في باش جراح، أشهر الأحياء الشعبية بالعاصمة الجزائرية، كان عدد كبير من المواطنين منهمكين في توفير متطلبات بيوتهم استعداداً لشهر رمضان الكريم، لكن ذلك لم يُثنِهم عن متابعة التطورات اليومية للتوترات الحادة مع فرنسا، والتفاعل مع التدفق المكثف لأخبارٍ معلومةِ المصادر، وأيضاً مع كَم كبير من الشائعات الكبيرة، التي تدور في منصات الإعلام الاجتماعي حول المشكلة.

آخِر مستجدّات الأزمة إعلان الجزائر، الخميس، رفضها «مخاطبتها بالمُهَل والإنذارات والتهديدات»، رداً على رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو، الذي صرَّح، الأربعاء، بأن فرنسا «ستطلب من الحكومة الجزائرية مراجعة جميع الاتفاقيات الموقَّعة وطريقة تنفيذها، وسنُمهل الجزائر شهراً إلى ستة أسابيع»، وكان يقصد بذلك «اتفاق الهجرة لسنة 1968»، واتفاقاً آخر يعود إلى 2013 يسمح لنخبة المسؤولين الجزائريين بالسفر إلى فرنسا دون تأشيرة.
وقالت الصحافة الفرنسية إن «الإنذار النهائي» لبايرو يشمل مطالبة الجزائر بالتخلي عن رفضها استقبال عدد من رعاياها صدرت بحقِّهم قرارات بالطرد من فرنسا بذريعة «العنف».

وعَدَّ مراقبون كلام بايرو وردّ الجزائر عليه حلقة جديدة في التصعيد المتواصل والحاد بين البلدين، أما في الشارع الجزائري فيراها أشخاص عاديون «استفزازاً غير مقبول من طرف فرنسا، وكأننا ما زلنا مستعمرتها»، على حد تعبير محمد، وهو سبعينيّ متقاعد من قطاع التعليم العالي، ومن قدامى المقيمين بحي باش جراح، الذي قال، لـ«الشرق الأوسط»، وهو يحمل مقتنيات خاصة بشهر الصيام من السوق المحلية: «أنا من مواليد ثورة التحرير (1954-1962)، وهو ما يعني أن لديّ حساسية لكل ما يتصل بالاستعمار، ومن ثم للعلاقات مع فرنسا. وأنا أتساءل: ما معنى أن يعطينا رئيس حكومتهم مهلة لنراجع اتفاقيات تجمعنا بهم؟ هذا خطاب كولونيالي لا يصدر إلا عن اليمين المتطرف... أظن أن السيد بايرو، الذي يزعم أنه من تيار الوسط، مالَ إلى جهة اليمين أو حتى إلى اليمين العنصري».

وفي تقدير سيدة أربعينية، وهي ربة بيت من الحي الشعبي نفسه، فإنه «لا يوجد أي سبب يجعلنا نتحمل إهانة فرنسا لبلادنا. سمعت ابني يقول إن العلاقات تتجه إلى القطيعة، فليكن... ليس لدينا نحن الشعب أي منفعة من هذه العلاقات، باستثناء ربما فئة من أصحاب المسؤوليات المنتفعين من العلاقة مع مستعمِر الأمس، وأبناؤهم الذين يدرسون هناك».
وجرّت الأزمة معها، في الأيام الأخيرة، «فئة المسؤولين المحظوظين»، الذين يدخلون فرنسا دون تأشيرة، حيث أكد وزير الخارجية الفرنسية جان لوي بايرو أن الحكومة منعت بعضهم من تخطي شرطة الحدود بالمطارات الفرنسية. وأكدت «الخارجية» الجزائرية، في بيان، أن الأمر يتعلق بـ«حالتين» لم تذكرهما، في حين كان موقع «توالى» الجزائري المستقل قد أكد، منذ أسبوعين، أن عبد العزيز خلاف، مدير الديوان برئاسة الجمهورية سابقاً، عاد أدراجه من مطار شارل دوغول الباريسي، بعد أن مُنع من دخول فرنسا.

وحول هذه القضية خاصة يقول الثلاثيني صالح، وهو عامل في ورشة لصيانة سيارات بحي ديار الجماعة جنوب العاصمة: «في سياق تطور الأزمة مع فرنسا، اكتشفت وجود اتفاق معها يُعفي مسؤولينا من تأشيرة السفر إليها، وأن مسؤولاً فرنسياً هدَّد بنقض هذا الاتفاق. لو كان لرجال الحكم عندنا كرامة لبادروا هم بإلغاء هذا الاتفاق. وقد سمعت محللاً في التلفزيون يذكر أن فرنسا تستعمل هذا الاتفاق ورقة لمساومة الجزائر في موقفها من القضية الفلسطينية ومن نزاع الصحراء... لكن لستُ أدري مدى صحة ذلك».
من جهته كتب أستاذ الجمعة بوهران غرب الجزائر، رابح لونيسي، عبر حسابه بالإعلام الاجتماعي: «أتحدى أي واحد أن يأتيني بضرر واحد يمس الجزائر ودولتها وشعبها (يجب فصل الأمر طبعاً عن المصالح الشخصية) إذا منعت فرنسا دخول كل المسؤولين الجزائريين إلى ترابها!».








