قمة باريس أخفقت في إيجاد إجماع على تشكيل قوة أوروبية ترسَل إلى أوكرانيا بعد التوصل لسلام

ماكرون وستارمر يقودان المعسكر المتشدد... وألمانيا وإيطاليا تتحفظان

صورة جماعية لـ«تحالف الراغبين» بقصر الإليزيه في قمة باريس الخميس (أ.ف.ب)
صورة جماعية لـ«تحالف الراغبين» بقصر الإليزيه في قمة باريس الخميس (أ.ف.ب)
TT

قمة باريس أخفقت في إيجاد إجماع على تشكيل قوة أوروبية ترسَل إلى أوكرانيا بعد التوصل لسلام

صورة جماعية لـ«تحالف الراغبين» بقصر الإليزيه في قمة باريس الخميس (أ.ف.ب)
صورة جماعية لـ«تحالف الراغبين» بقصر الإليزيه في قمة باريس الخميس (أ.ف.ب)

نجح الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني في جمع أكبر عدد من القادة الأوروبيين والأطلسيين في قمة شارك فيها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، غرضها توفير الدعم لأوكرانيا، والسير في الضمانات الأمنية التي تريدها كييف لتجنب اعتداء روسي جديد بعد التوصل إلى اتفاق سلام بينها وبين موسكو. وكما في الاجتماعات السابقة التي استضافتها باريس ولندن، غابت الولايات المتحدة عن «قمة» الخميس رغم أنها طرف حاسم ليس فقط في ملف المفاوضات غير المباشرة التي تقودها بين الروس والأوكرانيين، ولكن أيضاً لأن الغربيين بحاجة لها للسير في الضمانات التي يسعون للتوافق بشأنها، وعلى رأسها إرسال قوة أوروبية تكون «ضامنة» لأي اتفاق سلام مستقبلي بين الطرفين.

الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني ستارمر يقودان الجهود الأوروبية لدعم أوكرانيا بما في ذلك إرسال قوة عسكرية ترابط على أراضيها (أ.ف.ب)

إشكالية تشكيل قوة أوروبية

كان هذا الملف رئيسياً في مناقشات القادة الغربيين. ومثلما كان متوقعاً، لم يلقَ الإجماع الذي كان إيمانويل ماكرون وكير ستارمر يسعيان إليه لجهة تشكيل قوة أوروبية يتم نشرها على الأراضي الأوكرانية وليس في الخطوط الأمامية، من أجل «ثني» أو «ردع» روسيا عن القيام بمغامرة عسكرية جديدة مستقبلاً. وفي المؤتمر الصحافي المطول الذي عقده ماكرون عقب الاجتماع، اعترف بأنه «ليس هناك إجماع» حول تشكيل وإرسال القوة المذكورة. بيد أنه سارع إلى القول: «لسنا بحاجة إلى الإجماع لتحقيق ذلك»، مضيفاً أن فرنسا وبريطانيا «ستتوليان إدارة هذه المسألة»، والعمل على تشكيل ما سماه «قوة طمأنة» لكييف بمساهمة عدد من الدول الراغبة التي لم يسمها.

ويوماً بعد يوم، تبرز باريس ولندن كمشغل للمحرك الأوروبي في الملف الأوكراني. وبحسب مصدر كبير في قصر الإليزيه، فإن كل دولة أوروبية وأطلسية تستطيع المساهمة بما هي قادرة عليه في موضوع دعم أوكرانيا على المديين القريب والبعيد، وإن اجتماع الخميس كان غرضه الانتقال إلى البحث «العملياتي» في ما ينوي كل طرف تقديمه. وتعتبر مصادر أخرى في باريس أن ريادة فرنسا وبريطانيا في الملف الأوكراني «طبيعية»؛ لكونهما القوتين النوويتين في أوروبا، ولأن الملف الأوكراني يتجاوز أمن هذا البلد ليشمل أمن القارة الأوروبية بأكملها. وفي هذا السياق، قالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، إنه من الضروري أن يستهدف اجتماع باريس تعزيز أمن أوكرانيا وأوروبا بأسرها؛ لأن تمكين كييف من الدفاع عن نفسها يشكل نقطة البداية على طريق دعم الأمن الأوروبي.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يسار) يتحدث مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

