الاحتجاجات في صربيا تحرّك بروكسل... وبلغراد تبحث عن «الركيزة الرابعة»

تجمع احتجاجي كبير ضد السلطة في بلغراد (أ.ب)
تجمع احتجاجي كبير ضد السلطة في بلغراد (أ.ب)
TT

الاحتجاجات في صربيا تحرّك بروكسل... وبلغراد تبحث عن «الركيزة الرابعة»

تجمع احتجاجي كبير ضد السلطة في بلغراد (أ.ب)
تجمع احتجاجي كبير ضد السلطة في بلغراد (أ.ب)

عندما التقى الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، قبل أيام، سمع الأول كلاماً واضحاً عن ضرورة أخذ المطالب التي أثارتها الاحتجاجات التي تجتاح صربيا منذ أشهر في الاعتبار. وقد أُبلغ عبر ما نشرته السيدة أورسولا على «إكس» بضرورة أن تنجز بلغراد «إصلاحات الاتحاد الأوروبي، لا سيما اتخاذ خطوات حاسمة نحو حرية الإعلام، ومكافحة الفساد، والإصلاح الانتخابي». وختمت: «مستقبل صربيا يكمن في الاتحاد الأوروبي».

يرى ساسة ومحللون كثر أن الاتحاد الأوروبي تأخر في التعبير عن موقفه مما يجري في صربيا، الدولة المهمة في منطقة غرب البلقان (تضم أيضاً ألبانيا، والبوسنة والهرسك، ومقدونيا الشمالية، والجبل الأسود، وكوسوفو)، ذات الموقع الحساس في أوروبا التي تتقاذفها رياح هوجاء، اشتدّت منذ عام 2014 مع الانقلاب السياسي في أوكرانيا وما أعقبه من تداعيات.

وفسّر البعض الموقف الأوروبي «الخجول» من الاحتجاجات الشعبية المنددة بالفساد المستشري والمحسوبيات في عهد فوتشيتش، بالمصالح الاقتصادية التي اتُّهمت بروكسل بتقديمها على القيم التي تنادي بها.

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في بروكسل (إ.ب.أ)

يتولى فوتشيتش (55 عاماً) رئاسة صربيا منذ عام 2017، وكان قبل ذلك رئيس الوزراء لثلاث سنوات. وهو سياسي يميني ينتمي إلى الحزب الراديكالي الصربي، تعود أصوله إلى منطقة صربية في البوسنة، هُجّرت عائلته منها بعد مقتل عدد من أفرادها على أيدي الفاشيين الكروات (أوستاشا) خلال الحرب العالمية الثانية.

مع مرور السنوات بدأ الصرب يتململون من سياسات فوتشيتش، وانفجر الغضب الشعبي بعد مأساة محطة القطارات بمدينة نوفي ساد في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حين أدى انهيار سقف في المحطة إلى مقتل 15 شخصاً. وقبل ذلك بأشهر، خرج مواطنون إلى الشوارع احتجاجاً على صفقة استخراج الليثيوم بين صربيا وألمانيا. وقد تم الاحتفاء بالاتفاق في الغرب باعتباره وسيلة لتقليل الاعتماد على الصين التي تنتج رقائق تكنولوجية يحتاج تصنيعها إلى هذا المعدن، ولكن بالنسبة إلى العديد من الصرب، عكست الصفقة حالة أخرى من الحكم غير المسؤول، والاستخفاف بالأخطار البيئية التي تنجم عن التعدين، وتقديم المصالح الأجنبية على المصلحة الوطنية.

المأزق الأوروبي

المهم أنه في ظل هذه الخلفية، يواجه الاتحاد الأوروبي معضلة. فهو لا يستطيع معاداة صربيا ومعاقبتها بسهولة لأنها القوة الاقتصادية الكبرى في غرب البلقان، ولأن بروكسل تخشى أن يؤدي الضغط على بلغراد إلى تشجيعها على توسيع تعاونها مع روسيا والصين، علماً أن صربيا شريك في مبادرة «الحزام والطريق» الصينية القائمة على تنفيذ مشاريع البنى التحتية الكبرى.

