«جائزة الشيخ زايد للكتاب» تعلن عن قوائمها القصيرة

ضمت أعمالاً متنوعة من مختلف أنحاء العالم

جائزة الشيخ زايد للكتاب
جائزة الشيخ زايد للكتاب
TT

«جائزة الشيخ زايد للكتاب» تعلن عن قوائمها القصيرة

جائزة الشيخ زايد للكتاب
جائزة الشيخ زايد للكتاب

أعلنت جائزة الشيخ زايد للكتاب في مركز أبوظبي للغة العربية، الاثنين، عن قوائمها القصيرة المرشحة لفروع «الآداب»، «أدب الطفل والناشئة»، «الترجمة»، «التنمية وبناء الدولة»، «الفنون والدراسات النقدية»، «الثقافة العربية في اللغات الأخرى»، و«تحقيق المخطوطات».

القائمة القصيرة لفرع الآداب

فرع الآداب

تضمنت القائمة القصيرة لفرع الآداب ثلاثة أعمال، هي: «أبو الهول» لأحمد مراد من مصر، الصادر عن دار الشروق في 2023، و«ثلاثية أسفار مدينة الطين» لسعود السنعوسي من الكويت، الصادر عن دار كلمات للنشر والتوزيع - مولاف في 2023، و«هند أو أجمل امرأة في العالم» لهدى بركات من لبنان - فرنسا، الصادر عن الآداب في 2024.

القائمة القصيرة لفرع أدب الطفل

أدب الطفل

بينما ضمت القائمة القصيرة لفرع أدب الطفل والناشئة ثلاثة أعمال، هي: «ميمونة وأفكارها المجنونة!» لشيرين سبانخ من الأردن، الصادر عن دار هاشيت أنطوان - نوفل، في 2023، و«طيف سَبيبة» للطيفة لبصير من المغرب، الصادر عن المركز الثقافي للكتاب في 2024، و«ثعلب الديجيتال» لهجرة الصاوي من مصر، الصادر عن دار شأن للنشر والتوزيع في 2024.

الترجمة

وتضمنت القائمة القصيرة لفرع الترجمة ثلاثة أعمال، هي: «ألف ليلة وليلة: كتاب الحب»، ترجمته من العربية إلى الألمانية كلوديا أوت من ألمانيا، وصدر عن دار «سي إتش بيك فيرلاغ» في 2022، و«هروشيوش» لبولس هروشيوش، ترجمه من العربية إلى الإنجليزية ماركو دي برانكو من إيطاليا، وصدر عن دار نشر جامعة بيزا في 2024، و«شيطان النظرية: الأدب والحس المشترك» للكاتب أنطوان كومبانيون، ترجمه من الفرنسية إلى العربية حسن الطالب من المغرب، وصدر عن دار الكتاب الجديد المتحدة في 2023.

القائمة القصيرة لفرع الفنون والدراسات النقدية

الفنون والدراسات النقدية

واحتوت القائمة القصيرة لفرع الفنون والدراسات النقدية ثلاثة أعمال، هي: «الطعام والكلام: حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي» للدكتور سعيد العوادي من المغرب، الصادر عن دار أفريقيا الشرق في 2023، و«الشعر والنبوة: أبو الطيب المتنبي بالشعر» للدكتورة ريتا عوض من فلسطين، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في 2024، و«سامراء العمرانية: قراءة في عمارة الحاضرة العباسية وتخطيطها» للدكتور خالد السلطاني من العراق، الصادر عن شركة دار الأديب في 2024.

التنمية وبناء الدولة

وشملت القائمة القصيرة لفرع التنمية وبناء الدولة ثلاثة أعمال، هي: «حق الكد والسعاية: مقاربات تأصيلية لحقوق المرأة المسلمة» للدكتور محمد بشاري من الإمارات العربية المتحدة، الصادر عن دار النهضة مصر للنشر في 2024 و«في فلسفة الاعتراف وسياسات الهوية: نقد المقاربة الثقافوية للثقافة العربية الإسلامية» لحسام الدين درويش من سوريا - ألمانيا، الصادر عن «مؤمنون بلا حدود» في 2023 و«المدن والتجارة في الحضارة العربية والإسلامية» للدكتور مجد الدين خمش من الأردن، الصادر عن دار الصايل للنشر والتوزيع في 2024.