ورغم تأكيدات الرئيس ماكرون لجهة أن «قوة الطمأنة» لن تُنشر على خطوط التماس بل في مواقع خلفية، وأنها ليست قوة «مقاتلة»، فإن عدة دول أوروبية لا تبدو راغبة في خوض مغامرة كهذه. أما أسبابها فعديدة؛ وأولها الرفض القطعي الروسي؛ إذ سبق للمسؤولين في موسكو رفض أي قوة أوروبية أو أطلسية، ولو جاءت بصفة فردية وليس تحت راية الحلف أو الاتحاد الأوروبي. وثاني العوائق تمسكها بتوافر «غطاء» أو «شبكة أمان» أميركية للقوة الأوروبية، بحيث تطمئن دولها لانخراط واشنطن في حمايتها في حال تعرض القوات الروسية لها. والحال أن إدارة الرئيس ترمب لم تقل مرة واحدة وبوضوح إنها جاهزة لتوفير الضمانات المطلوبة. وثالثة الصعوبات «ضبابية» المهمة التي ستناط بالقوة المرتقبة، والفترة الزمنية التي ستعمل خلالها، وهرميتها وقيادتها... يضاف إلى ما سبق أن العديد من الدول الأوروبية قد قلصت من أعداد قواتها، كما أن بعضها يفتقر للإمكانات المادية للمساهمة في القوة. وكل ما سبق يشكل أسئلة لا تتوافر لها، في الوقت الحاضر، الأجوبة الوافية. وأفاد قصر الإليزيه بأن ماكرون اتصل بالرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل انطلاق الاجتماع. وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن باريس تعمل دوماً بالتشاور مع واشنطن. لكن لم يُفهم منها ما إذا بدت علامات تغيّر في الموقف الأميركي من ملف ضمان انتشار القوة الأوروبية.

رفض رفع العقوبات عن روسيا

إذا كان الأوروبيون يرحبون بما تم تحقيقه في المملكة السعودية من اتفاقات (وقف استهداف مواقع الطاقة في الجانبين وحماية الملاحة في البحر الأسود)، إلا أنهم، من جهة، يشددون على الحاجة لاتفاق شامل، ومن جهة مقابلة، يشككون بالنيات الروسية، وينددون بعدم التزام موسكو بالاتفاقين اللذين تحققا في السعودية؛ ما يدفعهم إلى رفض رفع العقوبات التي يطالب بها الطرف الروسي وبتفهم أميركي لاحترام اتفاق البحر الأحمر.

ورأى أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، الخميس، أن استمرار العمل بالعقوبات المفروضة على روسيا ضروري لدعم أوكرانيا والتوصل إلى سلام دائم. ومن جانبه، اعتبر زيلينسكي أن تواصل الهجمات الروسية دليل آخر على أن الولايات المتحدة وأوروبا يجب ألا تخفف العقوبات على موسكو، وجدّد المطالبة بمصادرة الأصول الروسية الموجودة في أوروبا واستخدامها لتسليح بلاده، والتي تبلغ قيمتها التقديرية 235 مليار يورو، إلا أن دولاً رئيسية منها فرنسا وألمانيا ترفض هذا التوجه، وتعتبره مساً بمصداقية السوق المالية الأوروبية. وبرز إجماع في قمة الخميس قوامه التشكيك في رغبة روسيا الحقيقية في التوصل إلى اتفاق سلام. وقال ماكرون إن روسيا «بيّنت رغبتها في (مواصلة) الحرب»، في حين اعتبر آخرون أنها تسعى لكسب الوقت. واتهم زيلينسكي الرئيس الروسي بأنه «يسعى لتقسيم أوروبا والولايات المتحدة»؛ بمعنى إيجاد هوة بين مواقف الطرفين. أما كير ستارمر فقد نشر بياناً الخميس جاء فيه أن بوتين «على عكس زيلينسكي، أظهر أنه ليس جاداً في محادثات السلام هذه. وعوده فارغة».

