الجزائر تجدد مطالب «تجريم الاستعمار» الفرنسي بعد دفن رفات ضحايا

باريس توعدت بـ«إجراءات انتقامية» ردّاً على هجوم إرهابي ارتكبه جزائري

الهجوم الإرهابي الذي أوقع في مدينة مولوز السبت قتيلاً و5 جرحى (إ.ب.أ)
الهجوم الإرهابي الذي أوقع في مدينة مولوز السبت قتيلاً و5 جرحى (إ.ب.أ)
TT

الجزائر تجدد مطالب «تجريم الاستعمار» الفرنسي بعد دفن رفات ضحايا

الهجوم الإرهابي الذي أوقع في مدينة مولوز السبت قتيلاً و5 جرحى (إ.ب.أ)
الهجوم الإرهابي الذي أوقع في مدينة مولوز السبت قتيلاً و5 جرحى (إ.ب.أ)

جرت مطلع هذا الأسبوع مراسم رسمية وشعبية لإعادة دفن ضحايا معركة دامية، خاضتها المقاومة الشعبية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي قبل أكثر من 70 عاماً.

وعُثر على رفات 12 ضحية في منطقة جبلية، بعد 7 عقود من مقتلهم في معركة بو هلال، التي خاضتها المقاومة الجزائرية ضد الجيش الفرنسي في قرية شرابة ببلدية بغلية في ديسمبر (كانون الأول) 1954، بعد 52 يوماً فقط من اندلاع الثورة ضد الاحتلال، وجرت المراسم التي حضرها مسؤولون محليون في ولاية بومرداس. وحمل جنود جزائريون رفات المقاتلين الاثني عشر، أو المجاهدين كما يُعرفون في الجزائر، خلال مراسم بومرداس، الواقعة على بعد نحو 50 كيلومتراً من العاصمة، بحضور ذوي الضحايا.

الرئيسان الجزائري والفرنسي في لقاء سابق قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

وثقت السجلات الرسمية إفادات شهود على معركة بو هلال، حيث استمر القتال 11 ساعة، وانتهى بمقتل 31 عسكرياً فرنسياً بينهم ضابطان، إضافة إلى جرح 80 آخرين، بخلاف خسائر كبيرة في السلاح والعتاد. أما في صفوف المقاومة، فقد قُتل 5 بينهم قائد المعركة أمحمد القالمي، وأُسر 3 آخرون.

وجددت المراسم الرسمية لدفن ضحايا بو هلال مطالبات رسمية وشعبية بأن تقدم فرنسا تعويضات لشعوب الدول التي احتلتها في أفريقيا، والعمل على تطبيق مبادرة أفريقية لتجريم الاستعمار، والمطالبة بالتعويضات العادلة عن تلك الحقب من تاريخ أفريقيا.

وزير المجاهدين في جانب من الاحتفالات بثورة الاستقلال (وزارة المجاهدين)

كانت وزارة الخارجية الجزائرية قد أعلنت خلال القمة الأفريقية هذا الشهر في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا عن تكليف الجزائر، وجنوب أفريقيا وتوغو وغانا، ضمان تنفيذ القرار المتعلق بتصنيف الرق والترحيل والاستعمار، بوصفها «جرائم حرب ضد الإنسانية، وجرائم إبادة جماعية ارتُكبت في حق الشعوب الأفريقية».

وجدد رئيس مجلس الأمة الجزائري، صالح قوجيل، الانتقاد لممارسات فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية، ووصف الاحتلال الفرنسي للجزائر بأنه «استعمار استيطاني». مضيفاً خلال مراسم جرت في العاصمة الجزائرية، الاثنين: «في هذه المرحلة التاريخية، وفي ظل هذه الحملة الشرسة المسلطة على الجزائر، سيما عندما نتابع شاشات التلفزيون ووسائل الإعلان بفرنسا... الاستعمار الذي كان في الجزائر ليس نفسه الذي كان في كل البلدان؛ لأن الاستعمار الفرنسي في الجزائر هو استعمار استيطاني».

واحتلت فرنسا الجزائر 132 عاماً، قُتل خلالها مليون ونصف المليون شخص، وفقاً لإحصاءات رسمية جزائرية، قبل أن تنال استقلالها في 1962 بعد سنوات طويلة من النضال.