اللغات الأخرى

واحتوت القائمة القصيرة لفرع الثقافة العربية في اللغات الأخرى ثلاثة أعمال، هي: «الثقافة الأدبية العربية في جنوب شرق آسيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر» لأندرو بيكوك من بريطانيا، الصادر عن دار نشر بريل باللغة الإنجليزية 2024، وكتاب «صعود الكتاب العربي» للكاتبة بياتريس غروندلير، من ألمانيا، الصادر عن دار نشر هارفرد باللغة الإنجليزية 2020، وكتاب «تاريخ الزجل الشرقي: الشعر العربي باللهجات العامية من شرق العالم العربي - من بداياته حتى نهاية عهد المماليك» للكاتب هاكان أوزكان من تركيا، الصادر عن دار نشر إيرجون باللغة الألمانية، 2020.

تحقيق المخطوطات

أما القائمة القصيرة لفرع تحقيق المخطوطات فتضمنت ثلاثة أعمال، هي: «أخبار النساء»، رشيد الخيون من العراق - المملكة المتحدة، الصادر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2024، و«شرح القصائد المعلقات» لصالح الجسار من المملكة العربية السعودية، الصادر عن الخزانة الأندلسية للنشر - مكتبة الخانجي بالقاهرة في 2024، و«الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة» للدكتور أحمد جمعة عبد الحميد من مصر، الصادر عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية في 2024.

وتقرر حجب فرعي «المؤلف الشاب» و«النشر والتقنيات الثقافية» لهذا العام.

4 آلاف ترشيح

واعتمدت الهيئة العلمية للجائزة القوائم القصيرة خلال اجتماع برئاسة الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، الأمين العام للجائزة، وحضور أعضاء الهيئة، وهمّ: سعيد حمدان الطنيجي، المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية، ويورغن بوز من ألمانيا، والدكتورة ناديا الشيخ من لبنان، ومصطفى السليمان من الأردن، في حين ضمّت الهيئة أعضاء جدداً هم الدكتور خالد المصري من الأردن - الولايات المتحدة الأمريكية، والدكتورة ريم بسيوني من مصر، والدكتورة منيرة الغدير من السعودية، والمترجم والأكاديمي التركي الدكتور محمد حقي صوتشين، وبحضور عبد الرحمن النقبي، مدير إدارة الجوائز الأدبية في مركز أبوظبي للغة العربية.

وتلقت «جائزة الشيخ زايد للكتاب» بدورتها الـ19 التي ينظّمها مركز أبوظبي للغة العربية أكثر من 4 آلاف ترشيح، من 75 دولة منها 20 دولة عربية و55 دولة أجنبية، بينها 5 دول تشارك للمرة الأولى، هي ألبانيا، وبوليفيا، وكولومبيا، وترينيداد وتوباغو، ومالي، وهوما يؤكد ريادة الجائزة ومكانتها العالمية.


مقالات ذات صلة

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

ثقافة وفنون «القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

تزاوج رواية «القالوفة: عشرية عبد القادر صابونة»، للروائي الجزائري الشاب عبد الباسط باني، بين اللعب الفني والجمالي،

عمر شهريار
ثقافة وفنون تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش

يركز الباحث رامي مصطفى هلال في كتابه «ملامح السرد في الخطاب الشعري عند محمود درويش»، الصادر أخيراً عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»،

رشا أحمد ( القاهرة)
ثقافة وفنون «لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

تعد رواية «لم يتبق غيرها» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة للكاتب الأميركي رايلي ساجر، ترجمة عبد الرحيم يوسف، بمثابة نص نموذجي للقارئ الباحث عن حبكة درامية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