في هذا الصدد، يقول نيبويشا فلاديسافليفيتش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بلغراد، إن نهج الاتحاد الأوروبي تجاه غرب البلقان كان منذ فترة طويلة يتمثل في إبقاء الوضع الراهن. ويضيف أن «الاتحاد الأوروبي لم يكن في الواقع يدعم الديكتاتوريين كما يدَّعي البعض، بل كان يُبدي لا مبالاة تامة تجاه قضية ما إذا كانت الدول المعنية ديمقراطية أم لا. لدى الاتحاد الأوروبي بعض الأولويات، وأهمها الاستقرار كما يراه، وهو استقرار قصير المدى. لكننا، نحن الذين نعيش هنا في المنطقة، نعلم أن الاستبداد قد يوفر استقراراً قصير المدى، لكنه في الواقع يُسبب عدم استقرار على المديين المتوسط ​​والطويل».

وجدير بالذكر هنا، أنه على الرغم من أن طريق صربيا نحو عضوية الاتحاد الأوروبي لا يزال طويلاً، فقد نجحت بلغراد في إقامة علاقات اقتصادية وثيقة مع التكتل الذي يضم 27 دولة والذي يُعَدّ شريكها التجاري الأول. ولعل هذا ما يفسر عدم حماسة الصرب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كما أظهر استطلاع للرأي أُجريَ عام 2024، فقد أيد 40 في المائة فقط من المستطلَعين الانضمام، وفسر معظم الرافضين موقفهم بكون بروكسل تُبدّي في علاقتها مع بلغراد الجانب الاقتصادي على كل أمر آخر.

 

البُعد الآخر

في البُعد الغربي الآخر للموقف، لم تتضّح بعد التفاصيل الكاملة لأجندة السياسة الخارجية لدونالد ترمب تجاه منطقة البلقان الغربية. ومع ذلك، فإن هذه المنطقة الصغيرة قد تلعب دوراً كبيراً في أوروبا على مدى السنوات الأربع المقبلة وما بعدها.

اللافت أن فوتشيتش قال بعد عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض: «أنا واثق من أنه سيجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، وأننا سنجعل صربيا دولة حقيقية، دولة قادرة على التعاون بشكل جيد للغاية مع الولايات المتحدة». وكشف أنه أكد لترمب في مكالمة هاتفية أن التأييد الذي يحظى به هو أكبر في صربيا منه في أي مكان آخر بأوروبا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن جاريد كوشنر، زوج إيفانكا ابنة ترمب، يملك مشاريع عقارية في صربيا.

صرب يحتجون على مشروع عقاري لإنشاء فندق فخم ينفّذه جاريد كوشنر صهر دونالد ترمب على أرض كان يقوم عليها مقر قيادة الجيش اليوغوسلافي (أ.ف.ب)

لربما شاء الرئيس الصربي أن يكمل هيكلية علاقات بلاده الخارجية بالركيزة الرابعة، فبلغراد تملك علاقات ممتازة مع موسكو وبكين وبروكسل، ولإكمال اللوحة وتحقيق التوازن لا بدّ من روابط استراتيجية مع واشنطن.

ولربما، أيضاً، شعر فوتشيتش بالارتياح آملاً في أن يكون موقف إدارة ترمب ليّناً أكثر في المواجهة بين صربيا وكوسوفو، الدولة الصغيرة التي انشقت عن الأولى، طبعاً من غير أن يصل الأمر إلى تغيّر جذري لأن واشنطن كانت في أساس تحوّل هذا الجيب ذي الأكثرية الألبانية إلى دولة.

لكن، هل ستذهب إدارة ترمب إلى حد دعم فوتشيتش ونظامه في وقت يواجه فيه مشكلة احتجاجات الطلاب ومن معهم؟

يدور في أوساط سياسية وأكاديمية صربية كلام عن أن ترمب ماضٍ في تهميش أوروبا الغربية مقابل تعزيز الاهتمام بأوروبا الشرقية لأهداف عدة، ليس أقلها ضبط الأطماع الروسية وكبح جماح الدور التركي المتعاظم، وهذا على الرغم من كون فلاديمير بوتين «صديقاً» لترمب وتركيا حليفاً «أطلسياً».

