تساؤلات حول نشر قوة سلام في حال إبرام هدنة بأوكرانيا

موسكو ترفض ودول أوروبية مترددة و«قواعد اشتباك» غير معروفة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره اجتماعاً مع قادة أركان جيوش الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في باريس في 11 مارس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره اجتماعاً مع قادة أركان جيوش الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في باريس في 11 مارس (أ.ف.ب)
TT

تساؤلات حول نشر قوة سلام في حال إبرام هدنة بأوكرانيا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره اجتماعاً مع قادة أركان جيوش الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في باريس في 11 مارس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره اجتماعاً مع قادة أركان جيوش الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في باريس في 11 مارس (أ.ف.ب)

تتقاسم باريس ولندن الدور الريادي لجهة الدفع باتجاه تشكيل قوة مشتركة يمكن أن تنضم إليها دول أخرى مثل كندا وأستراليا للإشراف على هدنة محتملة في الحرب بين روسيا وأوكرانيا أو لضمان اتفاق سلام قد يتوصل إليه الطرفان.

وتعمل العاصمتان الأوروبيتان بالتناوب؛ فبعد أسبوع شهد اجتماعاً موسعاً لقادة أركان 37 بلداً أوروبياً وغير أوروبي (ضم كندا وأستراليا واليابان ونيوزيلندا وضباطاً من الحلف الأطلسي)، في باريس بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون، ها هو اجتماع مماثل سيُعقد في لندن، الخميس المقبل، بدعوة من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. وكان الأخير قد أدار، السبت الماضي، «قمة» عن بُعد لقادة أوروبيين وغير أوروبيين مقتدياً بما فعله ماكرون يوم 17 فبراير (شباط) الماضي. وبعيداً عن التسابق بين لندن وباريس، فإن الطرفين يعملان يداً بيد من أجل ولادة القوة المشتركة؛ فماكرون حث قادة الأركان الذين حضروا إلى باريس في 11 من الشهر الحالي للانتقال إلى «المرحلة العملية» لتشكيل القوة المذكورة. والسبت الماضي، قال ستارمر، في معرض تقديمه لخلاصات «القمة» غير الرسمية، إن اجتماع الخميس المقبل سيكون لـ«مناقشة المرحلة العملانية»؛ أي تشكيل القوة الموعودة وتعيين الدول التي ستوفر وحدات من جنودها وعديدها، ولكن قبل ذلك تحديد مهماتها غير الواضحة حتى اليوم. وأشار ناطق باسم ستارمر إلى أن «قدرات المساهمين في قوة «تحالف الراغبين» سوف «تتباين، ولكن القوة ستكون كبيرة مع وجود عدد كبير من الدول الراغبة في المشاركة».

حتى اليوم، هناك أمر محسوم وقوامه أن العمود الفقري لهذه القوة سيتشكل من البريطانيين والفرنسيين. وسبق للجانب البريطاني أن أشار إلى قوة من 20 إلى 30 ألف رجل. وتضمنت تصريحات ماكرون لمجموعة من الصحف الصادرة في الأقاليم الفرنسية ونُشرت، السبت، بعض التفاصيل، ومنها أن القوة المشتركة لن تُنشر على خط وقف إطلاق النار، بل في عدد من «النقاط الرئيسية» الحساسة على الأراضي الأوكرانية. وترى مصادر معنية في باريس أن الغرض هو «تجنُّب الاحتكاك» مع القوات الروسية، وأنه في حال التوصل إلى اتفاق سلام، فإن مهمة القوة، بحسب الرئيس الفرنسي، ستكون «توفير الضمانات الأمنية» التي تطالب بها أوكرانيا حتى لا تتعرض أراضيها لاحقاً لاستهداف روسي.

صورة نشرها الجيش الأوكراني الاثنين تظهر بعض جنوده يطلقون قذيفة «هاون» باتجاه مواقع روسية في موقع غير مُعلن في دونيتسك (أ.ف.ب)

عقبات ومحاذير

رغم ما تؤكده لندن وباريس من أن «دولاً كثيرة» منها غير أوروبية مثل كندا واليابان وتركيا، مستعدة للمشاركة في «تحالف الراغبين» ميدانيا، فإن دولاً أوروبية رئيسية كألمانيا وبولندا وإيطاليا غير متحمسة لإرسال جنودها إلى أوكرانيا ولو من أجل مهمات غير قتالية. ووفق تصريحات ماكرون المشار إليها، فإن مهمة القوة الموعودة يمكن أن تشمل عمليات تدريب القوات الأوكرانية، ودعم دفاعات البلاد وغيرها من المهام المتصلة.