يلعب الديوان على رمزية الغابة، واقتحامها عالم البيت بحمولاته الحضارية، في دلالة على الوحشية والافتراس مثلما يحدث في عالمنا الراهن

عمر شهريار
ثقافة وفنون النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

منذ اللحظة الأولى في كتابه «كلام في المسرح» الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»،

رشا أحمد (القاهرة)

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري
TT

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

تزاوج رواية «القالوفة: عشرية عبد القادر صابونة»، للروائي الجزائري الشاب عبد الباسط باني، بين اللعب الفني والجمالي، والنقد السياسي والاجتماعي الحاد والجذري من جهة أخرى، متكئة على كثير من حس السخرية المتغلغلة في نسيج البناء السردي، لكنها كثيراً ما تكون سخرية سوداء، مرة ومفعمة بالأسى، إذ تراوح الأحداث كثيراً بين المأساة والملهاة. ويتبدى هذا اللعب منذ العنوان «القالوفة»، كلمة دارجة في الجزائر معناها (القفص الذي توضع به الكلاب الضالة عقب التقاطها من الشوارع)، فالعنوان الجانبي الشارح، «عشرية عبد القادر صابونة»، يظل معلق الدلالة، إذ يمكن أن يشير إلى العشرية السوداء في التسعينيات، والتي انضم فيها (عبد القادر) إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، حين كان يقتل باسم الدين، كما يشير من جانب آخر، وعبر دوال نصية كثيرة، إلى عشرية جديدة، عقب المصالحة الوطنية في مطلع الألفية، وصعود (صابونة) الراديكالي التائب سُلّم السلطة، ليمارس انتقامه من المجتمع، لكن عبر بوابة الدولة كمسؤول كبير فيها، وباسم القانون وحماية الوطن هذه المرة، مدشنا عشريته الخاصة، المليئة بالفساد والنهب الممنهج.

الرواية صدرت في القاهرة عن «منشورات الربيع»، وبدأت بمشهد صادم وقاسٍ يعود إلى بدايات العشرية السوداء، في مدينة «مليانة»، حيث تقتحم جماعة تنتمي لتنظيم إسلامي منزل (رشيد)، الصحافي المستنير الذي يهاجمهم في مقالاته، فيقتلونه، ويقتلون ابنته (بديعة)، ويختطفون (فتيحة) زوجته الحبلى معهم إلى الجبل، في حين ينجو ابنه (محمد)، بسبب دفاع كلبه عنه بقوة، وعقر الملثمين، فيموت الكلب فداءً لصديقه الطفل ويتلقى الرصاصة نيابة عنه. وتتضاعف القسوة عندما يرى رشيد قبل مقتله شقيقه الأصغر (منصوري) بين الملثمين، بعد أن انزلق إلى هوة العنف، جاء معهم وفق مبدأ السمع والطاعة، والولاء والبراء، ليشارك في قتل أخيه الذي تعتبره جماعة الجبل «كافراً»، لمجرد أنه يحب الفنون والغناء، ويدافع عن الحرية، لكن منصوري لم يقوَ نفسياً على تنفيذ أمر أمير الجماعة بأن يقتل شقيقه بنفسه، فيكون مصيره القتل هو الآخر، بدعوى أن إيمانه منقوص ورخو.

