كيف ترى مصر فرض رسوم على مواطنيها لدخول سوريا؟

أسر سورية عائدة لبلادها من مصر (الشرق الأوسط)
أسر سورية عائدة لبلادها من مصر (الشرق الأوسط)
TT

كيف ترى مصر فرض رسوم على مواطنيها لدخول سوريا؟

أسر سورية عائدة لبلادها من مصر (الشرق الأوسط)
أسر سورية عائدة لبلادها من مصر (الشرق الأوسط)

ردود فعل متباينة صاحبت فرض الإدارة الجديدة في سوريا رسوماً متفاوتة على دخول مواطني دول عربية وأجنبية لأراضيها، من بينها مصر. غير أن برلمانيين وخبراء مصريين قللوا من تأثير «تلك الخطوة على مستوى العلاقات بين القاهرة ودمشق؛ إذ تستضيف مصر آلاف السوريين على أراضيها». وعدوا الإجراء الجديد «خطوة تنظيمية تحمل أبعاداً أمنية واقتصادية»، لكنهم في الوقت نفسه لم يستبعدوا «مبدأ المعاملة بالمثل من قبل السلطات المصرية».

وجاءت مصر ضمن فئة دول «المجموعة السادسة» التي تصل رسوم دخول مواطنيها إلى «150 دولاراً» (الدولار الأميركي يساوي 50.55 جنيه في البنوك المصرية).

وأظهرت وثيقة متداولة للسلطات السورية، فرض الإدارة السورية الجديدة رسوماً متفاوتة على مواطني دول عربية وأجنبية، وحددت الوثيقة 6 تصنيفات للبلدان العربية. وبينما استثنت مواطني لبنان والأردن وموريتانيا من دفع الرسوم، حددت رسوماً «40 دولاراً» على مواطني المغرب والجزائر والسودان واليمن، و«75 دولاراً» على مواطني ليبيا، و«125 دولاراً» على مواطني البحرين، في حين يصل المبلغ إلى «150 دولاراً» على مواطني مصر والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، أما العراق والإمارات فجاءت الرسوم بنحو «250 دولاراً». كما تضمنت القائمة فئات متفاوتة أيضاً للرسوم المفروضة على مواطني دول أفريقية وأوروبية وغربية.

«الشرق الأوسط» سعت إلى الحصول على تعليق رسمي بشأن «رسوم دخول المصريين إلى سوريا»، لكن لم يتسنَّ ذلك.

حافلة تقل سوريين من مصر في طريقهم إلى بلادهم (الشرق الأوسط)

ووفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، تعد رسوم الدخول الجديدة لسوريا خطوة «إجرائية وتنظيمية» من دمشق بـ«دافع أمني بالأساس»، وأشار إلى أن «إجراء فرض رسوم على تأشيرات الدخول لأي دولة يحمل دلالات وأبعاداً أمنية أكثر منها سياسية ودبلوماسية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «دمشق تريد تشديد الرقابة والمتابعة على حركة دخول الأجانب، في ظل الأوضاع الأمنية الحالية داخل البلاد».

واستبعد حسن تأثر مستوى العلاقات بين القاهرة ودمشق بعد فرض السلطات السورية رسوماً على دخول المصريين أراضيها، وقال إن «من حق الإدارة السورية تنظيم دخول الأجانب لأراضيها، وفقاً لأوضاعها الأمنية والاقتصادية»، منوهاً بأن «السلطات المصرية اتخذت عدة تدابير على دخول السوريين لأراضيها أخيراً، بعد الإطاحة بالنظام السوري السابق».

وعقب سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتولي إدارة جديدة، اتخذت السلطات المصرية عدة اشتراطات بشأن حركة دخول السوريين لأراضيها، تضمنت قراراً بـ«الحظر الكامل للقادمين من مختلف دول العالم»، وسبق ذلك «عدم السماح بدخول السوريين حاملي الإقامات الأوروبية والخليجية والأميركية والكندية، وحاملي تأشيرات دول (شنغن)، من دون موافقة أمنية مسبقة».

وفي يناير الماضي، أعلنت السفارة المصرية في دمشق «استثناء بعض الفئات من حظر دخول الأراضي المصرية»، وضمت القائمة «الطلاب السوريين المقيدين للدراسة بمختلف المراحل التعليمية، والمستثمرين السوريين وأسرهم، وأزواج وزوجات المواطنين المصريين».

