الأسرى الورقة الأهم... على ماذا تراهن «حماس» في غزة؟

تمكّنت بعد وقف النار من إحياء عمل وزاراتها وهيئاتها السياسية... واستعرضت قدراتها العسكرية

مقاتلون من «حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير الماضي (رويترز)
مقاتلون من «حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير الماضي (رويترز)
TT

الأسرى الورقة الأهم... على ماذا تراهن «حماس» في غزة؟

مقاتلون من «حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير الماضي (رويترز)
مقاتلون من «حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير الماضي (رويترز)

رغم النكسات الكبيرة التي مُنيت بها منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لا تزال حركة «حماس» تُحاول إظهار نوع من التحدي والصمود في مواجهة الدولة العبرية.

حاولت الحركة في الأيام الماضية اتباع المسار السياسي رغم الضربات المفاجئة التي وجّهتها إليها إسرائيل، فجر يوم الثلاثاء، التي أسفرت عن مقتل مئات الغزيين، بينهم عدد من قادة «حماس» وعناصرها. لم ترد الحركة عسكرياً سوى في اليوم الثالث من تجدّد التصعيد. اكتفت بإطلاق 3 صواريخ فقط باتجاه تل أبيب. فسّر محللون ما يحدث بأنه يأتي في إطار محاولة كل طرف الضغط على الآخر عسكرياً، خصوصاً بعد توسيع إسرائيل عملياتها البرية المحدودة في بعض المناطق، لا سيما محور نتساريم الذي يفصل شمال قطاع غزة عن وسطه وجنوبه.

ومنذ بداية الحرب الإسرائيلية كانت «حماس» تعوّل على ما بيدها من ورقة قوة أولى، وهي الورقة المتمثلة في بقاء مختطفين إسرائيليين لديها. وقد فاجأت الحركة تل أبيب بكثرة عدد الأحياء منهم، وهو ما ظهر خلال المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 19 يناير (كانون الثاني) الماضي، لمدة 42 يوماً، قبل أن يستمر بشكل غير معلن، إلى أن تصاعدت الأوضاع تدريجياً وانفجرت بعد 58 يوماً بسلسلة اغتيالات لقيادات من الحركة.

جانب من احتجاجات ذوي الأسرى الإسرائيليين أمام مقر وزارة الدفاع في تل أبيب يوم 18 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من الهجمات الإسرائيلية، فإن «حماس» فضّلت المسار السياسي، لأنها لا تزال تعدّ أن ورقة المختطفين لديها هي الورقة الرابحة الأكبر، خصوصاً أنها تتابع التحركات داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصةً من قِبل أهالي المختطفين والضغوط التي تُمارس على حكومة بنيامين نتنياهو، من أجل المضي في صفقة التبادل، إلى جانب رغبة حكومته الواضحة بالضغط على الحركة من خلال الممارسات العسكرية لاستعادة هؤلاء المختطفين، ما يتضح أمام الحركة أن هناك ما يمكن أن تعوّل عليه بهذا الشأن.

وتقول مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إن الحركة تمتلك الكثير من الأوراق التي تتمسّك بها، وقد تدفع الاحتلال الإسرائيلي في النهاية يرضخ لوقف النار الدائم، مشيرةً إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالمختطفين الإسرائيليين رغم أنهم يُعدون أهم هذه الأوراق.

وأضافت المصادر أن الحركة لديها القدرة على استخدام هذه الأوراق، ومنها التكتيكات العسكرية التي يمكن أن تتبعها في الميدان، في حال فشل المفاوضات ووصولها لأفق مسدود بشكل كامل.

عرض عسكري لـ«حماس» خلال الإفراج عن أسرى إسرائيليين في رفح جنوب قطاع غزة يوم 22 فبراير الماضي (رويترز)

وتريد «حماس» ألا تُظهر ضعفاً أمام إسرائيل وكذلك الفلسطينيون، ولذلك تصر على انسحاب القوات الإسرائيلية من كل أنحاء قطاع غزة، بما في ذلك محور صلاح الدين (فيلادلفيا).

وتؤكد المصادر من الحركة ذلك، وتقول: «لا يوجد أمام قيادة (حماس) خيار سوى أن تعيد واقع قطاع غزة إلى ما قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حتى تستطيع أن تتنفس الصعداء، وتقبل حينها بتسليم الحكم إلى السلطة الفلسطينية أو إلى حكومة يتم التوافق عليها في إطار ترتيب وطني فلسطيني».

وتراهن «حماس» على نجاحها في إبقاء ورقة حكم غزة في يدها رغم الضربات الإسرائيلية، ما يسمح لها بالقول إنها أفشلت المخططات الرامية إلى إسقاط حكمها.

وخلال 15 شهراً من الحرب العسكرية لم تنجح إسرائيل فعلياً بالقضاء على كل قدرات «حماس» العسكرية والحكومية، وبقيت الحركة موجودة تمارس خلال الحرب أدواراً محدودة بفعل الملاحقة الإسرائيلية لكوادرها من مختلف المستويات، لكنها كانت تستعيد قوتها في كل منطقة تنسحب منها القوات البرية لإسرائيل. كما أن الحركة استعادت جزءاً من قوتها بسرعة مع وقف إطلاق النار، وظهر ذلك جلياً باستئناف عمل وزاراتها الحكومية وهيئاتها السياسية وكذلك العسكرية التابعة لـ«كتائب القسام». وظهر هذا الأمر جلياً خلال العروض التي نُظمت في عملية تسليم المختطفين الإسرائيليين.

