التغير المناخي: 40 % من سكان العالم سيعيشون خارج «المكانة المناخية البشرية»

الكوكب دشن فعلاً بداية عصر «الاحتباس الحراري»

التغير المناخي: 40 % من سكان العالم سيعيشون خارج «المكانة المناخية البشرية»
TT

التغير المناخي: 40 % من سكان العالم سيعيشون خارج «المكانة المناخية البشرية»

التغير المناخي: 40 % من سكان العالم سيعيشون خارج «المكانة المناخية البشرية»

يزداد الإجماع الجديد داخل المجتمع العلمي بشأن تغير المناخ: ربما يكون هدف الحد من الاحتباس الحراري العالمي إلى 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2050، كما هو منصوص عليه في اتفاقية باريس، بعيد المنال.

بداية عصر «الاحتباس الحراري»

لقد شهدنا بالفعل أول عام تقويمي كامل يتجاوز هذه العتبة، حيث كان متوسط ​​درجة الحرارة العالمية في العام الماضي أعلى بمقدار 1.6 درجة مئوية من متوسط ​​عصر ما قبل الصناعة. وبينما لا يكفي عام واحد على هذا المستوى للتأكيد دون أدنى شك على أن هدف اتفاقية باريس قد انتهى، وقد توصلت الكثير من الأبحاث العلمية الحديثة إلى الاستنتاج المزعج نفسه بأن عصراً جديداً من الاحتباس الحراري قد بدأ بالفعل.

إلى أي مدى ستصبح الأمور ساخنة خلال حياتنا؟ إن الإجابة على هذا السؤال سوف تتحدد إلى حد كبير من خلال مدى السرعة التي نستطيع بها أن نتخلص من الوقود الأحفوري، ومع استمرار ارتفاع انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي - ووصولها إلى مستويات قياسية جديدة - فإن هذا يظل غير مؤكد.

تكهنات علمية

ولكن الباحثين قادرون على التكهن. فهم يقولون الآن إننا على المسار الصحيح نحو ارتفاع درجة حرارة الأرض بنحو 2.7 درجة مئوية بحلول نهاية القرن. وهذا يعني أن العالم سوف يكون في المتوسط ​​أكثر دفئاً في عام 2100 مقارنة بما كان عليه في مطلع القرن العشرين وأكثر دفئاً مما هو عليه اليوم.

قد لا يبدو هذا كثيراً، ولكن ارتفاع درجة الحرارة بنحو 2.7 درجة مئوية سوف يؤثر على كل جانب تقريباً من جوانب الحياة البشرية، بطرق كبيرة وصغيرة.

مستقبل أكثر خطورة

فكيف ستكون الحياة في هذا العالم الأكثر دفئاً؟ إن الإجابة عن هذا السؤال بأي قدر من اليقين أمر صعب؛ لأن الكثير يعتمد على كيفية استجابة الكثير من الأنظمة المعقدة والمترابطة على الأرض. ولكن علماء المناخ يتفقون على أن المستقبل الأكثر دفئاً هو مستقبل أكثر خطورة.

«أحب أن أفكر في تشبيهات جيدة»، كما يقول لوك جاكسون، الأستاذ المساعد في الجغرافيا الطبيعية بجامعة درهام في المملكة المتحدة. «لذا؛ إذا تخيلت أن تسجيل هدف يمثل حدثاً متطرفاً، فكلما كان الهدف أكبر، زادت احتمالية تسجيلك له. نحن نوسع أعمدة المرمى».

توقعات علمية محتملة

لكن إذا أردنا أن نحاول أن نكون أكثر تحديداً، فهناك توقعات مدعومة بالعلم. هذه بعض التغييرات الأكثر احتمالاً، وتأثيراتها المحتملة.

* صيف لا نهاية له في نصف الكرة الشمالي. سيشغل الصيف جزءاً أكبر من العام بحلول عام 2100، ويمتد من نحو 95 يوماً إلى 140 يوماً. ستظهر درجات الحرارة الشبيهة بالصيف في وقت أبكر بكثير؛ ما يختصر فصل الربيع، ويستمر حتى الخريف.

سيصبح الشتاء أكثر دفئاً أيضاً، على الرغم من وجود بعض الجدل حول ما إذا كانت العواصف الشتوية الشديدة ستصبح أكثر شيوعاً مع تغير المناخ. وفي الكثير من الأماكن، ستكون المواسم الأكثر دفئاً لا تُطاق، مع موجات حر خانقة تستمر لأسابيع متتالية.

* مدن أميركية شديدة الحرارة. وبفضل تأثير ظاهرة «جزر الحرارة الحضرية» urban heat island effect، سوف تكون المدن شديدة الحرارة بشكل خاص. على سبيل المثال، قد تشهد سان أنطونيو ست موجات حر سنوياً، مع بقاء درجات الحرارة حول 35 درجة مئوية، وأحياناً لمدة تصل إلى شهر في المرة الواحدة. وإلى الشمال، سوف تشهد مدينة نيويورك ثماني موجات حر سنوياً، بعضها يستمر لمدة أسبوعين. وفي سياق ذلك، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان متوسط ما تشهده نيويورك أقل من موجة حر واحدة سنوياً.

*مكيفات هواء غير بيئية أكثر. وسوف يكون تكييف الهواء منقذاً حقيقياً للحياة، وسوف يزداد عدد الأشخاص الذين يستخدمون تكييف الهواء بشكل كبير. (ومن المفارقات أن كل هذه المكيفات الجديدة من المرجح أن تساهم في زيادة انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الغلاف الجوي). ومع ذلك، ستستمر الوفيات المرتبطة بالحرارة في الارتفاع إلى 20 ألف حالة وفاة سنوياً في الولايات المتحدة، وهذا تقدير متحفظ.

