ما «ضريبة الجهاد» التي أٌقرت في عهد القذافي وألغتها محكمة ليبية؟

مطالب بتحريك دعاوى قضائية ضد السلطة التنفيذية لرد المبالغ المستقطعة

الرئيس الليبي الراحل معمّر القذافي (إ.ب.أ)
الرئيس الليبي الراحل معمّر القذافي (إ.ب.أ)
TT

ما «ضريبة الجهاد» التي أٌقرت في عهد القذافي وألغتها محكمة ليبية؟

الرئيس الليبي الراحل معمّر القذافي (إ.ب.أ)
الرئيس الليبي الراحل معمّر القذافي (إ.ب.أ)

بعد نحو أكثر من نصف قرن من اقتطاع نسبة من رواتب الموظفين الليبيين لصالح ما كانت تُعرف بـ«ضريبة الجهاد»، قضت المحكمة العليا في البلاد بعدم دستورية القانون رقم 44 لسنة 1970، الذي أُقرّ في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي.

فما هذه الضريبة؟ وإلى من كانت توجّه تحديداً؟ ومَن كان السبب في إلغائها؟

في بدايات يناير (كانون الثاني) 2017، حرّك الليبي علي السنوسي مناع، الذي يعمل بوزارة التربية التعليم، دعوى قضائية ضد 7 شخصيات ليبية بصفتهم، هم: رئيس مجلس النواب، ورئيس المؤتمر الوطني العام، ورئيس جمعية الدعوة الإسلامية، ورئيس لجنة صندوق الجهاد، ورئيس مجلس الوزراء، إضافةً إلى وزير المالية والممثل القانوني لمصلحة الضرائب.

وقال مناع في دعواه إن جهة عمله تستقطع من راتبه ما نسبته (3 في المائة) شهرياً، تحت مسمى (ضريبة الجهاد)، التي أُقرت بالقانون الصادر عن (مجلس قيادة الثورة) في 26 مارس (آذار) 1970.

المحكمة العليا في ليبيا (صفحتها على «فيسبوك»)

وأضاف الطاعن -وفق نص بيان المحكمة العليا، الذي عرضته «الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية»، مساء الأربعاء- أن هذا الاقتطاع «يخالف المادة الأولى من الإعلان الدستوري، الصادر في الثالث من سبتمبر (أيلول) 2011، والتي تقضي بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع في ليبيا؛ لذا فإن القانون المطعون فيه مخالف للإعلان الدستوري، ويتعين الحكم بعدم دستوريته».

والقانون الذي ظل معمولاً منذ إقراره قبل نصف قرن، نص في مادتيه الأولى والثانية على فرض ضريبة إضافية على الأرباح والدخول، تسمى «ضريبة الجهاد»، بنسبة 1 في المائة إذا لم يتجاوز الدخل 50 ديناراً شهرياً، و2 في المائة إذا لم يتجاوز 2 في المائة، و3 في المائة إذا زاد على 100 دينار.

وبيّن القانون (رقم 44)، الذي أُعيد تنظيمه بموجب القانون (رقم) 59 لسنة 1972، الأهداف التي أنشئ من أجلها؛ وتتمثل في «دعم استعداد العالم الإسلامي للجهاد ضد القوى الاستعمارية، وتمكينه من الحفاظ على كيانه واستقلاله، بالإضافة إلى تقديم المساعدة النقدية والعينية إلى أسر الشهداء والجرحى، وضحايا العدوان الاستعماري من أبناء الأمة الإسلامية، والمساهمة في بناء ودعم المنشآت، التي تخدم الدعوة الإسلامية وشؤون المسلمين».

ووفق صفحة «المجمع القانوني الليبي»، فإن المادة الثالثة من قانون «ضريبة الجهاد»، وجهت وزراء الخزانة والداخلية والحكم المحلي والمواصلات بتنفيذ القانون، بالإضافة إلى آخرين، كان من بينهم عبد السلام جلود وزير الخزانة، والعقيد معمر القذافي رئيس مجلس الوزراء، والرائدان الخويلدي الحميدي ومختار القروي.

