وصايا الشعراء... خرائط لمجاهيل القصيدة

في يوم الشعر العالمي

أر.إس . توماس
أر.إس . توماس
TT

وصايا الشعراء... خرائط لمجاهيل القصيدة

أر.إس . توماس
أر.إس . توماس

نصائح الأدباء الذين أمضوا زمناً طويلاً في ممارسة الكتابة الإبداعية إلى الأجيال الشابة السالكة دروبَ الأدب حديثاً، في مؤداها، حديث الذات المرتد إلى تجربة خبرها الأديب واستجمع خلاصتها. ليس خطاباً أبوياً، ويرتفع كذلك عن الأسلوب الوعظي بما يتضمنه من إشارات وإيحاءات تجاوز بها الأديب عثرات أو محذورات نتيجة لاندفاعه. منها جزء من وصف تجربته، والأبعد شوطاً، هو ما يأمل فعله لو عاد به الزمن.

قد تأتي هذه التجارب موجهةً بشكل مباشر، كوصايا عبد الحميد الكاتب للكتاب، أو تلك الوصايا المنبثة في «كشاكيل» الأدباء وكتبهم. الشعراء لهم طريقتهم الخاصة التي يعبرون بها عن رؤاهم وفهمهم للشعر. من ذلك تسمع شقشقة اللغة وجدال العقل ورفيف الروح؛ مزيج معبر، وتهويمات شبيهة بأحلام اليقظة؛ ذلك إن كانوا يعبرون شعراً عما تعنيه لهم القصيدة. أما عندما يتوجهون بخطابهم إلى مريديهم من الشعراء الشباب، فيصبح حديثهم مباشراً واضحاً؛ بأسلوب قريب من المدرسي التعليمي، وإن كان لا يخرج عن نطاقه الشعري الإيحائي. فنثراً، على سبيل المثال، كتب الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه أوائل القرن الماضي رسالةً إلى شاعر مبتدئ ينبهه إلى اكتشاف ما في نفسه من كنوز، يقول فيها: «كل ما حولك؛ كل ما تراه في حلمك من صور؛ كل ما في زوايا ذاكرتك هو ملك لعينيك. أما إذا ما بدا لك أن حياتك اليومية فقيرة جدباء فلا تلمها، بل لم نفسك أنك لست الشاعر الذي يستطيع أن يكتشف ما فيها من غنى».

«إلى الشاعر الشاب»

أما النصيحة بالقول الشعري، فتذهب إلى الاختزال والومض بالفكرة المراد إيضاحها مع شيء من المباشرة، كما في نص الشاعر الآيرلندي رونالد ستيوارت توماس «إلى الشاعر الشاب»، التي ينطلق في وصاياه من المرحلة الذهبية للروح في تعبيرها الشاطح، والمتوهج:

«في الأعوام العشرين الأولى

ستكون في طور النمو الجسمي،

بالطبع لم تولد لتكون شاعراً منذ البداية

ولكن في السنوات العشر القادمة

ستحصد من تجربتك المبكرة

وستظهر بابتسامة متكلفة

لتغازل عروس الشعر بوقاحة».

بمحدد العمر، يمضي الشاعر في وصاياه، وكأن هناك تلازماً بين نمو الخبرة الشعرية والتقدم في السن؛ لذا تحظى مرحلة «منتصف العمر» باهتمام الشاعر كونها تستدعي التأني في الاندفاع والمراجعة، مع قليل من التردد. بالإضافة إلى ما تقدمه القصيدة من معالجة عاطفية ووجدانية لمتاعب الروح في تلك المرحلة:

«ومن الأربعين وصاعداً

تتعلم من الحذف والنتوءات في القصائد

التي تكونت بين يديك القاسيتين

كيف تنظم بمهارة

الأجزاء في القصيدة الغنائية

أو السونيتة بشكل اعتباطي

في حين يعزز الزمان حافزاً جديداً

ليخفي جرحك من قصائدك

ومن جسارة الناس

أصحاب الفضول».

لمرحلة الكهولة اعتبارها لدى الشاعر، فنصوصها ستقع دائماً في دائرة رثاء الذات وهجاء الحياة بتخلفها عما وعدت به، كما كانت تلوح به بشائر الصبا من قبل، فأضحت يباباً مكفهرة:

«والآن كبرت

كما يبدو من سنين عمرك

إلا أنك ما زلت في عالم الشعر البطيء

وقد انتقلت إلى الرجولة الحزينة منذ قليل

وأنت تعلم أن الابتسامة على وجه هذا العالم المتكبر

ليست لك».