40 % من السكان خارج «المكانة المناخية البشرية»

مع ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 2.7 درجة مئوية، ستنمو حصة سكان العالم الذين يعيشون في مناطق خارج «المكانة المناخية البشرية»»human climate niche» (نطاق درجة الحرارة التي يمكن للحياة البشرية أن تزدهر فيها) من 9 في المائة إلى 40 في المائة.

* حرارة غير مسبوقة. وسوف تتأثر البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​بشكل غير متناسب. ففي الهند، الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، سوف يشعر نحو 600 مليون شخص بحرارة غير مسبوقة خارج هذه منطقة المكانة المناخية البشرية. ومن بين البلدان الأخرى المتضررة بشدة نيجيريا، وإندونيسيا، والفلبين، وباكستان، والسودان والنيجر.

*القطب الشمالي سيخلو من الجليد صيفاً. ومن المتوقع أن يكون القطب الشمالي «خالياً من الجليد عملياً» خلال فصل الصيف. وسوف يؤدي هذا إلى تسريع ظاهرة الاحتباس الحراري بشكل أكبر، كما يهدد منازل وسبل عيش وثقافات ملايين البشر في مناطق القطب الشمالي، ناهيك عن الحياة البرية والنظم البيئية.

الحرائق والأمراض

*حرائق الغابات. . بحلول عام 2100، قد يزيد عدد الحرائق الشديدة بنسبة 50 في المائة على مستوى العالم. وسوف تكون الغابات الشمالية في كندا وألاسكا وروسيا معرَّضة للخطر بشكل خاص. وسوف تصبح أحداث مثل حرائق الغابات الكندية في عام 2023، والتي أحرقت أكثر من 37 مليون فدان وأرسلت أعمدة من الدخان تتصاعد عبر الولايات المتحدة، أكثر شيوعاً. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن نصبح أفضل في التنبؤ بحرائق الغابات وتتبعها، ومن باب الضرورة المحضة، ستحتوي المزيد من المدن على ملاجئ للهواء النظيف مع أنظمة ترشيح حيث يمكن حماية الناس من دخان حرائق الغابات.

*امراض الدفء. من المرجح أن ترتفع الأمراض التي ينقلها البعوض مثل حمى الضنك وزيكا وحمى غرب النيل والحمى الصفراء، حيث يعني المزيد من الدفء المزيد من الأيام التي يمكن للفيروسات خلالها الانتشار. وبينما تستمر «فترة ذروة انتقال» فيروس غرب النيل حالياً نحو ثلاثة أشهر سنوياً في ميامي، فإن من المرجح أن تزداد إلى نحو خمسة أشهر.

*ملاريا الجنوب نحو الشمال. في معظم أنحاء الجنوب العالمي، ستصبح درجات الحرارة شديدة الحرارة بحيث لا تنتشر الملاريا، ولكن الظروف لهذا المرض ستصبح أكثر ملاءمة في أجزاء أخرى من العالم، بما في ذلك أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا الوسطى. وفقاً لمعهد الموارد العالمية، «مع ظهور تقارير عرضية عن الملاريا المكتسبة محلياً في أوروبا والولايات المتحدة، هناك قلق متزايد من أن الملاريا قد تتسلل إلى أماكن لم تشهدها في الذاكرة الحية».

المدن الغارقة

في سيناريو ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 2.7 درجة مئوية ستستمر الصفائح الجليدية والأنهار الجليدية في الذوبان، وستسخن مياه البحر وتتمدد. وبحسب اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإن مستويات سطح البحر في هذا السيناريو قد ترتفع بنحو قدمين في المتوسط ​​في مختلف أنحاء العالم بحلول عام 2100. ويقول بيدرو كونسيساو، مدير مكتب تقرير التنمية البشرية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي: «إن هذا من شأنه أن يعرض عقوداً من التقدم في التنمية البشرية في المناطق الساحلية المكتظة بالسكان والتي تعد موطناً لواحد من كل سبعة أشخاص في العالم للخطر».

* سواحل مهددة. وسوف يكون التأثير أكثر تطرفاً في المناطق التي تعاني بالفعل ارتفاع مستويات سطح البحر عن المتوسط، مثل الساحل الشرقي للولايات المتحدة واليابان والساحل الغربي لأميركا الجنوبية. على سبيل المثال، قد تشهد مدينة نيويورك ارتفاع مستويات المياه بأكثر من 3 أقدام بحلول نهاية القرن. وسوف تصبح الفيضانات الناجمة عن المد العالي مصدر إزعاج منتظماً في الكثير من الأماكن، حيث تتسرب المياه إلى شوارع المدينة وواجهات المحال التجارية كل يوم لبضع ساعات قبل أن تتراجع، مما يجعل من الصعب بشكل متزايد العيش أو ممارسة الأعمال بالقرب من الواجهة البحرية. كما ستصبح الفيضانات الناجمة عن العواصف الشديدة مثل الأعاصير أكثر تواتراً. ويقول جاكسون: «بشكل تقريبي، سوف تشهد الغالبية العظمى من السواحل العالمية حدثاً يحدث كل مائة عام في الوقت الحاضر كل عام. ويصبح الحدث المتطرف اليوم حدثاً طبيعياً في الغد».

الدول - الجزر. بالنسبة للكثير من الدول الجزرية المنخفضة، فإن التحدي المتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف المدارية الأكثر شدة سيكون وجودياً. وتتوقع الأمم المتحدة أن تشهد جزر الباهاما وجزر فيرجن البريطانية وجزر كايمان وجيرنزي وجزر المالديف وجزر مارشال وهولندا وسانت مارتن وسيشيل وجزر توركس وكايكوس وتوفالو غمراً دائماً بنسبة 5 في المائة على الأقل من أراضيها بحلول نهاية القرن. يعيش معظم سكان هذه المناطق على بعد أميال قليلة من الشاطئ؛ مما يعرضهم لخطر جسيم.