وقالت المحكمة العليا في حكمها إن القضاء الدستوري «بما له من مواءمات يٌنزل حكمه بما يتلاءم مع مقتضيات المصلحة العامة؛ فإنه راعى عدم إثقال كاهل الدولة برد ما استقطعته من الضريبة، القاضي بعدم دستورية القانون الذي فرضها».

وقضت المحكمة بعدم قبول الطعن شكلاً في مواجهة المطعون ضدهم بصفاتهم من الثاني إلى السابع؛ وبقبوله شكلاً في مواجهة المطعون ضده الأول، وفي الموضوع بعدم دستورية القانون رقم 44 لسنة 1970 بفرض ضريبة الجهاد.

وسبق للمفتي الليبي، الصادق الغرياني، (المعزول من البرلمان) أن أفتى بتحريك دعاوى قضائية ضد استقطاع نسبة من رواتب الموظفين لحساب «ضريبة الجهاد»، كما دعا المواطنين إلى استرداد هذه المبالغ، التي تُستقطع منذ نحو 53 عاماً.

ورغم أن حكم المحكمة قضى بعدم رد المبالغ، فإن هناك من يدعو لتحريك دعاوى قضائية ضد السلطة التنفيذية لرد المبالغ المستقطعة، منذ إقرار القانون قبل نصف قرن.


مقالات ذات صلة

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
أوروبا العلم البريطاني خارج إحدى محاكم لندن (رويترز-أرشيفية)

محاكمة سمسارَي أسلحة في بريطانيا أبرما صفقات مع ليبيا وجنوب السودان

أبلغ مدعون بريطانيون محكمة في لندن، اليوم الثلاثاء، أن اثنين من سماسرة الأسلحة رتبا صفقات غير قانونية لتزويد ليبيا وجنوب السودان بأسلحة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)
عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)
عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)

مع دخول الحرب السودانية تدخل عامها الرابع، لقي 35 صحافياً مصرعهم، وتعرض 500 من الصحافيين والمؤسسات الإعلامية لانتهاكات، ودُمرت أو نُهبت أكثر من 60 مؤسسة صحافية، واضطر نحو 14 مليون سوداني للنزوح أو اللجوء، وحُرم أكثر من 17 مليون تلميذ من حقه في التعليم، ودُمرت 80 في المائة من المؤسسات الصحية، وتحوَّل قرابة نصف سكان البلاد إلى «جوعى».

وقالت نقابة الصحافيين السودانيين، في بيان، الأربعاء، في ذكرى انطلاق شرارة الحرب يوم 15 أبريل (نيسان) 2023، إن الأطراف المتحاربة استهدفت الصحافة؛ لأنها ظلت في قلب الحدث منذ الوهلة الأولى، وأدى ذلك لمقتل 35 صحافياً، وتعرُّض أكثر من 500 مؤسسة إعلامية والعاملين بها لانتهاكات جسيمة، وتدمير أو نهب 60 مؤسسة إعلامية، وإخضاع أعداد من الصحافيين للاعتقال أو الإخفاء القسري.

وقطعت النقابة بعدم وجود «بوادر حقيقية لسلام يلوح في الأفق القريب»، مع استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاق الحرب، وتفاقم معاناة المواطنين.

الصحافي معمر إبراهيم الذي تقول نقابة الصحافيين إنه معتقل لدى «قوات الدعم السريع» منذ سيطرتها على مدينة الفاشر (النقابة)

ووفقاً لنقابة الصحافيين، بلغ عدد النازحين خلال السنوات الثلاث الماضية نحو 14 مليوناً، بينهم 9 ملايين نزحوا داخلياً، وعبر 4.4 مليون شخص الحدود نحو الدول المجاورة، ما أدى لحدوث «واحدة من أكبر وأسوأ أزمات النزوح في العالم، وأكثرها كارثية».

وعدَّت النقابة الحرب انحرافاً وارتداداً عن أهداف ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وأنها ليست نتيجة حدث معزول، بل ثمرة مباشرة لما أطلقت عليه «مساراً سياسياً مختلاً أعقب الثورة».