تزامنت هذه التصريحات مع تحذير باريس، الاثنين، الجزائر من أنّ رفضها استعادة مواطنيها المرحّلين من فرنسا هو أمر «غير مقبول»، متوعدة بإجراءات انتقامية تشمل خصوصاً التأشيرات؛ وذلك ردّاً على مقتل شخص في شرق فرنسا في هجوم إرهابي ارتكبه جزائري، كانت بلاده قد رفضت استعادته.

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

وقال رئيس الوزراء الفرنسي، فرنسوا بايرو، إنّ الهجوم الإرهابي الذي أوقع في مدينة مولوز (شرق) السبت قتيلاً وخمسة جرحى «نفّذه بواسطة سكّين مهاجر غير نظامي جزائري، كانت باريس قد طلبت مراراً من بلاده استعادته، لكنّ طلبها كان يقابل في كلّ مرة بالرفض».

وأضاف بايرو: «لقد تمّ عرضه على السلطات الجزائرية عشر مرات لكي يوافق وطنه الأصلي على أن نعيده إليه، لكن في كلّ مرة من هذه المرات العشر كانت الإجابة تأتي بالنفي». مشدّداً على أنّ هذا الموقف «غير مقبول».

وخلال الأسابيع الأخيرة لم تنفكّ التوترات بين الجزائر وفرنسا تتفاقم. غير أن هجوم مولوز أدّى إلى زيادة التوترات بين البلدين.

وبحسب وزير الداخلية الفرنسي، برونو روتايو، فإنّ المتّهم الجزائري، البالغ من العمر 37 عاماً «وصل بطريقة غير شرعية» إلى فرنسا في 2014، وقضى مؤخراً عقوبة بالسجن بتهمة تمجيد الإرهاب. مشدداً على أنه حان الوقت الآن «لإعداد واتّخاذ القرارات حتى تعي الحكومة والسلطات العامّة الجزائرية تصميم فرنسا».

وزير الداخلية برونو روتايو (رويترز)

ومن المقرّر أن يلتئم المجلس الوزاري لمراقبة الهجرة، الأربعاء، في اجتماع كان مقرّراً قبل هجوم مولوز، لكن يتوقع أن يصبح الملف الجزائري الآن قضيته المركزية.

من جهتها، قالت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية، صوفي بريما، إنّ باريس تدرس اتّخاذ «تدابير انتقامية» ضدّ الجزائر، من بينها خصوصاً فرض قيود على التأشيرات. وقالت لقناة «آر تي إل» الإذاعية إنّ باريس قد تعمد إلى «استهداف عدد معيّن من الأشخاص المهمّين في العلاقات (الفرنسية - الجزائرية)، والتوقف عن منحهم تأشيرات».


مقالات ذات صلة

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

شمال افريقيا جانب من الحرائق التي ضربت منطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

تواصل مصالح الحماية المدنية جهودها المكثفة لإخماد حرائق الغطاء النباتي، والمحاصيل الزراعية، وواحات النخيل وأحزمة التبن، التي مست عدداً من ولايات الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الجزائري منصف بقرار مهاجم الأهلي المصري (النادي الأهلي)

الجزائري بقرار: رونالدو مثلي الأعلى... وهدفي التتويج بكل البطولات مع الأهلي المصري

أعرب الجزائري منصف بقرار، مهاجم الأهلي المصري، عن سعادته بالانضمام إلى الفريق، مؤكدا أن طموحه يتمثل في التتويج بالألقاب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا منحدر سقطت عليه حافلة ركاب بمنطقة بومرداس شرقي العاصمة الجزائرية آخر الشهر الماضي (الحماية المدنية)

حادث مروري جديد بالجزائر ينكأ الجراح ويُعيد التساؤلات نفسها

وقع حادث مروري جديد بالجزائر، الأحد، حين انقلبت حافلة ركاب مما أودى بحياة 6 أشخاص وتسبب في إصابة 31 آخرين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حرائق مستعرة اندلعت في منطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

أعلنت مصالح الحماية المدنية الجزائرية في بيان لها، اليوم الجمعة، عن الحالة العامة لحرائق الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية، المسجلة منذ أمس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)

التحولات الاجتماعية تهدد تونس والمغرب والجزائر بالشيخوخة

تشهد بلدان المغرب والجزائر وتونس انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، تحت تأثير عوامل اقتصادية وتحولات اجتماعية، حيث يفضل كثيرون الحفاظ على «راحة البال». …

«الشرق الأوسط» (تونس)

مصاريف الدراسة صداع في رأس أسر مصرية

جولات ميدانية لوزير التربية والتعليم في أول يوم دراسي العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)
جولات ميدانية لوزير التربية والتعليم في أول يوم دراسي العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)
TT

مصاريف الدراسة صداع في رأس أسر مصرية

جولات ميدانية لوزير التربية والتعليم في أول يوم دراسي العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)
جولات ميدانية لوزير التربية والتعليم في أول يوم دراسي العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)

تختبر المصرية يسرا إبراهيم المصروفات الدراسية للمرة الأولى، مع استعداد ابنتها الكبرى للالتحاق بالدراسة سبتمبر (أيلول) المقبل.