قوة سلام أم قوة مقاتلة؟

قد تكون التصريحات التي أدلى بها الرئيس ماكرون عشية القمة عقب اجتماع بنظيره زيلينسكي في قصر الإليزيه، أحد الأسباب التي تبرر تردد دول أوروبية؛ فقد أعلن ما حرفيته: «إذا حصل، مرة أخرى، عدوان معمم على الأراضي الأوكرانية، فإن هذه القوة ستكون في الواقع تتعرض لهجوم، وعندها سيكون إطارنا المعتاد للاشتباك». وأضاف ماكرون: «إن جنودنا عندما يكونون في حالة اشتباك وانتشار، يكونون هناك للرد والاستجابة لقرارات القائد الأعلى، وإذا كانوا في حالة صراع، فإنهم يكونون هناك للرد عليه؛ لذا فنحن لسنا في الخطوط الأمامية، ولا نذهب للقتال، بل نحن هناك لضمان سلام دائم». لكن الرئيس الفرنسي لم يشر إلى ما سيكون عليه تصرف القوة الأوروبية إذا استهدف الروس المواقع الأوكرانية فقط، فهل ستتدخل القوة الأوروبية عند ذلك أو تترك الرد للقوات الأوكرانية وحدها؟ كذلك لم يشر ماكرون إلى المدى الذي قد تذهب إليه المواجهات مع القوات الروسية.

المستشار الألماني شولتس والرئيس القبرصي كريستودوليديس ورئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين في قصر الإليزيه بمناسبة القمة (أ.ب)

ومرة أخرى، عبّر المستشار الألماني عن تحفظ بلاده إزاء الطرح الفرنسي - البريطاني. وقال بعد الاجتماع إنه ليس من الواضح ما إذا كانت ستوجد مثل هذه القوة وبأي شكل. وأضاف أولاف شولتس أن بلاده «تركز على ما هو واضح»؛ أي تعزيز القوات الأوكرانية؛ مذكّراً بأن برلين «كانت رائدة في هذا المجال في أوروبا، وستبقى على هذا المنوال». بيد أن شولتس على أهبة ترك منصبه، وهو يقود، راهناً، حكومة تصريف أعمال. ولا يُستبعد أن تتغير السياسة الألمانية بعد تسلم فريدريتش ميرتس منصبه مستشاراً جديداً في ألمانيا. وكما ألمانيا، فإن إيطاليا تعارض إرسال قوة أوروبية، في حين تتمسك دولة رئيسية مثل بولندا بشبكة الأمان الأميركية حتى تقبل المشاركة.



لحمايتهم من الاستدراج... «سناب شات» تعطّل خاصية للأطفال في بريطانيا

شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)
شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)
TT

لحمايتهم من الاستدراج... «سناب شات» تعطّل خاصية للأطفال في بريطانيا

شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)
شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)

قالت ‌هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (أوفكوم)، الجمعة، إن منصة «سناب شات» بدأت تعطيل خاصية «البحث عن أصدقاء» بشكل تلقائي للمستخدمين الأطفال في بريطانيا، ​في خطوة وصفتها الهيئة بأنها مهمة للحد من مخاطر الاستدراج عبر الإنترنت.

وتساعد هذه الخاصية المستخدمين في العثور على أصدقاء جدد وإضافتهم.

وذكرت الهيئة أن هذا التغيير سيجعل من الصعب على الغرباء الاتصال بالأطفال على المنصة التي تعدّها من كبرى الخدمات الإلكترونية وأكثرها شعبية بين الأطفال في بريطانيا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقالت الهيئة في مايو (أيار) إن ‌32 في المائة ‌من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ​8 ‌و12 عاماً ​في بريطانيا يستخدمون «سناب شات»، رغم أن الحد الأدنى للسن المسموحة بها على المنصة هو 13 عاماً.

وقال أوليفر غريفيث، مدير مجموعة السلامة على الإنترنت التابعة للهيئة، إن هذا التغيير «كان ينبغي أن يحدث منذ فترة طويلة»، وإن الهيئة ستراقب تطبيق «سناب شات» لهذه الحماية الجديدة خلال هذا الشهر.

والتزمت المنصة بإجراء هذا التغيير في ‌مايو (أيار)، وأبلغت الهيئة في ‌الآونة الأخيرة بأن إجراءات التحقق ​الفعّالة من العمر لمن هم ‌دون 18 عاماً ستدخل حيز التنفيذ بحلول نهاية ‌العام.