* غرق مدن الساحل الكبرى. في الوقت نفسه الذي ترتفع فيه مستويات سطح البحر، ستغرق المدن الساحلية الكبرى الواقعة على دلتا الأنهار - مثل نيو أورليانز وهيوستن وشنغهاي - مع ضخ المزيد من المياه من الأرض لأشياء مثل الشرب والري؛ ما يتسبب في ضغط الرواسب. ويؤكد جاكسون: «إن هذا يشكل مصدر قلق كبير لمدننا الكبرى على مستوى العالم؛ لأن هذه الأماكن هي من أكثر الأماكن كثافة سكانية على وجه الأرض. وفي الكثير من المواقع، لا توجد حماية ساحلية كافية للتعامل مع هذه المشكلة، والمدة التي قد تستغرقها بناء دفاعات ساحلية من أجل استيعاب هذه المشكلة، بصراحة، غير قابلة للتحقيق».

وتشهد إندونيسيا هذا بالفعل، وقد خططت لنقل عاصمتها جاكرتا بالكامل بدلاً من محاولة إبقاء المياه تحت السيطرة. وقد تتبعها في نهاية المطاف مجموعات سكانية أخرى. بعد كل شيء، «التراجع هو شكل من أشكال التكيف»، كما يقول جاكسون. ووفقاً للجنة الدولية للتغيرات المناخية، فإن مستويات سطح البحر ستستمر في الارتفاع لقرون، وستظل مرتفعة لآلاف السنين.

نقص الغذاء

* إنتاج غذائي مهدد. ستؤدي الفيضانات والإجهاد الحراري وأنماط الطقس المتغيرة إلى جعل زراعة المحاصيل وتربية الماشية أكثر صعوبة. ويشير أحد التقديرات إلى أن ما يصل إلى 30 في المائة من إنتاج الغذاء في العالم قد يكون معرضاً للخطر بحلول عام 2100 إذا ارتفعت درجات الحرارة بمقدار 3.5 درجة مئوية. ولكن عند 2.7 مئوية، قد تكون النسبة أقل قليلاً، ولكنها لا تزال مدمرة لملايين البشر.

* فشل المحاصيل والجوع.

ووفقاً للبنك الدولي، فإن «نحو 80 في المائة من سكان العالم الأكثر عرضة للخطر من فشل المحاصيل والجوع بسبب تغير المناخ يعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا».

وسوف يلاحق خطر سوء التغذية هذه السكان. ويقول كاي كورنهوبر، وهو عالم أبحاث يدرس مخاطر المناخ المستقبلية في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية، وأستاذ مساعد في كلية كولومبيا للمناخ، إن مشاكل الغذاء في مناطق أخرى، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، ستكون مزعجة في البداية وتنمو بمرور الوقت. ويضيف: «يبدأ الأمر بهذه الإزعاجات الصغيرة، مثل عدم توفر الخضروات المفضلة لديك لمدة أسبوع أو نحو ذلك بسبب حدوث فيضان ضخم أو موجة حر أو حرائق غابات في إسبانيا، على سبيل المثال. هذه الأشياء تحدث بالفعل، أليس كذلك؟».

وبالتدريج، قد يصبح انخفاض إنتاج المحاصيل الأساسية مثل الذرة والأرز والقمح هو القاعدة. ويتوقع أحد التحليلات أنه بحلول عام 2030، قد تشهد ولاية أيوا انخفاض إنتاج الذرة بنسبة 25 في المائة بسبب تغير المناخ، وقد ينخفض ​​إنتاج فول الصويا في مينيسوتا بنسبة تصل إلى 19 في المائة، وقد ينخفض ​​إنتاج القمح في كانساس بنسبة 9 في المائة. ومن دون التكيف، ستستمر هذه الأرقام في الارتفاع حتى عام 2100، مما يهدد سبل عيش المزارعين، فضلاً عن سلاسل إمدادات الغذاء والتغذية في الولايات المتحدة.

يقول جيرالد نيلسون، الأستاذ الفخري في كلية الزراعة والعلوم الاستهلاكية والبيئية بجامعة إلينوي في أوربانا شامبين: «ليست المحاصيل والثروة الحيوانية هي المتضررة فقط. سيعاني العمال الزراعيون الذين يزرعون ويزرعون ويحصدون الكثير من الطعام الذي نحتاج إليه أيضاً بسبب التعرض للحرارة؛ مما يقلل من قدرتهم على القيام بالعمل في الحقل».

إن تدهور التربة وفقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظم الإيكولوجية بسبب تغير المناخ من شأنه أن يجعل النباتات أكثر عرضة للإصابة بالأمراض ويزيد من تفاقم خطر فشل المحاصيل. كما سترتفع أسعار المواد الغذائية في جميع أنحاء العالم. والواقع أن هذا يحدث بالفعل: ففي عام 2023، كان الطقس المتطرف هو المحرك الرئيسي لتقلب أسعار المواد الغذائية. ويقول الباحثون إنه بين الآن وعام 2035، قد ترتفع أسعار المواد الغذائية العالمية بنسبة تصل إلى 3 في المائة كل عام بسبب تغير المناخ.

الهجرات الجماعية وزيادة الصراع

من الصعب معرفة كيف ستبدو أنماط الهجرة البشرية في السنوات المقبلة، ولكن الكثير من الناس لن يكون لديهم خيار سوى الانتقال من المناطق الريفية أو عبر الحدود للبحث عن عمل وطعام وموئل بشري قابل للحياة. ومن المرجح أن تؤدي هذه الهجرات الجماعية إلى إثارة الصراع والارتباك. وسترتفع محاولات دخول الولايات المتحدة عبر الحدود الجنوبية مع مواجهة السكان في «الممر الجاف» في أميركا الوسطى لانعدام الأمن الغذائي. وحتى فكرة مكان حدود الدولة قد تصبح موضع تساؤل.