وألحقت يسرا ابنتها بمدرسة خاصة لغات (أولى ابتدائي) تبلغ مصروفات أول عام فيها 22 ألف جنيه (الدولار يعادل نحو 50 جنيهاً)، مقسمة على عدة أقساط، وأول قسط قبل بداية العام بـ13 ألف جنيه.

وقبل هذه المرحلة بعام، اضطر زوج يسرا، وهي ثلاثينية تسكن في منطقة جسر السويس (شرق القاهرة)، إلى السفر للعمل بالخارج استعداداً لمصاريف التعليم التي «تتطلب كثيراً من المال، سواء في المدرسة، أو الدروس، أو النقل».

وتقول يسرا، وهي ربة منزل، إنها كانت تتمنى لو ألحقت ابنتها بمدرسة دولية، لكنهم لا يتحملون مصاريفها، لافتة إلى أنهم حرموا من الذهاب لزيارة زوجها في الدولة التي يعمل فيها بسبب «المصاريف الدراسية».

وكثير من الأسر المصرية ترهقها انطلاقة العام الدراسي، إذ تضطر إلى سداد آلاف الجنيهات، فتلجأ إلى القروض أو «الجمعيات» (وسيلة ادخار تشاركية مع بعض الأقارب، والأصدقاء، وزملاء العمل) لتدبير تكاليف الدراسة التي تتزايد سنوياً في ظل متطلبات معيشية متصاعدة بسبب الغلاء.

وتتنوع المدارس في مصر بين حكومية بمصروفات بسيطة تقصدها الأسر محدودة الدخل، وحكومية «تجريبية» تقدم تعليماً باللغة الإنجليزية، وترتفع فيها المصروفات مقارنة بالأولى، لكنها تظل منخفضة مقارنة بالمدارس الخاصة، ويبلغ متوسط المصروفات فيها 2000 جنيه للعام، وتقفز إلى متوسط 3500 جنيه في «التجريبية المميزة» ذات الأعداد الأقل.

أما المدارس الخاصة (ناشونال) فتتنوع بين مدارس تقدم تعليماً باللغة العربية، أو لغة أجنبية، وبمتوسط مصاريف 20 ألف جنيه سنوياً، وتقفز المدارس الدولية (الإنترناشونال) إلى أضعاف ذلك الرقم.وتوجد في مصر أكثر من 62 ألفاً و500 مدرسة، من بينها 10 آلاف مدرسة خاصة، وفق إحصائية رسمية العام الماضي.

ومنذ أيام حصلت العشرينية ندى أحمد على «جمعية» كانت قد شاركت فيها مع أقارب وجيران لتدبير قسط المدرسة لابنها في المرحلة التمهيدية، والتي تبلغ مصاريفها 20 ألف جنيه.

وتقول إن «المصروفات الدراسية كبيرة، ومرهقة بالنسبة لدخل أسرتي الذي لا يتجاوز الـ15 ألف جنيه شهرياً، خصوصاً أن لدي ابناً ثانياً سيلتحق خلال عامين بالتعليم».

وتضيف ندى، وهي ربة منزل، وتقيم في منطقة فيصل (جنوب القاهرة) أنها «تتكلف هذه المصروفات لضمان وجود نجلها في مدرسة ملائمة تستطيع الرجوع لإدارتها لو حدث له شيء، لكن مستوى التعليم يظل أقل من المتوقع، ويحتاج لدروس خصوصية».

وتحرم المصروفات الدراسية عائلة ندى من الانتظام في التمارين الرياضية لطفليها خلال العام الدراسي، وكذلك من الخروج في نزهة، وتوضح: «خلال الدراسة كل المصاريف موجهة للتعليم».

رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير التربية والتعليم داخل أحد الفصول الدراسية بمحافظة المنوفية العام الماضي (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

ويوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق لـ«الشرق الأوسط» أن «التوسع في المدارس الخاصة بدأ من سبعينات القرن الماضي، ولم يعد مقتصراً حالياً على الفئات الأعلى دخلاً، فحتى الأسر المتواضعة مادياً أو متوسطة الحال تحاول الإنفاق على التعليم بكل قوتها، مهما أرهقها ذلك باعتباره رسالتها في الحياة، وواجبها تجاه أبنائها».

ولاحظت أدمن غروب «حوار مجتمعي»، فاتن أحمد، كثرة شكاوى أولياء الأمور مع اقتراب العام الدراسي من منظومة المصروفات، سواء بفرض بعض المدارس دفعها كاملة دون أقساط، أو رفع الأسعار بنسب تتجاوز الـ15 في المائة القانونية «ما يضع أعباء كبيرة على الأسر، خصوصاً التي لديها أكثر من طفل في التعليم».

ويبلغ الحد الأدنى للأجور في مصر 8 آلاف جنيه، وارتفع معدل التضخم في البلاد إلى قرابة 15 في المائة يوليو (تموز) الماضي مقارنة بـ14.30 في يونيو (حزيران) الماضي.

وأشارت فاتن لـ«الشرق الأوسط» إلى جزء آخر في أزمة المصروفات الدراسية يتمثل في القرار الصادر منذ العام الماضي بفرض شراء الكتب إجبارياً على الطلاب، وتبلغ عدة آلاف أخرى تضاف للمصاريف، ويفاجأ بها بعض الأهالي.

لذا ترى أننا بحاجة إلى «إعادة النظر في تقسيط المصروفات على دفعتين، أو ثلاث، حتى يستطيع ولي الأمر أن يدبر حاله في مواجهة ارتفاع الأسعار، وغلاء المعيشة».

وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف خلال لقاء عدد من أولياء الأمور في أول يوم دراسي العام الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)

وبينما يعد تدبير مصاريف المدارس عبئاً على كثير من الأسر، يتضاعف العبء حد الإرهاق على ريم أحمد (اسم مستعار)، وهي أم تربي طفلين وحيدة بعد طلاقها من زوجها، وتقول إنها اضطرت العام الماضي لبيع مصوغات ذهبية لسداد مصروفات بنتها في مدرسة خاصة تقدم التعليم باللغة الفرنسية، وهذا العام اقترضت من والدها حتى تسجل ابنها الأصغر في مدرسة تجريبية حكومية.

وانتقد الخبير التربوي عاصم حجازي «إصرار بعض الأسر على إدخال أبنائها التعليم الخاص». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المدارس الخاصة تقدم خدمة لوجستية أفضل؛ لكنها لمن يتحمل تكلفتها، وحالياً أصبحت باباً للوجاهة الاجتماعية». واقترح أن يتم «تصنيف المدارس الخاصة لفئات، وربط كل فئة بمصاريف محددة، ما يزيد التنافسية بين المدارس، ويقضي على العشوائية في زيادة المصاريف».

ووجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الاثنين، الحكومة بـ«تكثيف إقامة المعارض الخاصة ببيع المستلزمات الدراسية بأسعار مناسبة قبل بدء العام الدراسي». وشدد على «تعزيز حوكمة المصروفات المدرسية بما يخفف الأعباء المالية عن الطلاب وأولياء الأمور». ويشهد العام الدراسي المقبل تغييرات أبرزها طول مدة العام، وتبكير موعد بدء الدراسة إلى 12 سبتمبر المقبل.


قوى سودانية ترفض «حوار البرهان»

قوى سياسية ومدنية سودانية مجتمعة في أديس أبابا يوم 23 أغسطس 2026 (قوى إعلان نيروبي)
قوى سياسية ومدنية سودانية مجتمعة في أديس أبابا يوم 23 أغسطس 2026 (قوى إعلان نيروبي)
TT

قوى سودانية ترفض «حوار البرهان»

قوى سياسية ومدنية سودانية مجتمعة في أديس أبابا يوم 23 أغسطس 2026 (قوى إعلان نيروبي)
قوى سياسية ومدنية سودانية مجتمعة في أديس أبابا يوم 23 أغسطس 2026 (قوى إعلان نيروبي)

بعد مداولات استمرت يومين في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أعلنت قوى سياسية ومدنية سودانية عن رفضها دعوة رئيس «مجلس السيادة»، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، لحوار داخل البلاد، معتبرة أن الخطوة تُكرّس لتقسيم السودان بحكم الأمر الواقع.