وقال متحدث باسم «سناب شات» إن المنصة «ستواصل تعزيز إجراءات الحماية مع تطوّر المخاطر، وستعمل بشكل بناء مع الهيئة وخبراء السلامة والأسر والشبان، للمساعدة في ضمان بقاء (سناب شات) مكاناً آمناً للتواصل ‌والتعبير عن الذات».

وهناك مخاوف منذ فترة طويلة بشأن الاستدراج عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأجرت الجمعية الوطنية لمنع القسوة ضد الأطفال تحليلاً لبيانات الشرطة البريطانية في عام 2025، وتبيّن أن 40 في المائة من الجرائم المسجلة، التي تنطوي على اتصال جنسي بطفل وتم تحديد المنصة المستخدمة فيها، وقعت على «سناب شات».

وضغطت الهيئة على شركات التكنولوجيا الكبرى لاتخاذ تدابير أقوى لمكافحة الاستدراج. وأوضحت الهيئة أن الاستدراج الإلكتروني يمكن أن تكون له عواقب مدمرة على الأطفال تدوم مدى الحياة.

وأصدرت الهيئة من جديد تحذيراً لشركات التكنولوجيا الأخرى التي لا تتصدى ​لمخاطر الاستدراج، قالت ​فيه إن هذه الشركات تخاطر بغرامات تصل إلى 10 في المائة من إجمالي إيراداتها العالمية.


نشطاء يقتحمون موقع بناء مركز بيانات لمايكروسوفت في هولندا

الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)
الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)
TT

نشطاء يقتحمون موقع بناء مركز بيانات لمايكروسوفت في هولندا

الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)
الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)

اقتحم ‌متظاهرون، اليوم الجمعة، موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام، في بداية مظاهرات ستستمر يومين، وتأتي في إطار تنامي ردود الفعل الغاضبة عالمياً من التوسع ​السريع في القدرات الحاسوبية اللازمة للذكاء الاصطناعي.

وقال تحالف يسمى «أوقفوا مراكز البيانات القذرة» إن جماعات نشطاء أعلنت تنظيم فعاليات في 16 دولة، اليوم الجمعة وغداً السبت. ويحشد التحالف الجماعات المعنية بحماية البيئة وحملات الحقوق الرقمية لدعم الدعوات إلى وقف أعمال البناء واسعة النطاق.

وتجمع أكثر من 100 ناشط، اليوم الجمعة، في موقع بناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي لشركة مايكروسوفت في أمستردام، وتحركوا في مسيرة قبل اقتحام الموقع ‌وتسلقوا رافعات وعلقوا ‌بالونات ورقصوا في وجود الشرطة. وحمل بعضهم ​لافتات ‌كتب عليها «تباً ​لمركز بياناتكم»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال المتظاهر سام فان دير بيك: «مراكز البيانات هذه تدمر عالمنا. يصبح غير قابلاً للعيش عليه بسبب كل الموارد التي تستهلكها. لهذا السبب نحن هنا اليوم».

تظاهر أكثر من 100 ناشط في موقع بناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي لشركة مايكروسوفت في أمستردام (إ.ب.أ)

وذكرت شركة «بيور داتا سنترز» مالكة الموقع، التي تعتزم استثمار أكثر من مليار دولار وتدعمها «أوكتري» المملوكة لـ«بروكفيلد»، إنها ملتزمة بالتواصل مع الأطراف المعنية في المنطقة.

وأضافت الشركة: «نطلب بكل احترام من الموجودين في الموقع المغادرة بأمان والدخول معنا في حوار بشأن المشروع ‌وأي مخاوف قد تكون لديهم».

ومن المقرر أيضاً ‌خروج مسيرة في دبلن، وتنظيم احتجاج ​أمام مبنى البرلمان في وارسو، ومظاهرة ‌ضد مركز بيانات آخر لمايكروسوفت في الدنمارك ضمن إجراءات أخرى.

وقالت مايكروسوفت ‌إنها تتفهم أن الناس لديهم مشاعر قوية تجاه المشروع وتحترم حقهم في التعبير عنها سلمياً، لكنها لن تتغاضى عن أي أعمال غير قانونية.