وأضافت: «فتحت ثورة ديسمبر الأفق واسعاً أمام التحول المدني والدولة الديمقراطية، غير أن تعثّر الانتقال بفعل قوى مدنية وعسكرية على السواء أسهم في إنتاج الشروط التي قادت إلى اندلاع الحرب».

وأحدثت الحرب تداعيات إنسانية بالغة أخرى، فقد حرمت أكثر من 17 مليون طفل من التعليم، وتركت ما يزيد على 25 مليون شخص - أي أكثر من نصف السكان تقريباً - ليواجهوا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع تسجيل حالات مجاعة فعلية في عدد من المناطق.

الصحافية هاجر سليمان التي تقول نقابة الصحافيين إن النيابة رحَّلتها من الخرطوم إلى مدينة دنقلا قبل أن تطلق سراحها (النقابة)

وذكر البيان أن نحو 80 في المائة من المرافق الصحية في مناطق النزاع بات خارج نطاق الخدمة، مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، واستمرار استهداف الكوادر الصحية، وانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة بمعدلات مخيفة.

ودعت النقابة الصحافيين والإعلاميين للعمل على مواجهة «خطاب الكراهية» قائلة: «شهدت الساحة السودانية تفشياً مقلقاً وغير مسبوق لخطاب الكراهية، الذي اتخذ أبعاداً خطيرة تهدد السلم المجتمعي وتغذي الانقسامات على أسس عرقية وجهوية وسياسية».

وأرجعت تفشي خطاب الكراهية إلى غياب المؤسسات الإعلامية المهنية، وحالة الاستقطاب الحاد، والبيئة الخصبة لتداول المعلومات غير الموثوقة، ما فتح الباب لانتشار الأخبار الكاذبة والمضللة بشكل واسع، لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي التي قالت إنها حلت محل المؤسسات الإعلامية لتصبح المصدر الأساسي للأخبار.

وحذرت النقابة من «التوظيف الممنهج للمعلومات المضللة»، لإدارة الصراع بالتأثير على الرأي العام، وقالت: «في ظل غياب آليات فعالة للتحقق، وتراجع دور الصحافة المهنية المستقلة، والاستهداف المباشر للصحافيين والمؤسسات الإعلامية، ينتشر خطاب الكراهية، باعتباره خطراً حقيقياً على وحدة البلاد، وتقويض فرص السلام والاستقرار، وليس مجرد تهديد لحرية التعبير».

كما أدت الحرب وسياسات الإفقار الممنهجة إلى زيادة معدلات الفقر وسط الصحافيين، الأمر الذي يُفضي إلى نتائج خطيرة، على رأسها هجر المهنة والعزوف عنها.

الصحافية مياه النيل مبارك التي تقول نقابة الصحافيين إن السلطات في الخرطوم اعتقلتها في أثناء تغطيتها امتحانات المتوسطة بدعوى انتحال شخصية صحافي (النقابة)

واعتبرت النقابة استهداف الصحافيين وتقييد العمل الإعلامي «انتهاكاً مباشراً لحرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة»، يتيح المجال لانتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، وقالت: «استهداف الصحافيين ليس عرضاً جانبياً، بل جزءاً أساسياً في معركة السيطرة على الرواية، فالحرب كما تعلمون تدار إعلامياً كما تدور في ميادين القتال».

وطالبت النقابة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين جميعاً، وإنهاء حالات الإخفاء القسري، وضمان حرية الوصول إلى المعلومات في مناطق النزاع كافة، وقالت: «في ظل غياب أو تغييب الصحافة الحرة عمداً، تتناقص فرص توثيق الجرائم والانتهاكات، وتُخفى الأدلة والقرائن، ما يسمح بتقليل مساحة المساءلة وزيادة معدلات الإفلات من العقاب».

