تضارب في الرؤى الأوروبية حول إنشاء قوة مشتركة لحماية أوكرانيا

القادة لم ينجحوا في التوافق على صيغة موحدة لـ«الضمانات الأمنية»

ماكرون متوسطاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مساء الاثنين في قصر الإليزيه (رويترز)
ماكرون متوسطاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مساء الاثنين في قصر الإليزيه (رويترز)
TT

تضارب في الرؤى الأوروبية حول إنشاء قوة مشتركة لحماية أوكرانيا

ماكرون متوسطاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مساء الاثنين في قصر الإليزيه (رويترز)
ماكرون متوسطاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مساء الاثنين في قصر الإليزيه (رويترز)

عجل ثمانية من القادة الأوروبيين، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبحضور رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية والأمين العام للحلف الأطلسي، بعقد اجتماع، مساء الاثنين في قصر الإليزيه، في محاولة للتوصل إلى مقاربة موحدة بشأن ما يستطيعون القيام به في إطار «الضمانات الأمنية» التي تطالب بها أوكرانيا لقبول التوقيع على اتفاقية سلام مع روسيا.

وفهم الأوروبيون أن هذه المساهمة ستكون أساسية حتى يتمكنوا من حجز مقعد لهم إلى طاولة المفاوضات فيما تخوفهم الأكبر أن يبقيهم الجانبان الروسي والأميركي بعيدين عنها على غرار ما جرى في اجتماع الرياض، يوم الثلاثاء، بين وزيري خارجية روسيا والولايات المتحدة الأميركية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرافق رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عقب انتهاء «قمة الإليزيه» ليل الاثنين - الثلاثاء (أ.ب)

وبعد ثلاث ساعات من المشاورات التي ضمت، إلى جانب ماكرون، رؤساء حكومات بريطانيا وألمانيا وبولندا وإيطاليا وإسبانيا والدنمارك وهولندا، لم يتوصل المجتمعون إلى تصور موحد بشأن طبيعة الضمانات المطلوبة، وتحديدا مهمة وحجم القوة الأوروبية المطلوب انتشارها لطمأنه كييف والشروط التي من الضروري توافرها لذلك. في المقابل، توافر إجماع حول ضرورة أن يعمد الأوروبيون إلى تعزيز دفاعاتهم. ولخص ماكرون ذلك على منصة «إكس»: «نحن مقتنعون بأن على الأوروبيين أن يستثمروا بشكل أفضل وأكثر ومعاً في أمنهم ودفاعهم الآن وفي المستقبل. ولتحقيق ذلك، يرغب الأوروبيون في الإسراع في تنفيذ أجندتهم الخاصة بالسيادة والأمن والتنافسية، وسيستمر العمل على أساس مقترحات المفوضية الأوروبية، سواء في دعم أوكرانيا أو في التنمية والاستثمار في دفاعنا».

وبشأن الملف الأوكراني قال الرئيس الفرنسي: «نريد سلاماً راسخاً ودائماً في أوكرانيا. ولتحقيق هذه الغاية، يجب على روسيا أن توقف عدوانها، ويجب أن يكون ذلك مصحوباً بضمانات أمنية قوية وذات مصداقية للأوكرانيين. وإلا فهناك خطر أن ينتهي وقف إطلاق النار هذا إلى ما انتهت إليه اتفاقات مينسك. سنعمل على ذلك مع جميع الأوروبيين والأميركيين والأوكرانيين». وتواصل ماكرون قبل الاجتماع مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وبعده مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

انقسام أوروبي

بداية، عبرت عدة دول أوروبية عن غيظها من عدم دعوتها لقمة الإليزيه «التشاورية» ومن بينها رومانيا وتشيكيا وهما من أكثر الدول دعما لأوكرانيا. وما يفسر خيار ماكرون أنه أراد دعوة «الدول الرئيسية» الضالعة في دعم أوكرانيا واستبعاد المشاكسة منها مثل المجر وسلوفاكيا... لكن ذلك لم يمنع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني من «الإعراب عن حيرتها إزاء استبعاد العديد من الدول وعلى رأسها تلك الأكثر تعرضا لتمدد الصراع إلى أراضيها»، وفق ما نقل عنها. وأكثر من ذلك، حرصت ميلوني على تأكيد أن الاجتماع «ليس محفلا موجها ضد ترمب (وهي المقربة منه)، لأن الولايات المتحدة تعمل من أجل السلام في أوكرانيا وعلينا القيام بما يتوجب علينا».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عند مدخل الإليزيه الاثنين (رويترز)

