الاحتجاجات في صربيا تحرّك بروكسل... وبلغراد تبحث عن «الركيزة الرابعة»

تجمع احتجاجي كبير ضد السلطة في بلغراد (أ.ب)
تجمع احتجاجي كبير ضد السلطة في بلغراد (أ.ب)
TT

الاحتجاجات في صربيا تحرّك بروكسل... وبلغراد تبحث عن «الركيزة الرابعة»

تجمع احتجاجي كبير ضد السلطة في بلغراد (أ.ب)
تجمع احتجاجي كبير ضد السلطة في بلغراد (أ.ب)

عندما التقى الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، قبل أيام، سمع الأول كلاماً واضحاً عن ضرورة أخذ المطالب التي أثارتها الاحتجاجات التي تجتاح صربيا منذ أشهر في الاعتبار. وقد أُبلغ عبر ما نشرته السيدة أورسولا على «إكس» بضرورة أن تنجز بلغراد «إصلاحات الاتحاد الأوروبي، لا سيما اتخاذ خطوات حاسمة نحو حرية الإعلام، ومكافحة الفساد، والإصلاح الانتخابي». وختمت: «مستقبل صربيا يكمن في الاتحاد الأوروبي».

يرى ساسة ومحللون كثر أن الاتحاد الأوروبي تأخر في التعبير عن موقفه مما يجري في صربيا، الدولة المهمة في منطقة غرب البلقان (تضم أيضاً ألبانيا، والبوسنة والهرسك، ومقدونيا الشمالية، والجبل الأسود، وكوسوفو)، ذات الموقع الحساس في أوروبا التي تتقاذفها رياح هوجاء، اشتدّت منذ عام 2014 مع الانقلاب السياسي في أوكرانيا وما أعقبه من تداعيات.

وفسّر البعض الموقف الأوروبي «الخجول» من الاحتجاجات الشعبية المنددة بالفساد المستشري والمحسوبيات في عهد فوتشيتش، بالمصالح الاقتصادية التي اتُّهمت بروكسل بتقديمها على القيم التي تنادي بها.

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في بروكسل (إ.ب.أ)

يتولى فوتشيتش (55 عاماً) رئاسة صربيا منذ عام 2017، وكان قبل ذلك رئيس الوزراء لثلاث سنوات. وهو سياسي يميني ينتمي إلى الحزب الراديكالي الصربي، تعود أصوله إلى منطقة صربية في البوسنة، هُجّرت عائلته منها بعد مقتل عدد من أفرادها على أيدي الفاشيين الكروات (أوستاشا) خلال الحرب العالمية الثانية.

مع مرور السنوات بدأ الصرب يتململون من سياسات فوتشيتش، وانفجر الغضب الشعبي بعد مأساة محطة القطارات بمدينة نوفي ساد في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حين أدى انهيار سقف في المحطة إلى مقتل 15 شخصاً. وقبل ذلك بأشهر، خرج مواطنون إلى الشوارع احتجاجاً على صفقة استخراج الليثيوم بين صربيا وألمانيا. وقد تم الاحتفاء بالاتفاق في الغرب باعتباره وسيلة لتقليل الاعتماد على الصين التي تنتج رقائق تكنولوجية يحتاج تصنيعها إلى هذا المعدن، ولكن بالنسبة إلى العديد من الصرب، عكست الصفقة حالة أخرى من الحكم غير المسؤول، والاستخفاف بالأخطار البيئية التي تنجم عن التعدين، وتقديم المصالح الأجنبية على المصلحة الوطنية.

المأزق الأوروبي

المهم أنه في ظل هذه الخلفية، يواجه الاتحاد الأوروبي معضلة. فهو لا يستطيع معاداة صربيا ومعاقبتها بسهولة لأنها القوة الاقتصادية الكبرى في غرب البلقان، ولأن بروكسل تخشى أن يؤدي الضغط على بلغراد إلى تشجيعها على توسيع تعاونها مع روسيا والصين، علماً أن صربيا شريك في مبادرة «الحزام والطريق» الصينية القائمة على تنفيذ مشاريع البنى التحتية الكبرى.

