«جواد سليم: حياة جديدة»... معرض وإطلاق كتاب

هو الأكبر للفنان منذ معرضه الاستعادي عام 1968 في بغداد

«جواد سليم: حياة جديدة»... معرض وإطلاق كتاب
TT

«جواد سليم: حياة جديدة»... معرض وإطلاق كتاب

«جواد سليم: حياة جديدة»... معرض وإطلاق كتاب

استضاف دار ومزاد بونهامس في لندن معرضاً وحفلاً لإشهار أول كتالوج فني شامل مخصص لأعمال الفنان العراقي الرائد جواد سليم، هو الأكبر للفنان منذ معرضه الاستعادي عام 1968 في المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد. يُقام المعرض احتفاءً بنشر الكتالوج الشامل لأعمال الفنان، ويهدف إلى إحياء إرث جواد سليم للجيل الجديد، تكريماً لمؤسس الحداثة الفنية العراقية ومبدع أحد أكثر المعالم العامة شهرة في بغداد. ولم يكن جواد سليم مجرد فنان، بل كان حركة فنية وثقافية كاملة ساهمت في تشكيل المشهد الفني العراقي الحديث، وربطت الإرث الفني القديم بأساليب معاصرة، مما جعله رمزاً خالداً في تاريخ الفن العراقي، وكذلك العالمي، وكان بارعاً في الرسم والنحت معاً، وترك بصمة واضحة في المشهد الفني العراقي عبر أعماله التي تميزت بالأسلوب التجريدي المستوحى من الرموز السومرية، والبابلية، والآشورية.

تحتل جداريتان برونزيتان، إحداهما تعود إلى عام 1955 وبحجم (80× 50) والأخرى بعنوان «الرجل والأرض» تعود إلى عام 1958 بحجم (54 ×56)، جدارين في المعرض. الجداريتان مستوحاتان بالكامل من التراث الرافديني، كأنهما رقم طينية، لكنهما مشغولتان بالأسلوب التعبيري والرمزي المقتصد. لعلهما كانتا تجارب لنصب الحرية، أعظم أعماله وأكثرها شهرة في ساحة التحرير في بغداد، والذي هو تحفة فنية رمزية تعكس النضال الوطني لمختلف الأجيال في العراق وكفاحهم لنيل الحرية، حيث دمج فيه أسلوباً حداثياً مع فنون الرُقم الطينية والجداريات البصرية السومرية. كان نصب الحرية تكليف فني ضخم، واختباراً لرؤية جواد الفنية المذهلة. لكن للأسف، انتهت حياته بشكل مأساوي عام 1961 بينما كان المشروع لا يزال قيد التنفيذ.

من المعرض

تعرض في المعرض أيضاً لوحتان من مقتنيات شخصية لمقتنٍ بقي مجهولاً، تعود كلتاهما إلى عام 1943. بعنوان «امرأة تنتظر»، يصور فيهما مراحل انتظار امرأة بغدادية لحبيبها، أعادتني هاتان اللوحتان إلى الشبابيك ذات الإفريز الخشبي للشناشيل البغدادية وإلى السجاد الصوف المحلي ونقوشه الملونة والأرائك الخشبية التي كانت سائدة في أغلب البيوت العراقية منتصف القرن السابق في العراق، وإلى النساء اللواتي لا يمكنهن فعل شيء آخر غير الانتظار، بوضعيات قلقة مختلفة، وقوفاً خلف الشبابيك أو تكوراً أو حتى جلوساً متأهباً على الأرائك. هناك أيضاً لوحة بألوان زيتية للورنا سليم، زوجته، تعود إلى عام 1955 بأسلوب أقرب إلى الانطباعية وخلفها شباك يفضي إلى باب.