هذا المشهد الافتتاحي الدموي، يبدو مرجعاً لكثير من الأحداث التي تتأسس عليها الرواية بعد ذلك، ثم ينفتح السرد، بدءاً من الفصل التالي على مساحات من التخييل، عبر تبئير شخصية (محمد)، الناجي الوحيد من مذبحة أسرته، فقد «ضاقت به مليانة، فغادرها نحو عين الدفلي، يجر خلفه قافلة الكلاب التي صارت أسرته الجديدة»، فقد أسماه الناس (الملياني)، نسبة إلى بلدته، وأصبح يعيش مشرداً، لا يأمن سوى للكلاب، يصاحبها، ويأتنس بها، ويحنو عليها، حتى عثر على الكلب (النيطوش)، البائس المشرد مثله، ويصطفيه صديقه المقرب، ونبدأ في رؤية العالم بعيون (الملياني) و(النيطوش)، بوصفهما ممثلين للهامش المقموع، الصوت المسكوت عنه، المطارد، لكنه يرى ويعرف حقيقة مجتمع المدينة، ومثالبه، ورموزه المصطنعة، فالاثنان في حالة تعارض مع شخصية «عبد القادر صابونة». الملياني وهو طفل كان ضحية (صابونة) وجماعته في سنوات العشرية السوداء، وبعد المصالحة ظل أيضاً ضحية (صابونة) نفسه في عشريته الجديدة.

تمتد الرواية زمنياً على مدار ثلاثين عاماً، ويتراوح فضاؤها المكاني بين مدينتي مليانة وعين الدفلي، وترتكز على التوثيق عبر إيراد أخبار صحافية ومقالات وأغاني لمطربين جزائريين معروفين. كما تعتمد بشكل رئيس على تقنية تعدد الأصوات، وهو ما يبدو من عنوان الفصول السردية، ليس فقط صوت الهامش ممثلاً في (الملياني)، وصوت المركز ممثلاً في (عبد القادر)، لكن الطريف هو منح مساحات كبرى لأصوات الحيوانات التي تقدم خطابها وصوتها، سواء ضد السلطة التي تطاردها وتقمعها، وتضعها في القالوفة، أو ضد سلطة الإنسان وتجبّره على الحيوانات بشكل عام، كما يقول أحد القرود: «من المفترض أن تكون هناك حدائق للبشر، بدل حدائق الحيوانات، ونحن من نزورهم ونطعمهم، كل حيوان يربي بشرياً. قد لا نجيد فعل ذلك، لكن على أسوأ تقدير لن نبصق عليهم ونهينهم مثلما يفعلون».

فالفصل الثاني من الرواية يأتي على لسان (حمو)، وهو كلب يروي معاناته مع (مبارك) السادي الذي يهوى تعذيبه، وكذلك صوت القط (مخطار)، فضلاً عن أصوات كثير من الحيوانات من الكلاب والحمير والدجاج والقرود والغربان وغيرها، ويتسع حضور الحيوانات في المتن السردي، حتى تأخذ مركز البطولة مع تنامي السرد، بل تقوم بثورة على تسلط البلدية، وتملأ الشوارع والميادين، بعد فشل الحراك الشعبي في الجزائر إبان الربيع العربي، فتنهض الحيوانات في حراك بديل، ضد العسف والقمع والتجويع الذي يطالها يومياً.

تحفل الرواية بحالة من الكرنفالية، بالمفهوم الباختيني، فالفضاء الروائي يتحول إلى سيرك، ويجري تبادل الأدوار، فالحيوانات تصبح أكثر إنسانية من الإنسان، وتثور على السلطة بمعانيها كافة، وتجريد الإنسان من مركزيته، كما يجنح السرد، وفق هذا المفهوم الكرنفالي، إلى نزع هيبة رجال السلطة ممثلة في (عبد القادر)، ويسلبه قوته وفتوته المزعومة، ويمنحه الاسم الساخر (صابونة)، الذي التصق به منذ كان متمرداً راديكالياً مختبئاً في الجبل، وحاول إفراغ شهوته في كلبة، لكنها عقرته، وانتزعت عضوه الذكري، وتركت مكانه مستوياً وناعماً، مثل الصابونة، بلا أي نتوءات، لذا أصبح له ثأر مع الكلاب، يفرح بقتلها بعد المصالحة وعمله في البلدية، كما كان يفرح بقتل البشر عندما كان «جهادياً»، ولم يكتفِ السارد بنزع ذكورته، بل أضفى عليه صفات أنثوية، ليحوله إلى أضحوكة، وينزع عنه كل هيبة. كما تتبدى الكرنفالية أيضاً في سخرية (مبارك)، الروائي السادي، من الناقد الذي ينقد أعماله، فيذبح كلبه (حمو)، ويطبخ كبده كوجبة للناقد، في محاولة للسخرية من سلطته. فالرواية، إجمالاً، كرنفال ساخر، يفكك كل سلطة، وينزع القداسة عن كل مدعٍ، معيداً إنتاج ثنائية المركز والهامش، مانحاً البطولة لكل مقموع.