قصيدة في جناح الفراشة

أما الشاعر السعودي عبد الله السفر، فهو في وصاياه يذهب إلى الجانب التقني الإجرائي لكتابة القصيدة، ويمارس تمارينه على كتابتها ويشرح رؤيته عنها. لا يمنح نصائحه للغير، إنما هو حديث يرتد صداه إلى أناه المبدعة؛ بين تلك الذات الناقدة الفاحصة، وذاته الأخرى الشاعرة التي يستشرف أفقها ويهيئها للانفعال مع قضايا الوجود بقلق الكينونة وأحلام اليقظة؛ حينما:

«الغريب يودع قصيدته في جناح الفراشة،

ويمضي وديعاً ذائباً في زرقة الليل.

القصيدة نائمة في ليل الأصابع

مَجْمَعُ مسوداتٍ وقبضُ ريح

وكانت يده تطيش في الصفحة

وكان قلبه على الحبر

حقل المرارة ناصعٌ، والحبر ماء

اشحذ كلماتك. كل هذا الجمال لن ينتظر».

ما سبق من خطاب كان بمثابة التهيئة لإعلان المنهج وتحديد مستوى الطموح، أما بنود الشاعر الإجرائية لكتابة القصيدة، فَتُكّون بنية النص الشعري المنشود وتقوده من خلال ثلاث خطوات رئيسية يأمل من خلالها عبد الله السفر أن تراعيها القصيدة وتلتزم بها.

الأول، ألا يحصر الشعر جهود الفكر في نقل مظاهر الواقع وترجمتها، بل أيضاً يطلق خياله متحرراً من كل قيود الفكر؛ حيث الأثر الفني يتطلب معرفة عميقة في كيفية تشكل مظاهر الواقع وقيمته، ويتطلب أيضاً معرفة في كيفية إدراك ما ينبغي تأويله، كما يقول ألبير سوور، وهذا ما يتفق الشاعر معه:

«كلماتك اشحذها يا صديقي.

لا تشد النص إلى سرير المألوفية، سوف تزعجه بالكوابيس.

مع كل دورة زمنية، يقص النص ريشهُ ليقوى على الطيران في أفقٍ جديد.

ترفق، ترفق، وأنت تثني غصنَ القصيدة.

لا تتهور، وتزعم أنك قبضت على القصيدة.

ستكون من أولئك العميان الذين ادعوا - واحداً واحداً - امتلاك حقيقة الفيل.

السطح. إنه جلدٌ ميت! من يريده؟.. احفر عميقاً.

يخون الواقع من ينسخه بأمانة».

ليس نقل الواقع كما هو عليه فقط ما يجب أن ينأى عنه كاتب القصيدة الحديثة، بل أيضاً أن تتخفف ذاكرته وتتخلى عن مجمل اطلاعه على الأفكار والمعارف التي تسربت إلى وعيه بفعل القراءة؛ ليبقى أثرها وانطباعها كما وعاه في لحظة الاستقبال:

«ذهب إلى النسيان ما قرأته في الرواية. بقي لي كدرها المشع.

العربة توقفت في منتصف الفكرة. نزلَ اللعابُ متبوعاً بخيط كلامٍ أبيض».

عند هذا الحد من الاستعداد للدخول إلى فسحة القصيدة، يتجرد الشاعر من قبليات معرفته، ومن ذاته الواعية؛ ليلتحم مع النص ويتوحد معه:

«يا مرشدي سأحرق لوح وصاياك، وأدخل، وحدي في متاهة القصيدة.

يبتكر عزلته. يضع في قلبها الدودة ويحلم...».

البند الثاني، هو نتيجة لما سبقه؛ فعند توحده بالنص، تتقلص المساحة الافتراضية بين الوعي واللاوعي، بين الفكر والحلم. حينها يصل المبدع إلى الحالة التي يصورها موتسارت باستغراب: «تتهاجم عليّ الأفكار جماعة وبسهولة زائدة ولا أعلم كيف أتت ومن أين أتت»، والشاعر بتهيئته السابقة وعند قبضه على الومضة التي تمثل جذوة الإبداع، تتعدد خياراته للتعبير عن لحظته:

«من أجل استدامة جمرةِ نصه، لا يذهب إليه من طريق واحدة.

يا ابن الغرابة، في تربة هذا النص يختفي مجهولك. فأوغل بغريزتك وغُص بحدسك».