ولا يستبعد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» تطبيق مبدأ «المعاملة بالمثل» على الفئات السورية المستثناة من دخول الأراضي المصرية.

وكيل «لجنة الشؤون العربية» بمجلس النواب المصري (البرلمان)، أيمن محسب، يرى أنه «من حق الإدارة السورية وضع آلية دخول الأجانب أراضيها، باعتبارها إجراء ضمن أعمال السيادة السورية»، وأشار إلى أن «دمشق تستهدف من فرض رسوم دخول على الأجانب تنمية مواردها، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة».

ويعتقد محسب أن «مسار علاقات القاهرة مع الإدارة السورية الجديدة لن يتأثر بالرسوم الجديدة، كما لن تؤثر على الإجراءات المصرية تجاه السوريين المقيمين على أراضيها»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «العلاقات المصرية - السورية تاريخية واستراتيجية، ومرشحة للتطور مع الإدارة الجديدة».

سوريون عائدون من مصر إلى بلادهم (الشرق الأوسط)

وتنخرط القاهرة في مسار للعلاقات مع الإدارة السورية الجديدة بـ«شكل حذر». وقدم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التهنئة لأحمد الشرع بعد تسميته رئيساً انتقالياً لسوريا، في نهاية يناير الماضي، وسبق ذلك اتصال بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره السوري أسعد الشيباني، أكد خلاله «وقوف بلاده بشكل كامل مع الشعب السوري».

مدير مؤسسة «سوريا الغد» (مؤسسة مدنية سورية بالقاهرة)، ملهم الخن، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه كان «يتمنى عدم إدراج الإدارة السورية لمصر ضمن فئات الدول التي ستفرض على مواطنيها رسوم دخول أراضيها، بالنظر لاستضافة القاهرة آلاف السوريين على أراضيها على مدى أكثر من عقد».

ووفق بيانات الحكومة المصرية الرسمية، يقيم في مصر «ما يقرب من مليون ونصف المليون سوري»، في حين يصل عدد السوريين المسجلين لدى مفوضية شؤون اللاجئين بالقاهرة إلى نحو 153 ألف لاجئ.

وأرجع الخن وضع السلطات السورية مصر ضمن فئات «المجموعة السادسة»، إلى «اعتبارات تعود لمبدأ المعاملة بالمثل»، في ضوء الاشتراطات المصرية التي تفرضها على دخول السوريين لأراضيها أخيراً. غير أن أمينة سر «لجنة العلاقات الخارجية» بمجلس النواب المصري، أميرة صابر، اعتبرت أن تفاعل القاهرة مع الإدارة السورية الجديدة «مدروس، ومبني على عمق تاريخي للعلاقات، ورؤية لمستقبل المصالح المشتركة»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «فرض رسوم على دخول المصريين لسوريا لن يؤثر على مستوى العلاقات الدبلوماسية الحالية».


مقالات ذات صلة

حزب حليف للحكومة التركية يلوّح بعملية عسكرية ضد «قسد»

شؤون إقليمية مسلحون من «قسد» في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

حزب حليف للحكومة التركية يلوّح بعملية عسكرية ضد «قسد»

لمّح حزب الحركة القومية، الحليف لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، إلى احتمال استهداف «قسد» بعملية عسكرية بسبب عدم تنفيذ اتفاق الاندماج بالجيش السوري.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

«الإدارة الذاتية» بسوريا: من المتوقع بدء تنفيذ بنود «اتفاق 10 مارس» خلال أيام

قال ياسر السليمان المتحدث باسم وفد «الإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا، والذي يتفاوض مع الحكومة السورية، إنه من المتوقع بدء تنفيذ بنود اتفاق 10 مارس خلال أيام.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية يقول زعماء «الحريديم» إن إجبار طلبة المعاهد الدينية على الخدمة العسكرية ينذر بتدمير هويتهم (أ.ب)

الوحدة الدينية بالجيش الإسرائيلي تعود لعملياتها في سوريا

استبدل الجيش الإسرائيلي قواته العاملة في الجنوب السوري، من الكتيبة «55» إلى كتيبة «الحشمونائيم» الدينية، التي تضم جنوداً من التيار الحريدي المتزمت دينياً.

