتى بعض المسؤولين الحكوميين، في جدوى هذه الاستراتيجية في كبح جماح ضعف الين الحالي، الذي يعزونه في الغالب إلى قوة الدولار، وليس إلى عمليات البيع على المكشوف للين لأغراض المضاربة. ويقول شوتا ريو، استراتيجي العملات الأجنبية في شركة «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي» للأوراق المالية: «لا بد أن الحكومة تدرك أن هذا التأثير سيكون مؤقتاً لا محالة. ومن المرجح أن تستخدمه بشكل أساسي لكسب الوقت ريثما يتحسن الوضع في الشرق الأوسط».

تحول غير تقليدي

وأفادت مصادر في السوق لوكالة «رويترز» أن الحكومة اليابانية تدرس التدخل في سوق العقود الآجلة للنفط الخام، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حادّ نتيجة أزمة الشرق الأوسط. وبموجب هذه الخطة، ستستغل اليابان احتياطياتها من النقد الأجنبي، البالغة 1.4 تريليون دولار، وستبني مراكز بيع على المكشوف في سوق العقود الآجلة للنفط عن طريق بيع العقود الآجلة بهدف خفض الأسعار. ومن خلال كبح الطلب على الدولار لشراء النفط، تستطيع طوكيو تخفيف ضغوط البيع على الين. وقد تحركت أسواق العقود الآجلة للنفط وأسواق العملات مؤخراً بشكل متزامن، حيث دفع الصراع في الشرق الأوسط أسعار النفط إلى الارتفاع، بينما زاد الطلب على الدولار كملاذ آمن. ويسمح القانون الياباني باستخدام احتياطيات النقد الأجنبي، المحفوظة كاحتياطي، للتدخل المباشر في سوق العملات، لاتخاذ مراكز في أسواق العقود الآجلة إذا كان الهدف هو استقرار الين. وأفادت 3 مصادر حكومية مطلعة على المداولات أن الفكرة قيد الدراسة داخل الحكومة، على الرغم من عدم وجود إجماع على جدواها. وقال أحد المصادر: «أتساءل شخصياً عما إذا كان ذلك سيُحدث فرقاً يُذكر إذا قامت اليابان بذلك بمفردها»، مُشككاً في قدرة طوكيو على تحقيق نتائج ملموسة دون عمل مشترك مع دول أخرى.

خطوة غير تقليدية

وبرزت هذه الخطوة غير التقليدية في ظل مخاوف صانعي السياسات، التي تتزايد في السر، من أن التدخل التقليدي بشراء الين قد يكون غير مجدٍ في ظل الظروف الراهنة، إذ قد يُضعف أي إجراء من هذا القبيل بفعل ارتفاع الطلب على الدولار، الذي قد يتفاقم إذا ما طال أمد الصراع في الشرق الأوسط. وقد أشارت تصريحات مسؤولين حكوميين حديثة إلى هذا التحول في تكتيكات الحكومة. فبدلاً من التحذير من المضاربة في سوق الصرف الأجنبي، ألقت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، يوم الثلاثاء، باللوم على المضاربات في أسواق العقود الآجلة للنفط الخام في التأثير على سوق الصرف الأجنبي. وقالت: «إن الحكومة اليابانية عازمة على اتخاذ إجراءات شاملة في جميع الأوقات وعلى جميع الجبهات»، مشيرةً إلى إمكانية ابتكار أساليب أكثر فاعلية لدعم الين مع اقتراب العملة من مستوى 160، المهم نفسياً.

غموض في التفاصيل

ولم تتضح بعدُ المنصة الدولية التي قد تتدخل فيها اليابان، وما إذا كانت بورصة نيويورك التجارية (NYMEX)، حيث تُتداول العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط، أو بورصة إنتركونتيننتال (ICE)، حيث يُتداول خام برنت، أو بورصة دبي للعقود الآجلة، التي تُعدّ معياراً لأسعار النفط في آسيا. وكما الحال مع التدخل في سوق العملات، يمكن تنفيذ مثل هذه العملية على أي منصة، وفقاً لمصدر ثانٍ. وتأتي أي خطوة من هذا القبيل في أعقاب قرار اليابان الإفراج جزئياً عن مخزوناتها النفطية، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية وبشكل مستقل، لتخفيف اضطرابات الإمداد التي بدأت تؤثر على المستهلكين النهائيين... لكن المحللين يشككون في جدوى هذه الخطوة. وقال يوري همبر، الرئيس التنفيذي لشركة «يوري غروب» الاستشارية في طوكيو: «من المرجح أن تكون استراتيجية الحكومة تهدف إلى الحدّ من التقلبات قصيرة الأجل أكثر من أي شيء آخر. فليس من الممكن إيجاد مخرج مالي من صدمة نفطية حقيقية... وإذا أراد المسؤولون أن يكون للتدخل أثرٌ ملموس، فلا بد أن يتزامن مع تدفق كميات حقيقية من النفط، ومن الأفضل أن يكون جهداً دولياً». وقال مسؤول رفيع في البيت الأبيض في 5 مارس (آذار) إن الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لليابان في مجالات تتراوح بين الدفاع وأمن العملة والطاقة، كانت تدرس اتخاذ إجراءات محتملة تتعلق بسوق العقود الآجلة للنفط. ومع ذلك، لم يُتخذ أي قرار نهائي في ذلك الوقت. كما أن الاحتفاظ بمراكز بيع كبيرة قد يتسبب في خسائر إذا استمر السوق في الارتفاع. وقد استنزفت اليابان أكثر من 10 مليارات دولار من احتياطياتها من العملات الأجنبية. وفي كل جولة من التدخلات الأخيرة في سوق العملات خلال عام 2024، أشارت اليابان إلى أنها ستحتاج إلى إنفاق ما لا يقل عن 10 إلى 20 مليار دولار أميركي حتى تظهر آثار هذه التدخلات. وقال توني سيكامور، محلل الأسواق في شركة «آي جي» بسيدني، إن اليابان ستحتاج إلى إنفاق ما لا يقل عن 10 إلى 20 مليار دولار أميركي حتى تظهر آثارها بشكل ملحوظ. وأضاف سيكامور: «لا أعتقد أن الأمر منطقي على الإطلاق، سواء أقامت اليابان بذلك بمفردها أم بالتعاون مع دول أخرى. يكمن مفتاح كل هذا في فتح مضيق هرمز».