ومن المؤشرات الإيجابية التي أثلجت صدر فوتشيتش، قرار إدارة ترمب في الأمس التمديد مرة ثانية مدة ثلاثين يوماً لإعفاء شركة النفط الصربية من العقوبات بما يسمح لها بمواصلة العمل مع أن غالبية أسهمها تملكها شركتا «غازبرومنفت» و«غازبروم» الروسيتان.

في أي حال، ليس خافياً على أحد أن التباين قائم ويشتدّ بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على أكثر من جبهة، خصوصاً الحرب الروسية - الأوكرانية والعلاقات التجارية والعلاقات داخل حلف شمال الأطلسي وجزيرة غرينلاند وسوى ذلك، ولن يكون التوجه حيال غرب البلقان مختلفاً عن هذا الواقع المتفاقم بين ضفّتي المحيط الأطلسي. وبالتالي، يُتوقع تحوّل غرب البلقان إلى منطقة تنافس لا منطقة تكامل بين واشنطن وبروكسل.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيوجيرسي (أ.ف.ب)

الأسئلة والاحتمالات كثيرة. ففي ظل عدم الاستقرار في صربيا، المكوّن الأكبر في يوغوسلافيا السابقة، يُحتمل تفجّر الوضع بينها وبين كوسوفو خصوصاً مع دخول المصالح الخارجية على الخطّ، من دون إغفال خطر عودة نُذُر الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك حيث يتعايش الصرب والكروات والمسلمون وفق صيغة لا تتمتع بالصلابة الكافية لمحو حسابات الماضي، مع ضرورة أن تؤخذ في الاعتبار ديناميكيات التحركات الروسية والأميركية في منطقة هي من الأكثر تعقيداً وقابلية للانفجار في العالم.


مقالات ذات صلة

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

تحليل إخباري لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لا يعني إسقاط السلطة بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها.

أنطوان الحاج
تحليل إخباري رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

تحليل إخباري ماذا يعني انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي ك «عضو منتسب»؟

تحالف كندي أوروبي وثيق لمواجهة رسوم ترمب، عبر صيغة «عضو منتسب» تضمن اندماجاً رقمياً واستراتيجياً في الطاقة والمعادن دون المساس بالسيادة السياسية.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا قوات عسكرية موريتانية في مهمة لحماية الحدود (الجيش الموريتاني)

«الاتحاد الأوروبي» يقدم دعماً عسكرياً لموريتانيا بقيمة 20 مليون يورو

كشف مجلس الاتحاد الأوروبي عن اعتماد إجراء مساعدات عسكرية جديد لموريتانيا بقيمة 20 مليون يورو، مخصص لتوفير معدات للقوات المسلحة الموريتانية.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال افتتاح فعالية في بروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي يدرس منح كندا صفة «عضو منتسب» رغم الاعتراضات

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين اليوم (الخميس) إن الاتحاد الأوروبي وكندا يواصلان بحث إمكانية أن تصبح ​أوتاوا أول «عضو منتسب» في التكتل.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
الاقتصاد لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)

لاغارد تنسحب مبكراً لفتح الطريق أمام اختيار خلفها قبل الانتخابات الفرنسية

في خطوة تعيد رسم المشهد القيادي للمؤسسة النقدية الأهم في أوروبا، أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، مغادرتها منصبها في 7 فبراير (شباط) 2027.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت )

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
TT

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

كشف حاكم منطقة بريانسك الروسية، ‌اليوم ‌(السبت)، ​أنَّ ‌شخصين ⁠قُتلا ​وأُصيب 5 ⁠آخرون عندما أصابت طائرة مسيّرة ⁠أوكرانية ‌منزلاً ‌خاصاً ​في منطقة ‌كليموفو ‌السكنية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف أن القوات ‌الروسية دمَّرت 29 طائرة ⁠مسيّرة ⁠أوكرانية فوق المنطقة خلال الساعات الـ24 ​الماضية.