ما حصل داخل «القمة» أن المجتمعين انقسموا إلى ثلاث مجموعات: الأولى المغتاظة والمتحفظة التي مثلها المستشار الألماني أولاف شولتس الذي لم يتردد في القول عقب الاجتماع: «أريد أن أقول بصراحة إنني أشعر حتى ببعض الانزعاج حيال هذه المناقشات»، مضيفا: «حتى أكون صريحاً وصادقاً للغاية، فإن هذا أمر غير مناسب على الإطلاق». وبنظر المستشار الألماني، فإن النقاش «غير مناسب، لأنه جاء في التوقيت الخطأ حول الموضوع الخطأ. لم نصل إلى السلام بعد، بل نحن في خضم حرب وحشية تشنها روسيا وتواصل دفعها قدماً بلا أي اعتبارات».

وفي أي حال، فإن شولتس يرفض إرسال قوة سلام من غير الغطاء الأميركي بحيث «لا يكون هناك تقسيم للأمن والمسؤولية بين أوروبا والولايات المتحدة»، وذلك من باب التمسك بالحلف الأطلسي وبمبدأ «التحرك المشترك». وخلاصته أنه «لا ينبغي التشكيك» بالحلف ودوره. وسبق لبرلين أن رفضت بصراحة مبدأ إرسال قوات أوروبية إلى أوكرانيا عندما طرح ماكرون بداية العام الماضي هذه الفكرة.

يتقارب الموقفان الألماني والإيطالي كثيرا. وميلوني قريبة من شولتس، وهي تعارض الخطة المتعلقة بقوات حفظ السلام. ونقل عنها قولها في الاجتماع إن «الفرضية التي تشير لنشر جنود أوروبيين في أوكرانيا هي الأكثر تعقيدا وربما الأقل فعالية، وأنا أعبر عن شكوك إيطاليا بهذا الصدد». وميلوني المقربة من ترمب تحرص على الابتعاد عن كل ما يمثل انتقادات لأدائه. وفي السياق عينه، عبر رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك عن تحفظاته، معتبرا أن البحث في القوة المشتركة «سابق لأوانه». لكن باريس تريد انخراطا بولنديا نظرا لقوة الجيش البولندي الذي يعد الأول في الاتحاد الأوروبي، يليه الجيش الفرنسي.

الرئيس ماكرون يعول على رئيس الوزراء البولندي (يسار) للمشاركة في قوة السلام الأوروبية لأوكرانيا... على مدخل قصر الإليزيه عصر الاثنين (أ.ف.ب)

الانخراط الأميركي شرط مسبق

يعد ماكرون من أكثر المتحمسين لإرسال قوة أوروبية إلى أوكرانيا، ويتشارك في موقفه مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. ويمكن ضم هولندا والسويد إليهما. وقد سارعت السويد، على لسان وزيرة خارجيتها، إلى الإعراب عن استعدادها للمشاركة في قوة أوروبية. وتدور في باريس مقاربات تتحدث عن إمكانية إرسال ما يقارب الـ8000 عنصر في إطار قوة قد تتشكل من 25 إلى 30 ألف جندي. بيد أن هذا الرقم بعيد كل البعد عما يريده زيلينسكي الذي يطالب بـ200 ألف جندي أوروبي، وهو أمر مستحيل توافره لأسباب كثيرة.

وتعدّ فرنسا أن شريكها الأول سيكون بريطانيا التي عجل رئيس حكومتها بالإعراب عن الاستعداد لأمر كهذا. وكتب في مقال نشرته صحيفة «تلغراف» الاثنين أن لندن مستعدة لإرسال قوة إلى أوكرانيا وأنها يمكن أن تلعب «دورا قياديا» في توفير الضمانات الأمنية لها. لكنه ربط ذلك بوجود «التزام أمني أميركي». ووفق قراءته، فإن توافر أمر كهذا هو الوحيد الذي من شأنه ردع روسيا عن استهداف أوكرانيا مجددا وبعد إبرام اتفاقية سلام. وفي هذا السياق، كتب رئيس الوزراء الهولندي ديك شوف، عبر منصة «إكس»: «في هذا الوقت الحاسم بالنسبة لأمن أوروبا، يجب أن نستمر في الوقوف وراء أوكرانيا». مضيفا أنه «سيتعين على أوروبا تقديم مساهمة لحماية أي اتفاق، والتعاون مع الأميركيين ضروري».