«إن حدود بلدك محددة، على الأقل على طول سواحلها، من خلال موقع المد العالي»، كما يوضح جاكسون. «إذا تحرك خط الساحل الخاص بك إلى الداخل (بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر) فإن منطقتك الاقتصادية سوف تتحرك أيضاً».

إن كل هذا قاتم للغاية، كما أعلم. وهو لا يزال في بدايته. ولكن الخبر السار الدائم هو أننا لا نزال قادرين على تغيير المستقبل. والواقع أننا فعلنا ذلك بالفعل. فقبل عشر سنوات فقط، كان العلماء يتوقعون ارتفاع درجة حرارة العالم بمقدار 3.6 درجة مئوية بحلول نهاية القرن. ومنذ ذلك الحين، يبدو أن السياسات الحكومية الجديدة، والارتفاع السريع للطاقة المتجددة، قد أحدثا تأثيراً كبيراً. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به.

ويقول كورنهوبر: «لن ينتهي العالم مثل لعبة كمبيوتر بحلول نهاية القرن، بل سيستمر ذلك بعد ذلك، وستستمر درجات الحرارة والطقس المتطرف في التدهور إلى أن نتمكن من التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري».

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»

حقائق

نحو 80 %

من سكان العالم الأكثر عرضة للخطر بسبب فشل المحاصيل والجوع نتيجة تغير المناخ يعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا


مقالات ذات صلة

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

يوميات الشرق في اتساع السهول... عين لا تغفل عن القطيع (أ.ف.ب)

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

تتأثّر منغوليا، بمساحتها الشاسعة وكثافتها السكانية المنخفضة، على نحو غير متناسب بالتغيّرات المناخية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)

مرصد عالمي: آلاف نازحي الصومال قد يواجهون الجوع بنهاية العام

يواجه ملايين الصوماليين انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وسط مخاوف من مجاعة بين نازحي بيدوة، مع تفاقم الجفاف والصراع ونقص المساعدات.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
علوم هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟

هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

التهديد الوجودي الذي يمثله التغير المناخي ليس افتراضياً... إنه يقتل الناس بالفعل في الوقت الراهن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

غوتيريش يدعو أميركا والصين لبدء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، الولايات المتحدة والصين إلى بدء حوار بشأن مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل
TT

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

إذا كنتِ تبحثين باستمرار عن أماكن هادئة في العمل للاختباء، أو الصراخ، أو التنفيس عن غضبك، أو حتى البكاء، ثم تعودين بعد فترة وكأن كل شيء على ما يرام، فقد تكونين عرضة لما يُسمى «التأقلم الصامت hushed coping». وقد يُعيقكِ هذا الأمر في الكثير من النساء في مسيرتهن المهنية، كما كتبت ليندسي دودجسون (*).

«التأقلم الصامت»

يُشير التأقلم الصامت إلى عادة كبت مشاعر الإرهاق والضغط النفسي، والمضي قدماً في العمل بصمت. بالنسبة للنساء، قد يُضيف هذا الأمر تعقيداً آخر يتمثل في مكافحتهن للصورة النمطية الراسخة التي تعدّ أن إظهار الكثير من المشاعر في العمل أمر غير مهني.

وقد وجدت دراسة أُجريت على 115 امرأة عاملة في القطاع العام، ونُشرت في مجلة «العدالة الاجتماعية والإدارة العامة» في يناير (كانون الثاني) الماضي، أن نحو 55 في المائة من المشاركات وافقن على أن وظائفهن تتطلب منهن إخفاء مشاعرهن الحقيقية. أفادت المشاركات أيضاً بأنهن غالباً ما يخفين الغضب (43 في المائة)، والانزعاج (40 في المائة)، والشعور بالعجز (37 في المائة)، والحزن (34 في المائة).

بيئة العمل: «اصمتي واعملي»

تقول ليوني كينيبول، خبيرة القيادة النسائية والمؤسسة المشاركة لمنصة Female x Finance المهنية والإعلامية، لمجلة «فاست كومباني»: «ترغب النساء بشدة في الشعور بالتقدير والاهتمام، ويشعرن بمشاعر كثيرة في مكان العمل. لكنهن لا يجدن البيئة المناسبة للتعبير عن رغباتهن بصراحة». وتضيف: «يبدو أن بيئة العمل مصممة على أساس (اصمتي واعملي)». قد يبدو الصمت الخيار الأكثر أماناً مهنياً.

تكلفة مهنية ونفسية خفية ومتراكمة

لكن السلوكيات التي تقلل من احتمالية وصف الشخص بأنه عاطفي قد تقلل أيضاً من فرص ملاحظته كموظف، والاستماع إليه، وترقيته في نهاية المطاف. كما أن التأقلم الصامت قد يعني تجنب المحادثات الصعبة، ورفض الفرص، وتحمل أعباء عمل مرهقة بصمت.

وتقول كينيبول: «تفترض النساء وجود الكثير من الأمور عن الشركات دون التحدث عنها». بينما تقول كريستين سيكلز، الرئيسة التنفيذية والمؤسسة المشاركة لشركة الاستشارات «مايك دروب وركشوب»: «لذلك؛ قد يصعب رصد التكلفة المهنية لأنها تتراكم من خلال كل ما لا يفعله الشخص. وهذا ما يجعل التأقلم الصامت مكلفاً للغاية... فالتكلفة خفية ومتراكمة».

وتضيف: «إنها الترقية التي لا تسعى (المرأة) إليها لأنها غارقة في المشاكل، والتقييمات السلبية التي تتجاهلها. ولا يظهر أي من ذلك في لحظة واحدة، وهذا تحديداً ما يجعل الاستمرار في فعله سهلاً للغاية».