«الشرق الأوسط» (تل ابيب)
المشرق العربي مداهمة قوة خاصة مشتركة من القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية أوكار عدد من المهربين وتجار المخدرات قرب المواقع الحدودية الشرقية في يناير الماضي (القوات المسلحة الأردنية)

الأردن... جهود ذاتية في مواجهة ميليشيات المخدرات في الجنوب السوري

لا تملك المصادر الأردنية إجابات محددة عن التقديرات الرسمية للخطر القادم من الجنوب السوري بعد أن انتعشت الفوضى فيه مجدداً لتضارب المصالح لمجموعات وفصائل مسلحة.

محمد خير الرواشدة (عمان)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن بلاده لن تسمح للتنظيمات الإرهابية بتهديد المنطقة (الرئاسة التركية)

تركيا: لن نسمح لـ«قسد» بفرض أمر واقع في المنطقة

أكدت تركيا أنها لن تسمح لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بفرض أمر واقع في المنطقة، وطالبتها بتنفيذ اتفاق الاندماج في الجيش السوري بشكل عاجل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مخاوف الانقسام تتصاعد في السودان مع ترسيخ واقع حكومتين

قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)
قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)
TT

مخاوف الانقسام تتصاعد في السودان مع ترسيخ واقع حكومتين

قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)
قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)

مع مطلع عام 2026، وبينما يحتفل السودانيون – نظرياً – بمرور سبعين عاماً على الاستقلال، تبدو «فكرة الدولة» نفسها موضوعة أمام اختبار وجودي قاسٍ. فالحرب التي طالت لم تكتفِ بتدمير البنية المادية، بل أنتجت واقعاً سياسياً جديداً يقوم على سلطتين متنازعتين على الشرعية والأرض، وتغذية مستمرة لتعبئة حربية وخطاب كراهية، يقوضان أي قابلية مجتمعية للعودة إلى صيغة وطن واحد جامع.

في خطاب الاستقلال، سعى رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى استعادة مفردات «الوطن والمواطنة»، وفتح نافذة للحديث عن «المصالحة الوطنية»، لكنه في الوقت ذاته شدد على مواصلة القتال حتى تحقيق النصر. وعلى الضفة الأخرى، قدم رئيس وزراء الحكومة الموازية في نيالا، محمد الحسن التعايشي، رؤية تقوم على «تأسيس الدولة من جديد»، عبر عقد اجتماعي جديد، ونظام حكم لا مركزي، وجيش واحد.

رئيس وزراء حكومة «تأسيس» الموازية محمد حسن التعايشي (صفحة مكتبه على «فيسبوك»)

وبين هذين الخطابين، اللذين يبدوان ظاهرياً حريصين على وحدة السودان، يبرز ملف مقلق يتمثل في احتمال أن تقود الحرب إلى انقسام بحكم الأمر الواقع، يتطور لاحقاً إلى تفكيك شامل، لا سيما في ظل الذاكرة الجمعية التي ما تزال تحتفظ بتجربة انفصال جنوب السودان.

معسكران متنافسان

فعلى الأرض، أعلن التحالف الذي تقوده «الدعم السريع» تشكيل حكومة في مناطق سيطرته، وعين لها مجلساً رئاسياً يترأسه قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، إلى جانب رئيس وزراء هو محمد الحسن التعايشي. في المقابل، يسعى المعسكر المرتبط بالجيش إلى ترسيخ وجوده في بورتسودان بوصفه «السلطة المعترف بها دولياً». وبهذا، تنتقل الأزمة من مجرد صراع عسكري على العاصمة أو مفاصل الدولة، إلى منافسة مباشرة على تمثيل الدولة نفسها.

نائب رئيس حزب المؤتمر السودان، والقيادي بتحالف "صمود" خالد عمر يوسف (صفحته على فيسبوك)

في مواجهة هذه المخاوف، حذر القيادي البارز في تحالف القوى المدنية الديمقراطية «صمود»، خالد عمر يوسف، من تقديم سردية «الخيار العسكري» بعدّها ضمانة للوحدة الوطنية، وعدّ توصيف الحرب بأنها وسيلة لحماية السيادة «إحدى أكبر الأكاذيب المتداولة». وتوقع يوسف، في حديث بثه عبر منصته، أن تكون النتيجة العملية لاستمرار الحرب هي «تآكل الدولة، وتعدد مراكز القرار، وترسيخ إدارتين متوازيتين»، مشدداً على أن كل يوم قتال إضافي يعمق ويعزز وضعية الانقسام.