وأكدت النقابة موقفها الرافض للحرب كوسيلة لحل النزاعات، ورأت أن الحل يكمن في «مسار مدني سلمي» يقوم على «مبادئ الحرية والسلام والعدالة»، كما أكدت تمسكها بوحدة السودان، ورفضها لمحاولات التقسيم والتفكيك، وأعلنت دعمها للمبادرات الهادفة لحماية حق التعليم، خصوصاً مبادرة معالجة أزمة «امتحانات الشهادة السودانية لعام 2026»، وأشارت إلى أهمية تمكين جميع الطلاب من أداء امتحاناتهم في ظروف عادلة ومنصفة.


شرق الكونغو... اجتماعات جنيف بين آمال التهدئة وواقع التعثر

قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
TT

شرق الكونغو... اجتماعات جنيف بين آمال التهدئة وواقع التعثر

قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)

غداة أشهر من التعثر في تطبيق مسار السلام بشرق الكونغو وتصاعد العنف في 2026، احتضنت جنيف محادثات بين الحكومة وحركة «23 مارس» المتمردة بعد عام من الاتفاقات برعاية أميركية - قطرية، لم تصمد منذ مطلع العام الحالي.

تلك المحادثات التي تشارك فيها الدوحة وواشنطن، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» قادرة على فتح الباب للعودة لمسار التهدئة، غير أن واقع التعثر سيظل قائماً طالما لم يقم على 3 عوامل رئيسية، تشمل المصالحة الشاملة والتنمية.

وأفادت «إذاعة فرنسا الدولية» بأن حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية ومندوبي حركة «23 مارس» اجتمعوا بجنيف، الثلاثاء، في محاولة لإنهاء الحرب التي دمرت شرق البلاد، غداة انطلاق الجولة التاسعة من المحادثات التي تختتم الجمعة، بمشاركة مندوب قطري ومبعوث الولايات المتحدة، مسعد بولس، بينما حضر ممثل عن بعثة الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية (مونوسكو) بصفة مراقب، وسط مناقشات أولية كانت «صعبة».

وتجرى المحادثات وسط استمرار المواجهات، حيث تتركز المعارك حالياً في مقاطعتي كيفو الشمالية، وكيفو الجنوبية، الشرقيتين.

وأكّد متحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، استمرار جهود الوساطة بين الكونغو الديمقراطية وحركة «23 مارس» ورواندا، والتمسك بالمسار القائم، رغم التحديات المرتبطة بتنفيذ الاتفاقات، التي يجري متابعتها بشكل مستمر.

وباليوم ذاته، بحث رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، مع الممثل الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة في البلاد، ورئيس بعثة الأمم المتحدة، لتثبيت الاستقرار هناك، جيمس سوان، دعم عمل البعثة في مراقبة وقف إطلاق النار المتفق عليه في واشنطن وقطر، وفق بيان للرئاسة الكونغولية عبر منصة «إكس».

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، لـ«الشرق الأوسط»، إن انطلاق المحادثات بين الحكومة الكونغولية و«23 مارس» بسويسرا يأتي في سياق المحاولات الحثيثة والمقدرة التي تبذلها قطر والولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الأطراف الإقليمية الفاعلة، بهدف إعادة الأمن والاستقرار في شرق الكونغو، بما يسهم في تحقيق الاستقرار المنشود في منطقة البحيرات العظمى بأكملها.

وشدّد على أن هذه الخطوة تعدّ في غاية الأهمية، كونها تأتي ضمن سلسلة من التعقيدات والمحاولات الحثيثة لتحقيق الاستقرار في شرق الكونغو، وهي المحاولات التي واجهت في فترات سابقة عثرات عدة، وباءت بالفشل.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن المسار الحالي في سويسرا «يمكن أن يفتح الباب أمام حوار جادّ، ويتوصل إلى نتائج ملموسة، لكن التحدي الحقيقي يظل دائماً في كيفية تنفيذ هذه النتائج على أرض الواقع»، بحسب تورتشين.

وقبيل المحادثات، اتهم الزعيم السياسي للحركة، برتراند بيسيموا، القوات الحكومية «بتصعيد الهجمات»، قائلاً: «اختار نظام كينشاسا توقيت استئناف المفاوضات السياسية لقصف عدة قرى».