في هذا الصدد، يقول نيبويشا فلاديسافليفيتش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بلغراد، إن نهج الاتحاد الأوروبي تجاه غرب البلقان كان منذ فترة طويلة يتمثل في إبقاء الوضع الراهن. ويضيف أن «الاتحاد الأوروبي لم يكن في الواقع يدعم الديكتاتوريين كما يدَّعي البعض، بل كان يُبدي لا مبالاة تامة تجاه قضية ما إذا كانت الدول المعنية ديمقراطية أم لا. لدى الاتحاد الأوروبي بعض الأولويات، وأهمها الاستقرار كما يراه، وهو استقرار قصير المدى. لكننا، نحن الذين نعيش هنا في المنطقة، نعلم أن الاستبداد قد يوفر استقراراً قصير المدى، لكنه في الواقع يُسبب عدم استقرار على المديين المتوسط ​​والطويل».

وجدير بالذكر هنا، أنه على الرغم من أن طريق صربيا نحو عضوية الاتحاد الأوروبي لا يزال طويلاً، فقد نجحت بلغراد في إقامة علاقات اقتصادية وثيقة مع التكتل الذي يضم 27 دولة والذي يُعَدّ شريكها التجاري الأول. ولعل هذا ما يفسر عدم حماسة الصرب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كما أظهر استطلاع للرأي أُجريَ عام 2024، فقد أيد 40 في المائة فقط من المستطلَعين الانضمام، وفسر معظم الرافضين موقفهم بكون بروكسل تُبدّي في علاقتها مع بلغراد الجانب الاقتصادي على كل أمر آخر.

 

البُعد الآخر

في البُعد الغربي الآخر للموقف، لم تتضّح بعد التفاصيل الكاملة لأجندة السياسة الخارجية لدونالد ترمب تجاه منطقة البلقان الغربية. ومع ذلك، فإن هذه المنطقة الصغيرة قد تلعب دوراً كبيراً في أوروبا على مدى السنوات الأربع المقبلة وما بعدها.

اللافت أن فوتشيتش قال بعد عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض: «أنا واثق من أنه سيجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، وأننا سنجعل صربيا دولة حقيقية، دولة قادرة على التعاون بشكل جيد للغاية مع الولايات المتحدة». وكشف أنه أكد لترمب في مكالمة هاتفية أن التأييد الذي يحظى به هو أكبر في صربيا منه في أي مكان آخر بأوروبا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن جاريد كوشنر، زوج إيفانكا ابنة ترمب، يملك مشاريع عقارية في صربيا.

صرب يحتجون على مشروع عقاري لإنشاء فندق فخم ينفّذه جاريد كوشنر صهر دونالد ترمب على أرض كان يقوم عليها مقر قيادة الجيش اليوغوسلافي (أ.ف.ب)

لربما شاء الرئيس الصربي أن يكمل هيكلية علاقات بلاده الخارجية بالركيزة الرابعة، فبلغراد تملك علاقات ممتازة مع موسكو وبكين وبروكسل، ولإكمال اللوحة وتحقيق التوازن لا بدّ من روابط استراتيجية مع واشنطن.

ولربما، أيضاً، شعر فوتشيتش بالارتياح آملاً في أن يكون موقف إدارة ترمب ليّناً أكثر في المواجهة بين صربيا وكوسوفو، الدولة الصغيرة التي انشقت عن الأولى، طبعاً من غير أن يصل الأمر إلى تغيّر جذري لأن واشنطن كانت في أساس تحوّل هذا الجيب ذي الأكثرية الألبانية إلى دولة.