واستهدفت القوات الروسية بنى تحتية للطاقة ومراكز لوجستية تُستخدَم لصالح الصناعة العسكرية الأوكرانية، في كييف وخاركيف، بمسيّرات الليلة الماضية، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان اليوم، إن الغارات الليلية أصابت محطة التوليد المشترك «للطاقة الكهربائية والحرارة رقم 6» التي تزوِّد المنشآت اللوجستية العسكرية ومواقع تخزين الأسلحة والمعدات العسكرية بالكهرباء في كييف، وورشاً داخل منطقة «بروتون» الصناعية كانت تنتج مكوّنات للأسلحة والمعدات العسكرية للجيش الأوكراني، ومستودعات جُهّزت للاستخدام أماكن لتجميع وتخزين الطائرات المسيّرة في خاركيف.

وذكرت الوزارة أنه تم أيضاً استهداف سفينة شحن تسير في البحر على بُعد 18 كيلومتراً جنوب أوديسا، وعلى متنها حمولات مخصَّصة للقوات المسلحة الأوكرانية.

وفي بيان منفصل، صدر صباح اليوم، أعلنت الوزارة اعتراض وتدمير 433 مسيّرة أوكرانية فوق 19 منطقة روسية خلال الليلة الماضية.


وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
TT

وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)

كشف الرئيس البولندي، المحافظ كارول نافروتسكي، صباح اليوم السبت، عن أن الخلاف طويل الأمد مع حكومة دونالد توسك بشأن المحكمة الدستورية يهدد الأمن الداخلي للبلاد، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويأتي ذلك عقب تصاعد حاد للخلاف خلال الليل.

وخاطب نافروتسكي المحتجين خارج مبنى المحكمة، المطوق، بعد أن شق طريقه إلى الداخل بصعوبة، داعياً إلى مشاورات عاجلة مع جميع الأطراف الممثلة في البرلمان «لتثبيت الوضع السياسي واستعادة النظام الدستوري».

وطالب بـ«استعادة سيادة القانون وسحب قوات الأمن التي نشرتها الحكومة من مقر المحكمة».

متظاهرون يتجمعون خارج مقر المحكمة الدستورية البولندية بعد أن منعت الشرطة الوصول إلى المبنى في وارسو (أ.ف.ب)

وكان المتظاهرون قد احتشدوا لساعات خارج مقر المحكمة في العاصمة وارسو منذ مساء الجمعة، متهمين حكومة توسك (يسار-وسط) بتقويض دستور البلاد وقضائها، بعد تعليق عمل رئيس المحكمة ونائبه.

ووفقاً لبيان نُشر على موقع المحكمة، فإن رئيسها بوجدان شفينتشكوفسكي، الذي عيّنه حزب القانون والعدالة اليميني الشعبوي المعارض الذي حكم بولندا حتى 2023، ستحل محله مؤقتاً آنا كورفين-بيوتروفسكا، وهي واحدة من خمسة قضاة عيّنهم البرلمان الحالي حديثاً ورفضهم نافروتسكي المدعوم من القانون والعدالة.

وقطع نافروتسكي رحلة كانت مقررة إلى السنغال بسبب تفاقم الخلاف، وعاد إلى وارسو مساء الجمعة.


انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

لم تكن الاحتفالات التي شهدتها صربيا عقب الفوز الانتخابي الكاسح للحركة الطلابية، مجرد تعبير عن انتصار المعارضة على السلطة؛ بل بدت كأنها لحظة تحرر من 14 عاماً من الحكم الذي تركزت فيه السلطات بيد شخص واحد، وتراجع خلاله دور المؤسسات، وانحسرت الحريات الإعلامية، واتسعت دائرة الفساد والمحسوبية، وفق المعارضين؛ فمع إقرار ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة، في الانتخابات المبكرة التي أُجريت في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، بدا أن صربيا تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز أن الأنظمة التي تبدو راسخة قد تصبح عرضة للسقوط عندما تتجاوز نقمة المجتمع القدرة على التحمّل.

الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش زعيم الحزب التقدمي الصربي في مقر الحزب عقب إقراره بالهزيمة في الانتخابات البرلمانية - الأحد 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

لكن إسقاط السلطة لا يعني بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها، فهل تستطيع تحويل التعبئة الشعبية إلى مؤسسات مستقلة، واستعادة سيادة القانون، ومكافحة الفساد، من دون الوقوع في أخطاء القوى التي سبقتها؟

* من مأساة نوفي ساد إلى انتفاضة وطنية

بدأت القصة قبل سنتين في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً. لم تكن المأساة، بالنسبة للطلاب والمحتجين، مجرد حادث؛ بل كانت تجسيداً لمشكلة أعمق تتعلق بالفساد وغياب الرقابة والمساءلة.

