التعليم في غزة يواجه صعوبات بالغة بعد استئناف الموسم الدراسي

المدارس التي سلمت من الدمار تحولت إلى مراكز إيواء... ومدارس جديدة مؤقتة أقيمت من الخيام

مدرسة تحولت إلى مركز إيواء للنازحين في جباليا بشمال قطاع غزة يوم 27 فبراير الماضي (أ.ف.ب)
مدرسة تحولت إلى مركز إيواء للنازحين في جباليا بشمال قطاع غزة يوم 27 فبراير الماضي (أ.ف.ب)
TT

التعليم في غزة يواجه صعوبات بالغة بعد استئناف الموسم الدراسي

مدرسة تحولت إلى مركز إيواء للنازحين في جباليا بشمال قطاع غزة يوم 27 فبراير الماضي (أ.ف.ب)
مدرسة تحولت إلى مركز إيواء للنازحين في جباليا بشمال قطاع غزة يوم 27 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

تواجه محاولات الجهات الحكومية في قطاع غزة لإحياء مسيرة التعليم صعوبات بالغة بعدما توقفت الدراسة لأكثر من عام في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر 2023، والذي جاء بعد نحو شهر من بدء الموسم الدراسي آنذاك.

وبقيت الدراسة في القطاع معطلة لأكثر من عام، قبل أن تبدأ مبادرات شبابية واجتماعية، وأخرى بدعم من وكالة «الأونروا»، وتحديداً في مناطق جنوب قطاع غزة، لتعليم الطلبة في مدارس مؤقتة أقيمت من الخيام والصفيح خاصةً في مناطق النزوح مثل مواصي خان يونس.

أبرز الصعوبات

بعد وقف إطلاق النار في 19 يناير (كانون الثاني) الماضي، بدأت الاستعدادات لمحاولة استئناف الموسم الدراسي، وهو الأمر الذي بدأ في 24 فبراير (شباط) الماضي، لكنه واجه صعوبات كبيرة جداً.

ومن بين هذه الصعوبات، كما يقول المدرس أحمد صيام، من سكان حي النصر بمدينة غزة، أن النازحين داخل المدارس يرفضون إخلاءها، لعدم وجود أماكن أخرى تحتضنهم، خاصةً بعد فشل إدخال كميات كبيرة من الخيام، ومنع الاحتلال إدخال البيوت المتنقلة (الكرفانات)، الأمر الذي فاقم من معاناتهم.

ولا توجد أرقام واضحة لعدد النازحين في المدارس الموجودة بقطاع غزة، لكن التقديرات تشير إلى أن هناك أكثر من مليون و200 ألف فلسطيني بلا مأوى بعد أن دمرت القوات الإسرائيلية منازلهم في مختلف أنحاء القطاع.

وأشار صيام في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن غالبية المدارس فقدت الأثاث المدرسي من طاولات وكراسي وألواح وغيرها، بفعل استخدامها من قبل السكان لإيقاد النار التي يستخدمونها لأعمالهم المنزلية مثل الطبخ وغيره، موضحاً أنه في تلك الفترة لم يكن يسمح بدخول الغاز أو أي وسائل أخرى إلى شمال القطاع.

وكانت وزارة التربية والتعليم بغزة طالبت النازحين في المدارس بتسليم غرف الصفوف حتى يمكن استخدامها لخدمة الطلاب. إلا أن العوائل النازحة لم تجد مكاناً تلجأ إليه.

خيام للنازحين في حي الزيتون بشمال قطاع غزة يوم 7 مارس الحالي (أ.ب)

ولفت صيام إلى أن ذلك دفع وزارة التربية والتعليم (الحكومة التي تديرها حركة «حماس»)، بالتعاون مع جهات أخرى منها «الأونروا» وغيرها من الوكالات، لوضع خيام داخل بعض الأماكن المفتوحة بهدف محاولة جذب الطلاب للدراسة، مشيراً إلى أن هذه الخطة نجحت جزئياً، موضحاً أن هناك العديد من أهالي الطلبة فضلوا التعليم الإلكتروني (عن بعد) الذي هو الآخر يواجه صعوبات تتعلق بعدم توافر الكهرباء والإنترنت بشكل دائم لدى أولياء أمور التلاميذ.