وشاركت في المداولات قوى «إعلان نيروبي»، التي تضم تحالف «صمود»، وحزب «البعث العربي الاشتراكي»، وحركة «تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد نور، إضافة إلى حزب «الأمة» بقيادة مبارك الفاضل.

وقالت الجماعات المشاركة، في بيان أمس، إن أي عملية سياسية تُدار من داخل مناطق سيطرة أحد طرفي الحرب، وتحت حمايته، تسعى إلى إضفاء شرعية سياسية على الحكم العسكري، وتمكين عناصر النظام المعزول.

وكان البرهان قد أعلن منتصف أغسطس (آب) الحالي عن موافقته رسمياً على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لإطلاق حوار سوداني خالص داخل البلاد، متعهداً توفير حصانات مؤقتة للأطراف المشاركة فيه.


مفوضية حوض النيل «عالقة» بين تحفظات مصرية - سودانية وإصرار إثيوبي

مقر وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة على ضفاف نهر النيل (أ.ف.ب)
مقر وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة على ضفاف نهر النيل (أ.ف.ب)
TT

مفوضية حوض النيل «عالقة» بين تحفظات مصرية - سودانية وإصرار إثيوبي

مقر وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة على ضفاف نهر النيل (أ.ف.ب)
مقر وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة على ضفاف نهر النيل (أ.ف.ب)

تصطدم محاولات إثيوبيا لتفعيل مفوضية حوض النيل بتحفظات مصرية وسودانية حول اتفاقية «عنتيبي» وآليات اتخاذ القرار داخل المفوضية ليظل مستقبلها مرهوناً بتجاوز خلافات سياسية وتنظيمية متراكمة.

موقف القاهرة دفع أديس أبابا لاتهامها بأنها السبب في تأخير تفعيل الاتفاقية، وسط مفاوضات جارية بوساطة عدة دول من «حوض النيل» لم تسفر عن تقدم بعد، وهو ما يراه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» نتيجة خلافات متراكمة بين البلدين وضمن حملات إثيوبية مناهضة لحقوق مصر، مشدداً على أن تلك «المفوضية» ستبقى عالقة طالما لم يصل الجانبان لتفاهمات قابلة للتنفيذ في ملف مياه النيل.

وتتشارك 11 دولة في نهر النيل، الذي يجري لمسافة نحو 6 آلاف و650 كيلومتراً، وهي بوروندي ورواندا والكونغو الديمقراطية وكينيا وأوغندا وتنزانيا وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان والسودان ومصر.

وقال وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتيفا، في تصريحات نقلتها «وكالة الأنباء الرسمية» لبلاده أخيراً إن «معارضة مصر والسودان تعمل على إبطاء إنشاء مفوضية دائمة لحوض نهر النيل، وإطالة أمد هذه العملية، رغم دخول اتفاقية الإطار التعاوني حيز التنفيذ في 2024».

وعام 1999، أُعلن عن اتفاقية إطارية لدول حوض النيل باسم «عنتيبي» نسبة لمدينة أوغندية، ثم في 2010 وقّعت عليها إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبورندي، وانضمت إليها جنوب السودان في يوليو (تموز) 2024 وسط رفض مصري وسوداني مستمر لها.

حصص المياه

وتعتبر القاهرة والخرطوم «عنتيبي» لا تراعي اتفاقيات 1902 و1929 و1959 التي حددت حصص مياه معينة (55 ملياراً و500 مليون متر مكعب لمصر، و18 ملياراً و500 مليون متر مكعب للسودان)، وحقوق نقض لمصر والسودان أي مشاريع تُقام على النيل، ويمكن أن تؤثر سلباً على كميات المياه أو تعدّل وقت وصولها، وهي نفس الأسباب التي ترتكز دولتا المصبّ بنهر النيل مصر والسودان عليها في رفض الاتفاقية الجديدة.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، طالبت وزارة الري المصرية دول حوض نهر النيل بمراجعة مواقفها من الاتفاقية والعودة إلى النقاش بشأن التعاون بينها. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أطلق المجلس الوزاري لمبادرة حوض النيل بأوغندا الجديدة عملية تشاورية لبحث شواغل الدول الأربع التي لم تنضم (أي تصدّق على الاتفاقية الإطارية).

العملية التشاورية

وتحدثت وسائل إعلام مصرية في فبراير (شباط) 2025 عن أن لجنة العملية التشاورية سباعية، وتضم الدول الأربع المعترضة والمتحفظة على الاتفاقية، وهي مصر والسودان وكينيا والكونغو الديمقراطية بجانب 3 دول موقعة على الاتفاقية، وهي أوغندا ورواندا وجنوب السودان كوسطاء.