ويرى أن جذور الأزمة تكمن في «تعدد الجيوش، ووجود قوتين عسكريتين متوازيتين»، مؤكداً أن معالجة هذا الوضع لا تتم عبر شعارات من قبيل «حل هذا الجيش أو ذاك»، بل من خلال اتفاق سياسي تفاوضي يضع آليات واضحة للدمج والتوحيد، أو عبر حسم عسكري بالقوة، وهو خيار يراه غير مرجح. ويجزم يوسف بأن الرهان على الحسم العسكري «لن يصنع جيشاً واحداً»، بل قد يفتح الباب أمام مزيد من التشظي، خاصة في ظل انتشار السلاح، وتكاثر الجماعات المسلحة، وتعقد مسارات السيطرة والنفوذ.

سلطات ولاية الخرطوم تقوم بتدريب آلاف الجنود في منطقة أم بدة غرب أم درمان لمساعدة القوات المسلحة 15 ديسمبر (أ.ف.ب)

كما حذر من أخطار متعددة تواجه البلاد، من بينها تحول الحرب إلى صراع ذي طابع جهوي، تغذيه الكراهية والفراغ الأمني وتعدد القوى المسلحة، إلى جانب الامتدادات الإقليمية والدولية، وظهور دعوات انفصالية داخل دولة هشة، ما قد ينتج كيانات ضعيفة لا تعرف الاستقرار.

ولا تأتي هذه المخاوف من فراغ؛ إذ ربطت وكالات وتقارير دولية بالفعل بين قيام سلطتين متوازيتين وخطر التشظي، على غرار نماذج دول منقسمة. فقد ذكرت وكالة «رويترز» في 31 يوليو (تموز) الماضي أن وجود حكومتين «يعمّق مسار الانقسام بحكم الأمر الواقع في البلاد».

سيناريوهات التقسيم

أما الصحافية رشا عوض، فتذهب إلى قلب الفكرة، عادّةً أن الحروب الطويلة نادراً ما تفتح الطريق أمام «نصر حاسم»، بقدر ما تفتح الباب أمام «سيناريوهات التقسيم».

وتوضح أن التقسيم الإداري بات واقعاً فعلياً، تسيطر فيه قوى مسلحة على أقاليم كاملة وتديرها بشكل شبه مستقل عن الدولة المركزية، محذرة من أن استمرار الحرب قد يحوّل هذا الواقع إلى تقسيم كامل، قائلة: «إطالة القتال تعني ترسيخ هذا الوضع».

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

وترى عوض أن أي تقسيم محتمل لن يكون سلمياً، بل سيكون «دموياً وغير قابل للاستقرار»، مضيفة: «حتى لو انفصل إقليم، فلن يستقر بذاته، لأن التناقضات الداخلية – كما في حالة دارفور – قد تكون أعمق من تناقضاته مع المركز، ما يجعل الانفصال مدخلاً لتشظٍ داخلي، لا لحل سياسي». وتؤكد عوض لـ«الشرق الأوسط» أن البيئة الإقليمية الحالية تضاعف المخاطر، مشيرة إلى أن الإقليم «يغلي»، وأن اندلاع صراع إقليمي أوسع في ظل استمرار الحرب في السودان قد يحوله إلى ساحة ضمن حرب إقليمية كبيرة، تطيل أمد القتال داخلياً، وتعمق آثاره، وتدفع البلاد نحو التفكك، خاصة مع امتلاك كل طرف عسكري حلفاء إقليميين متنافسين.