قد تأتي هذه الوصايا بشكلٍ مباشرٍ مثل وصايا عبد الحميد الكاتب أو منبثة في «كشاكيل» الأدباء وكتبهم

أما البند الثالث لإنتاج القصيدة المثلى في نظر الشاعر عبد الله السفر، فهو بتفعيل القوى الشاعرية المتفردة للمبدع، حيث وحدها من يستطيع إخراج المعنى وصياغته في صورته اللغوية المغايرة للغة التقريرية، بالتالي يكتسب هوية منشئه وبصمته. التوجه إلى نقل الإحساس والشعور وليس الحكاية؛ فتتخلى الألفاظ عن وظيفة نقل المعنى إلى نقل الإحساس المصاحب له مركزاً للتعبير؛ فيرى المتلقي الأحاسيس والمشاعر المنقولة أكثر مما يرى المعاني. وهذا ما عناه الشاعر السفر بـ«الرقيب» أو وعاء الترشيح الذي يقوم بمهمة التجريد:

«الرقيب يضع الكتابة على خازوق نياته، يصفي دمها من لغة الحياة.

الرقيب تنكل به الاستعارة، يفدح به المجاز.

هويةُ المبدع، دائماً، بدون. يشهِرُ لحمه خارج الأسوار ويغني.

يحتشد البحرُ في لحظة إصغاء.

تنبت للنص أجنحةٌ لا حصر لها عندما يتغلغل هواءُ الوجدان عميقاً في جسد الفكرة».

هذا البند الأخير لعبد الله السفر يأتي متوافقاً مع المرتبة الثالثة في مكونات الإبداع الشعري لرؤية الشاعر جون درايدن التي سمَّاها «بإلباس الفكرة» وتزيينها بإطار مناسب ومعقول من الفن القولي، في حين المرتبة الأولى هي «الاختراع» أو إيجاد الفكرة، والثانية «الاستخراج» أو التبديل للفكرة بحيث تتلاءم مع الموضوع.

وهكذا هو البيان الشعري لعبد الله السفر عن عناصر ومراحل تكون القصيدة الحديثة من منظوره، وهو مزيج من رؤية الشاعر وافتراضات الناقد اللذين يجتمعان فيه. فعقل الناقد الذي يعمل من خلال الشعر عادة ما يكون متقدماً على العقل الذي ينتج الشعر، سواء كان الشعر شعر الناقد نفسه أو شعر غيره، كما يقول الشاعر ت. س. إليوت.

ونختم بما ختم به الشاعر عبد الله السفر نصه: «الشعراء يجددون أعمارنا؛ أعمارَ الذين: يعيشون أقل من حياة وأطول من يأس».

* كاتب سعودي

 


مقالات ذات صلة

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

ثقافة وفنون عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون «انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر،

منى أبو النصر (القاهرة)

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها


مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام
TT

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة، إلى أن بدأ استكشافها في نهاية القرن التاسع عشر. تطور هذا الاستكشاف بشكل كبير خلال العقود الأولى من القرن العشرين، إثر قيام العديد من البعثات الأجنبية المختصة بحملات مسح وتنقيب موسّعة، أسفرت عن ظهور مواقع احتلت مكانة رفيعة في هذا الميدان. هكذا برزت المنشآت المعمارية المدنية في موازاة المنشآت الدينية التي اشتهر بها الأمويون، وبدت بأحجامها الضخمة قصوراً، عُرفت منذ تلك الحقبة باسم «قصور البادية». تميّز عدد من هذه القصور بحلله المنقوشة التي مزجت بين الحفر والنحت، وجمعت بين العناصر التصويرية والشبكات الزخرفية في قوالب مبتكرة. تعدّدت هذه العناصر التصويرية وتنوّعت بشكل كبير، واتخذت شكل مجسّمات شابهت في تكوينها التماثيل المنحوتة. احتلّت المجسّمات الأنثوية مقاماً رفيعاً في هذا الحقل، وشكّلت مجموعات متفرّقة، أكبرها وأهمّها تلك التي خرجت من قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا.