لكن، هل ستذهب إدارة ترمب إلى حد دعم فوتشيتش ونظامه في وقت يواجه فيه مشكلة احتجاجات الطلاب ومن معهم؟

يدور في أوساط سياسية وأكاديمية صربية كلام عن أن ترمب ماضٍ في تهميش أوروبا الغربية مقابل تعزيز الاهتمام بأوروبا الشرقية لأهداف عدة، ليس أقلها ضبط الأطماع الروسية وكبح جماح الدور التركي المتعاظم، وهذا على الرغم من كون فلاديمير بوتين «صديقاً» لترمب وتركيا حليفاً «أطلسياً».

ومن المؤشرات الإيجابية التي أثلجت صدر فوتشيتش، قرار إدارة ترمب في الأمس التمديد مرة ثانية مدة ثلاثين يوماً لإعفاء شركة النفط الصربية من العقوبات بما يسمح لها بمواصلة العمل مع أن غالبية أسهمها تملكها شركتا «غازبرومنفت» و«غازبروم» الروسيتان.

في أي حال، ليس خافياً على أحد أن التباين قائم ويشتدّ بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على أكثر من جبهة، خصوصاً الحرب الروسية - الأوكرانية والعلاقات التجارية والعلاقات داخل حلف شمال الأطلسي وجزيرة غرينلاند وسوى ذلك، ولن يكون التوجه حيال غرب البلقان مختلفاً عن هذا الواقع المتفاقم بين ضفّتي المحيط الأطلسي. وبالتالي، يُتوقع تحوّل غرب البلقان إلى منطقة تنافس لا منطقة تكامل بين واشنطن وبروكسل.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيوجيرسي (أ.ف.ب)

الأسئلة والاحتمالات كثيرة. ففي ظل عدم الاستقرار في صربيا، المكوّن الأكبر في يوغوسلافيا السابقة، يُحتمل تفجّر الوضع بينها وبين كوسوفو خصوصاً مع دخول المصالح الخارجية على الخطّ، من دون إغفال خطر عودة نُذُر الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك حيث يتعايش الصرب والكروات والمسلمون وفق صيغة لا تتمتع بالصلابة الكافية لمحو حسابات الماضي، مع ضرورة أن تؤخذ في الاعتبار ديناميكيات التحركات الروسية والأميركية في منطقة هي من الأكثر تعقيداً وقابلية للانفجار في العالم.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة في الضفة الغربية

المشرق العربي العلَم الإسرائيلي ويظهر جزء من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية في الخلفية بالضفة الغربية المحتلة 14 أغسطس 2025 (رويترز) play-circle

الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة في الضفة الغربية

دعا الاتحاد الأوروبي حكومة إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة جديدة بالضفة الغربية، ووصف الخطوة بأنها «استفزاز خطير».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

رئيسة وزراء الدنمارك: سنواصل التصدي لمساعي أميركا لضم غرينلاند

قالت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، اليوم (الخميس)، إن طموح الولايات المتحدة في امتلاك غرينلاند «لا يزال قائماً»

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
أوروبا الدمار يظهر في موقع غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً وسط قطاع غزة (رويترز) play-circle

يدعو لتنفيذها بالكامل... الاتحاد الأوروبي يرحّب بإطلاق المرحلة الثانية من خطة ترمب بشأن غزة

رحَّب الاتحاد الأوروبي، اليوم (الخميس)، بإعلان البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد نماذج لبراميل نفط ومضخة استخراج تظهر أمام ألوان علمي الاتحاد الأوروبي وروسيا (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يخفض سقف سعر النفط الروسي إلى 44.10 دولار للبرميل

أعلنت المفوضية الأوروبية، يوم الخميس، خفض سقف سعر النفط الروسي إلى 44.10 دولار للبرميل اعتباراً من 1 فبراير (شباط).

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي قبل اجتماعهما في «هايدرباد هاوس» بنيودلهي... 28 فبراير 2025 (رويترز)

وزير التجارة الهندي يعلن قرب إبرام اتفاقية تجارية مع الاتحاد الأوروبي

أعلن وزير التجارة الهندي راجيش أغراوال، يوم الخميس، أن الهند تقترب من توقيع اتفاقية تجارية طال انتظارها مع الاتحاد الأوروبي خلال هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته في غرينلاند

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته في غرينلاند

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند. وقال ترمب: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي».