تبدو كل شخصيات الرواية معاقة ومشوهة، جسدياً أو نفسياً، بدءاً بعبد القادر، مروراً بـ«مبارك» الذي فقد قدمه ويعيش بقدم بلاستيكية، كما يعاني نفسياً من معرفته أن أمه كانت غانية، ووضعته في كيس قمامة أسود على باب إحدى المؤسسات، و(الملياني) المشرد المسكون بمشهد مقتل أسرته أمام عينيه، و(ليندا) التي تكتشف أنها ابنة (رشيد) و(فتيحة)، فعندما اختطف الملثمون أمها كانت حبلى فيها، وماتت بعد ولادتها، وهربت بها إحدى النساء من الجبل، ووضعتها أيضاً على باب إحدى المؤسسات.

هذه الشخصيات الممزقة جسدياً ونفسياً، في عام 2019، حيث تدور الوقائع الرئيسة للرواية، وقت ثورة الحيوانات، كلها شخصيات منحدرة من فترة العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، فما يحدث في الواقع اليوم، هو نتاج ذلك التاريخ الذي يبدو بعيداً، لكنه يظل مطموراً وفاعلاً في نفوس الشخوص، تاركاً ندوبه العميقة في نفوسهم، بل في أجسادهم أيضاً، لذا يراوح السرد في حركة بندولية بين الحاضر والماضي، كأنه يفكك الحاضر، ويحفر في الماضي بحثاً عن الجذور المؤسسة لهذا الواقع وهذه الشخوص الشائهة، وما قاله الصحافي رشيد قديماً: «لم يعد أمامي سوى أن أموت كاتباً أو أعيش صامتاً. اخترت أن أرحل. ليال كثيرة قضيتها في التفكير. العاصمة صارت مصيدة، كل ركن فيها له عين أو فوهة بندقية» لا يختلف كثيراً عما يقوله ابنه (الملياني) المشرد بعد ما يقارب ثلاثين عاماً: «اعلموا أن البلاد صارت مقبرة كبيرة، بل قالوفة كبيرة، تبتلع في أقفاصها كل صوت رافض للقمع والإذلال والجوع والتطرف». ومن ثم، لا فارق بين «مصيدة» العشرية السوداء و«قالوفة» عشرية عبد القادر صابونة.


تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش
TT

تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش

يركز الباحث رامي مصطفى هلال في كتابه «ملامح السرد في الخطاب الشعري عند محمود درويش»، الصادر أخيراً عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، على «تجليات البيت» في قصيدة الشاعر الفلسطيني الأشهر، باعتباره رمزاً يختصر الوطن ويفيض بالحميمية والعذوبة.

ويشير إلى أن البيت وُظّف سردياً في شعر درويش؛ فهو ليس بيتا ذا أبعاد هندسية، لكنه يحمل ذاكرة الوطن المستلب في الخروج والعودة، ويظل مفتاحه الدائم في أيدي الفلسطينيين تاريخاً وشاهداً على الحق الثابت، وأملاً في العودة إليه مرة أخرى.

يسرد درويش في حوارية مع الأب، في سهل من سهول فلسطين، في قصيدة «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» سيرته الذاتية إبان النكبة، حين الخروج القسري من بيته ووطنه، ربما تكون قرية «البروة» التي وُلد فيها نابتة في حضن هذا السهل. ومن خلال راوٍ عليم، كليّ المعرفة، وشخصَيْن يقوم عليهما السرد والحوار، هما الأب والابن، تتوالى سردية ذات شحنة درامية مؤثرة إنسانياً.