وتتنامى ردود الفعل السلبية من إسبانيا إلى الهند والولايات المتحدة التي شهدت أمس الخميس انخفاض ‌أسهم شركات التكنولوجيا بشكل حاد بسبب مخاوف من أن يفرض الحزب الديمقراطي بعد سيطرته على الكونغرس لوائح أكثر صرامة تحد من ازدهار الذكاء الاصطناعي.

ويقول نشطاء إن مراكز البيانات تضغط على إمدادات الكهرباء والمياه، وتتنافس مع قطاع الإسكان والشركات الأخرى على الموارد الشحيحة، وتهدد الأهداف المناخية. ويشيرون أيضاً إلى فقدان الوظائف والمخاطر المحتملة على الأمن الشخصي والوطني من جراء تركز السلطة في أيدي الشركات التكنولوجية الخاصة والكبرى.

وتدفع شركات التكنولوجيا بحجة أن مراكز البيانات ضرورية لتلبية الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وتوفير بنية تحتية حيوية للشركات والحكومات والمستهلكين.

وذكر تحالف «أوقفوا مراكز البيانات القذرة» أنه لا يعارض التقدم ولا يدعو إلى إغلاق مراكز البيانات القائمة، بل يقول إن بناء مراكز ​جديدة كبيرة يجب أن ​يتوقف حتى تضع الحكومات قواعد أوضح.

ويوجد في هولندا نحو 200 مركز بيانات إما أن يعمل أو قيد التخطيط أو الإنشاء.


«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل

«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل
TT

«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل

«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل

دأبت الأجهزة الأمنية في فرنسا، المُكلفة بمواكبة المظاهرات، بغض النظر عن الجهة التي تدعو إليها، على خفض أعداد الأشخاص الذين يسيرون فيها. وفي المقابل، فإن النقابات والجمعيات المعنية تعمل بشكل منهجي على تضخيم الأعداد التي تلبي دعوات التظاهر. وما حصل اليوم الجمعة، لم يشذ عن هذه القاعدة.

فوزارة الداخلية قدّرت عدد المتظاهرين بـ575 ألف نسمة، وفي المقابل، فإن نقابة «كونفدرالية العمل» أكدت في بيان لها أن أعدادهم وصلت إلى 1.5 مليون متظاهر، والثابت أن العدد الحقيقي يقع بين هذين الحدين، ما يعني عملياً أن «خميس التعبئة» الذي دعت إليه 8 نقابات من القطاعين العام والخاص، وانضم إليه الطلاب والمزارعون والعاملون في قطاع النقل والاتصالات، بما في ذلك الوسائل الإعلامية العامة، لاقى نجاحاً لا يمكن التشكيك به.

ولعل أفضل دليل على ذلك أن سيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة، عجّل في الدعوة لعقد «مؤتمر اجتماعي» الاثنين 9 نوفمبر (تشرين الثاني) يدور حصراً حول القدرة الشرائية والرواتب، بحضور نقابات العمال والموظفين وجمعيات رجال الأعمال والحكومة.

رهانات الحكومة

ما كان رئيس الحكومة ليستعجل جمع السلطات العامة والنقابات وأرباب العمل حول طاولة واحدة، لولا استشعاره أمرين: الأول، حالة الاحتقان التي تسود المجتمع الفرنسي جرّاء تراجع القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والدنيا، بفعل التضخم وارتفاع الأسعار اللذين يثقلان كاهل الاقتصاد، وهو ما عكسته كثافة المشاركة في المظاهرات، فضلاً عن الإضرابات التي شملت عدداً من القطاعات. والثاني، تداخل المطالب بين الطلاب والعمال والموظفين و«السترات الصفراء» والمزارعين وفئات اجتماعية أخرى، تشكو جميعها من عجزها عن مواجهة ارتفاع أسعار الفائدة، والتضخم الذي يستنزف مدخراتها، في وقت تراوح فيه الرواتب مكانها.

وتجدر الإشارة إلى أن مشروع الميزانية الذي قدّمته الحكومة إلى مجلسي النواب والشيوخ لا يلبي هذه المطالب، إذ رفضه مجلس النواب بالإجماع، باعتباره مشروعاً تقشفياً لا يستجيب، بأي حال، للمطالب المطروحة. ومن الواضح أن فرنسا تشهد حالة من الاحتقان الشعبي، في ظل تصاعد المزايدات السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقررة نهاية أبريل (نيسان) المقبل.