وتربط بين الحرب وما تصفه بـ«حالة الانقسام النفسي والاجتماعي المتصاعدة»، الناتجة عن خطاب الكراهية، قائلة: «القتال ضخ جرعات عالية من التحريض تجاه أقاليم ومكونات بعينها»، مضيفة أن غياب مشروع وطني للتعافي والمصالحة والعدالة الانتقالية يعزز منطق «نحن الخير المطلق، وهم الشر المطلق»، ما يجعل قبول السودانيين لبعضهم أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

دولة البحر والنهر

ويتقاطع هذا الانقسام النفسي والاجتماعي مع مظاهر فرز اجتماعي بدأت تظهر في اللغة اليومية بين مؤيدي الطرفين، وتوضح عوض: «الأمر لا يقتصر على ضجيج سياسي، بل يمثل شرطاً نفسياً يمهد لقبول الانقسام كحل، أو على الأقل للتعايش معه بوصفه قدراً». وفي هذا السياق، تتداول بعض منصات التواصل الاجتماعي دعوات صريحة لفصل إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، وسط خطاب كراهية لا يستثني حتى حلفاء الجيش، تجلى في مفردات مهينة مثل «عرب الشتات»، و«أم كعوكات»، و«لا يشبوننا»، وغيرها. كما برزت دعوات لإقامة دولة باسم «البحر والنهر»، تضم وسط السودان وشماله وشرقه، مصحوبة بخطاب يقوم على النقاء والتمييز العرقي، وتداول معلومات عن وجود ما يسمى «قانون الوجوه الغريبة».

السودانيون يحلمون بعودة الحياة المدنية، وذكريات الاحتفال بذكرى الثورة في ديسمبر 2018 (أ.ف.ب)

وخلاصة ما يجمع بين تحذيرات خالد عمر يوسف وتحليل رشا عوض، أن الحل لا يكمن في ترديد شعار «الوحدة»، بل في وقف ديناميكيات الانقسام قبل أن تتصلب، وذلك عبر وقف فوري للحرب، ومنع تحول السيطرة العسكرية إلى حدود سياسية. فما يشهده الناس ويسمعونه اليوم يؤكد أن مخاوف الانقسام لم تعد مجرد توقعات نظرية، بل باتت تنطلق من واقع يتعقد كلما طال أمد الحرب. وفي ظل وجود سلطتين متنازعتين، وسلاح كثيف خارج السيطرة، وتصدع اجتماعي عميق، فإن العودة إلى المشترك الوطني تتطلب انتقالاً عاجلاً من منطق «إدارة الحرب» إلى منطق «إنقاذ الدولة»، حتى يتمكن السودانيون من أن يرددوا من جديد نشيدهم الأثير: «اليوم نرفع راية استقلالنا».


مصر: الذهب يحافظ على مكانته ويعزز أدواره رغم قفزات الأسعار

ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
TT

مصر: الذهب يحافظ على مكانته ويعزز أدواره رغم قفزات الأسعار

ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)

ظل المصري مجدي سيد، وهو موظف في منتصف الأربعينات من عمره، عاماً كاملاً يحاول أن يدخر مبلغاً يُمكّنه من شراء سبيكة ذهبية لا تتجاوز 10 غرامات ليحافظ على ما ادخره، ووجد أن الوقت قبل ساعات من نهاية العام الماضي مناسب لأن يُقدّم السبيكة هدية لزوجته، رغم أنه اعتاد في مثل هذه المناسبات أن يفاجئها بمشغولة ذهبية بغرض الادخار والزينة أيضاً.

ورغم الارتفاعات المستمرة في أسعار الذهب في مصر، يقول مجدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إنه اتخذ قراره بناءً على نصائح من أقاربه، الذين اتفقوا على أن هذا الحل هو الأسلم للادخار، رغم أنه قد يحتاج إلى المبلغ لدفع مصاريف أبنائه المدرسية في غضون أشهر قليلة، كما أنه أراد أن يُحفز زوجته للاستمرار في اقتصاد مصروفات المنزل.

وصل سعر «سبيكة الذهب» عيار 24 لنحو 71 ألف جنيه (الدولار يساوي 40.5 جنيه في البنوك المصرية) عند نهاية عام 2025.

وتأثرت «سبيكة الذهب» بالارتفاعات المتتالية في أسعار الذهب خلال العام الماضي في مصر بنسبة 60 في المائة خلال عام واحد، في واحدة من أكبر الطفرات السعرية، مدفوعة عالمياً بارتفاع الأونصة لأرقام قياسية، وصلت إلى نحو 70 في المائة، وفقاً «للتقرير السنوي لشعبة الذهب والمعادن الثمينة» في مصر.