يقول درويش في افتتاحية سينمائية لقصيدته يتشابك في فضائها فعلُ الحدث والكشف عن نفوس الشخصيات من خلال الاستفهام البريء للطفل واستحضار صيغة الاستفهام المكاني الذي يقوم عليه فعل السرد في القصيدة كلها:

«إلى أين تأخذني يا أبي؟

إلى جهة الريح يا ولدي»

يتوقف الحدث عند الحوار الكاشف الذي وهب المتلقي في ومضة واحدة شخصيتَي «الأب والابن»، والحدث الغامض «إلى جهة الريح»، والحوار المنتمي إلى روح اللحظة التاريخية وكثافتها وموقع الراوي وبنية الدراما السردية داخل القصيدة، ثم يصف الراوي لحظة الخروج فيقول:

«وهما يخرجانِ من السهلِ حيثُ

أقام جنودُ بونابرت تلّاً لرصد

الظلال على سور عكا القديم

يقول أب لابنِهِ: لا تَخَفْ لا تَخَفْ

من أزيز الرصاصِ التصِقْ بالترابِ لتنجو

سننجو ونعلو على جبل في الشمال

ونرجع حين

يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد»

يعيد التاريخ نفسه على الأرض؛ فمثلما رحل الغرباء من قبل، فإن سيرة الأرض تؤكد أن الغرباء الجدد راحلون أيضاً، والوصف يعمّق النص، ويضيف إلى القصيدة أبعاداً جديدة تسهم في تشكيل فضائها المضموني، وتساعد على تصوُّر الأحداث، حيث السرد في جوهره تقطيع لبنية الحكاية وإعادة تشكيلها من خلال التغيير في بنية الزمان والمكان.

إنه اليقين التاريخي الذي ينقله الأب إلى الابن من خلال الحوار، مستدعياً جنود بونابرت الذين كانوا يرصدون الظلال، ولذا فإن الشاعر – الراوي - يطلعنا على يقين الأب، وهو الشخصية المحورية في سَرْد درويش، وهو يؤكد بـ«سين المستقبل»: «سننجو ونعلو ونرجع»، وأن عودة الجنود القادمين من البعيد حتمية، هذا ما تقوله الأرض والتراب عندما يلتصق به الفلسطينيون:

«ومن يسكن البيت في بعدنا

يا أبي؟

سيبقى على حاله مثلما كان

يا ولدي».

وعبر التناوب بين ضمائر السرد في القصيدة؛ من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وهما يخرجان، وكذلك التناوب بين تقنية الوصف والحوار، تتوتر القصيدة درامياً، وتتنقل لتخلق سرديتها الخاصة الممزوجة بوعي تاريخي. هنا تبرز مفردة «البيت» لتضارع الوطن؛ فهو البيت الكبير، ومَن يسكن البيت فإنه يسكن الوطن، ويأتي صوت الأب الواثق من العودة، فيطمئن الابن على الوطن.

وهذه اللغة الشعرية الدرامية تعطي الجمهور أو القارئ شعوراً بأن الفكرة تتكوَّن؛ إذ تتكلم الشخصية تحت ضغط الوضع الذي تجد نفسها فيه، ويُبرِز الاستفهام ملمحاً أسلوبياً في القصيدة يعبر به السارد عن مأساة الحاضر من خلال الماضي، ويدل على صدق الشخصيات وقربها من السرد الواقعي:

«تحسس مفتاحه مثلما يتحسس

أعضاءه واطمأن»

في سؤال آخر يسأل الطفل أباه قائلاً:

«لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟

لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها»

يعبر السارد، من خلال فعل التحسُّس المفاجئ عن مفتاح البيت كعضو من أعضاء الجسد، عن قيمة البيت وتداخله في الجسد الفلسطيني؛ فالتراب ينبت داخله كأعضاء جديدة، وكرد فعل على الغياب، فالبيت مكان يؤطر لفعل الحدث، ويصبح بطلاً في السرد، بل شخصية أثيرة من شخصيات السرد داخل القصيدة، يأبى لها الأب أن تموت في الغياب، فيترك له الحصان كي يؤنس وحدته.