التقت رئيسة الوزراء الدنماركية وفداً من الكونغرس الأميركي في كوبنهاغن، الجمعة، بمشاركة رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، غداة وصول تعزيزات عسكريّة أوروبيّة «متواضعة» إلى الجزيرة الاستراتيجية التي يطمح الرئيس الأميركي للسيطرة عليها. وسبق أن عُقد لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي، التي يؤكّد الرئيس ترمب اعتزامه السيطرة عليها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن خلال قمّة لـ«الناتو» بلاهاي يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وقال السيناتور الديمقراطي ديك دوربن، في تصريحات، للصحافيين: «نُعرب عن دعم الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) لسكان البلد ولغرينلاند، فهم أصدقاؤنا وحلفاؤنا منذ عقود». وتابع: «نريدهم أن يعرفوا أننا نُكنّ لهم جزيل الامتنان، وأن تصريحات الرئيس لا تعكس مشاعر الشعب الأميركي».

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي «ناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند؛ رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية، في حين أعلن البيت الأبيض أنّ نشر قوات أوروبية في غرينلاند لا تأثير له على خطط الرئيس ترمب للسيطرة على الجزيرة القطبية الشمالية.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، في مؤتمر صحافي: «لا أعتقد أن نشر قوات في أوروبا يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّه لا يؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند». ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن يلقي خطاباً في كوبنهاغن يوم 15 يناير (رويترز)

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة؛ للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك. وقالت مصادر دفاعية من دول عدة، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية»، إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنّ «على فرنسا والأوروبيين أن يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض مصالحهم فيه للتهديد، دون تصعيد، لكن دون أي مساومة على صعيد احترام سلامة الأراضي».

وشدد، خلال كلمة إلى العسكريين في قاعدة جوية قرب مرسيليا بجنوب فرنسا، على أن «دور» باريس يقتضي أن «تكون إلى جانب دولة ذات سيادة لحماية أراضيها». وأوضح أنّ «مجموعة أولى من العسكريين الفرنسيين موجودة في الموقع، وسيجري تعزيزها في الأيام المقبلة بوسائل برية وجوية وبحرية». غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب.

ترمب وأمين عام «الناتو» (رويترز)

وتُحرج مطالبات الرئيس الأميركي بضمّ غرينلاند، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ناتو» مارك روته، ما قد يفسّر تصريحاته المحدودة عن المسألة. ويسعى روته إلى إبقاء «الناتو» بمنأى عن هذا الخلاف بين الدولتين العضوين الولايات المتحدة والدنمارك، والذي قد يهدد وجود الحلف نفسه، بعد 77 عاماً من تأسيسه عام 1949.

ويواجه الأوروبيون، منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، صعوبة في رسم معالم العلاقة مع الرئيس الأميركي الذي يعاملهم بجفاء، وتبيان كيفية التأقلم مع حليف تاريخي بات يهدد أمن القارة، بعدما كان الرهان لعقودٍ على أنه أقوى حُماتها.

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت خلال مؤتمر صحافي عُقد في السفارة الدنماركية بواشنطن بعد محادثات مهمة بالبيت الأبيض يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

وخلال عام فقط من أربعة تُشكّل ولايته الرئاسية، رمى ترمب في وجه الأوروبيين تحديات معقدة، وهزّ، خلال أشهر، أركان ميزان القوى بين ضِفتي الأطلسي بسلسلة خطوات؛ آخِرها عزمه على الاستحواذ على الجزيرة. وتقول مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نصحو، كل يوم، ونطرح على أنفسنا السؤال: ماذا هذا الذي أراه؟ ما هذا الذي أراه؟ ما الذي حصل؟».