ويحدث ذلك في ظل حكومة لا تحظى بأغلبية نيابية في مجلس النواب، فيما تنتهي الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون بعد أقل من 6 أشهر. وتزيد الأوضاع المالية من حدة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، في ظل بلوغ الدين العام الفرنسي نحو 3600 مليار يورو، فيما يُتوقع أن تقترب تكلفة خدمة الدين من 80 مليار يورو مع نهاية العام الحالي.

ويعني ذلك عملياً أن الحكومة تواجه حالة من الهيجان الاجتماعي من غير أن تكون متمكنة من أوراق تتيح لها المواجهة والتعامل بجدية مع الحراك. وبكلام آخر، فإن الصندوق الحكومي شبه فارغ، وتلبية ما يريده المتظاهرون في القطاعين العام والخاص وما يدعو إليه طلاب التعليمين الثانوي والجامعي... كل ذلك يحتاج إلى أموال، وهذه الأموال «مفقودة».

رؤساء جامعات أو ممثلون عنهم يتظاهرون في باريس الجمعة للمطالبة بإيلاء الجامعات والمدارس مزيداً من الاهتمام الحكومي (أ.ف.ب)

الفصل بين المطالب

منذ أن انطلق حراك طلاب التعليم الثانوي في أواسط سبتمبر (أيلول) الماضي ضعيفاً ومعزولاً، لم تدرك السلطات أهميته، ولم توله الجدية اللازمة إلا بعد انطلاق مبادرات إقفال الثانويات وبدء المظاهرات. إلا أن الحكومة أخطأت، في بداية الحراك، باستخدام القوة المفرطة ضد طلاب لا تزال أغلبيتهم يافعة.

ولعل أفضل دليل على ذلك أن ثلاثة أرباع المقبوض عليهم في أول مظاهرة كبيرة (نحو 2000 شاب) كانوا من القاصرين. كذلك، لم تكن المطالب «ثورية»، إذ تركزت على توفير الأساتذة البدلاء، وتحسين الأوضاع المادية في المدارس المتهالكة، والتخلي عن منصة توجيه الطلاب إلى المرحلة الجامعية، المعروفة باسم «باركور سوب». ثم انضم الطلاب الجامعيون إلى الحراك تضامناً مع زملائهم، قبل أن يتسع نطاقه ليشمل النقابات، ثم حركة «السترات الصفراء».

وبلغ الاحتقان ذروته في المظاهرات التي عمّت باريس ومرسيليا وليون، وهي المدن الثلاث الرئيسية، إلى جانب عشرات المدن المتوسطة، وانتهى معظمها، في 17 من الشهر الماضي، بأعمال عنف وشغب.

ولم تتردد السلطات في توجيه الاتهامات إلى حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، الذي يتزعمه المرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون، بالسعي إلى «تسييس» الحراك واستغلاله لأغراض انتخابية.

والجمعة، تظاهر في باريس، بين مقري مجلس الشيوخ ورئاسة الحكومة، نحو 50 رئيساً للجامعات والكليات وممثلاً عنهم، للمطالبة بمزيد من الاهتمام الحكومي بالمدارس والجامعات.

الطلاب في شارع «ريفولي» في قلب باريس في سياق حراكهم للمطالبة بتحسين أوضاع المدارس والجامعات (رويترز)

ما حدث وتطوّر لاحقاً هو أن أعمال العنف، وما رافقها من سرقة ونهب، وتحويل الشوارع والساحات إلى ميادين للكر والفر بين مجموعات «بلاك بلوك» من أقصى اليسار والقوى الأمنية، دفعت السلطات، وعلى رأسها إيمانويل ماكرون، إلى النظر بجدية في المطالب المطروحة والتعاطي معها، قدر الإمكان، بإيجابية.