تأقلم ناجم عن التجاهل وعدم التقدير

من جهتها، تقول إيمي فيجليوتي، الاختصاصية النفسية المرخصة ومؤسسة عيادة «سيلف ووركس» للعلاج النفسي، لمجلة «فاست كومباني» إن التأقلم الصامت قد ينبع من الشعور بالتجاهل أو عدم الاحترام أو عدم التقدير؛ أو التعامل مع مُديرين سامّين؛ أو قلة فرص النمو. ومع مرور الوقت، قد يتطور إلى نوع من اليأس المكتسب؛ إذ تفترض المرأة العاملة أنه إذا لم يُجدِ التحدث نفعاً في الماضي، فلماذا أُرهق نفسي بالمحاولة مجدداً؟

تقول فيجليوتي إن المعاناة في صمت قد تُنهك الموظفات عاطفياً ونفسياً؛ ما يُضعف اندفاعهن في نهاية المطاف، بل ويجعلهن يشككن في كفاءتهن. وقد يُلحق ذلك الضرر بأصحاب العمل أيضاً: فعندما لا يشعر غالبية الموظفين بالأمان الكافي لمشاركة أفكارهم، أو طرح أسئلتهم، أو التعبير عن مخاوفهم، يُمكن أن يُصبح صمتهم «عائقاً كبيراً أمام التغيير والتطوير التنظيمي»، على حد قولها.

التأقلم في صمت دليل على ضرورة التغيير

تقول جيني هاريسون، محامية حقوق الموظفين والمؤسسة المشاركة لمكتب جيني هاريسون للمحاماة، لمجلة «فاست كومباني»، إنه إذا وقع أي شخص في فخ التأقلم الصامت نتيجة عبء عمل يفوق طاقته، فعليه أولاً الاستعداد لمحادثة صريحة مع مديره بشأن قائمة مشاريعه، ومتطلبات الجدول الزمني، والتزامه تجاه الشركة. كما تنصح هاريسون بالتدرب على طريقة العرض بهدوء قبل الاجتماع؛ حتى يتمكن الموظف أو الموظفة من التعبير عن احتياجاته دون الشعور بالإرهاق.

وتضيف: «فكّري في إخبار مديرك بأنك تعتقدين أن من مصلحة الشركة زيادة الموارد المخصصة للمشاريع لضمان تسليمها في الوقت المحدد وبأعلى مستوى من الكفاءة والتنفيذ. إذا حاولت التواصل بوضوح ولم تستجب الشركة، فسيكون لديك كل المعلومات الكافية عن طبيعة هذه الشركة».

البحث عن مُحاورين

وتتفق فيجليوتي على أهمية التعبير عن الرأي، لكنها تقول إن التخلص من هذه العادة لا يعني بالضرورة البدء بمديرك.

وتضيف: «أعتقد أن النقطة الأساسية هنا هي أنه عند محاولة التخلص من عادة معينة، ابدأ بأفراد من جمهور تشعر معه بالراحة والأمان، ويحترم رأيك». بينما تقترح كينيبول بالمثل البدء بخطوات صغيرة. يمكن أن تكون الخطوة الأولى ببساطة هي التحدث عن مخاوفك مع زميلة أو زميل تثقين بها أو به، وهما اللذان قد يشاركانك إياها أو يقدمان لك رأياً واقعياً قيّماً. وتقول: «الخطوة الأولى دائماً هي التحدث مع شخص تثق به في المؤسسة، شخص لديه خبرة أطول منك، ويعرف ثقافة العمل، ويعرف كيف تُدار الأمور هناك – حينذاك ستسمعين، على الأرجح، أن الأمر ليس شخصياً (بل عمومياً)».

وأحياناً، قد يكشف هذا الحوار عن أن التوتر الذي يُظهره مديرك لا علاقة له بأدائك، وقد يفتح الباب أمام تواصل أكثر صراحة.

وتقول كينيبول: «الجميع مشغولون، والجميع يتعامل مع التوتر بطريقة مختلفة، لكن لا تأخذي الأمر على محمل شخصي».

* مجلة «فاست كومباني»


هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
TT

هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟

تثير التحذيرات الجديدة -التي تشير إلى أن البشر يقتربون من مرحلة فقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي- تساؤلاً مقلقاً: هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي ليصبح واحداً من أخطر التهديدات التي تواجه البشرية؟

ورغم صعوبة تقييم مخاطر هذه التكنولوجيا، فإن السيناريو الأسوأ -وهو انقراض البشرية- يجعل المخاوف الأرضية الأخرى تبدو ضئيلة الأهمية، كما كتب تشيكو هارلان (*).

التغير المناخي... علم راسخ

البشرية... من أزمة «صناعية» إلى أخرى

صحيح أن التغير المناخي يتسبب في ظروف حرارة خطيرة، ويؤجج العواصف العاتية، ويدمر المحاصيل، وقد يؤدي إلى اضطرابات هائلة على مستوى الكوكب، لكن كل ذلك لا يهم إلا إذا ظلت حضارتنا قائمة ومعروفة بهيئتها الحالية.

يقول توبي أورد، الباحث في جامعة أكسفورد ومؤلف كتاب «الهاوية: المخاطر الوجودية ومستقبل البشرية» (The Precipice): «فيما يتعلق بالأمور التي قد تؤدي إلى نهاية البشرية، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يشكل خطراً أكبر».

يضع هذا الوضع نشطاء المناخ في حالة تنافس للحصول على قدر محدود من الاهتمام السياسي، ففي حين يجتمع الدبلوماسيون وقادة العالم في الأمم المتحدة هذا الأسبوع لمعالجة أكثر مشكلات الكوكب إلحاحاً، يخشى البعض أن يتم تجاهل قضية الاحتباس الحراري رغم تفاقمها.