الخبير في الشؤون الأفريقية رمضان قرني يرى أن الحديث الإثيوبي الأخير بشأن تأخير تفعيل مفوضية حوض النيل يندرج في المقام الأول ضمن حملة إعلامية إثيوبية موجهة ضد السياسة الخارجية المصرية في القارة الأفريقية، وبالأخص في منطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي بشكل متكرر وعلى فترات متباينة.

ويعتبر أن هذه التحركات تهدف إلى صياغة واقع مائي جديد وسياسة مائية تمنح إثيوبيا اليد العليا على مجرى النيل وفرض رؤى أحادية سترفضها مصر بكل تأكيد.

ثلاثة مبادئ

كما يؤكد أن مصر واضحة في تحفظاتها وتتمسك بثلاثة مبادئ أساسية، تشمل مبدأ الإخطار المسبق بشأن تصريف المياه وفتح وغلق التوربينات والبوابات وآلية التصويت بالإجماع، وليس بالأغلبية، تجنباً لسيطرة أي تكتلات، وألا يتم توزيع الحصص المائية بالتساوي المطلق فحسب، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار المتغيرات والضرورات الحياتية، خاصة أن اعتماد مصر والسودان الرئيسي هو على مياه النيل، في حين أن بعض دول الحوض لا يتجاوز اعتمادها على مياه النهر نسبة واحد في المائة على أقصى تقدير.

ويوضح قرني أن الموقف المصري كان يعوّل في السابق بدرجة كبيرة على عدم انضمام دول مهمة للاتفاقية؛ إلا أن دخول دول مثل بوروندي وجنوب السودان قد ساهم في تغيير المعادلة داخل اتفاقية حوض النيل، ويشير إلى أنه بالرغم من ذلك لم يتصلب الموقف المصري في رفض الانضمام لمفوضية حوض النيل أو التشاور مع الشركاء الأفارقة، وهناك حرص على التوصل لتوافق؛ لكن إثيوبيا تتعنت.

منظر عام لمقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وفي ضوء ذلك، يرى هبتامو إيتيفا أن «مفوضية حوض نهر النيل ستأخذ وقتاً أطول مما كان متوقعاً لتصبح فعّالة وتباشر عملها»، متمسكاً بأن الاتفاقية تستند إلى مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، والإدارة المستدامة، وتبادل المعلومات، داعياً مصر والسودان إلى الانخراط في إطار الاتفاقية بدلاً من معارضتها.

وبحسب إيتيفا، دعمت إثيوبيا الجهود الرامية إلى منح الدول التي لم تنضم إلى اتفاقية الإطار التعاوني مزيداً من الوقت للمشاركة فيها؛ إلا أنه قال إن استمرار المعارضة لتفعيل المفوضية أصبح يشكل عائقاً أمام دفع التعاون على مستوى حوض النيل بأكمله.

وتسبب ملف «سد النهضة» في خلافات بين القاهرة وأديس أبابا، وتخشى دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، أن يؤثر السد سلباً على حصتيهما من مياه نهر النيل، وتطالبان بإبرام اتفاق ثلاثي قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بينما ترى إثيوبيا أنها لا تعتزم الإضرار بمصالح أي دولة أخرى، ما أدى إلى تجميد المفاوضات 3 سنوات قبل استئنافها في 2023 ثم تجميدها مجدداً منذ 2024.

ويتوقع الخبير في الشؤون الأفريقية احتمال استمرار ذلك الوضع العالق للمفوضية، في ظل الخلافات الحالية بين مصر وإثيوبيا، مع استمرار الحملات الإثيوبية ضد القاهرة، ما يجعل من الصعوبة بمكان التوصل لتفاهمات أو إطار جامع توافقي بشأن المفوضية مع استمرار الخلافات وتفاقمها بشكل كبير.

3 مسارات

ويؤكد أن مصر ستتعامل مع هذا الملف من خلال 3 مسارات متوازية؛ أولاً مسار رفض السياسات الإثيوبية، والثاني تعزيز التعاون المائي مع دول حوض النيل، كما رأينا في بناء سد «جوليوس نيريري» في تنزانيا، بخلاف استمرار انخراط مصر في المشاورات السياسية والفنية داخل مفوضية حوض النيل، سعياً للوصول إلى توافقات شاملة بين دول الحوض مجتمعة.