أهالي الطلبة

ويواجه قطاع غزة انقطاعاً كاملاً للكهرباء منذ هجوم حركة «حماس» على غلاف القطاع في السابع من أكتوبر 2023، بعد منع إسرائيل دخول الوقود لصالح محطة الكهرباء الوحيدة، ليبقى اعتماد السكان الوحيد على الطاقة الشمسية التي أيضاً تعرضت لاستهدافات إسرائيلية متكررة، ما أبقاها محدودة لدى بعض السكان المقتدرين على شرائها وفي ظل شح كمياتها مع زيادة الطلب عليها خلال فترات الحرب.

ميتم الأمل في مدينة غزة يوم 6 مارس الحالي (أ.ف.ب)

ويقول المواطن وائل الهليس، من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، إنه لا يتوافر في منزله كهرباء أو إنترنت لمساعدة أطفاله الثلاثة على تلقي تعليمهم بشكل آمن وسليم، في ظل المخاوف الأمنية من تعرض أي مكان للقصف في حال عادت الحرب من جديد، وفي ظل أن أقرب مكان لمنزله يتم فيه تعليم الأطفال يبعد نحو 800 متر عن منزله وهي مسافة بعيدة على أطفاله الذين لا يجدون أيضاً أي وسيلة مواصلات توصلهم إلى هناك بشكل آمن.

وتساءل الهليس عن دور وزارة التربية والتعليم و«الأونروا» في إيجاد حلول أفضل لمساعدة الطلاب في الحفاظ على مستقبلهم التعليمي، مشيراً إلى أن هناك جيلاً كاملاً يواجه مرحلة التجهيل بفعل عدم وجود خطة ناجحة للتعامل مع الأزمة الحالية.

من جهتها، قالت الغزية داليا أبو غنيمة، وهي من سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة، إن اثنين من أطفالها يواجهان صعوبات في الوصول لأقرب مركز تعليمي تم إنشاؤه في مجموعة خيام، مشيرةً إلى أنهما، مثل كثيرين من الطلاب، يواجهان صعوبات بعضها يرتبط باستيعاب المنهاج الدراسي بعد غياب أكثر من عام عن الدراسة. وأضافت: «الأهم من ذلك، هو ما إذا كان سيتم الاعتماد على الترفيع الآلي بعد أن ذهب عام دراسي كامل من مستقبل هذا الجيل من الطلاب»، معتبرةً محاولات الدراسة بالشكل الحالي لا تساهم في تحسين تعليم الأطفال، وأنه لا بد من إعادة عمل المدارس كما كانت حتى يستطيع هؤلاء الطلاب التكيف مع متطلبات الدراسة بشكل جيد.

أطفال في ميتم متضرر بفعل الحرب في مدينة غزة يوم 6 مارس الحالي (أ.ف.ب)

خارج الخدمة

وتحولت المدارس في قطاع غزة إلى مكان خارج الخدمة، بفعل الحرب الإسرائيلية التي استمرت 15 شهراً، وذلك بعد أن أصبحت جزءاً من مراكز إيواء، وكانت هدفاً للقوات الإسرائيلية التي دمرت وقصفت العديد منها، فيما تضررت أخرى. وتحولت المدارس التي سلمت من القصف إلى مراكز إيواء دائمة في ظل عدم وجود أي حلول تتعلق بإغاثة وإيواء السكان بغزة.

ووفق إحصائية صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن إسرائيل قصفت على مدار أكثر من 15 شهراً ألفاً و166 منشأة تعليمية، منها 927 مدرسة وجامعة ومركزاً تعليمياً وروضة أطفال دُمرت بالكامل، إضافة إلى مقتل 12 ألفاً و800 طالب و800 معلم وإداري.

وبحسب خالد أبو ندى، وكيل وزارة التربية والتعليم بغزة، فإن الخطة الحالية مبدئية، وتشمل استكمال العام الدراسي 2023/ 2024، على أن يتم إطلاق العام الجديد 2024/ 2025 بآليات استثنائية، وعقد دورة خاصة لطلبة الثانوية العامة (التوجيهي).