ألمانيا تحدّ من ارتفاع أسعار الوقود مع تصاعد الصراع الإيراني

وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)
وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)
TT

ألمانيا تحدّ من ارتفاع أسعار الوقود مع تصاعد الصراع الإيراني

وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)
وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)

أقرّ مجلس النواب الألماني، يوم الخميس، إجراءات أولية لاحتواء ارتفاع أسعار الوقود في أكبر اقتصاد أوروبي، بعد أن دفعت التطورات الأخيرة في الصراع الإيراني الأسعار إلى مستويات قياسية.

وينص التشريع على أن يُسمح لمحطات الوقود برفع الأسعار مرة واحدة يومياً في تمام الساعة 12:00 ظهراً بالتوقيت المحلي (11:00 بتوقيت غرينتش)، بينما يمكن خفضها في أي وقت. كما ينص القانون على فرض غرامات تصل إلى 100 ألف يورو (108 آلاف دولار) على المخالفين، وفق «رويترز».

ويعزز مشروع القانون أيضاً قواعد مكافحة الاحتكار، في محاولة لزيادة الشفافية في تسعير الوقود. ويجري حالياً بحث خطوات إضافية داخل الائتلاف الحاكم، الذي يضم حزب المحافظين بقيادة المستشار فريدريش ميرتس والحزب الاشتراكي الديمقراطي.

وأصبحت أسعار الوقود التي تتجاوز 2 يورو للتر الواحد أكثر شيوعاً في ألمانيا منذ أواخر فبراير (شباط)، عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران وردود إيران الانتقامية على دول الخليج. ويتوقع الاقتصاديون الآن أن يقترب معدل التضخم في ألمانيا هذا العام من 3 في المائة، بدلاً من 2 في المائة المتوقعة سابقاً.

وكان مجلس الوزراء الألماني قد أقرّ الحزمة التشريعية في منتصف مارس (آذار)، ومن المقرر أن تدخل حيز التنفيذ بحلول أوائل أبريل (نيسان) بعد مصادقة البرلمان، مع مراجعة هذه الإجراءات بعد عام.

الحرب تُضعف ثقة المستهلك الألماني

في سياق متصل، أظهر استطلاع رأي نُشر يوم الخميس تراجع ثقة المستهلك الألماني مع بداية شهر أبريل، نتيجة الحرب المستمرة في الشرق الأوسط، مما يزيد الضغوط على الاقتصاد الألماني، الأكبر في أوروبا.

وتراجع المؤشر الاستشرافي، الذي أصدرته مؤسسة «جي إف كيه» بالتعاون مع معهد «نورمبرغ لقرارات السوق»، بمقدار 3.2 نقطة ليصل إلى - 28. ولم يشهد الاستطلاع تغيّراً ملحوظاً في القدرة الشرائية الحالية للألمان أو في ميلهم للادخار، إلا أن توقعاتهم لمستقبل دخلهم انخفضت بمقدار 12.6 نقطة مع تصاعد التشاؤم.

وقال رولف بوركل، رئيس قسم مناخ المستهلك في معهد «نورمبرغ لقرارات السوق»: «تشير قراءة الاستطلاع الدوري، الذي شمل نحو 2000 شخص، إلى تدهور ملحوظ في ثقة المستهلك». وأضاف: «يتوقع المستهلكون ارتفاع التضخم مجدداً، وتأخر الانتعاش الاقتصادي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة».

وتزامن هذا الانخفاض في ثقة المستهلك مع انخفاض معنويات الشركات والمستثمرين في استطلاعات الرأي الدورية التي صدرت هذا الأسبوع. فقد ارتفعت أسعار النفط والغاز الطبيعي بشكل كبير منذ نهاية الشهر الماضي، بعد بدء الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران، ما أدخل الشرق الأوسط في دوامة من الاضطرابات.

ورغم تصريح البنك المركزي الأوروبي بأن التضخم من غير المرجح أن يصل إلى مستويات ما بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، أكد بوركل أن الأعمال العدائية لا تزال تؤثر سلباً على المستهلكين. وقال: «أظهرت دراسة حديثة للمعهد أن 60 في المائة من الألمان يتوقعون استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز والبنزين على المدى الطويل، وهذا يضعف ثقتهم».

ويشهد الاقتصاد الألماني ركوداً نسبياً منذ عام 2022، متأثراً بضعف الطلب العالمي وازدياد المنافسة الصينية في القطاعات التصديرية الرئيسية مثل السيارات والكيماويات. وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن إنعاش الاقتصاد يمثل إحدى أولوياته القصوى، لكن الاقتصاديين يحذرون من أن الحرب الإيرانية قد تعرقل الانتعاش الاقتصادي مرة أخرى.