لجأ القادة الأوروبيون إلى سياسة الانحناء للعاصفة في مواجهة هذه الأسئلة، باستثناء قطاع التكنولوجيا، حيث لم تتردد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بفرض غرامات باهظة على مجموعات أميركية عملاقة، مثل «إكس» و«غوغل»، ما دفع البيت الأبيض لاتهامها بـ«مهاجمة الشعب الأميركي».

وأكدت رئيسة وزراء الدنمارك، الخميس، وجود خلاف «جوهري» مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند، منوهة بأن واشنطن ما زالت راغبة بالسيطرة على الجزيرة التابعة لبلادها، والمتمتعة بحكم ذاتي، وذلك غداةَ لقاء بين مسؤولين من الأطراف الثلاثة في البيت الأبيض.

وفي حين اتفق البلدان على تأسيس مجموعة عمل، رأت فريدريكسن أن «هذا لا يغيّر شيئاً من وجود خلاف جوهري (بينهما)؛ لأن الطموح الأميركي بالسيطرة على غرينلاند يبقى دون تغيير». وأضافت، في بيان: «هذه، بالطبع، مسألة خطِرة، ونحن نواصل جهودنا للحيلولة دون أن يصبح هذا السيناريو واقعاً».

كان الاجتماع بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين ومن غرينلاند، الأربعاء، في البيت الأبيض قد انتهى على خلافٍ وصفه وزير خارجية الدنمارك بأنه «جوهري»، مؤكداً أنه لا يوجد ما يبرر استيلاء الولايات المتحدة على هذه الجزيرة الواقعة في المنطقة القطبية الشمالية.

صورة ملتقَطة في 15 يناير الحالي بمدينة نوك بجزيرة غرينلاند تُظهر قوارب راسية بالميناء (د.ب.أ)

وقال لارس لوك راسموسن، بعد الاجتماع: «لم نتمكن من تغيير الموقف الأميركي. من الواضح أن الرئيس لديه رغبة في غزو غرينلاند. وقد أوضحنا جيداً، جيداً جداً، أن هذا ليس في مصلحة المملكة».

وأكدت رئيسة الحكومة أن «الاجتماع لم يكن سهلاً، وأشكر الوزيرين (من الدنمارك وغرينلاند) على تعبيريهما الواضح عن وجهة نظر المملكة وردّهما على التصريحات الأميركية».

وأعلنت الدنمارك الدفع بتعزيزات عسكرية إلى غرينلاند. وأكدت فريدريكسن «وجود توافق في إطار حلف شمال الأطلسي على أن تعزيز الوجود في الدائرة القطبية الشمالية هو أمر أساسي بالنسبة إلى الأمن الأوروبي والأميركي الشمالي». وشددت على أن «الدنمارك استثمرت بشكل مهم في هذه القدرات القطبية الجديدة»، شاكرةً بعض الدول الحليفة «التي تسهم حالياً في مناورات مشتركة في غرينلاند ومحيطها».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ذهول أوروبي إزاء إهداء ماتشادو ميدالية «نوبل» للرئيس الأميركي

صورة نشرها البيت الأبيض على منصّة «إكس» عقب إهداء ماتشادو جائزة نوبل للسلام للرئيس ترمب
صورة نشرها البيت الأبيض على منصّة «إكس» عقب إهداء ماتشادو جائزة نوبل للسلام للرئيس ترمب
TT

ذهول أوروبي إزاء إهداء ماتشادو ميدالية «نوبل» للرئيس الأميركي

صورة نشرها البيت الأبيض على منصّة «إكس» عقب إهداء ماتشادو جائزة نوبل للسلام للرئيس ترمب
صورة نشرها البيت الأبيض على منصّة «إكس» عقب إهداء ماتشادو جائزة نوبل للسلام للرئيس ترمب

امتنع الاتحاد الأوروبي عن التعليق بشكل رسمي على خطوة زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو إهداء ميدالية جائزة نوبل للسلام إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن عدداً من كبار المسؤولين في المفوضية الأوروبية والمجلس، تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» الجمعة، أعربوا عن «دهشتهم» و«ذهولهم» إزاء هذه الخطوة التي كانت الأوساط السياسية والإعلامية النرويجية وصفتها بأنها «مثيرة للشفقة» و«سخيفة» و«غير مألوفة».