وأوضح أبو ندى، في تصريح صحافي، أن هناك خطة لمحاولة إعادة تأهيل المدارس المتضررة، وزيادة عدد المدارس المؤقتة من الخيام، وتعزيز التعليم الإلكتروني لمحاولة تعويض الفاقد الدراسي، وإطلاق برامج دعم نفسي لمساعدة الطلاب بعد أن غيرت الحرب من حياتهم.

حقائق

قطاع التعليم في غزة... الخسائر بالأرقام

قصفت إسرائيل 1166 منشأة تعليمية، منها 927 مدرسة وجامعة ومركزاً تعليمياً وروضة أطفال دُمرت بالكامل، إضافة إلى مقتل 12 ألفاً و800 طالب و800 معلم وإداري.


مقالات ذات صلة

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

المشرق العربي أطفال يلعبون وسط أنقاض مبانٍ مدمّرة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

أكد رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في الخارج خالد مشعل، رفض الحركة التخلي عن سلاحها وكذا قبول «حكم أجنبي» في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم العربي أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الأربعاء، وسط توترات مع إيران وجمود في مسار «اتفاق غزة».

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
TT

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي» الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق، وأبلغ الوفد رئيس الحكومة نواف سلام بملاحظاته على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف واسترداد الودائع.

وتتزامن الزيارة مع مناقشة اللجان البرلمانية لمشروع قانون «الفجوة المالية» واسترداد الودائع العالقة في المصارف منذ 2019، وهو مشروع قانون أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب لدراسته. كما تأتي الجولة عقب إقرار قانون الموازنة العامة للعام الحالي.

لقاء مثمر

وبحث الوفد في بيروت، الخطوات التي تؤدي إلى اتفاق مع صندوق النقد، سبق أن تعثر إبرامه في ربيع عام 2022. واستقبل رئيس الحكومة نواف سلام الوفد برئاسة إرنستو راميريز ريغو.

وأكد سلام أن اللقاء «كان إيجابياً ومثمراً، حيث تم البحث في ملاحظات الصندوق على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف، إضافةً إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع». وأشارت رئاسة الحكومة اللبنانية في بيان إلى أن البحث «تناول الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق».

كذلك، زار الوفد رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ويتابع وفد الصندوق الخطوات التشريعية لقانون «الفجوة المالية» الذي يرى مسؤولون ماليون لبنانيون أن ثغرات قانونية وإجرائية في المشروع الحكومي، «تتنافى مع توصيات الصندوق»، ولا سيما ما يخص تطوير خطة «قيد الخسائر وتوزيعها، واستعادة قوة القطاع المصرفي بما يتناغم مع المعايير الدولية واعتبارات حماية صغار المودعين واستدامة القدرة على تحمل الدين العام».


قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
TT

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول القطاعات الإنتاجية اللبنانية والصادرات إلى الدول العربية وقطاع النقل البري، فضلاً عن انعكاسات سلبية على تكلفة التبادل التجاري، والقطاعات الإنتاجية في البلدين، لا سيّما الزراعة والصناعات الغذائية.

كانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا أصدرت الأحد قراراً جديداً ينظّم حركة الشحن عبر المنافذ البرية والمرافئ البحرية، متضمناً قيوداً على دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية، ويقضي بإلزامها بتفريغ حمولتها داخل الساحات الجمركية ونقلها إلى شاحنات سورية، واستثنى القرار الشاحنات العابرة بنظام «الترانزيت».

تحركات لبنانية

وعُقِدَ اجتماع موسّع في المديرية العامة للنقل البري والبحري، ضمّ ممثلين عن اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، والمصدّرين والوكلاء البحريين ووسطاء النقل، إضافة إلى ممثل عن وزارة الزراعة ورئيس مصلحة النقل البري طوني عساف، خُصّص لبحث تداعيات القرار.

