تركيا: اعتقال إمام أوغلو يلقي بظلال على عملية السلام مع أوجلان

بهشلي دعا إلى إتمامها ووضع دستور جديد... وأوزيل يتعهد زيادة الضغط على إردوغان

الاحتجاجات على اعتقال أكرم إمام أوغلو تحولت إلى مطالبات بالعدالة والديمقراطية (د.ب.أ)
الاحتجاجات على اعتقال أكرم إمام أوغلو تحولت إلى مطالبات بالعدالة والديمقراطية (د.ب.أ)
TT

تركيا: اعتقال إمام أوغلو يلقي بظلال على عملية السلام مع أوجلان

الاحتجاجات على اعتقال أكرم إمام أوغلو تحولت إلى مطالبات بالعدالة والديمقراطية (د.ب.أ)
الاحتجاجات على اعتقال أكرم إمام أوغلو تحولت إلى مطالبات بالعدالة والديمقراطية (د.ب.أ)

ألقى اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، بظلال على عملية السلام الداخلي في تركيا التي اكتسبت دفعة مع النداء الذي وجهه زعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان لحل «الحزب» وإلقاء أسلحة جميع المجموعات المرتبطة به.

وخيم الموقف المتناقض من الاحتجاجات الشعبية العارمة على اعتقال إمام أوغلو، الذي يعدّ أقوى منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان على حكم تركيا، على زيارة «تاريخية» و«غير مسبوقة»، من وفد حزب «الحركة القومية»، الاثنين، إلى حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، للتهنئة بعيد الفطر.

وجاءت الزيارة على خلفية دعوة رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي، الذي يعدّ حزبه الشريك الأكبر لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لزعيم «حزب العمال الكردستاني» التاريخي، السجين منذ 26 عاماً بسجن «إيمرالي» في غرب تركيا، إلى توجيه نداء لحل «الحزب» ونزع أسلحته، من أجل «تركيا خالية من الإرهاب».

وحظيت المبادرة، التي أثمرت دعوة أوجلان في 27 فبراير (شباط) الماضي إلى حل «الحزب»، تحت شعار «السلام والمجتمع الديمقراطي»، بدعم الرئيس رجب طيب إردوغان.

زيارة تاريخية وخلافات

وانعكست الأجواء التي تعيشها تركيا مع اعتقال إمام أوغلو على الزيارة، وقال نائب الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، الذي يتولى الاتصالات مع أوجلان وأطراف العملية، أوزتورك تورك دوغان: «إن الاحتفال بالعيد هو أيضاً فرصة للتجمع. أود أن أتقدم ببعض الأمنيات أولاً... أتمنى أن يستعيد زملاؤنا ورفاقنا والسياسيون المنتخبون وأبناؤنا طلاب الجامعات المحرومون من حريتهم، هذه الحرية في أقرب وقت ممكن».

الخلاف بشأن اعتقال إمام أوغلو خيّم على أول زيارة من حزب «الحركة القومية» إلى حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»... (موقع حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب)

وأضاف تورك دوغان: «خصوصاً في هذا الفصل الأخير (اعتقال إمام أوغلو والاحتجاجات التي صاحبته)، فإن حقيقة حرمان الطلاب من حريتهم تجعلنا لا نعيش عطلة سعيدة بالكامل. نأمل أن ينتهي هذا. بإمكاننا جميعاً أن نبني تركيا جديدة وسلاماً شريفاً كما تقتضي الدعوة إلى السلام والمجتمع الديمقراطي، (دعوة أوجلان). نريد أن تكون تركيا التي سنبنيها (تركيا ديمقراطية) أيضاً. في الديمقراطية سيكون هناك نظام يحترم إرادة الشعب، ونتمنى أن نرى الأيام التي تتجلى فيها إرادة الشعب وتُحترم».

ورد رئيس وفد حزب «الحركة القومية» السكرتير العام للحزب، عصمت بويوكاتامان، قائلاً: «بالطبع؛ أشارككم تمنياتكم الطيبة... تركيا دولة ديمقراطية، ومن حق شعبنا الطبيعي أن يتمكن من التعبير بردود الفعل الديمقراطية في إطار القوانين والدستور. ينبغي علينا عدم المبالغة في ذلك. لا نرى أنه من الصواب أن يتطور الأمر لاستهداف سلام المجتمع».

وعلق تورك دوغان قائلاً: «حزبنا يتمتع بتقاليد يسارية واشتراكية راسخة. نحن دائماً إلى جانب القوى الديمقراطية في تركيا، بالطبع، هذا البلد بحاجة إلى السلام أولاً. نحن حزب مسؤول عن ضمان هذا السلام. نحن دائماً إلى جانب شعبنا، ونقف أيضاً إلى جانب المناضلين من أجل الديمقراطية».