يُعرف هذا القصر اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء الدولة الأموية، وقد استخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، على ما تؤكّد الدراسات الميدانية، وهو مؤلّف من طبقتَين وفناء أمامي، ويجاوره حمام يقع على بُعد أربعين متراً، إلى الشمال من القصر. في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا الحمّام، نقع على مقصورة صغيرة خاصة بالخليفة تُوصف بغرفة الديوان التي حوت مجموعة من الألواح الجصية المنقوشة زيّنت في الأساس جدرانها وقبّتها، كما حوت مجموعة من التماثيل، ضمّت عدداً من المجسّمات الأنثوية. كشفت عن «قصر هشام» بعثة بريطانية قامت بأعمال التنقيب فيه في ثلاثينات القرن الماضي، ونقلت مكتشفاته إلى متحف أنشأته في القدس الشرقية وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار»، الذي يُعرف باسم «متحف روكفلر» في ظل الحكم الإسرائيلي. تحضر مجسّمات «قصر هشام» الأنثوية في هذا المتحف، وتظهر مراجعة التقارير التوثيقية بأن القسم الأكبر منها وصل بشكل مجتزأ، وتمّ ترميمه لاحقاً.

تأخذ هذه المنحوتات شكل قامات منتصبة، وتحاكي من حيث الحجم المثال الطبيعي، إذ يبلغ طولها نحو 1.5 متر. لا يزال تحديد هوّية هذه الأنصاب موضع بحث، والشائع أنها تمثّل جاريات الديوان الملكي، وتتبع من حيث التكوين العام طرازاً واحداً جامعاً، وقوامه امرأة تقف بثبات على قدميها، وترفع ذراعيها نحو الأعلى. كانت هذه التماثيل الأنثوية ملوّنة، كما تشهد بعض الآثار اللونية التي توشّحها، وأغلبها بالأحمر النبيذي والأسود الفحمي. اللباس واحد وقوامه إزار بسيط يلتف حول الخصر، وينسدل حتى أسفل الركبتين. تعلو هذا الإزار شبكة من الخطوط الملتوية تحاكي ثناياه، ويزيّنه شريط ينعقد حول الحوض على شكل حزام، وشريط آخر يحدّ طرف قماشته، مشكّلاً بطانة عريضة يستقر أعلاها وسط الساقين المتلاحمتين.

في قراءة سريعة، تبدو هذه التماثيل كأنها تتبع تكويناً أنثوياً واحداً وجامعاً، يتمثّل في جسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة. كذلك تبدو تسريحة الشعر واحدة، وهي على شكل كتلة ضخمة، تنعقد خصلاتها الطويلة إلى الخلف. سمات الوجوه واحدة، وهي في وضعية المواجهة، مع عينَين ضخمتَين تحدّقان في الفراغ، يعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان. في المقابل، تظهر القراءة المتأنيّة أن هذه التماثيل تتشابه في الظاهر، غير أنها لا تتماثل، إذ تختلف في التفاصيل، كما تشهد أربعة نماذج منها وصلت بشكل شبه كامل.

ترفع إحدى هذه الجاريات الأربع رأسها بثبات، وتتزيّن بعقد عريض تتدلّى منه قلادة نصف دائرية، وسوارين مجرّدين يلتفّان حول أعلى الذراعين، وتظهر منتصبة وهي ترفع بيدها اليمنى باقة من الزهور. في المقابل، تحني جارية أخرى رأسها انحناءة بسيطة، وتتزين بقرطين يتدليان من أذنيها، وتظهر وهي ترفع بيدها اليسرى سلة من الزهور. تتغيرّ هذه الوقفة في نموذج ثالث، وفيه تبدو الجارية وهي ترفع رأسها نحو الأعلى، وكأنها تحدّق في اتجاه اليسار، وتكلّل رأسها زهرة كبيرة تستقرّ في وسط كتلة شعرها. تتكرّر هذه الوقفة في نموذج رابع، مع اختلاف في حركة الرأس الذي يستعيد هنا سكونه الكلّي في وضعيّة المواجهة الثابتة. في الخلاصة، يتميّز كل من هذه التماثيل الأربعة بعناصر خاصة به، ويحتاج إلى قراءة معمّقة مستقلّة تكشف عن سمات هذه العناصر.