وطالب المحتجون منذ البداية بكشف الوثائق المرتبطة بأعمال ترميم المحطة، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين؛ فلم تحصل استجابة كافية، فيما لم تصدر أحكام قضائية بحق المسؤولين عن الكارثة.

خلال مسيرة النصر التي نظمها ائتلاف «قائمة الطلاب» في بلغراد (إ.ب.أ)

ومع مرور الوقت، تجاوزت الاحتجاجات حدود المطالبة بالعدالة في قضية محددة، وتحولت إلى حركة واسعة ضد نظام سياسي فقد شعبيته، فيما انضم إليها مواطنون من خلفيات ومناطق مختلفة. ووصلت التعبئة إلى تنظيم تجمعات في العاصمة بلغراد ضمت أحياناً نحو 200 ألف شخص، لتصبح واحدة من أبرز الحركات الشعبية التي واجهت حكم فوتشيتش.

* كسر حاجز الخوف

تمثّل أحد أهم أوجه هذا التحول في استعادة المجتمع قدرته على التعبير عن رفضه؛ ففي بلد اعتاد فيه المواطنون، وفق رواية المحتجين، مشاهدة الفساد والمحسوبية في تفاصيل حياتهم اليومية؛ من الحصول على الخدمات إلى فرص العمل، أصبحت الحركة مساحة جامعة لتجاوز الخوف والانخراط في العمل العام.

ولم تقتصر التحركات على العاصمة أو المدن الكبرى؛ بل امتدت إلى أنحاء البلاد، ونظّم الطلاب مبادرات رمزية لافتة، بينها التوجه بالدراجات إلى ستراسبورغ وتنظيم سباق تتابع إلى بروكسل، في إشارات إلى ارتباطهم بأوروبا، وإلى تصورهم لمستقبل سياسي مختلف.

ومع ذلك، لم ترفع الحركة الأعلام الأوروبية في تجمعاتها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن موقفها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويفسر أحد التحليلات ذلك بخيبة أمل المحتجين من مواقف قادة أوروبيين زاروا صربيا وأبدوا دعماً للحكومة. لذلك، اختار الطلاب التركيز على الشأن الداخلي لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، بدلاً من انتظار تدخل خارجي.

ولم تظهر إشارة علنية أوروبية مؤيدة لمطالب الطلاب إلا في ربيع 2025، عندما أعلنت مفوضة الاتحاد الأوروبي للتوسع، مارتا كوس، أن الاتحاد يشاطرهم تلك المطالب.

من المحتفلين بالفوز الانتخابي (أ.ف.ب)

* ديمقراطية من القاعدة إلى القمة

لم يكن نجاح الحركة نتيجة قيادة تقليدية أو عمل حزب سياسي يمتلك هرمية قيادة عمودية وجهازاً انتخابياً؛ فقد اعتمد الطلاب أسلوباً أفقياً في التنظيم، من خلال اجتماعات عامة مطولة ومداولات شارك فيها أصحاب آراء مختلفة. وبعد عملية تدقيق واسعة، قدمت الحركة قائمة تضم 250 مرشحاً للانتخابات البرلمانية.

كان ذلك اختباراً غير مألوف للديمقراطية المباشرة والتشاركية، في وقت شكك فيه مراقبون كثيرون في قدرة حركة بلا قيادة مركزية واضحة على التحول إلى قوة انتخابية فاعلة. لكن النتيجة جاءت حاسمة: حصلت القائمة الطلابية على نحو 53 في المائة من الأصوات، مقابل 39 في المائة لمعسكر فوتشيتش، وحققت أغلبية برلمانية عملية في انتخابات شهدت أعلى نسبة مشاركة منذ أكثر من 3 عقود.