يأبى السارد أن يتحول البيت إلى أطلال مهجورة، لذا فالبيت الفلسطيني لم يتحول في سردية درويش إلى أطلال تستحق الرثاء، ولكنه يظهر في الرؤية السردية كائناً حياً يقاوم فعل الزمن والأحداث، ويستعصي على المحو والتذويب، وقد جعله الشاعر السارد عضواً حياً في الجسد الفلسطيني، يستمدّ حياته من روح هذا الجسد، ووعيه وذاكرته الحية التي لا تغيب.

هكذا ظل البيت «في تجربة محمود درويش الشعرية حالة وجودية تتجاوز الحيز الجغرافي أو الجدران الإسمنتية، لتتحول إلى استعارة كبرى للهوية والذاكرة والمنفى، كما تجاوز فكرة المأوى، ليصبح نوعاً من (الفردوس المفقود) والصراع الجدلي المستمر بين الحضور والغياب».

جاء ذلك بمثابة تطوُّر لافت، بعد أن ارتبط في البدايات الأولى بمسقط الرأس في قرية البروة، حيث رُسمت ملامحه من خلال تفاصيل حسية بسيطة: رائحة القهوة وخبز الأم، وشجر الزيتون، ليكون البيت هنا متطابقاً مع «الوطن» في صيغته الرومانسية المباشرة، حيث تسود علاقة عضوية بين الشاعر والأرض.

ومع نضج تجربة الشاعر وتعمق مأساة الاقتلاع من الأرض، خضع مفهوم البيت لتحوُّل جذري ليُعرّف بضده، أي بالمنفى، أي أنه لا يتحقق ولا يُدرك إلا من خلال فقدانه، وهو ما يسميه النقاد بـ«شعرية الفقد».

إنه ليس ذلك الحيز الذي نسكن فيه، بل هو الذي يسكن فينا كجرح أو كحلم. يظهر البيت أحياناً كفضاء مثير للجدل والمشاعر المتناقضة، على نحو يجمع بين الألفة والوحشة؛ فالمبنى الذي استولى عليه «الآخر» لم يعد بيتاً، بل صار مكاناً غريباً، ما خلق حالة من «الاغتراب في المكان» تستدعي استحضار الأدوات المنزلية البسيطة وتحويلها إلى رمز لمقاومة النسيان، كالمزهريات والشبابيك، والمفاتيح الصدئة، وغيرها من عناصر تعيد بناء الذاكرة في مواجهة محاولات المحو.

في المراحل الأخيرة من أعمال درويش، اتسع مفهوم البيت ليشمل البُعد الكوني والأسطوري، ليتجاوز كل فلسطين وتتقاطع صورته مع القبر والرحم والمطلق. إنه يمثل «العودة الأبدية» إلى الذات، والتصالح مع فكرة أنه قد يكون «قصيدة» أو «إيقاعاً». كما يظهر البيت في هذه المرحلة وكأنه يجسد حالة من «الخفة»، بعد التخلص من «ثقل» الطين، حيث تصالح درويش مع فكرة «الشتات الوجودي»، معتبراً أن الاستقرار الحقيقي يكمن في النص لا في المكان.


«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية
TT

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

تعد رواية «لم يتبق غيرها» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة للكاتب الأميركي رايلي ساجر، ترجمة عبد الرحيم يوسف، بمثابة نص نموذجي للقارئ الباحث عن حبكة درامية تمزج الإثارة بالرعب، من خلال سرد تشويقي متصاعد ومفاجآت لا تنتهي، ونهاية صادمة غير متوقَّعة، لكاتب مشهور بقدرته على حبس أنفاس القارئ حتى اللحظة الأخيرة، وتُرجمت أعماله إلى أكثر من 35 لغة حول العالم.