الموظف المصري، الذي يقطن بحي عابدين في وسط القاهرة، أكد أن «زملاءه وإخوته يتجهون نحو الذهب للادخار بشكل مستمر رغم ارتفاع أسعاره»، وقال بهذا الخصوص: «بالنسبة لزوجتي، الذهب أداة تأمين فاعلة في مواجهة تقلبات الحياة، وذلك أفضل كثيراً من قضاء إجازة صيفية مثلاً».

وقفز سعر الذهب من 3740 جنيهاً للغرام الواحد عيار 21 ليلامس مستوى 6100 جنيه في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن ينخفض قليلاً ليصل إلى 5830 جنيهاً، الجمعة. وقد حقق الذهب خلال العام الماضي أفضل أداء سنوي له منذ عام 1979، كما أنه العام الثالث على التوالي الذي يشهد فيه مكاسب، حيث يمثل هذا الارتفاع تصعيداً لتحول جذري في الأسواق المالية العالمية، وفقاً لأرقام منصة «آي صاغة».

ورغم هذه القفزات، فإن الشاب الثلاثيني محمد عمر، الذي أتم خطبته قبل أسبوع تقريباً من نهاية 2025، قام بشراء شبكته مقدماً خشية مزيد من الارتفاعات في 2026، خصوصاً مع بداية العام، الذي يتزامن مع أعياد الميلاد التي تشهد دائماً إقبالاً كبيراً على الذهب، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «اتفقت مع أهل خطيبتي على شراء 30 غراماً من الذهب عيار 18 لتدبير باقي نفقات الزواج الباهظة».

أحد محالّ الذهب في مصر (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب)

ورفضت أسرة عمر وأهل خطيبته التنازل عن شراء «الشبكة» (تعرف في الموروث الشعبي بأنها هدية يقدمها الخاطب لخطيبته للإعلان عن الخطوبة، وهي جزء من تقاليد الزواج، وتعد في العرف الشرعي للمسلمين جزءاً من المهر)، مشيراً إلى أن الاتفاق عليها كان مسبقاً على توزيع أعباء الزفاف بينهما.

وأقدم المصريون على «شراء 50 طناً من الذهب خلال عام 2024»، كما بلغت مشترياتهم في أول 9 شهور من العام الماضي «نحو 32.5 طن»، حسب «مجلس الذهب العالمي». ولا يرتبط الأمر فقط بشراء الأفراد، حيث جذبت صناديق الاستثمار في الذهب، التي انطلقت عام 2023، استثمارات تتراوح بين 4 و5 مليارات جنيه لما يقرب من 250 ألف مستثمر، بعضهم بدأ الاستثمار بمبالغ محدودة، وفقاً «للهيئة العامة للرقابة المالية».

أستاذة الاقتصاد في جامعة عين شمس، يمن الحماقي، قالت إن «الإقبال على الذهب آخذ في الازدياد على مستوى العالم أجمع، لكن الوضع في مصر أكثر خصوصية؛ لأن كثيرين اتجهوا إليه للتحوط من تقلبات سعر الصرف، وانخفاض قيمة العملة المحلية مع اتخاذ قرارات عديدة بتعويم الجنيه خلال السنوات الماضية، وصاحب ذلك موجات تضخمية عنيفة».

وأضافت يمن موضحة: «صار هناك مشهد يتجه فيه كل مواطن لتأمين نفسه، خصوصاً المستثمرين الذين يسعون للحفاظ على قيمة أموالهم، ومن لديهم سيولة إضافية مع ضعف فرص الاستثمار». وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن وجود «اقتصاد غير رسمي» دفع البعض لتحويل أمواله غير المستغلة في استثمارات الذهب، وهو ما يفسر اللجوء إلى السبائك ذات المصنعية المنخفضة على نحو أكبر، أو الاستثمار في «صناديق الذهب»، ما يجعل التحوط يأتي على رأس أولويات اقتناء الذهب.

ويعد ذلك أحد الأسباب التي دفعت «شعبة الذهب والسبائك الثمينة» في مصر تتحدث في تقريرها الأخير، الأربعاء، للتأكيد على أن «أداء الذهب خلال عام 2025 يعكس تحولاً هيكلياً في سلوك المستثمرين، ويثبت قدرة المعدن الأصفر على الحفاظ على القيمة، وتعظيمها على المدى الطويل».