مشاركون في اجتماع المديرية العامة للنقل البري والبحري في بيروت لمناقشة القرار السوري (الوكالة الوطنية)

وأجمع الحاضرون على أنّ القرار «انعكس سلباً على قطاع النقل البري اللبناني وشركات الشحن والترانزيت، وعلى السائقين والعاملين في هذا القطاع، إضافة إلى المصدّرين اللبنانيين، لا سيّما في ما يتعلّق بالمواد الغذائية والسلع القابلة للتلف»، محذّرين من تراجع حجم وانسيابية حركة التبادل التجاري بين الجانبين.

كما رأى المجتمعون أنّ المسار الدبلوماسي لم يفضِ، حتى الآن، إلى معالجة تضمن التوازن في حركة النقل البري بين البلدين، رافضين تحميل القطاع اللبناني أعباء إضافية ناتجة عن إجراءات أحادية الجانب. ودعوا وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني إلى اتخاذ إجراءات تحمي القطاع، بما فيها اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل إلى حين إعادة تطبيق أحكام الاتفاقية النافذة.

سوريا متنفس أساسي

في قراءة اقتصادية أوسع، قال رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد لـ«الشرق الأوسط»، إنّه يتمنّى أن تكون الإجراءات المتّخذة «مؤقّتة وقابلة للإزالة، بما يسمح بعودة الأمور إلى طبيعتها»، مذكّراً بأنّ سوريا تشكّل «متنفّساً أساسياً للبنان، سواء لجهة الصناعة أو الزراعة».

وأوضح أنّ «هناك مساعي وإجراءات قيد البحث لمعالجة التداعيات»، معرباً عن أمله في أن تتمّ المعالجة «من خلال سياسة واضحة للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين لبنان وسوريا، تقوم على الشفافية الكاملة، وتراعي مصالح البلدين على حدّ سواء».

وأكد عربيد أنّ «أي قرار من هذا النوع يترك انعكاسات مباشرة، لا سيّما على تصدير الخضار والفاكهة وسائر المنتجات»، معتبراً أنّ ذلك «يضغط أكثر على قطاع إنتاجي يعاني أساساً من أوضاع صعبة»، وشدد على أنّ لبنان «بحاجة ماسّة إلى تسهيل التصدير، وتسهيل العبور والنقل، بوصفها ركائز أي مقاربة جديّة للتبادل التجاري بين بلدين جارين تربطهما علاقات اقتصادية تاريخية».

تكلفة مرتفعة

في المقابل، قدّم مدير «المعهد اللبناني لدراسات السوق»، الدكتور باتريك مارديني، قراءة تقنية - اقتصادية للقرار، موضحاً أنّه «سيؤدي إلى ارتفاع التكلفة، ولا سيما على المستهلك السوري». ولفت إلى أنّ «السلطات السورية منعت الشاحنات الأجنبية من تفريغ أو تحميل بضائعها داخل سوريا، ما فرض اعتماد نظام (باك تو باك)، حيث تُفرغ الشاحنات حمولتها عند الحدود لتتسلّمها شاحنات سورية، والعكس صحيح».

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا خلال اعتصام رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

ورأى مارديني أنّ «هذا النظام يزيد التكلفة والوقت، ويعقّد العمليات اللوجستية، الأمر الذي ينعكس سلباً على المستهلك السوري، في بلد خارج من حرب ويعتمد بشكل كبير على الاستيراد، سواء للمواد الغذائية أو للأدوية وسائر السلع الأساسية».

وأشار إلى أنّ «المرحلة السابقة شهدت تسهيلاً لعمليات الاستيراد والتصدير في سوريا، ما أدّى إلى انخفاض ملحوظ في أسعار السلع الاستهلاكية بعد كسر الاحتكارات الداخلية، وهو ما استفاد منه المستهلكون، لا سيّما الفئات الأكثر فقراً»، معتبراً أنّ «القرار الجديد يُعيد تعزيز هذه الاحتكارات، إذ يخفّف من رغبة الدول المجاورة في التصدير إلى سوريا أو الاستيراد منها، بسبب ارتفاع التكلفة وزيادة الوقت والمخاطر، خصوصاً بالنسبة للمنتجات الزراعية القابلة للتلف».