بيد أن هناك عقبات يصعب تخطيها من شأنها أن تحول دون نشر هذه القوة على الأراضي الأوكرانية. وأولى العقبات الرفض الروسي الجذري لها والذي عبر عنه وزير الخارجية سيرغي لافروف أكثر من مرة وتناوله، الأحد، ديمتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن القومي المعروف بتصريحاته النارية. ووصف الأخير ما يقوم به ماكرون وستارمر بأنهما «يلعبان لعبة غبية». وإذ ذكر أن موسكو حذرت مراراً من أن «قوات حفظ السلام يجب أن تكون من دول لا تنتمي إلى الحلف الأطلسي» توجه مباشرة إلى ماكرون وستارمر قائلاً: «أنتما تريدان تقديم المساعدة العسكرية للنازيين الجدد في كييف. هذا يعني الحرب مع الأطلسي. استشيرا ترمب، أيها الوغدان». بيد أن الرئيس الفرنسي قلل من أهمية ما تقوله موسكو؛ إذ أكد، في المقابلة نفسها، أن موافقة موسكو على نشر هذه القوة ليست ضرورية، وأن أوكرانيا «دولة ذات سيادة، وإذا طلبت أن تكون قوات الحلفاء على أراضيها فالأمر ليس متروكاً لروسيا لقبوله أو عدم قبوله».

ليس معروفاً ما إذا كانت دول «تحالف الراغبين» تتبنى كلها الموقف الفرنسي خصوصاً أن العديد منها، بما فيها بريطانيا، يربط مشاركته بـ«توافر الضمانات» الأميركية لدعم ومساندة القوة المشتركة. والحال أن الطرف الأميركي، بلسان الجنرال كيث كيلوغ الذي ثبَّته الرئيس ترمب، نهاية الأسبوع، «مبعوثاً خاصاً» إلى أوكرانيا، أكد مسبقاً ومراراً بمناسبة «مؤتمر الأمن» في ميونيخ، الشهر الماضي، أن واشنطن «لن توفر ضمانات أمنية» من جهة ومن جهة أخرى، أن القوة الأوروبية «لن تكون تحت الراية الأطلسية»، بل تقع مسؤوليتها على الدولة التي ترسلها. ووفق مصدر أوروبي في باريس، فإن المحادثات الأميركية ــ الروسية قائمة؛ وبالتالي فإن مصير القوة المشتركة مرهون، إلى حد كبير، بما يمكن أن تفضي إليه هذه التفاهمات. والمستبعد أن تصر لندن وباريس على إرسال قوة عسكرية إلى أوكرانيا «من دون ضوء أخضر من واشنطن». وفي أي حال، فإن أطرافاً أوروبية، كألمانيا، ترى أن البحث في إرسال قوة إلى أوكرانيا «مبكر» وبالتالي يتعين ترقب المسار الذي ستسلكه الاتصالات القائمة والتي يلعب الأميركيون فيها الدور المركزي.

قواعد الاشتباك

ثمة أسئلة رئيسية تُطرح منذ اليوم، وتفتقر لإجابات واضحة، أولها يتناول ما يسمى «قواعد الاشتباك» التي تعني طبيعة تصرف القوة الموعودة في حال تعرُّض مواقعها أو مواقع أوكرانية لهجمات روسية. والسؤال هو: هل تكتفي بتسجيل الانتهاكات الروسية أم أنها مخولة بالرد عليها؟ وفي حال الرد والرد المضاد، ألن يفضي ذلك إلى اشتباكات واسعة وحتى إلى مواجهة مباشرة بين ثاني أكبر قوة نووية في العالم ومع قوة مشتركة عمادها قوتان نوويتان أوروبيتان (فرنسا وبريطانيا)؟ وفي أي حال، يتعين تذكُّر أن ترمب أخذ على الرئيس زيلينسكي في الاجتماع الشهير في المكتب البيضاوي أن ما يطلبه من ضمانات أمنية يمكن أن يفضي إلى حرب نووية، في إشارة إلى سيناريو مواجهة أميركية ــ روسية.