«تقاسم» الجائزة

وزاد في دهشة الأوساط الأوروبية أن هذه الخطوة تأتي في خضمّ التوتر الذي يسود العلاقات بين الولايات المتحدة والدنمارك، الدولة القريبة تاريخياً وثقافياً من النرويج، إثر تهديدات ترمب بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند بالاتفاق أو بالقوة.

وقال مسؤول أوروبي طلب عدم الكشف عن اسمه إن خطوة ماتشادو «سوريالية»، رغم أنها كانت متوقعة بعد تصريحات سابقة لزعيمة المعارضة الفنزويلية أعربت فيها عن استعدادها لتقاسم الجائزة مع الرئيس الأميركي.

وفي بيان صدر عن عدد من الأكاديميين في جامعة أوسلو النرويجية أن قرار ماتشادو يعكس «قلة احترام تقلّل من شأن الجائزة؛ لأنها تُستخدم بهدف الحصول على مكاسب سياسية». وكان ترمب وصف الهدية بأنها تعكس الاحترام المتبادل بينه وبين ماتشادو.

وكانت ماتشادو صرّحت لوسائل إعلام أميركية بأن الرئيس ترمب يستحق الجائزة، وإن الفنزويليين يشكرون له كل ما فعله من أجلهم.

وسبق لمعهد نوبل النرويجي أن قال، في بيان نهاية الأسبوع الماضي، إنه «بعد الإعلان عن الفائز بالجائزة، لا يجوز إلغاؤها، أو تقاسمها، أو نقلها إلى جهة أخرى». وكان البيان صدر بعد أن أعلنت ماتشادو عن استعدادها لتقاسم الجائزة مع الرئيس الأميركي، الذي كرر غير مرة، منذ عودته إلى البيت الأبيض، رغبته في الحصول عليها. وختم بيان معهد نوبل بالقول إن «قرار منح الجائزة نهائي وإلى الأبد». لكن منذ إعلان ماتشادو عن قرارها حتى كتابة هذه السطور، لم يصدر عن المعهد النرويجي أي تعليق.

100 مليون دولار

وقبل اللقاء الذي جمع ماتشادو بالرئيس الأميركي، مساء الخميس، نشر المعهد النرويجي على صفحته رسالة طويلة حول ميدالية جائزة نوبل للسلام التي قال إن قطرها بلغ 6.6 سنتيمترات، وهي مسكوكة من الذهب الخالص. وذكر أن الصحافي الروسي ديميتري موراتوف، الذي نالها عام 2021، باعها في مزاد علني بمبلغ 100 مليون دولار خصّصها لمساعدة اللاجئين في حرب أوكرانيا.

وذكّر المعهد بأن الميدالية يمكن أن يتغيّر مالكها، لكن لا يمكن تغيير الحائز جائزة نوبل للسلام. وقالت جان هالاند ماتلاري، وهي وزيرة سابقة للخارجية في النرويج، إن ماتشادو في حال من «اليأس التام للحصول على شيء ما من ترمب» بهدف تأمين دور لها في العملية المحتملة للانتقال إلى الديمقراطية في فنزويلا. وأضافت: «هذا أمر مخجل ولا يصدّق، وهو يضرّ بواحدة من أهم الجوائز المعترف بها دولياً».