وفي ما يتعلّق بالأرقام، أكّد مارديني أنّه «لا توجد بعد تقديرات رسمية للخسائر أو للانعكاسات الاقتصادية على لبنان»، معتبراً أنّ «الوقت لا يزال مبكراً لإعطاء أرقام دقيقة»، مشيراً إلى أنّ «تجارب سابقة أظهرت أنّ تغيّر سلاسل الإمداد قد يكلّف ما بين مليونين وعشرة ملايين دولار، تبعاً لسرعة معالجة الأزمة وكيفية تطبيق الإجراءات».

إنعاش قطاع النقل السوري

وعن خلفيات القرار، أوضح أنّ «هناك رغبة لدى الحكومة السورية في إعادة إنعاش قطاع النقل الذي تضرّر خلال الحرب، من خلال اعتماد نوع من سياسات الحماية»، إلا أنّه شدّد على أنّ «هذه السياسة، وإن هدفت إلى دعم قطاع النقل، تؤدي عملياً إلى الإضرار بالاقتصاد السوري ككل، وبالمصدرين السوريين، نتيجة ارتفاع التكلفة وطول مدة النقل، ما يضعف قدرتهم التنافسية إقليمياً». كما أشار إلى «محاولة موازية لإعادة تنشيط المرافئ السورية، في ظل اعتماد السوق السورية حالياً على مرافئ خارجية، مثل مرفأ بيروت أو المعابر عبر الأردن».

وأكد أنّ «تأثير القرار على القطاعات الإنتاجية، سواء الزراعية أو الصناعية، هو تأثير متبادل، إذ تزداد أكلاف تصدير المنتجات اللبنانية إلى سوريا، كما ترتفع أكلاف تصدير المنتجات السورية إلى لبنان»، معتبراً أنّ هذه السياسات تمثّل «خسارة للطرفين» من الناحية الاقتصادية.

خسائر فورية

بدوره، وصف رئيس «الاتحاد الوطني للفلاحين في لبنان» إبراهيم الترشيشي القرار بأنّه «مرتبك، ولا يستند إلى أي دراسة عادلة أو مدروسة»، لافتاً إلى أنه «أدّى إلى إرباك كبير وأضرار جسيمة».

وأوضح أنّ «التنفيذ الفوري ألحق خسائر مباشرة بأصحاب الشاحنات وبالتجّار والمزارعين، مع تلف بضائع زراعية حساسة، لا سيّما الموز، وارتفاع تكلفة الشاحنة المبرّدة بما يتراوح بين 500 و600 دولار إضافية، فضلاً عن أعباء التنزيل والتحميل والتأخير».

وأشار إلى أنّ لبنان «يصدّر يومياً ما بين 10 و15 شاحنة موز إلى سوريا، إضافة إلى سلع صناعية وغذائية أخرى باتت تتحمّل الأعباء نفسها، ما ينعكس خسائر على المنتج والمستهلك في آنٍ واحد». وشدّد على أنّ لبنان «ليس المقصود بهذا القرار»، رافضاً منطق المعاملة بالمثل، ومؤكداً أنّ «لبنان كان وسيبقى مع أشقائه العرب»، وحذّر من تداعيات هذا الإجراء، معتبراً أنّه «سيرفع تكلفة النقل وتكلفة الإنتاج، ما سينعكس سلباً على كلٍّ من المنتج والمستهلك في آنٍ واحد»، مؤكّداً أنّ «أي تصعيد من هذا النوع بين دولتين لا يصبّ في مصلحة الشعب، ولا يخدم الإنتاج الوطني».

Your Premium trial has ended


تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
TT

تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

جدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، الثلاثاء، حرص بلاده على أمن ووحدة الأراضي السورية واستقرارها، مشدداً على أن قرار نقل عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين في السجون والمعتقلات السورية إلى العراق جاء «بقرار عراقي سيادي»؛ يهدف إلى حماية الأمن الوطني والإقليمي والدولي، في حين أكد مسؤول أمني بارز أن تحقيقات العراق مع السجناء «بدأت من الصفر».

وجاءت تصريحات السوداني خلال استقباله سفير الأردن في بغداد، ماهر سالم الطراونة، حيث ناقش الجانبان تطورات الملف الأمني الإقليمي، إلى جانب سبل تعزيز التعاون الثنائي والثلاثي بين العراق والأردن ومصر، بما يسهم في دعم الاستقرار بالمنطقة.