وجاء سقوط فوتشيتش بعد انتصار بيتر ماجار في المجر على فيكتور أوربان، ليثبت أن هزيمة زعيم سلطوي عبر الانتخابات أمر ممكن. كما أن قبول فوتشيتش النتيجة، بدلاً من اللجوء إلى مواجهة واسعة أو رفض الهزيمة، أتاح انتقالاً أكثر سلاسة للسلطة.

غير أن التجربة الصربية تستحضر أيضاً دروس عام 2000، عندما أُطيح سلوبودان ميلوشيفيتش؛ فالقوى التي استفادت آنذاك من التغيير لم تنجح جميعها في بناء نظام خالٍ من الفساد، وانتهى بعضها إلى فضائح ومحاولات احتكار السلطة.

* التحدي الأصعب يبدأ الآن

ستواجه الحكومة المقبلة دولة لا تزال شبكات النفوذ الموالية لفوتشيتش حاضرة في مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية؛ فالحزب التقدمي الصربي، رغم خسارته، احتفظ بـ105 مقاعد في البرلمان المؤلف من 250 مقعداً. كما أن إصلاح القضاء والإعلام، ومواجهة الجريمة المنظمة، وتفكيك شبكات المصالح المتجذرة، لن تتحقق بمجرد اتخاذ قرارات سريعة.

ومن المرجح أن يكون التحقيق الشامل في كارثة نوفي ساد أول اختبار سياسي وأخلاقي للحكومة الجديدة؛ فالمساءلة في هذه القضية لا تتعلق بمحاسبة المسؤولين فحسب، بل بإظهار أن القانون يسري على الجميع، وأن الوعود الانتخابية يمكن أن تتحول إلى نتائج ملموسة.

وتبرز كذلك معضلة الاقتصاد، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمارات الأجنبية منذ تفكك يوغوسلافيا. وقد ارتبطت علاقات السلطة بشركات أجنبية تنفذ مشاريع أثارت جدلاً، من بينها مشروع استخراج الليثيوم الذي سعت إليه شركة «ريو تينتو». وترى الحركة الطلابية أن تغيير النظام السياسي شرط لمعالجة البنية التي تسمح بتداخل المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي.

أما خارجياً، فلن يكون التحول سهلاً، لأن قاعدة الحركة تضم مؤيدين للاتحاد الأوروبي، وآخرين متعاطفين مع روسيا، فضلاً عن معارضين لحلف شمال الأطلسي (ناتو). لذلك، لا يُتوقع حدوث انقلاب سريع في السياسة الخارجية الصربية التي قامت طويلاً على الموازنة بين القوى الكبرى. وسيظل ملف كوسوفو التي انفصلت عن صربيا وأعلنت استقلالها من جانب واحد عام 2008، خطاً أحمر، فيما يبقى الحياد العسكري عائقاً أمام التقارب مع «الناتو».

وقد يشكل التقارب مع الاتحاد الأوروبي المجال الأكثر قابلية للتقدم، خصوصاً أن سيادة القانون وحرية الإعلام ومكافحة الفساد تتقاطع مع شروط بروكسل لمسار الانضمام.

مؤيدون لـ«قائمة الطلاب» يحتفلون في بلغراد (رويترز)

* نهاية حقبة أم بداية اختبار جديد؟

تؤكد التجربة الصربية أن التغيير من القاعدة إلى القمة ممكن، حتى في ظل ظروف انتخابية غير متكافئة. لكنها تؤكد أيضاً أن الانتصار على زعيم سلطوي لا ينهي تلقائياً آثار سنوات من تركيز السلطة وإضعاف المؤسسات.

وبين نشوة التحرر وصعوبة الحكم، تبدأ الآن المعركة الحقيقية على مستقبل صربيا: هل تكون هذه الانتخابات نهاية دورة سلطوية جديدة؟ أم مجرد فصل آخر في تاريخ بلد ما زال يبحث عن ديمقراطية مستقرة؟

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدولة الواقعة في منطقة البلقان الحساسة، لطالما كانت داعمة لروسيا التي خسرت حليفاً في المجر والآن في صربيا، ولا عجب في أن نرى قريباً دوائر الكرملين تتهم يداً خارجية بدعم الحركة الاحتجاجية للتخلص من فوتشيتش...