حتى اليوم، لم تشر أية جهة مسؤولة إلى المدة الزمنية التي سيستغرقها نشر القوة المشتركة، ولا إلى كيفية تنظيمها وتمويلها وسلسلة القيادة التي ستتولى إدارتها. وإذا كان التصور المتعارف عليه أنها ستنتشر في «نقاط رئيسية»، فليس من المعروف طبيعة هذه النقاط: أهي العاصمة والمدن الكبرى أم المواقع الحساسة مثل المراكز الصناعية أو الدفاعية الاستراتيجية؟

الواضح حتى اليوم أنه «لا توجد خريطة طريق» واضحة لما ينوي «تحالف الراغبين» القيام به، ولا ترجمة مفصلة للأهداف المرتقبة، ولا لكيفية تحقيقها، ومن ثم فإن ما يدعو إليه ماكرون وستارمر للانخراط في «المرحلة العملانية» الذي يعني الدخول في تفاصيل المهمة يبدو أمراً ملحاً. والصعوبة أن الاتفاق على العناوين دائماً ما يكون أكثر سهولة من الاتفاق على الجزئيات التي منها تنبت الصعوبات.


مقالات ذات صلة

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

أوروبا ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب) play-circle

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف، الخميس، وتقارير تتحدث عن عرقلة اتفاق ما بعد الحرب في أوكرانيا بسبب أزمة غرينلاند

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد محطة معالجة النفط في حقل ياراكتا النفطي التابع لشركة إيركوتسك للنفط في منطقة إيركوتسك - روسيا (رويترز)

روسيا: توقعات بعجز كبير في الميزانية العامة بفعل نقص عائدات النفط

من المرجح أن تظهر الميزانية الفيدرالية الروسية عجزاً كبيراً مع بداية هذا العام، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى نقص عائدات النفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا العلم الأوكراني على قبة البرلمان في العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز - أرشيفية)

انقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن برلمان أوكرانيا جراء ضربات روسية

تسببت ضربات شنتها روسيا بعد منتصف الليل على منشآت الطاقة الأوكرانية بانقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن مبنى البرلمان في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا موقع تشرنوبل (أرشيفية - صفحة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منصة «إكس»)

انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبل النووية في أوكرانيا

أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبيل الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا مبانٍ سكنية دون كهرباء خلال انقطاع التيار بعد استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة روسية ليلية وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز) play-circle 00:31

هجوم روسي يقطع الكهرباء والمياه والتدفئة عن آلاف المنازل في كييف

رئيس بلدية كييف يقول إن قوات روسية شنت هجوماً بطائرات مسيّرة وصواريخ ‌على ‌العاصمة ‌الأوكرانية ⁠في ​وقت ‌مبكر اليوم، مما أدى إلى انقطاع المياه والكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

بداية تمايز في المواقف الأوروبية من أزمة غرينلاند

نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)
نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)
TT

بداية تمايز في المواقف الأوروبية من أزمة غرينلاند

نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)
نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)

سؤالان تطرحهما المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا حول عزم الرئيس دونالد ترمب الاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية. الأول: هل الدول الأوروبية مستعدة للذهاب، حتى النهاية، في المواجهة مع الإدارة الأميركية رغم النتائج الكارثية، والتكلفة المرتفعة المترتبة على ذلك؟ والثاني: هل سيحافظ الاتحاد الأوروبي، المعني الأول بالأزمة، على وحدة الموقف المتشدد أم أنه مع مرور الأيام سوف تتفاوت المقاربات وفق مصلحة كل عضو من الأعضاء الـ27 الذين يشكلون الاتحاد الأوروبي؟

يعزو مصدر سياسي فرنسي صعوبة الموقف الأوروبي إلى الترابط العضوي بين الحلف الأطلسي من جهة والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية، حيث إن الأكثرية الساحقة من دول الاتحاد تنتمي أيضاً إلى الحلف (باستثناء النمسا وآيرلندا ومالطا وقبرص) الذي تعود القيادة فيه ومنذ ولادته في خمسينات القرن الماضي إلى الطرف الأميركي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً الأربعاء في جلسة المنتدى الاقتصادي الـ56 في منتجع دافوس (سويسرا) (رويترز)

ويرى المصدر أن أي شرخ تتسبب به أزمة غرينلاند في العلاقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية بسبب مطامع الأولى «سوف ينعكس حكماً على الحلف العسكري الوحيد المتبقي في العالم اليوم... الأوروبيون، رغم تعزيزهم للميزانيات الدفاعية، غالباً بضغط من ترمب، وإطلاق المشاريع المشتركة في قطاع الصناعات الدفاعية، وسعيهم لإنشاء جيش أوروبي، ما زالوا بحاجة إلى المظلة الأميركية-الأطلسية، خصوصاً النووية منها».