عندما يلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ مع الرئيس ترمب في واشنطن يوم الخميس، من المتوقع أن يناقش زعيما الدولتين الأكثر إنتاجاً لغازات الدفيئة قضايا عدة، من بينها سلامة الذكاء الاصطناعي. أما التغير المناخي -الذي يصفه ترمب بأنه «خدعة»- فمن غير المرجح أن يكون مدرجاً على جدول الأعمال.

التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً وأكثر واقعية

كتبت ليا ستوكس، أستاذة سياسات البيئة في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، الأسبوع الماضي، أن الذكاء الاصطناعي «يستحوذ على كل اهتمامنا»، وجادلت بأن التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً أكثر واقعية، مستشهدة بموجات الحر القاتلة التي اجتاحت أوروبا هذا الصيف والانهيار الجليدي المروع الذي وقع الشهر الماضي في نيبال.

وكتبت الدكتورة ستوكس: «على عكس الذكاء الاصطناعي، فإن التهديد الوجودي الذي يمثله التغير المناخي ليس افتراضياً؛ إنه يقتل الناس بالفعل في الوقت الراهن. يبدو أيضاً أن الكثيرين قد تناسوا -بشكل مريح لأنفسهم- مدى إلحاح ضرورة حل هذه المشكلة».

تكهنات حول كارثة الذكاء الاصطناعي

من المعروف أن البشر يفتقرون إلى الكفاءة في تقييم المخاطر. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، تظل المخاطر في الغالب مجرد تكهنات في هذه المرحلة، فحتى أكثر التوقعات جرأةً بشأن تسبب الذكاء الاصطناعي في فناء البشرية غالباً ما تفتقر إلى تفاصيل حول كيفية وقوع هذه الكارثة.. هل ستأتي النهاية على شكل ميكروب فائق الخطورة صممه الذكاء الاصطناعي أم عبر إطلاق أسلحة نووية؟ كما أن دمار المجتمع البشري قد يحدث ببطء أكبر، من خلال استيلاء نظام ذكاء اصطناعي مارق على البنية التحتية، في حين يعاني البشر من الجوع ويُحرمون من الحصول على الدواء.

الأتمتة تنتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل... ثم يقع خلل ما

يقول سيث باوم، المدير التنفيذي لمعهد المخاطر الكارثية العالمية: «هناك سيناريوهات لكوارث تدريجية قد يسببها الذكاء الاصطناعي، فنحن نواصل أتمتة المزيد والمزيد من العمليات بمرور الوقت، لننتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل، ثم يقع خلل ما».

تنبع هذه التوقعات من شعور بأن البشر بصدد خلق كيان قد يستعصي على السيطرة، كيان قد يكتسب القدرة على تطوير نفسه ذاتياً، ليصبح أذكى وأسرع منا بكثير من جميع النواحي الجوهرية. أما عن الحلول للحيلولة دون حدوث كل ذلك فهي غير موجودة بعد.

التغير المناخي... علم راسخ

في المقابل، تتسم قضية التغير المناخي بوجود حقائق ومعطيات معلومة، فالعلم الذي يربط بين انبعاثات الوقود الأحفوري وارتفاع درجات الحرارة العالمية هو علم راسخ لا يقبل الجدل. كما أن الحلول المتاحة للحد من الانبعاثات -مثل الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية- هي حلول مُثبتة الفعالية ومتوفرة بكثرة. وعلى الصعيد العالمي، أصبحت المؤتمرات السنوية الرامية إلى درء هذه الأزمة جزءاً ثابتاً من الأجندة الدولية، وهي مؤتمرات تزخر بالمصطلحات العلمية والسياسية، فضلاً عن السجالات الدبلوماسية حول خطط العمل طويلة الأجل.

قد تبدو هذه المؤتمرات ذات طابع بيروقراطي، إلا أنها أثبتت أهميتها، فقد كانت التوقعات السابقة تشير إلى احتمال ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 4 درجات مئوية (7.2 درجة فهرنهايت) مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، أما الآن فيقول العلماء إن الاحترار يسير في مسار يؤدي إلى ارتفاع قدره 2.6 درجة مئوية (4.7 درجة فهرنهايت)، وذلك بناءً على السياسات والاتجاهات الحالية. ومع ذلك، يظل هذا المستوى أعلى بكثير من الحد الذي عدّته الدول مقبولاً أو قابلاً للتحمل.

تتجلى عواقب تغير المناخ في أحداث متطرفة ومفاجئة مثل حرائق الغابات وموجات الحر والفيضانات. وفي الوقت نفسه، تتفاقم المشكلة ببطء نسبي، وبطرق قد لا تحظى بالقدر الكافي من الانتباه المستمر. فمنذ أن أصبحت هذه القضية محط اهتمام العالم قبل جيل مضى، أثارت لحظات من التكاتف الجماعي، فضلاً عن ردود فعل معارضة ومشاعر اليأس والإرهاق. يقول الدكتور بوم: «نحن نميل إلى اعتبار الأمور التي تحدث تدريجياً أموراً طبيعية ونعتاد عليها. فالناس العاديون لا يرغبون في أن يكون هذا الأمر هو محور تفكيرهم الدائم».

مخطط دائري لبيانات الاستدامة (صورة رقمية مُولّدة لمقطع عرضي دائري متعدد البيئات تُظهر تطور المدينة من مدينة قديمة ملوثة إلى نمط حياة نظيف يعتمد على الطاقة البديلة المستدامة)

مشكلات من صنع البشر

ثمة روابط ملحوظة بين الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ باعتبارهما تهديدين للبشرية. ففي كلتا الحالتين، تنبع المخاطر من أنشطة بشرية؛ سواء كان ذلك يتمثل في تطوير «نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة والرائدة» (frontier models)، أو في حرق الوقود الأحفوري الذي يغذّي الاقتصاد العالمي الحديث. وفي كلتا الحالتين أيضاً، تمارس شركات عملاقة (سواء كانت شركات تكنولوجيا تبلغ قيمتها السوقية تريليونات الدولارات أو شركات طاقة عملاقة عابرة للقارات) تأثيراً هائلاً على مسار التاريخ.