تحكي أحداث الرواية كيف أنه في ليلة دامية عام 1929 هزَّت الجريمة المروعة لقتل عائلة هوب ساحل ولاية مين، فيما يعتقد الجميع أن الابنة لينورا ذات الأعوام السبعة عشر هي الفاعلة، ولكن الشرطة لم تتمكن من إثبات ذلك قط، ومنذ ذلك الحين لم تنبس الفتاة بكلمة عن تلك الليلة، ولم تغادر القصر المنعزل حيث وقعت المأساة.

في عام 1983، بعد أربعة وخمسين عاماً تصل كيت مقدمةُ الرعاية الصحية الجديدة إلى القصر لرعاية لينورا، التي باتت عاجزة ومقيَّدة إلى كرسي متحرك، بعد سلسلة من السكتات الدماغية التي أفقدتها صوتها، ولم يعد بمقدورها التواصل إلا عبر آلة كاتبة قديمة.

وذات ليلة، تنقر لينورا مفاتيح تلك الآلة برسالة لم تكن تتوقعها كيت:« أريد أن أخبرك بكل شيء... لم تكن أنا»، هكذا أقسمَتْ، لكنها الوحيدة التي لم تَمُت. وبينما تساعد «كيت» العجوز المقعدة في سرد الأحداث التي سبقت الجريمة المروعة، وتتكشف أسرار دفينة، يبدو أن الحقيقة أكثر غموضاً مما يعتقده الجميع، حتى تبدأ كيت في الشك: هل لينورا العاجزة ضحية حقّاً، أم أنها تخفي وجهاً آخر أكثر خطورة؟

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«أول ما أتذكره، الشيء الذي ما زالت تنتابني الكوابيس حوله، هو عندما انتهى كل شيء. أتذكر هدير الريح وأنا أخطو على الشرفة، كانت تهب من المحيط في زوابع عاوية تحتكّ بالمنحدر، قبل أن تصفعني مباشرة وأنا أهتزّ واقفة على كعبي شاعرةً كأن حشداً جامداً غير مرئي يدفعني للوراء نحو المنزل.

آخر مكان أردتُ أن أكون فيه!

استعدتُ توازني مزمجرةً، وبدأت أشقّ طريقي عبر الشرفة التي صارت أرضيتُها زلقةً بفعل المطر المنهمر. كانت تُمطِر بغزارة وحبات المطر شديدة البرودة كأن كل قطرة منها وخزة إبرة، وبسرعة شديدة وجدت نفسي وقد أفقت من حالة الذهول التي كنت فيها، وانتبهت فجأة، وبدأت ألاحظ الأشياء، قميص نومي ملطخ بالأحمر، ويداي دافئتان ولزجتان بالدم.

السكين ما زالت في قبضتي، كانت هي أيضاً ملوثةً بالدم، لكن المطر البارد طفق ينظفها بسرعة. الآن ظللت أتقدّم مخترقةً الريح التي كانت تدفعني إلى الوراء، وأنا ألهث مع كل قطرة مطر حادة، وأمامي كان المحيط وقد أهاجته العاصفة بسياطها، وصارت أمواجه تتحطم على سفح المنحدر تحتي بخمسين قدماً، لا يفصلني عن هوة البحر المظلمة إلا السياج الرخامي القصير الممتد بطول الشرفة. عندما بلغتُ السياج أصدرتُ صوتاً غريباً مخبولاً مخنوقاً نصف ضحكة ونصف نشيج.

استدرت عائدة إلى المنزل، كل نافذة في كل غرفة كانت مضاءة متوهجة مثل الشموع التي زينت كعكة عيد ميلادي متعددة الطوابق قبل ثمانية أشهر، لكني كنت أعرف أن المظاهر خادعة، وأنه حتى السجون قد تبدو جميلة لو أضيئت على نحو صحيح».