والحال أن وزير الدفاع الأميركي أفهم نظراءه في بروكسل الأسبوع الماضي أن بلاده لن تنشر قوات في أوكرانيا، وأن القوة الأوروبية لن تكون تحت راية الحلف الأطلسي. والأكثر من ذلك أن واشنطن أرسلت استبيانا للدول الأوروبية يتضمن مجموعة أسئلة حول مدى استعدادها للمشاركة في القوة الأوروبية. وجاء في الاستبيان على سبيل المثال: «هل بلدكم مستعد لنشر قوات في أوكرانيا في إطار تسوية سلمية؟»، أو: «أين يريد بلدكم نشر هذه القوة ولأي فترة؟»، ومن الأسئلة أيضا: «ما المهمات التي يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها الاستعداد لها في حال هجوم روسي؟».

لقاء ثلاثي في «قصر الإليزيه» بين رؤساء فرنسا والولايات المتحدة وأوكرانيا يوم 7 ديسمبر 2024 (د.ب.أ)

واضح اليوم أنه رغم المواقف الأميركية بخصوص ترك مسؤولية دعم أوكرانيا للأوروبيين، فإن هؤلاء لا يبدون مستعدين للتغاضي عن دور واشنطن. وبرز ذلك في ما كتبته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على منصة «إكس» بعد اجتماع الإليزيه حيث قالت: «نريد أن نشكل فريقا مع الولايات المتحدة لتوفير سلم عادل ودائم لأوكرانيا» بمعنى أن يكون الاتحاد الأوروبي جزءا من الحل وليس مستبعدا منه. وحرصت على القول إنها أجرت «مناقشة مهمة» مع الجنرال كيث كيلوغ، ممثل ترمب في الملف الأوكراني الذي قال في ميونيخ، أثناء انعقاد مؤتمر الأمن، إنه «يستبعد» مشاركة الأوروبيين في مفاوضات السلام. وشددت فون دير لاين على أن أوروبا «وفرت الدعم لأوكرانيا أكثر من أي طرف آخر، إن ماليا أو عسكريا، وسنواصل جهودنا في هذا السبيل».

أما المجموعة الثالثة فتمثل الدول المقربة من روسيا مثل المجر وسلوفاكيا اللتين دأبتا على معارضة أي إجراء عقابي لروسيا، وهو السبب الذي حفز ماكرون على استبعادهما من القمة.

يبدو جليا أن مسارا شاقا ينتظر الأوروبيين قبل التوصل إلى اتفاق حول «قوة السلام». ذلك أن المفاوضات الخاصة به لم تبدأ بعد، كذلك يصعب استشراف موقف روسي من نشر قوات أوروبية على حدودها الغربية. الأمور ما زالت في بداياتها وعلامات الاستفهام التي تدور حولها كثيرة ومعقدة.


مقالات ذات صلة

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

أوروبا جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

قال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الأربعاء، إن بريطانيا خصصت 150 مليون جنيه إسترليني (205 ملايين دولار) لتزويد أوكرانيا بأسلحة أميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز) p-circle

بالمال و«تلغرام»... روسيا جندت آلاف الجواسيس الأوكرانيين

جنّد جهاز الأمن الفيدرالي الروسي وأجهزة استخبارات روسية أخرى آلاف الأوكرانيين للتجسس على بلادهم... 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب) p-circle

لافروف: مستعدون لتنازلات لدفع التسوية من دون المساس بمصالح روسيا

موسكو مستعدة لتقديم تنازلات لدفع التسوية من دون المساس بمصالح روسيا... والبرلمان الأوروبي يوافق على قرض بقيمة 90 مليار يورو لمساعدة أوكرانيا

رائد جبر (موسكو) «الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا صورة جوية لناقلة نفط تنتمي لأسطول الظل الروسي قبالة سواحل ميناء سان نازير غرب فرنسا 2 أكتوبر 2025 (رويترز)

الدنمارك تعلن عن عبور يومي ﻟ«أسطول الظل الروسي» في مياهها الإقليمية

قالت الدنمارك إن ناقلات تابعة لـ«أسطول الظل الروسي»، الذي يتحايل على العقوبات الأوروبية، عبرت المياه الدنماركية بمعدل ناقلة واحدة تقريباً يومياً خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
أوروبا صورة ملتقطة في 5 فبراير 2026 في العاصمة الأوكرانية كييف تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي (د.ب.أ)

زيلينسكي: لا انتخابات قبل الضمانات الأمنية ووقف النار

أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، أن أوكرانيا لن تجري انتخابات إلا بعد ضمانات أمنية ووقف إطلاق نار مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)

قال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الأربعاء، إن بريطانيا خصصت 150 مليون جنيه إسترليني (205 ملايين دولار) لمبادرة «قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية» لتزويد كييف بأسلحة أميركية.