على الصعيد الفنّي، تعكس هذه المجسّمات أثر التقاليد الساسانية المكرّسة، وتشكّل امتداداً للنحت المحليّ الذي ساد خلال القرون التي سبقت الحقبة الأموية في تدمر كما في العديد من المواقع الصحراوية الكبرى. تستمدّ المجسّمات الأموية أسس تكوينها من هذا الميراث، غير أنها تتميّز بسمات خاصة، تشهد لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بـ«قصير عمرة». من جهة أخرى، تحضر هذه الخصائص كذلك في قطع نحتية جزئية خرجت مهشّمة من قصر آخر من قصور البادية الأردنية، يُعرف باسم «قصر المشتّى». تشكّل هذه القطع المهشّمة صورة ناقصة لهذا المثال الأنثوي المحلي، وتشكّل مجسّمات خربة صورة بالغة لاختمار هذا المثال الأنثوي المحلي، وتؤلّف مجموعة استثنائية لدراسة سماته وخصائصه.


تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية
TT

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح الدين. الرواية فائزة بجائزة البوكر عام 2022، وتدور في كولومبو 1990، أكثر الأعوام عنفاً في التاريخ السريلانكي.

تمزج الرواية بين التحقيق البوليسي والفانتازيا وقصص الأشباح والكوميديا السوداء، والرواية السياسية. وتنطلق من فكرة غريبة؛ إذ يستيقظ «مالي ألميدا»، المصور الحربي والمقامر، بعد موته ليجد نفسه في عالم الأموات. لا يعرف من قتله، وأين أصبح جسده، لكنه يملك وقتاً محدوداً للوصول إلى الأشخاص الذين يحبهم وإرشادهم إلى مجموعة من الصور السرية التي التقطها خلال الحرب. صور يمكن أن تكشف عن جرائم وحقائق خطيرة، وتحوّل أرشيف المصور الميت شهادةً أخيرة على عالم حاول طمس ذاكرته، وإقصاءه قسراً من الحياة.

يهيمن إيقاع الكوميديا بهالاتها السوداء على مناخ الرواية. فالجحيم الذي يصوره الكاتب ليس مكاناً للنيران والعذاب التقليدي، بل عالم بيروقراطي عبثي، تتكدس فيه الأرواح وتنتظر إجراءات انتقالها إلى المجهول. بينما تبدو الدوائر الحكومية في عالم الموتى امتداداً ساخراً لعالم الأحياء، وتتحول البيروقراطية أداةً روائية تكشف عن عبثية الحياة والموت معاً. ولا يكتفي الكاتب بالسخرية من الموت؛ فهو يستخدمها لمواجهة واقع أكثر قسوة، يغص بالاغتيالات، والاختفاءات، والعنف السياسي، والحرب الأهلية. لذلك؛ لا تأتي الضحكة في الرواية بوصفها هروباً من المأساة، وإنما بوصفها طريقة للنظر إليها من مسافة أبعد، ومراوغة أحياناً، مسافة تسمح باحتمالها.

يذكر أن شيهان كاروناتيلاكا كاتب سريلانكي بارز، وُلد عام 1975 في جالي، ونشأ في كولومبو، قبل أن ينتقل إلى لندن، ويُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في جنوب آسيا. تمتاز أعماله بمزج لافت بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي العميق، وتنطلق من تفاصيل الحياة اليومية، لتلامس قضايا كبرى، مثل الحرب والذاكرة والعدالة. وحظيت بتقدير عالمي، توّج بحصوله على جائزة البوكر، وجوائز مرموقة أخرى.

من أجواء الرواية، نقرأ: «تكمل شمس الصباح صعودها. يمتلئ الطريق بالسيارات والناس يتجولون للحصول على الغداء. تنظر إلى الدم على ملابسك. لا يبدو أنك مت في نومك. قتلت منظمة نمور التاميل د. راني سريداران، قتلت الحكومة ريتشارد دي زويسا، وقتلت الجبهة الشعبية للتحرير محبوبَ الشاشة فيجايا كوماراتونجا. فمن قتلك أنت؟

الأشجار مزدحمة بالعيون، والممر مسدود بالغِيلان. وهناك ثلاث جنازات، كل واحدة يحضرها حشد من الأرواح. يخبرك سينا أن الأشباح تحب الجنازات أكثر مما يحب البشر حفلات الزفاف.

تدفع نفسك عبر الريح وتطير بين قبور موتى كولومبو. هنا يرقد الجنود الأبطال، والسياسيون المقتولون، والصحافيون ذوو الأفواه الكبيرة. تبحث عن وجوه مألوفة، شخصيات مشهورة مثل د. راني أو ربما الأمير فيجايا. لكن كل ما تراه هو أرواح مجهولة ومنسية، كما كانت في حياتها. وبين المفجّرين، والمحروقين، والمختفين، توجد أنت، وسبب وفاتك لم يُحَدَّد بعد».