يُعرض أيضاً عمله البرونزي المهم «السجين السياسي المجهول»، الذي فاز بجائزة عن مشاركته في مسابقة أقيمت في غاليري تيت في لندن عام 1953، مما يجعله على الأرجح أول فنان من الشرق الأوسط يُعرض عمله في هذا المتحف. وقبل أعوام كان هناك مقترح من عدة فنانين ونحاتين عراقيين لنصب نسخة كبيرة من هذا العمل في ساحة الفردوس في بغداد، تخليداً للسجناء السياسيين، لكن وزارة الثقافة العراقية لم تُعِر المقترح الاهتمام.

كل لوحات ومنحوتات جواد سليم المعروضة هي أعمال فنية خالصة تتنزه عن الأغراض السياسية وتنحاز فقط للإنسان، وهذا ما جعله يرفض وضع مجسم لوجه عبد الكريم قاسم ضمن منحوتات نصب الحرية. هذه الأعمال الفنية أيضاً تبدو طازجة وتحتفظ بجرعتها الحداثوية الكاملة رغم مرور ما يقارب السبعين عاماً على إنتاجها، ومن يزور المعرض فسيشعر أن المعروضات سبقت عصرها وهي لا تختلف عن أي عمل إبداعي معاصر.

الكتالوج

الكتالوج، وهو من تحرير ابنته زينب جواد سليم ونعمة الشكرجي، مسؤول فنون الشرق الأوسط في دار ومزاد بونهامس، وكذلك القيّم على المعرض، الضوء على المسيرة الفنية لجواد سليم، بدءاً من أعماله المبكرة كمراهق وصولاً إلى إبداعاته الناضجة والأيقونية. يضم هذا المجلد 152 صورة للوحاته ومنحوتاته، العديد منها يُنشر لأول مرة. بالإضافة إلى ذلك، تعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها تصوير «نصب الحرية» بالكامل وعرضه بالألوان، مع صور تفصيلية تظهر في منشور توثيقي رئيسي. يقدم الكتاب نظرة شاملة على لوحات ومنحوتات جواد سليم، معززاً بمقالات نقدية من تأليف مؤرخي الفن البارزين ندى شبوط وسليم البحرلّي. وكذلك شهادات تفصيلية من ابنتيه زينب ومريم والكثير من الصور الفوتوغرافية الشخصية ومقتطفات من محاضراته ويومياته.

يقول نعمة الشكرجي إن «جواد سليم أقام معرضاً لأعماله عام 1953 في عدة مدن أميركية مثل واشنطن ونيويورك وبطرسبورغ ومدن أخرى، بدعوة من جماعة فنية تدعى (جمعية الصداقة الأميركية مع الشرق الأوسط) واحتفظ بجداول لأعماله المعروضة والمبيعة والجهات التي بِيعتْ لها الأعمال. ومن ضمن الأعمال المبيعة في أميركا لوحة (امرأة تبيع الأقمشة - 1953) لكنه نسي أن يدون لمن باعها، واختفى أثر اللوحة لمدة 50 عاماً. وفي عام2017 وصلنا بريد إلكتروني من رجل يقول إنه وجد لوحة في غرفة علوية في متجر والده لبيع الكتب، نفض عنها الغبار، ويبدو أن والده اشتراها في خمسينيات القرن الماضي». ويذكر الشكرجي أنه خلال بحثه وجد أن ذلك المتجر لبيع الكتب كان يقع تحت القاعة التي عرض بها جواد أعماله في مدينة بطرسبورغ، وهكذا وصلت «امرأة تبيع الأقمشة» إلى المزاد في دار بونهامس، ثم اشترتها مؤسسة بارجيل الإماراتية. لكن لا تزال هناك الكثير من الأعمال المفقودة لجواد سليم.