طفل فلسطيني يحمل بطانية وسط جبل من النفايات بجانب مخيم للنازحين في مدينة غزة يوم 20 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وتعوّل «حماس»، كما يبدو، على أنها ما زالت تتمتع بكادر بشري مؤيد لها في غزة، رغم كل الخسائر، الأمر الذي يجعلها متمسكةً ببعض الشروط وترفض التنازل عنها. وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «من الطبيعي أن يكون للحركة زاد بشري تعتمد عليه في استمرارها بمواجهة قوة إسرائيل، وهذا الخيار ليس جديداً بالنسبة إلى الفصائل الفلسطينية التي كانت كثيراً على مدار عقود تتعرّض لضربات قوية وفي كل مرة تخرج منها أقوى وأصلب».

وتعترف المصادر من «حماس» بأن الواقع قد يكون تغيّر بعد الحرب في غزة، لكنها شبّهت ما يجري حالياً في القطاع بمثل ما جرى في عملية «السور الواقي» بالضفة الغربية عام 2002، ونجاح إسرائيل حينها بالقضاء على الكثير من خلايا الفصائل الفلسطينية، إلا أنه بعد سنوات عادت هذه الفصائل إلى العمل ونشطت من جديد، وهذا ما يثبت أن الخيار العسكري بالنسبة إلى إسرائيل دوماً ما كان فاشلاً ولم يحسم أي معركة، حسب المصادر ذاتها.

وحاولت «حماس» أخيراً إثبات قوتها في الشارع الغزي. إذ سُجّل خروج عشرات المسلحين من عناصرها في عروض عسكرية، كما لُوحظ انتشار عناصر شرطتها وقواتها الأمنية وتنفيذ حملات اعتقال لمشتبه بهم بقضايا جنائية وكذلك أمنية. كذلك أعادت الحركة استخدام مقار جديدة وأخرى متضررة جزئياً لقواتها الأمنية.

ورصدت «الشرق الأوسط» على مدار المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار التي استمرت 42 يوماً، لكنها امتدت لنحو 58 يوماً بعد محاولات التوصل لتمديد الاتفاق، أن هناك إقبالاً من سكان القطاع على مراكز الشرطة لتقديم شكاوى بعضها في قضايا جنائية. كما أن عناصر مدنية من وزارات مختلفة قامت بمهام مثل جولات في الأسواق وغيرها للتأكد من تثبيت الأسعار.

أقارب الأسرى الإسرائيليين خلال احتجاج للمطالبة بالإفراج عنهم قرب الحدود مع قطاع غزة يوم 18 مارس الحالي (أ.ب)

وبعد الاغتيالات الأخيرة مع استئناف إسرائيل القتال، لا يعرف كيف ستتصرف «حماس» في حال استمرار الموجة الحالية، خصوصاً أن قياداتها من مختلف المستويات السياسية والعسكرية والحكومية عادت إلى التخفي، في حين لُوحظ عدم قدرة الحركة على ضبط الأسواق والأسعار التي ارتفعت بشكل كبير، ما أثّر على المواطنين.

وتؤكد مصادر «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أن القيادات التي اُغتيلت، مثل: عصام الدعاليس، وياسر حرب، ومحمد الجماصي، جميعهم هم من كانوا يعملون على إعادة هيكلة العمل التنظيمي والحكومي.

وهذا يشير إلى أن إسرائيل فعلياً وجّهت ضربة قوية إلى «حماس» باغتيال عدد من قادتها البارزين والمهمين الذين كانت موكلة إليهم مهام، منها إعادة الزخم للحركة لاستعادة سيطرتها الكاملة على القطاع بعد انتهاء الحرب.

ويعتقد كثيرون أن شعبية «حماس» تراجعت حتى في صفوف بعض عناصرها والمؤيدين لها، نتيجة ما حلّ بالفلسطينيين خلال الحرب، وفي ظل تهديدات إسرائيل بالعمل على تهجيرهم. كما أن هناك من بات ينتقد علناً هجوم 7 أكتوبر 2023 (عملية طوفان الأقصى)، لما جلبه من تداعيات مدمّرة على الفلسطينيين.

وعلى الرغم من تراجع شعبيتها وحتى شرعية بقائها في الحكم، فإن هناك من يرى أن استعداد الحركة للتنازل عن الحكم لا يأتي من موقف ضعف، وإنما بهدف محاولة تجنيب نفسها حرباً أكبر وأطول تقضي على ما تبقى من أبرز قياداتها ونشطائها.

وتقول مصادر «حماس» إن قيادة الحركة لديها إجماع بشأن استعدادها للتخلي عن الحكم، لكن ذلك مرهون بتوافق وطني على ذلك، وليس نزولاً على رغبة إسرائيل والولايات المتحدة بإقصاء الحركة من المشهد.

وأشارت إلى أن الحركة «معنية بإبعاد شبح الحرب عن سكان قطاع غزة، ولا تفكر فقط في نفسها وفي مصالحها»، حسب ما قالت.

وهناك من يرى أن «حماس» ستظل جزءاً من المشهد الفلسطيني لسنوات طويلة مقبلة، سواء بشكل علني أو في الخفاء، حتى لو تخلّت عن الحكم في غزة بعد انتهاء الحرب الحالية.


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».