الأوروبيون بحاجة لـ«الأطلسي»

ويتزايد إحراج الأوروبيين مع تواتر تقارير عدد من قيادات الأركان لديهم (ومنها الألمانية، والفرنسية) ترجح تمكن روسيا من شن هجمات على الدول الأكثر هشاشة في الاتحاد الأوروبي (دول بحر البلطيق خصوصاً تلك التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي قبل تفككه في نهاية العام 1991 ومنها إستونيا، وليتوانيا، ولاتفيا)، قبل أن يتحول الاتحاد إلى قوة رادعة، عدا كونهم بحاجة اليوم إلى الدعم الأميركي في ملف الحرب الأوكرانية.

ولعل أكبر ترجمة لهذه الحاجة أن ما يسمى «تحالف الراغبين» الذي يضم 35 دولة غالبيتها الساحقة أوروبية لم ينجح في التوافق على إجراءات عملية لنشر قوة عسكرية أوروبية لطمأنة كييف بأن روسيا لن تهاجمها مجدداً بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، أو اتفاقية سلام، إلا بعد حصولها على «تطمينات» أميركية بأن واشنطن منخرطة في توفير «شبكة الأمان» للقوة الأوروبية التي يمكن نشرها على الأراضي الأوكرانية بعيداً عن خطوط القتال.

وباختصار، فإن القارة القديمة رغم أنها تتشكل من سوق تضم 450 مليون مواطن، وتتمتع بجيوش قوية، ما زالت بحاجة إلى الراعي الأميركي للسنوات القادمة. وما يفاقم حاجتها هذه أن القوة النووية الوحيدة داخل الاتحاد هي فرنسا التي لا تريد تقاسم القرار بشأنها مع أي جهة خارجية رغم «الانفتاح» الذي أظهره الرئيس ماكرون لجهة أخذ «المصالح الأوروبيةّ» بعين الاعتبار فيما يخص استخدام هذه القوة.

والحال أنه لا يوجد شيء ملموس قد برز حتى اليوم، بل إن النقاشات الجارية ما زالت في بداياتها. كذلك تجدر الإشارة إلى أن الرأي العام الفرنسي ليس متحمساً لتطور من هذا النوع.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشاركاً الثلاثاء في إحدى دورات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (رويترز)

وتعد فرنسا وألمانيا أقرب حليفين، وأقرب دولتين مؤثرتين داخل الاتحاد الأوروبي الذي نشأ بفضل التقارب بينهما بعد الحرب العالمية الثانية. وفيما يعد الموقف الفرنسي الأكثر تشدداً إزاء مخططات ترمب وكلمات الرئيس ماكرون تدل على ذلك، فإن المستشار الألماني فريدريتش ميرتس يلجأ إلى مقاربة أقل تشنجاً. ولم يتردد في توجيه انتقاد مبطن لماكرون كما نقلت عنه صحيفة «لو موند» بقوله: «الرئيس والحكومة الفرنسيان يفضلان أحياناً الرد بطريقة أكثر تشدداً مما نتمناه نحن».

وأضاف ميرتس الذي، بعكس ماكرون، لم يشر أبداً إلى احتمال استخدام آلية «محاربة الإكراه» التي تمكن الأوروبيين من الإضرار بالاقتصاد الأميركي، أن ما تريده ألمانيا هو «التوصل إلى حلول بالتشاور بيننا وبين الطرف الأميركي، وأن الإدارة الأميركية تعرف أننا قادرون على الرد على إجراءاتها». ويضيف: «إن أكبر مخاوفي في الوقت الراهن هو على أمن أوروبا. ليس غرينلاند، بل أوكرانيا... والتهديد لأمن أوروبا يأتي حالياً من الشرق أكثر مما يأتي من الغرب».