بهشلي والدستور الجديد

وبالتزامن مع الزيارة، قال بهشلي، الذي لم يظهر في أي مناسبة منذ نحو شهر بسبب خضوعه لجراحة دقيقة في القلب: «ندعو الجميع إلى بناء مستقبل تركيا المبارك معاً. الجميع يتحملون مسؤولية بناء السلام».

بهشلي دعا إلى الإسراع بتنفيذ دعوة أوجلان ووضع دستور جديد لتركيا (رويترز)

وفي معرض حديثه عن «الدعوة إلى السلام والمجتمع الديمقراطي» التي أطلقها أوجلان في 27 فبراير الماضي، قال بهشلي: «بإمكاننا تحويل هذا التوقع إلى فرح، لا إلى خيبة أمل، في ظلّ تشكّل نظام عالمي جديد، من الممكن تحويل هذا التطور إلى فرصة لتركيا».

وأضاف، وفق ما نقلته صحيفة «تورك غون» : «تجب إدارة كثير من الديناميكيات بعناية، أولاً، وكما ورد في (دعوة إيمرالي)، (دعوة أوجلان)، يجب إلقاء السلاح، وعقد المؤتمر العام لـ(حزب العمال الكردستاني) على وجه السرعة، وتنفيذ قرار حله بجميع مكوناته، ويجب تعزيز وحدتنا الوطنية من خلال إصلاحات شاملة، وأن يكون العدل والمساواة أساساً».

وتابع: «يمكن تنفيذ التغييرات التي من شأنها زيادة جودة التشريعات في اللوائح الداخلية للبرلمان، وضمان المشاركة في صنع القانون، واتخاذ خطوات متواصلة لتوفير خدمات تُركّز على الإنسان، وحماية حقوقه وحرياته بفاعلية أكبر، وتطوير استقلال القضاء ونزاهته، وتسهيل الوصول إلى العدالة، واحترام الحق في المحاكمة ضمن مدة زمنية معقولة، وتعزيز الثقة بالقضاء».

أوجلان أطلق دعوة من سجن إيرمالي في 27 فبراير لحل حزب العمال الكردستاني (إ.ب.أ)

ودعا بهشلي إلى «وضع دستور جديد لتركيا خلال الدورة الحالية للبرلمان، واتخاذ خطوات لتعزيز هيكل نظام الحكومة الرئاسية، الذي يرسخ الاستقرار الإداري والتمثيل العادل وثقافة التسوية». وقال إنه يمكن إجراء تعديلات على قوانين الأحزاب السياسية والانتخابات «من شأنها توسيع الساحة السياسية، وزيادة المشاركة، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وربط عضوية الأحزاب بضمانات قوية، وضمان سيادة الأخلاق والمبادئ في السياسة».

ويتردد بقوة في الأوساط السياسية أن إردوغان وحليفه بهشلي، يسعيان إلى ضمان تأييد نواب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، «تحالف الشعب» في وضع دستور جديد للبلاد، يفتح الطريق أمام إردوغان للترشح لرئاسة البلاد مجدداً؛ لأن الدستور الحالي لا يعطيه هذا الحق.

وسبق أن أعلن بهشلي، كما أعلن مسؤولون في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، أن الدستور الجديد سيكون هدفه السماح بترشح إردوغان للرئاسة في الانتخابات المقررة عام 2028.

إردوغان و«وفد إيمرالي»

ومن المنتظر، وفق مصادر رئاسية، أن يلتقي إردوغان وفد المفاوضات مع أوجلان، المعروف إعلامياً بـ«وفد إيمرالي»، في المدة ما بين 15 و20 أبريل (نيسان).

وكان إردوغان، حضّ في رسالة تهنئة بالعيد، الأحد، «حزب العمال الكردستاني» على حل نفسه، وذلك بعد مضي أكثر شهر على دعوة مؤسسه، أوجلان، لحله وإلقاء أسلحته.

وقال إردوغان: «وقتنا وصبرنا ليسا دون حدود. نتوقع أن يحل (الحزب) نفسه دون مزيد من التأخير، وأن يلقي أسلحته بالكامل».

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

وتتمسك قيادات «حزب العمال الكردستاني» بشروط من أجل عقد المؤتمر العام لحل «الحزب»، من بينها إطلاق سراح أوجلان، وهو ما ترفضه أنقرة.

وكان إردوغان عدّ في وقت سابق أن الاحتجاجات على اعتقال إمام أوغلو، تستهدف عرقلة الجهود المبذولة لإنجاح مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب»، بدعم من قوى خارجية.

في المقابل، أكد مسؤولون ونواب في حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» أن «الاستمرار في الاعتقالات، وسياسة فرض الوصاية على البلديات، وقمع الإرادة الشعبية، من شأنها أن تعرقل عملية الحل الديمقراطي والسلام في تركيا التي انطلقت مع دعوة أوجلان».