وقد قلّل الرئيس ترمب من شأن التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مشيراً أخيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أنها تصدر عن «الأشخاص أنفسهم الذين قالوا قبل وقت قصير، إن العالم سيفنى بسبب (تغير المناخ)».

الذكاء الاصطناعي... تدمير البيئة أم حمايتها؟

يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على أن يكون أداة فعالة في مكافحة تغير المناخ، إذ يمكنه -على سبيل المثال- تصميم أنظمة إنذار أكثر تطوراً للكوارث، أو ابتكار حلول تخفف من حدة نقص المياه العالمي. وبالفعل، تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تعزيز حماية جزر المالديف (التي تتميز بانخفاض مستوى أراضيها عن سطح البحر) وإعادة تأهيل المناطق الساحلية.

الذكاء الاصطناعي سيستهلك عام 2030 كهرباء تعادل ما يستهلكه نحو 200 مليون نسمة

ولكن على المدى القصير على الأقل، يجعل الذكاء الاصطناعي خفض انبعاثات غازات الدفيئة أمراً أكثر صعوبة؛ إذ يؤدي إلى زيادة الطلب على الطاقة، حيث ارتفع استهلاك الكهرباء في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بنسبة 50 في المائة خلال العام الماضي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. وقد ذكر معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستستهلك بحلول عام 2030 كمية من الكهرباء تعادل ثلاثة أضعاف ما تستهلكه نيجيريا وباكستان وبنغلاديش مجتمعة، وهي دول يبلغ مجموع سكانها نحو 650 مليون نسمة.

تراجع الشركات عن أهدافها البيئية

لقد أصبحت شركات التكنولوجيا مشترياً رئيسياً للطاقة، وباتت تدعم مشروعات تعتمد على كل من الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري. في خطاب ألقاه يوم الاثنين، وصف سايمون ستيل، مسؤول المناخ في الأمم المتحدة، قطاع الذكاء الاصطناعي بأنه «شره لاستهلاك الطاقة»، وقال إنه بحاجة إلى «احترام العلم وبدء مواءمة مساره مع الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، وبشكل عاجل».

وفي اليوم نفسه، صرح وزير البيئة التركي، مراد كوروم -الذي سيرأس مؤتمر المناخ الدولي لهذا العام في نوفمبر (تشرين الثاني)- بأن جدول أعمال المؤتمر سيتضمن مناقشة «الاستهلاك المتزايد للطاقة» في مجال الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن «عالماً يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة، ونظام طاقة عالمياً يعاني من الاضطراب، ومخاوف متزايدة بشأن صعود الذكاء الاصطناعي؛ كلها أمور تستدعي التحرك».

قبل ست سنوات، وضعت شركة «غوغل» خطة للاعتماد على طاقة خالية من الكربون بحلول عام 2030. وقد وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي للشركة، هذه الخطة بأنها «مبادرة طموحة للغاية لتحقيق الاستدامة» أو ما يُعرف بـ«مشروع القمر» (moonshot)، مشيراً إلى أن مدينته الأم في الهند، تشيناي، كانت قد غمرتها مياه الفيضانات قبل بضع سنوات، ما جعل «آثار تغير المناخ تبدو أقرب بكثير إلى حياته الشخصية».

سباق الذكاء الاصطناعي غيّر الأولويات

إن انبعاثات «غوغل» مستمرة في الارتفاع، وكذلك الحال بالنسبة إلى شركة «مايكروسوفت»، التي كانت قد أعلنت سابقاً هدفها بأن تصبح «سالبة الكربون» (أي تزيل من الكربون أكثر مما تنتج) بحلول عام 2030.

وفي العام الماضي، نشر الملياردير بيل غيتس -الشريك المؤسس لشركة «مايكروسوفت»- مقالاً طويلاً (يقع في 5000 كلمة) جادل فيه بأن تغير المناخ «لن يؤدي إلى فناء البشرية». وقد عكست استنتاجاته -التي جاءت بعد سنوات من تمويل قضايا المناخ- وجهة نظر مثيرة للجدل مفادها أنه حتى مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب سيظل بوسع البشر «العيش والازدهار في معظم أنحاء الأرض». ثم في الشهر الماضي، نشر غيتس مقالاً مطولاً آخر، تناول فيه مخاطر الذكاء الاصطناعي.

سمة مشتركة: عدم القدرة على التنبؤ

غير أن العديد من العلماء يرون أنه من الخطأ افتراض أن تغير المناخ سيسير وفق مسار يمكن التنبؤ به، أو بطريقة تتيح للدول إدارته والسيطرة عليه. ويشير البعض إلى أن أنظمة كوكب الأرض أثبتت -على مدى العقد الماضي- أنها أكثر حساسية لارتفاع درجات الحرارة التدريجي مما كان متوقعاً، فضلاً عن أن المزيد من الاحترار لا يزال بانتظارنا.

إن العالم يفقد جمال الشعاب المرجانية والأسماك التي تتخذ منها موطناً، والاقتصادات القائمة على صيد تلك الأسماك. كما أن النباتات والأشجار تذبل وتضعف تحت وطأة ظروف مناخية أقسى، ما قد يقلّص إحدى الوسائل الطبيعية التي تمتص بها الأرض غاز ثاني أكسيد الكربون. ويؤدي ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي إلى انكشاف مساحات واسعة من المياه الداكنة الممتصة للحرارة، ما يزيد من حدة ارتفاع درجات الحرارة. وعلاوة على ذلك، قد تؤدي التغيرات المستقبلية في ظروف المحيطات إلى إضعاف أو توقف أنظمة دورانٍ -لم تحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام- تُعد حيوية للحفاظ على ظروف ملائمة للحياة في بعض أنحاء العالم.