زيادة أسعار الذهب لم تثن المصريين عن الشراء (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)

وعلى المستوى الاجتماعي، ما زال الذهب في مصر يحافظ على إرث اقتنائه بسبب الوجاهة والزينة، ويعد مكوناً رئيسياً في الزواج، وفق أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، هالة منصور، التي أشارت إلى أنه في خمسينات القرن الماضي «كانت الطبقة المتوسطة والفقيرة تشتري الذهب، بينما كانت الطبقات العليا تتجه نحو الألماس، والهدف هو الزينة والاحتفاظ به، وكذلك فهو رمز مهم للوجاهة، وارتبط بالهدايا و(شبكة الزيجة)».

وأضافت منصور لـ«الشرق الأوسط»: «استمر هذا الوضع عقوداً طويلة، خصوصاً أنه لم تكن هناك ارتفاعات كبيرة في أسعاره حتى عام 2011، وفي ذلك الحين بدأت التحولات الاجتماعية تأخذ نمطاً متسارعاً، بينما شهد الذهب أيضاً قفزات كبيرة عززها انخفاض قيمة الجنيه، وشعور المواطنين بأن مدخراتهم بالعملة المحلية قد تتعرض للتآكل، فأصبح الذهب أداة ادخار واستثمار مهمة».


زيادة حادة في أسعار الصحف المصرية لا تعالج أزماتها المالية

احتفالية مؤسسة الأهرام الصحافية بمرور 150 عاماً على صدورها (صحيفة الأهرام)
احتفالية مؤسسة الأهرام الصحافية بمرور 150 عاماً على صدورها (صحيفة الأهرام)
TT

زيادة حادة في أسعار الصحف المصرية لا تعالج أزماتها المالية

احتفالية مؤسسة الأهرام الصحافية بمرور 150 عاماً على صدورها (صحيفة الأهرام)
احتفالية مؤسسة الأهرام الصحافية بمرور 150 عاماً على صدورها (صحيفة الأهرام)

رفعت «الصحف القومية» في مصر أسعار النسخ المطبوعة مع بداية شهر يناير (كانون الثاني) الحالي، بنسبة زيادة قدرها 66 في المائة تقريباً، غير أن هذه «الزيادة الحادة» لا تعالج أزماتها المالية المتراكمة منذ سنوات، وفق مراقبين.

وأعلنت 3 صحف يومية رئيسية، هي «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية»، زيادة قيمة النسخة من 3 إلى 5 جنيهات، (الدولار يساوي 47.62 جنيه مصري)، ونوّهت الصحف الثلاث في أعدادها الصادرة الخميس، إلى أن «الزيادة بسبب ارتفاع تكاليف الطباعة الورقية، ولضمان استمرار تقديم المحتوى الصحافي بجودة عالية».

وجاءت زيادة الأسعار على نسخ الصحف القومية اليومية والأسبوعية، في حين أبقت المجلات الأسبوعية والشهرية على نفس أسعارها الحالية.

وترجع ملكية المؤسسات الصحافية القومية إلى الحكومة المصرية، منذ صدور قانون تنظيم الصحافة عام 1960، ومن أبرزها «الأهرام»، و«الأخبار»، و«روز اليوسف»، و«دار الهلال»، وتمنح المادة 212 من الدستور «الهيئة الوطنية للصحافة» سلطة تطوير وتحديث المؤسسات الصحافية، وتنمية أصولها وضمان استقلاليتها وحيادها.

وإلى جانب الصحف القومية، هناك صحف خاصة وحزبية تصدر يومياً في القاهرة، أقدم الجزء الأكبر منها على رفع أسعاره أيضاً في توقيتات مختلفة خلال السنوات الماضية.

وقالت «صحيفة الأهرام» في صفحتها الأولى، الخميس، إنها «تواجه تحدياً اقتصادياً يفرض رفع سعر النسخة إلى 5 جنيهات، لضمان استدامة الصحيفة، وقدرتها على تغطية كافة الأخبار والأحداث بجودة واحترافية»، موضحة أن «رفع السعر أصبح ضرورة اقتصادية».