وأقدمت الحكومة على أمرين: الأول، تعزيز المواكبة الأمنية للمظاهرات عن طريق نشر 70 ألفاً من رجال الشرطة والدرك والوحدات الخاصة بمكافحة الشغب، والاستعانة بمجموعات من الجيش لتجنب يوم آخر كـ«السبت الأسود». والثاني، إطلاق سلسلة من الاجتماعات مع ممثلي الطلاب في قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة، أفضت إلى اقتراحات أعلنها وزيرا «التربية» و«التعليم العالي»، تضمنت مجموعة من الإصلاحات، بيد أن ممثلي غالبية الطلاب عدّتها «غير كافية»، وبالتالي فإن الحراك تواصل.

الحكومة مقيدة اليدين

ما فعلته السلطات مع الطلاب تسعى إلى استنساخه مع النقابات العمالية، بحيث تقيم فاصلاً بين الجهتين. ويبدو من الصعب التكهن بما ستسفر عنه اجتماعات يوم الاثنين (9 نوفمبر). واستبق لو كورنو الاجتماع بتأكيده، الخميس، أنه رغم الأوضاع المعروفة، فإن الحكومة «ستعمد إلى الاستجابة للمسائل الخاصة بالقدرة الشرائية والرواتب».

لكن مصدراً في قصر الإليزيه صرّح لصحيفة «لوموند» (عدد الجمعة - السبت) بأن «القمة الاجتماعية (التي دعا إليها لو كورنو) تعني المطالبة بموارد مالية، والحال أن الأموال غير متوفرة». وطلب رئيس الحكومة من وزير العمل تقديم خلاصات الاجتماعات التي عقدها، فيما كلّف وزير الميزانية باستكمال تواصله مع ممثلي الموظفين.

حقيقة الأمر أن الحكومة تجد يديها مقيدتين: فمن جهة، يمانع أرباب العمل، بشكل عام، في منح الموظفين والعمال علاوات على رواتبهم، بما فيها رواتب الحد الأدنى. إلا أن هذه القاعدة لا تنطبق على جميع شركات القطاع الخاص. فمجموعة «توتال إنرجيز»، مثلاً، العاملة في قطاع الطاقة، حققت أرباحاً تجاوزت 7 مليارات يورو في الفصل الثالث من العام الحالي.

ويبلغ الحد الأدنى للأجور حالياً، بعد احتساب الضرائب، 1478 يورو. وثمة مَن يقترح رفعه إلى 1500 يورو، أو أكثر من ذلك بقليل، فيما تطالب النقابات بزيادة أكبر بكثير، لكن زيادة مثل هذه تبدو «سخيفة» بالنظر إلى أسعار السلع والخدمات راهناً.

ومن جهة ثانية، تتخوف السلطات، ومعها أرباب العمل، من أن أي زيادة في الحد الأدنى للأجور ستفتح الباب على مصراعيه، وتدفع الآخرين إلى المطالبة، بدورهم، بزيادات.

أوركسترا «العالم الجديد» تعزف في ساحة «ريبوبليكا» في باريس قبل انطلاق مظاهرة يوم الخميس (أ.ف.ب)

وبانتظار اجتماعات الاثنين، يتواصل الحراك السبت، مع إطلاق دعوات للتجمع والتظاهر، بما في ذلك في باريس. فقد دعت «تنسيقية السترات الصفراء» إلى «الفصل الرابع» من الحراك الاجتماعي، احتجاجاً على غلاء الأسعار، امتداداً لما حصل الخميس، ومواصلةً للضغط على الحكومة.

وتقدمت «التنسيقية» بطلب للتظاهر في باريس بين ساحتي ريبوبليك وناسيون، وهو ما وافقت عليه مديرية الشرطة. وانضم الطلاب إلى دعوة «التنسيقية».

وجاء في بيان لـ«الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا»، الجمعة، أن الطلاب مدعوون إلى المشاركة «لأنهم لن يتراجعوا عن أي شيء، ومن أجل أن تتجاوب الحكومة» مع مطالبهم. وإلى جانب باريس، ثمة 11 مظاهرة أخرى مرتقبة السبت في مدن أخرى، منها طولون وبيزانسون وكركاسون ونيم وأورليان وبواتيه، بعضها للمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية، وبعضها الآخر دعماً للشعب الفلسطيني...

قطار «الخريف الحار» انطلق في فرنسا ويصعب، منذ اليوم، التعرف على المحطة التي سيتوقف عندها.