وأعرب السفير الأردني عن شكر بلاده للعراق على «دوره المحوري في حفظ أمن المنطقة واستقرارها»، مؤكداً استعداد عمّان للتعاون في ملف نقل سجناء «داعش» وتعزيز إجراءات الأمن الإقليمي.

تحقيقات قضائية

ووفق بيانات أمنية عراقية، فقد بلغ إجمالي عدد عناصر تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من السجون والمعتقلات السورية إلى العراق حتى الآن 4583 عنصراً، من أصل ما بين 7 و8 آلاف معتقل، ينتمون إلى 42 دولة عربية وأجنبية.

وقال رئيس «خلية الإعلام الأمني» في «قيادة العمليات المشتركة»، الفريق سعد معن، إن عمليات النقل ما زالت مستمرة «جواً وبراً، وعلى شكل دفعات»، ووفق إجراءات أمنية مشددة، وصولاً إلى «أماكن احتجاز مؤمنة بالكامل»، مؤكداً أنه «لا مجال لحدوث أي خروقات».

وأوضح معن، في تصريحات متلفزة، أن نقل المعتقلين جاء نتيجة «ثقة المجتمع الدولي بالعراق»، إضافة إلى «حق العراقيين في الكشف عن حجم الجرائم والظلم الذي تعرضوا له»، مشيراً إلى أن التحقيقات القضائية مع المعتقلين بدأت منذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، وأنه يشرف عليها قضاة كبار في محكمة تحقيق بغداد - الكرخ.

حافلات تنقل «دواعش» من سوريا إلى العراق بمدينة القامشلي السورية (رويترز)

قيادات خطرة

وكشفت التحقيقات الأولية، وفق المسؤول الأمني، عن وجود «عناصر شديدة الخطورة وقيادات كبيرة في تنظيم (داعش)»، بعضهم متورط في جرائم مباشرة ضد العراقيين منذ عام 2014، فيما أظهرت التحقيقات أن عدداً منهم استخدم أسلحة كيمياوية في تنفيذ هجمات داخل العراق.

وأكد معن أن القضاء العراقي باشر التحقيق «من الصفر» رغم امتلاك الأجهزة الأمنية معلومات واسعة عن كثير من المتهمين، متوقعاً أن تستمر التحقيقات «أشهراً عدة»، وأن تسفر عن نتائج مهمة لتحديد المسؤوليات الجنائية بدقة.

وأشار إلى أن الجانب السوري لم يُجرِ محاكمات بحق عناصر التنظيم؛ مما يتيح للعراق محاكمتهم وفق قانون العقوبات العراقي وقانون مكافحة الإرهاب، وبما يتناسب مع الاختصاص المكاني والجرائم المرتكبة، لافتاً إلى أن المعتقلين يمثلون العراق وسوريا إلى جانب عشرات الدول الأخرى.

«قنبلة موقوتة»

ووصف رئيس «خلية الإعلام الأمني» عناصر «داعش» المنقولين من سوريا بأنهم «قنبلة بشرية موقوتة لو كانوا خارج السجون»، مؤكداً أن احتجازهم في سجون عراقية مؤمنة «جنّب المنطقة أخطاراً جسيمة».

وشدد على أن العراق بات «رأس حربة في محاربة الإرهاب»، ويتمتع بتنسيق وتعاون أمني مستمر مع مختلف دول العالم، إلى جانب جهود داخل السجون لتفكيك الفكر المتطرف عبر لجان حكومية ومستشاري الأمن القومي.

في موازاة ذلك، أكد معن أن العمليات العسكرية والاستخبارية ضد خلايا «داعش» النائمة مستمرة، وأن القوات العراقية تنفذ عمليات استباقية وضربات دقيقة، مشيراً إلى أن الشريط الحدودي مع سوريا «مؤمّن بشكل كامل» بقوات قتالية وتحصينات واسعة، وأن لدى العراق «رؤية شاملة لما يجري خارج حدوده»، على حد تعبيره.