ينتمي ميرتس إلى حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» المعروف بمدى تمسكه بالعلاقة مع واشنطن، وبالحلف الأطلسي. وجاءت كلمات ينس شبان، رئيس كتلته في مجلس النواب الألماني بالغة التعبير، إذ قال في حديث لصحيفة «زود دويتشه زيتونغ» السبت: «يمكننا أن نضرب أقدامنا في الأرض عشر مرات... لكن في الوقت الحالي لسنا قادرين على ضمان أمننا بأنفسنا»... بل ذهب أبعد من ذلك، بالتعبير عن «تفهمه» للموقف الأميركي، ولمطالب ترمب.

واستعاد المسؤول البرلماني الألماني حجة رئيسة لترمب التي تدفعه للاستحواذ على غرينلاند بقوله: «السؤال هو ما إذا كنا، حلف شمال الأطلسي وأوروبا، نحمي هذه الجزيرة بما فيه الكفاية، وهي تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة، من قوى أخرى مثل روسيا. دونالد ترمب محق في هذه النقطة».

دعوات للتهدئة

ليست ألمانيا وحدها التي ترفض القطيعة مع الولايات المتحدة. إذ إن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء إستونيا سابقاً، لا تتردد في الدعوة إلى التبصر في الأمور، وهي تؤكد أن الأوروبيين «لا يستطيعون التخلي عن 80 عاماً من العلاقات الأطلسية». كذلك، فإن جيورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، والمعروفة بقربها من ترمب لجأت إلى أسلوب فكاهي للتعبير عن دهشتها إزاء من لا يتردد في إطلاق التهديدات بقولها: «هل علينا الخروج من الحلف الأطلسي؟ هل سيتم إغلاق القواعد الأميركية، ووقف العلاقات التجارية مع واشنطن؟ وهل علينا أن نهاجم مطاعم ماكدونالد»؟

جنود إنقاذ تابعون للبحرية الأميركية يقفون على سطح الغواصة «USS New Hampshire» بعد أن ظهرت على سطح الجليد خلال تدريبات في المحيط المتجمد الشمالي شمال خليج برودهو ألاسكا (رويترز)

ومن جانبها، ورغم استخدامها أحياناً لهجة متشددة، لا تتردد أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، في الدعوة إلى «المحافظة على فرصة للتفاوض» مع ترمب الذي وقعت معه اتفاقية التجارة في شهر يوليو (تموز) الماضي، والذي بموجبه فرض الرئيس الأميركي رسوماً بنسبة 15 في المائة على الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة مقابل صفر رسوم على مجموعة كبيرة من الصادرات الأميركية باتجاه القارة القديمة. أما مراك روته رئيس وزراء هولندا السابق و«الابن» المدلل لترمب الذي ناداه يوماً بـ«الوالد»، فإنه يصر على أن «أفضل طريقة للتعاطي مع الأزمة هي الدبلوماسية الهادئة». وسبق له أن تواصل مع ترمب وهو يسعى للحفاظ على تجنب الاهتزازات داخل المنظمة التي يديرها.

لا شك أن ما قاله ترمب في دافوس لجهة رفضه اللجوء إلى القوة العسكرية للسيطرة على الجزيرة القطبية من شأنه «إراحة» الأوروبيين بعض الشيء. بيد أن هؤلاء مصرون، بأكثريتهم الساحقة، على عدم إتاحة الفرصة له ليضع اليد على أراضٍ تابعة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي وفي الحلف الأطلسي من جانب زعيمة هذا الحلف، والقوة الكبرى فيه.


بسبب ترمب... الدنمارك تواصل نشر قوات في غرينلاند

قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)
قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)
TT

بسبب ترمب... الدنمارك تواصل نشر قوات في غرينلاند

قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)
قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)

أعلن الجيش الدنماركي أنه يواصل نشر قوات في غرينلاند، الإقليم الدنماركي الذي يطمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في السيطرة عليه، كما وصلت طواقم ومعدات أوروبية.

وقالت القيادة الدنماركية للقطب الشمالي، الأربعاء، عبر موقع «فيسبوك»: «للمرة الأولى، انتشر متخصصون ينتمون إلى وحدة النخبة في القوات الخاصة التابعة للجيش الدنماركي في التضاريس الأكثر وعورة في غرينلاند، على ساحل بلوسفيل».