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى تورشين أن التعقيدات الإثنية والعرقية المتجذرة في منطقة البحيرات العظمى تفرض ضرورة تبني مقاربات غير تقليدية تختلف عن النتائج التي تم التوصل إليها في الجولات السابقة. ويضيف: «هناك حاجة إلى واقع جديد يبدأ بتحقيق السلم المجتمعي أولاً، كمدخل أساسي قبل الولوج في الأبعاد السياسية، خاصة أن آثار وتبعات الصراعات التاريخية بين قوميتي الهوتو والتوتسي لا تزال حاضرة ومؤثرة، سواء في الكونغو أو رواندا أو بوروندي».

ويؤكد أن مسألة المصالحات الوطنية هي أمر جوهري، ولا غنى عنه، حيث إن البعد المجتمعي يعدّ المدخل الحقيقي للاستقرار السياسي، والسلم المجتمعي يتطلب مصالحات حقيقية وعدالة انتقالية فاعلة، وكذلك تلعب التنمية دوراً محورياً في تحقيق الأمن، ويلفت إلى أنه على الرغم مما تتمتع به مناطق شرق الكونغو من ثروات هائلة وإمكانات ضخمة، فإن الفقر والبؤس يسيطران على الواقع السياسي والاقتصادي، ما يجعل من استمرارية الحرب واقعاً معاشاً.

وخلص الخبير في الشؤون الأفريقية إلى تأكيد ضرورة التركيز على 3 عوامل أساسية لتحقيق السلام في شرق الكونغو ومنطقة البحيرات العظمى، أولها البعد الاقتصادي والتنموي، بجانب تعزيز المشاركة السياسية على كافة المستويات المحلية والإقليمية والوطنية للمجموعات التي تشعر بالاضطهاد والتهميش، وأخيراً تطبيق العدالة الانتقالية والمصالحات الوطنية الشاملة.


قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)
بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)
TT

قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)
بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)

بعد ثلاثة شهور، سيكون على الثلاثينية سارة أحمد، جمع أغراضها تمهيداً للانتقال من الشقة التي تسكنها حالياً في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة) إلى شقة أخرى، لا تعلم أين أو كيف سيكون حالها، وإن كانت تُرجح أنها «ستكون أسوأ، في ظل الارتفاعات الكبيرة في الإيجارات».

تؤجر سارة وزوجها وطفلتها ذات الثلاثة أعوام، شقتها بنظام «الإيجار الجديد»، ولا تتجاوز مساحتها 90 متراً، لكنها تبتلع ربع ميزانية أسرتها تقريباً، بقيمة 2500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً)، وسينتهي عقدها في يوليو (تموز) المقبل، وحين سألت عن الأسعار في المناطق المحيطة وجدتها بمتوسط 4 آلاف جنيه.

وتشهد مصر منذ عدة سنوات قفزات كبيرة في أسعار الشقق السكنية بنظام «الإيجار الجديد»، الذي يحصل بموجبه المُستأجر على الشقة مقابل عقد يتجدد سنوياً أو كل عدة سنوات.

وتختلف منظومة «الإيجار الجديد» عن «الإيجارات القديمة» التي يسكنها نحو 1.6 مليون أسرة وفق تقديرات رسمية، في أن عقود «القديمة» غير محددة المدة، وهو الوضع الذي تدخل القانون رقم 164 لسنة 2025 لإنهائه.

وارتبطت قفزات الإيجارات في مصر بتوافد مئات الآلاف من اللاجئين خصوصاً السودانيين، بعد اندلاع الحرب السودانية في أبريل (نيسان) 2023، حيث تمركزوا في مناطق معينة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الإيجارات فيها، وأبرزها منطقة فيصل الشعبية (جنوب القاهرة) التي كان يسكنها أبناء الطبقة الدُنيا وشرائح من الطبقة الوسطى في مصر.

ولم تقتصر ارتفاعات الإيجارات على هذه المناطق، إذ باتت سمة في سوق العقارات بشكل عام، وهو ما أقرت به الحكومة آنذاك، وعدها رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في أغسطس (آب) 2024، «مؤقتة»، لكن الارتفاعات استمرت، ولم تتراجع حتى مع رحيل بعض الوافدين، في ظل معدلات مرتفعة من التضخم.