فيما أشارت صحيفتا «الأخبار» و«الجمهورية» إلى أن «سبب الزيادة يعود إلى الارتفاع المتواصل في تكلفة الورق ومستلزمات الطباعة، ما يجعل الزيادة تمثل جزءاً بسيطاً من إجمالي تكاليف الإنتاج».

وتصدر الصحف بأقل من سعر تكلفة طباعتها، حيث تصل قيمة طباعة النسخة إلى 8 جنيهات، لتباع بـ3 جنيهات (قبل الزيادة الأخيرة)، حسب تقدير سابق من الهيئة الوطنية للصحافة.

رئيس الهيئة الوطنية للصحافة في مصر عبد الصادق الشوربجي خلال احتفالية «150 سنة أهرام» (صحيفة الأهرام)

وتواجه المؤسسات الصحافية القومية، وعددها 8 مؤسسات، أعباء مالية متزايدة، بسبب تراكم الديون إلى أكثر من 19 مليار جنيه مصري، حسب تقدير صادر عن الهيئة الوطنية للصحافة عام 2017.

وناقش رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مع رئيس الهيئة الوطنية للصحافة عبد الصادق الشوربجي، خلال اجتماع حكومي، منتصف شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، سبل التوصل لحلّ جذري للمشكلات المالية التي تواجه المؤسسات الصحافية، وأكد «استعداد الحكومة دعم ومساندة هذه المؤسسات لإقالتها من عثراتها المالية، ولضمان استقرار أوضاعها الاقتصادية»، إلى جانب «تنفيذ إصلاح مالي حقيقي، يسهم في تطوير الأداء الصحافي والإعلامي».

وأشار رئيس الهيئة الوطنية للصحافة إلى أن «المؤسسات الصحافية تواجه مطالب شهرية تصل إلى 250 مليون جنيه»، وقال أمام لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، في شهر يونيو (حزيران) الماضي، إن «المطالب المالية للصحف مستمرة، في وقت تراجعت فيه أرقام التوزيع والإعلانات بشكل كبير».

وتأتي الزيادة الأخيرة في أسعار الصحف، بسبب الأعباء الاقتصادية التي تواجه الصحف المطبوعة، وفق وكيل الهيئة الوطنية للصحافة، علاء ثابت، وقال إن «تغطية الفارق بين تكلفة طباعة الصحف وأسعار توزيعها، كان المفترض أن تعوضه الإعلانات المنشورة، إلا أن نسبتها تراجعت إلى حد كبير».

وأوضح ثابت، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأصل في الصحف القومية أنها تقدم خدمة للقارئ المصري، ولا يتم التعامل معها كسلعة»، مشيراً إلى أن «المؤسسات الصحافية تسعى لمواجهة أعبائها الاقتصادية والمالية بإقامة مشاريع استثمارية، تحقق دخلاً ثابتاً لتلك المؤسسات، وتغطي تكلفة طباعة إصداراتها الصحافية».

وخلال الاحتفال بمرور 150 عاماً على صدور «صحيفة الأهرام»، الأسبوع الماضي، قال رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، عبد الصادق الشوربجي، إن «الصحف القومية تمثل إحدى أدوات القوى الناعمة المصرية»، وقال إن «الهيئة تسعى لتحقيق التوازن المالي للمؤسسات خلال الفترة المقبلة».

وترى عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، ليلى عبد المجيد، أن «الصحف المصرية مضطرة لزيادة أسعارها لتغطية جزء من خسائرها، في ظل ارتفاع أسعار الورق والمواد الخام، وتراجع أرقام توزيعها». وأشارت إلى أن الزيادة في الأسعار «ليست بديلاً كافياً لتعويض خسائر تلك الصحف».

ويجب على المؤسسات الصحافية المصرية التفكير في بدائل أخرى للتمويل، وفق ليلى عبد المجيد، التي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «كثيراً من الإعلانات التي كانت توجه للصحف ذهبت إلى المنصات الرقمية». وأشارت إلى «ضرورة الحفاظ على الإصدارات المطبوعة، خصوصاً التي تمتلك تاريخاً عريقاً في الصحافة المصرية، من خلال دعم التحول الرقمي داخل المؤسسات، وتوفير بدائل تمويل تحافظ على دورية صدورها».