وأوضحت أن الهدف من هذا الانتشار هو «تعزيز الوجود في القطب الشمالي».

في موازاة ذلك، ذكرت قناة «دي آر» الدنماركية أن الفرقاطة الدنماركية «بيتر ويليمس» انضمت إلى تدريبات دنماركية يشارك فيها عسكريون من دول أوروبية مختلفة، بدأت الأسبوع الفائت في غرينلاند.

وذكرت قيادة القطب الشمالي أن الفرقاطة الفرنسية «لا بروتاني» تجري أيضاً مناورات مشتركة مع السفينة الدنماركية «تيتيس» في شمال المحيط الأطلسي.

وكان الجيش الفرنسي قد أعلن إرسال الفرقاطة المذكورة إلى شمال الأطلسي؛ بهدف إجراء «تقييم للوضع في منطقة استراتيجية».

ووصف هذا الانتشار بأنه «مساهمة منتظمة للبحرية الوطنية في أمن الفضاءات البحرية المشتركة، وفي المقاربات الأوروبية وفي الجبهة الشرقية لحلف شمال الأطلسي».

من جهته، أفاد الجيش الدنماركي، الثلاثاء، بأن قواته «تعزز وجودها في غرينلاند وشمال الأطلسي، وتجري تدريبات بالتعاون مع دول حليفة».

وبعد بضعة أيام من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيستحوذ على غرينلاند «بطريقة أو بأخرى»، أرسلت 8 دول أوروبية بضع عشرات من العسكريين إلى الجزيرة، استعداداً للتدريبات مع الجيش الدنماركي.

وغادر قسم من هؤلاء لاحقاً، بمَن فيهم 15 جندياً ألمانياً وسويدياً، لكن آخرين يستمرون في الوصول.

وقال وزير الدفاع السلوفيني بوروت سايوفيتش، الأربعاء، إن ضابطين من بلاده سيتوجهان إلى غرينلاند نهاية الأسبوع.

وفي منتدى دافوس الأربعاء، أكد الرئيس الاميركي أنه لن يستخدم «القوة» لوضع اليد على غرينلاند، لكنه دعا إلى «مفاوضات فورية» لضم الجزيرة.

وكان قد اتهم، السبت، 8 دول أوروبية أرسلت عسكريين إلى غرينلاند، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بممارسة «لعبة بالغة الخطورة»، مهدداً بفرض مزيد من الرسوم الجمركية عليها.


غوتيريش ينتقد قادة «يزدرون القانون الدولي» تزامناً مع خطاب ترمب في «دافوس»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش ينتقد قادة «يزدرون القانون الدولي» تزامناً مع خطاب ترمب في «دافوس»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)

انتقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الأربعاء، القادة الذين «يزدرون القانون الدولي»، وذلك فيما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابه في «منتدى دافوس» في سويسرا.

وقال غوتيريش عبر منصة «إكس»: «عندما يتعامل القادة بازدراء مع القانون الدولي، وينتقون القواعد التي يطبقون ويتجاهلون غيرها، فإنهم يقوّضون النظام العالمي ويؤسسون لسابقة خطيرة».

وأضاف: «وحين تتمكن قلة من الأفراد من تشويه السرديات العالمية للأحداث، والتأثير في الانتخابات، أو فرض اتجاهات النقاش العام، نكون أمام حالة من اللامساواة وفساد يطال المؤسسات وقيمنا المشتركة».

وقال الرئيس الأميركي، في خطابه أمام «منتدى دافوس»، إن الولايات المتحدة هي «محرّك» الاقتصاد العالمي، مضيفاً: «عندما تزدهر أميركا يزدهر العالم... وعندما تسوء أحوالها، تسوء أحوال الجميع»، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحاول الرئيس الأميركي التركيز على جهوده لكبح التضخم وتحفيز الاقتصاد الأميركي. لكن ظهوره في هذا التجمع الذي ضمّ نخبة العالم، ركّز أكثر على شكواه من الدول الأخرى. وكرّر مراراً أن الولايات المتحدة هي الأقدر على السيطرة على غرينلاند، وسخر من معظم دول أوروبا لمعارضتها الفكرة.

وقال ترمب: «أنا أحب أوروبا وأريد أن أراها مزدهرة، لكنها لا تسير في الاتجاه الصحيح». وأضاف: «نريد حلفاء أقوياء، لا حلفاء ضعفاء».