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

تسكن سامية إبراهيم (اسم مستعار) مع أسرتها الصغيرة، في منطقة فيصل منذ عدة أعوام، مقابل إيجار شهري 5 آلاف جنيه، لمدة 3 أعوام بزيادة سنوية نحو 500 جنيه. تقول لـ«الشرق الأوسط» إنه بفعل ارتفاع أسعار الإيجارات بالمنطقة بعد توافد السودانيين، لن يكفي المبلغ الحالي للحصول على شقة بالمستوى المتوسط نفسه.

تصف سامية، وهي صحافية وأم لطفلة، وضعها الحالي قائلة: «نعيش بصحبة كراتين ورقية نضع فيها أغراضنا عند الانتقال، في حالة من عدم الاستقرار، والتأزم المستمر في المصاريف، حتى أن زوجي يعمل في وظيفتين بخلاف عملي أنا أيضاً».

واستغاثت السيدة الأربعينية هاجر كامل، بالرئيس عبد الفتاح السيسي، في مقطع فيديو انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب ارتفاعات الإيجارات المبالغ فيها، مطالبة الحكومة بوضع حد لها.

تسكن هاجر حالياً في شقة سينتهي عقدها في مايو (أيار) المقبل، مع أطفالها الأربعة، وهي مطلقة، قائلة إنهم يوفرون احتياجاتهم المعيشية الأساسية من طعام وشراب بصعوبة كبيرة، ويرغب مالك الشقة في رفع إيجارها لـ2500 وهو ما لن تستطيع تحمله، وتابعت: «كثيرون مثلي».

وانتشر المقطع وسط تعليقات مستنكرة لارتفاع الإيجارات وغلاء المعيشة، ما يعمق أزمات البسطاء.

وبلغ معدل التضخم على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، 15.2 في المائة، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي.

وأشار الكاتب الاقتصادي والباحث في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، إلى أن سوق العقارات في مصر تشهد تضخماً لافتاً يتغذى على التضخم العام ما يؤثر على ارتفاع الإيجارات، ويضع أعباء كبيرة على كاهل الأسر.

وأضاف عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن سوق العقارات لا تشهد تراجعاً في الأسعار رغم معاناتها من حالة ركود، ووفرة في المعروض مقابل الطلب، غير أنه في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار يعد أصحاب العقارات أنها مخزون جيد للقيمة، فيرفعون الأسعار، مشيراً إلى أن عقوداً تشهد بنوداً تربط زيادة القيمة الإيجارية بسعر الدولار.

بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)

وكلما تمكن فارس قنديل (اسم مستعار) وهو مصور فوتوغرافي، من دفع إيجار شهر لشقته التي لا تتعدى مساحتها الـ60 متراً في منطقة السيدة زينب (وسط القاهرة) يسقط حمل من على كتفيه لساعات، قبل أن يعود إليه قلق حول كيفية تدبير إيجار الشهر المقبل، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

لدى قنديل طفل وطفلة في المرحلتين الأساسية والتمهيدية، وتعمل زوجته موظفة، بينما يعمل هو بنظام القطعة (مصور حر)، ويدفع إيجاراً قيمته 4500 جنيه، بعدما كان 1200 جنيه، قبل القفزات الكبيرة في الإيجارات، متخوفاً من أن تدفعه الزيادات المستمرة إلى الانتقال لمنطقة أخرى أو لمستوى أقل في المعيشة.

أما السيدة الستينية دلال أنور (اسم مستعار)، فباتت عاجزة عن دفع الإيجار الذي ارتفع إلى 3500 جنيه بدلاً من 1500 في مدينة 6 أكتوبر، خصوصاً بعدما أقعدها المرض عن عملها في التنظيف بأحد المولات الشهيرة، تقول لـ«الشرق الأوسط» إن المساعدات الخيرية هي ما تمكنها من العيش، لكن الإيجار همّ لا تعلم كيف تدبره.