ضم المعرض عمله البرونزي «السجين السياسي المجهول» الذي عرض عام 1953 في تيت غاليري بلندن ما يجعله أول فنان من الشرق الأوسط يُعرض عمله في هذا المتحف

ولد جواد محمد حاجي سليم في أنقرة عام 1921 لعائلة عراقية ذات اهتمامات فنية، كان والده ضابطاً في الجيش العثماني وفناناً، وكذلك كان شقيقه نزار وشقيقتاه سعاد ونزيهة، وزوجته لورنا سليم التي كانت فنانة ومعلّمة فن بريطانية. أكمل جواد المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مدارس بغداد، حيث أظهر موهبة استثنائية في الفن منذ صغره، وتتلمذ على يدي فتحي صفوت قيردار، أُرسلَ جواد إلى فرنسا وهو فتى بعمر الثامنة عشرة، حيث درس فن النحت بمعهد الفنون الجميلة في باريس عام 1938 وهناك تعرّف على أعمال الفنان الفرنسي أوغست رودان وتأثر به وتعرّف على الحركات الفنية الطليعية مثل التكعيبية والتعبيرية والسوريالية (Avant - grade). ثم انتقل إلى روما بين عامي (1939 - 1940) حيث تعرّف على فنون عصر النهضة وكلاسيكيات الفن الإيطالي. عاد بعدها إلى بغداد نتيجة ظروف الحرب العالمية الثانية، ثم سافر للدراسة في مدرسة سليد للفنون في لندن بين الأعوام (1946 - 1950) وهي واحدة من أعرق المدارس الفنية بالعالم، حيث تأثر بالحركات البريطانية الفنية الحديثة، لكنه طوَّر لاحقاً أسلوباً خاصاً به يجمع بين الفن الرافديني القديم والموروث الشعبي العراقي بأسلوب الحداثة.

يُحتفى بجواد سليم كأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في فن القرن العشرين في الشرق الأوسط، والرائد في تأسيس الحداثة العراقية الفنية. أسس جواد سليم في الخمسينيات من القرن الماضي حركة فنية متميزة سعت إلى ابتكار وبلورة هوية فنية عراقية حديثة من خلال دمج التقاليد المحلية مع التأثيرات الفنية الحديثة القادمة من أوروبا، خاصة الطليعة الفنية الفرنسية والإنجليزية والإيطالية. اشترك مع الرسام شاكر آل سعيد ومحمد غني حكمت بتأسيس جماعة بغداد للفن الحديث، ليتولى بعدها رئاسة قسم النحت في معهد الفنون الجميلة في بغداد، حتى وفاته 1961.


مقالات ذات صلة

«رسالة حبّ كبرى» عمرها قرنان تعود إلى روما

يوميات الشرق قرنان يفصلان اليد عن بصمتها (أ.ب)

«رسالة حبّ كبرى» عمرها قرنان تعود إلى روما

المرة الأخيرة التي بيعت فيها اللوحة كانت عام 2014، حين دفع أحد هواة جمع الأعمال الفنية 30.3 مليون جنيه إسترليني لقاءها...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

«مجموعة أسطورية»، هكذا عدَّ أحد خبراء الفن الانطباعي المجموعةَ التي أعلنت دار سوذبيز عن بيعها وقدرت لها مبلغاً يقارب نصف مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق جيسيكا فينسنت تحمل زجاجة قديمة اشترتها بـ3.9 دولار لتُباع في مزاد لاحقاً بأكثر من 100 ألف دولار (أ.ب)

اشترتها بـ3.99 دولار وباعتها في مزاد بـ107 آلاف... مزهرية تصنع «صفقة العمر»

في الوقت الذي كان فيه معظم المتسوقين يرون في المزهرية مجرد قطعة زجاجية قديمة وسط أكوام من الأغراض المستعملة، رأت جيسيكا فينسنت شيئاً مختلفاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق لوحة «آيرس» التي رسمها الفنان كلود مونيه في أيامه الأخيرة خلال ظهورها بمزاد تُقيمه دار «سوذبيز» (رويترز)

لوحتان لمونيه لم تُعرضا أمام العامّة تُطرحان في مزاد بباريس

ستُطرَح لوحتان للفنان كلود مونيه لم تُعرضا للعامّة مطلقاً، في مزاد تُقيمه دار «سوذبيز» بباريس، في إطار عملية بيع مجموعة فنية تعود لعائلة شلومبرجيه.

«الشرق الأوسط» (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.