كما تعرّضت اللجنة المنظمة للجائزة إلى انتقادات شديدة في الأوساط السياسية النرويجية، ذهب بعضها حد المطالبة بإقالة أعضائها الذين انتخبوا ماتشادو كفائزة بها العام الماضي. وكانت ماتشادو برّرت تسليمها الميدالية مساء الخميس للرئيس الأميركي بقولها إنه «تنويه بالتزام ترمب بقضية الديمقراطية في فنزويلا»، علماً بأن دورها في مستقبل بلادها السياسي ما زال يشكّل لغزاً. وكان ترمب قد صرّح في أعقاب العملية العسكرية التي انتهت بالقبض على الرئيس الفنزويلي وزوجته، بأن ماتشادو «لا تتمتع بالدعم والاحترام الكافيين في الداخل لتسلّم زمام السلطة».

تبرير «تاريخي»

وبينما اتّهمت رئيسة فنزويلا بالإنابة دلسي رودريغيز زعيمة المعارضة بأنها «جثة راكعة» أمام ترمب، قالت ماتشادو إن ثمّة سبباً تاريخياً وراء قرارها، يعود إلى حروب الاستقلال في القارة الأميركية.

وذكّرت بأن القائد العسكري الفرنسي لافاييت، الذي انضمّ إلى القوات الأميركية التي كانت تناضل في حرب استقلال الولايات المتحدة عن إنجلترا قبل 200 عام، أهدى ميدالية إلى سيمون بوليفار، بطل استقلال فنزويلا وبلدان أميركية لاتينية أخرى، وهي ميدالية تحمل صورة جورج واشنطن الذي قاد القوات المتمردة وأصبح أول رئيس للدولة المستقلة.

وأضافت أن بوليفار احتفظ بتلك الميدالية طيلة حياته، وما زالت تظهر على صوره الرسمية. وقالت ماتشادو: «أهدى لافاييت تلك الميدالية إلى بوليفار، عربون أخوّة بين الولايات المتحدة وفنزويلا في النضال ضد الاستبداد، واليوم يعيد شعب فنزويلا ميدالية إلى زعيم واشنطن، تنويهاً بالتزامه الخاص بحريتنا».


5 نشطاء مؤيدين للفلسطينيين ينفون تهمة اقتحام قاعدة عسكرية بريطانية

ناشطون مؤيدون للفلسطينيين خارج المحكمة في لندن (أ.ب)
ناشطون مؤيدون للفلسطينيين خارج المحكمة في لندن (أ.ب)
TT

5 نشطاء مؤيدين للفلسطينيين ينفون تهمة اقتحام قاعدة عسكرية بريطانية

ناشطون مؤيدون للفلسطينيين خارج المحكمة في لندن (أ.ب)
ناشطون مؤيدون للفلسطينيين خارج المحكمة في لندن (أ.ب)

دفع خمسة نشطاء مؤيدين للفلسطينيين ببراءتهم، ​اليوم الجمعة، من تهمة اقتحام قاعدة جوية عسكرية بريطانية، وإلحاق الضرر بطائرتين؛ احتجاجاً على دعم بريطانيا لإسرائيل.

واتُّهم الخمسة باقتحام قاعدة ‌«بريز نورتون»، التابعة ‌لسلاح ‌الجو الملكي ⁠البريطاني ‌بوسط إنجلترا، في يونيو (حزيران) الماضي، ورشّ طلاء أحمر على طائرتين من طراز «فوياجر» تستخدمان لإعادة التزود بالوقود والنقل.

وأعلنت حركة «فلسطين أكشن» ⁠التي حظرتها الحكومة منذ ‌ذلك الحين، مسؤوليتها عن الواقعة.

ومثل كل من ليوي تشياراميلو، وجون سينك، وإيمي غاردينر-غيبسون المعروفة أيضاً باسم أمو جيب، ودانيال جيرونيميدس-​نوري ومحمد عمر خالد، أمام محكمة أولد بيلي ⁠في لندن، عبر الفيديو من السجن.

ودفعوا ببراءتهم من تهمة الإضرار بالممتلكات، ودخول مكان محظور بغرض الإضرار بمصالح بريطانيا أو سلامتها.

ومن المقرر أن تبدأ محاكمتهما في يناير (كانون الثاني) ‌2027.