أوزيل وتصعيد الاحتجاجات

في الوقت ذاته، جدد رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، تأكيد استمرار حزبه في «الاحتجاج بعزم أكبر على انتهاك الديمقراطية وإرادة الشعب والاعتقالات».

وأكد أوزيل، في مؤتمر صحافي بمقر بلدية إسطنبول، الاثنين، أنه «لا مكان لمن يرون أن الدولة يمكن أن تفوز في الصراع مع الأمة»، وطالب بالإفراج عن جميع الشباب الذين اعتقلوا خلال الاحتجاجات على اعتقال رئيس بلدية إسطنبول؛ المرشح الرئاسي لحزب «الشعب الجمهوري» أكرم إمام أوغلو.

أوزيل متحدثاً خلال مؤتمر صحافي في بلدية إسطنبول الاثنين (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

وقال إن «الطلاب تعرضوا للتعذيب، وتكبيل أياديهم خلف ظهورهم، وأُجبروا على الاستلقاء على وجوههم والدوس على رؤوسهم بالأحذية، في أماكن نعرفها جميعاً، ووُزعت 4 زجاجات مياه على 60 شخصاً، وأبلغ كل طالب عائلته بسوء المعاملة والشتائم. نعرف أوقات وأماكن ذلك، ولن ننسى، وجرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم».

وتعهد بـ«الخلاص من نظام الحكم الحالي في تركيا عبر صناديق الاقتراع خلال عام من الآن».

في المقابل، قال كبير مستشاري إردوغان للشؤون القانونية، محمد أوتشوم، إن «المظاهرات في الشوارع بأسلوب الجيل الجديد هي جزء من مشروع إمبريالي، وتُستخدم فيها الرموز لزيادة جاذبية الاحتجاجات».

اعتقال إمام أوغلو فجر غضباً واسعاً في أوساط الشباب بتركيا (أ.ب)

وأضاف أن «قناع الغاز، ورداء بيكاتشو، وعرض الزواج أمام الشرطة، وزي الرجل العنكبوت، والمرأة ذات الرداء الأحمر، والبيانو المستخدم في المظاهرات... كلها استُخدمت سابقاً رموزاً، وهي أمور احترافية بالكامل، وتستند إلى سيناريو مُعد مسبقاً».


مقالات ذات صلة

هل ينجح اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة أم دونه عوائق؟

المشرق العربي عنصر من الأمن الداخلي مع عنصر من «قسد» يحرسان وفداً من الداخلية السورية وصل إلى مطار القامشلي الدولي شرق سوريا يوم الأحد (أ.ب)

هل ينجح اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة أم دونه عوائق؟

هل سيطبق الاندماج بين «قوات سوريا الديمقراطية» ومؤسسات الدولة السورية بسلاسة أم سيعوقه عائق؟ وهل ستتخلى «قسد» فعلاً عن سلطة خبرتها لأكثر من عشر سنوات من النفوذ؟

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
شؤون إقليمية تصاعدت المطالبات بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان بعد دعوته في فبراير 2025 إلى حل الحزب (أ.ف.ب)

تركيا: السلام مع الأكراد يدخل مرحلة حاسمة

باتت عملية «السلام» في تركيا التي تمر عبر حل «حزب (العمال الكردستاني)، ونزع أسلحته» على أعتاب مرحلة حاسمة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية تصاعدت المطالبات بالإفراج عن زعيم حزب العمال الكردستاني بعد دعوته في 27 فبراير 2025 إلى حل الحزب (أ.ف.ب)

تركيا: اقتراح باستفتاء شعبي حول الإفراج عن أوجلان

اقترح حزب تركي إجراء استفتاء شعبي على منح زعيم حزب العمال الكردستاني السجين عبد الله أوجلان «الحق في الأمل» بإطلاق سراحه في إطار «عملية السلام».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي إردوغان يتحدث للصحافيين على متن الطائرة خلال عودته الأربعاء من زيارة إلى السعودية ومصر (أناضول)

إردوغان: اتفاق دمشق و«قسد» يدعم السلام مع «الكردستاني» في تركيا

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ​إن الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد» يدعم السلام مع حزب «العمال الكردستاني» في تركيا.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية لجنة البرلمان التركي لوضع الإطار القانوني لـ«عملية السلام» تصل إلى المرحلة النهائية من عملها (البرلمان التركي - إكس)

تركيا: توافق حزبي على أسس عملية السلام مع الأكراد

توافقت أحزاب تركية على مضمون تقرير أعدته لجنة برلمانية بشأن «عملية السلام» التي تمر عبر حلّ حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.