وتشير كاثرين ريتشاردسون، الأستاذة في جامعة كوبنهاغن، المتخصصة في دراسة «حدود الكوكب»، إلى أن مخاطر حلقات التغذية الراجعة وتعقيد نظام الأرض هما السبب الدقيق وراء خطورة وضع افتراضات مسبقة حول شكل العالم في المستقبل ومدى ملاءمته للعيش.

وذكرت أن معظم مراحل التقدم البشري -بدءاً من العصر الحجري والعصر البرونزي ووصولاً إلى عصر النهضة- قد تحققت في ظل درجات حرارة ظلت ضمن نطاق محدود. وقالت: «لا نعلم يقيناً ما إذا كان بوسعنا الازدهار» في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة بمقدار درجتين أو ثلاث درجات مئوية. وأضافت أننا لا نعرف حتى الآن كيف قد يبدو عالم كهذا. وللتعبير عن حالة عدم اليقين المرتبطة بتغير المناخ، استخدمت عبارات مشابهة لتلك التي تُستخدم في التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. إذ قالت: «قد نفقد السيطرة على هذه العملية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية
TT

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

كشفت دراسة أميركية آلية معقدة يستخدمها كوكب المشتري للتعامل مع الرياح الشمسية، تعتمد على مجموعة من موجات البلازما ومناطق الصدمة التي تساعد على إبطاء الجسيمات القادمة من الشمس قبل وصولها إلى الكوكب.

واعتمد الباحثون، بقيادة علماء فيزياء من جامعة أيوا، على بيانات جمعتها مركبة «جونو»، التابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، وقدمت أدق رصد، حتى الآن، لموجة الصدمة القوسية المحيطة بالمشتري. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Nature Communications».

والرياح الشمسية هي تدفق مستمر من الجسيمات المشحونة، مثل الإلكترونات والبروتونات، تنبعث من الغلاف الجوي الخارجي للشمس، وتنتشر عبر النظام الشمسي. ويمكن لهذه الجسيمات عالية الطاقة أن تتفاعل مع المجالات المغناطيسية للكواكب وتؤثر في بيئاتها الفضائية.

وعند المشتري، تتشكل موجة الصدمة القوسية عند الحد الفاصل بين الرياح الشمسية والمجال المغناطيسي للكوكب، وتعمل كحاجز يبطئ الرياح الشمسية ويغيّر اتجاهها ويبدد جزءاً من طاقتها قبل وصولها إلى الكوكب.

وأظهرت البيانات أن المشتري يستخدم موجات بلازمية ذات ترددات متعددة للتعامل مع قوة الرياح الشمسية. والبلازما غاز شديد السخونة تتكون فيه جسيمات مشحونة، مثل الإلكترونات والأيونات، يمكنها التفاعل مع المجالات الكهربائية والمغناطيسية.

ورصد الباحثون مجموعة متنوعة من الموجات عند موجة الصدمة القوسية، من بينها الموجات الصوتية الأيونية، وموجات مرتبطة بعدم استقرار حركة الإلكترونات، وموجات كهروستاتيكية منفردة.

وأظهرت بعض الموجات الصوتية الأيونية بنية تضم ترددات متعددة، وليس تردداً أساسياً واحداً، ما يشير إلى دورها في نقل الطاقة بين الموجات والجسيمات.

سلسلة صدمات صغيرة

كما وجد الباحثون أن المشتري يستخدم سلسلة من المناطق الصغيرة المعروفة باسم «الصدَمات الصغيرة» (shocklets)، تتفاعل مع الرياح الشمسية وتساعد على إبطائها قبل وصولها إلى موجة الصدمة القوسية الرئيسية.

ووفق الباحثين، يختلف ذلك عن الأرض، التي تعتمد بصورة أساسية على موجة الصدمة القوسية الرئيسية لإبطاء الرياح الشمسية وإعادة توجيهها حول الكوكب، إذ إن تأثير الرياح الشمسية على الأرض أقل قوة.

وتستند النتائج إلى بيانات جمعتها «جونو»، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أثناء مرورها عبر منطقة موجة الصدمة القوسية للمشتري. وكان جهاز «Waves»، الموجود على متن المركبة، أساسياً في جمع هذه البيانات، إذ أتاح دراسة موجات البلازما بتفاصيل لم تكن متاحة من قبل.

وقبل «جونو»، تمكنت مركبات فضائية من رصد وجود موجة الصدمة عند الكواكب الخارجية، لكنها لم تتمكن من قياس التعقيد الكامل لموجات البلازما المرتبطة بها.

وتكشف البيانات أيضاً عن تفاعلات بين موجات البلازما والجسيمات المشحونة، يمكن أن تسهم في تحويل جزء من طاقة حركة الرياح الشمسية إلى حرارة وطاقة في الجسيمات.

وتساعد دراسة هذه التفاعلات على فهم الصدمات التي تحدث في البلازما الفضائية.

ويرى الباحثون أن أهمية النتائج تتجاوز فهم بيئة المشتري، إذ قد تساعد في تفسير كيفية تعامل الأجرام الفلكية مع تدفقات طاقة أكبر بكثير. وتحدث صدمات أكثر قوة حول أجرام مثل بقايا المستعرات العظمى، وهي البقايا الناتجة عن الانفجارات الهائلة التي تُنهي حياة بعض النجوم، ما يجعل موجة الصدمة عند المشتري مختبراً طبيعياً قريباً لدرس كيفية تحول طاقة التدفقات القوية إلى حرارة وجسيمات عالية الطاقة.