وتأسست المبادرة في الصيف الماضي لضمان تدفق الأسلحة الأميركية إلى أوكرانيا في وقت توقفت فيه المساعدات العسكرية الأميركية الجديدة.

وقال هيلي، في بيان أرسله عبر البريد الإلكتروني: «يسعدني أن أؤكد أن المملكة المتحدة تلتزم بتقديم 150 مليون جنيه إسترليني لمبادرة قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية».

وأضاف: «يجب أن نوفر معاً لأوكرانيا الدفاع الجوي الضروري الذي تحتاجه رداً على هجوم بوتين الوحشي»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتسمح المبادرة للحلفاء بتمويل شراء أنظمة الدفاع الجوي الأميركية وغيرها من المعدات الحيوية لكييف.

وقال السفير الأميركي لدى حلف شمال الأطلسي (ناتو) ماثيو ويتاكر، الثلاثاء، إن الحلفاء قدّموا بالفعل أكثر من 4.5 مليار دولار من خلال البرنامج.


لماذا يزداد عدد الأوكرانيين الذين يتجسسون لصالح روسيا؟

جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
TT

لماذا يزداد عدد الأوكرانيين الذين يتجسسون لصالح روسيا؟

جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)

بعد ظهر يوم 19 يوليو (تموز) 2024 بقليل، وصلت هريستينا غاركافينكو، وهي ابنة قس تبلغ من العمر 19 عاماً، إلى كنيسة في مدينة بوكروفسك بشرق أوكرانيا. ورغم تدينها، فإنها لم تكن هناك من أجل الصلاة.

وبحكم معرفتها بالمبنى بحكم عمل والدها فيه، صعدت الشابة إلى الطابق الثاني ودخلت إحدى الغرف. هناك، وفي نافذة محجوبة بستائر، وضعت هاتفها المحمول ككاميرا للبث المباشر، موجهة إياه نحو طريق تستخدمه القوات والمركبات الأوكرانية المتجهة من وإلى خطوط المواجهة في الشرق. وأُرسل البث مباشرة إلى المخابرات الروسية، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

ولم تكن هذه هي المهمة الوحيدة التي نفذتها غاركافينكو لصالح الاستخبارات الروسية، وفقاً لما ذكره المدعون الأوكرانيون. فقد تواصلت طوال ذلك العام مع أحد العملاء الروس، ناقلة له معلومات حول مواقع الأفراد والمعدات العسكرية الأوكرانية في بوكروفسك، وهي مدينة استراتيجية مهمة.

واحدة من آلاف

وتُعدّ غاركافينكو، التي تقضي عقوبة بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة الخيانة، واحدة من آلاف الأوكرانيين الذين يُعتقد أن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) وأجهزة استخبارات روسية أخرى قد جندتهم للتجسس على بلادهم.

ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني (SBU)، فقد فتح المحققون أكثر من 3800 تحقيق بتهمة الخيانة منذ أن شنّت روسيا غزوها الشامل في فبراير (شباط) 2022، وأُدين أكثر من 1200 شخص بالخيانة وصدرت بحقهم أحكام.

وفي المتوسط، يواجه المدانون عقوبة السجن لمدة تتراوح بين 12 و13 عاماً، بينما يُحكم على بعضهم بالسجن المؤبد.

وقد تواصلت شبكة «سي إن إن» مع جهاز الأمن الفيدرالي الروسي الذي رفض التعليق.

وصرّح أندري ياكوفليف، المحامي الأوكراني والخبير في القانون الدولي الإنساني، لشبكة «سي إن إن» بأن كييف «تضمن تهيئة الظروف اللازمة لمحاكمة عادلة»، وأن محاكم البلاد، بشكل عام، تحترم الإجراءات القانونية الواجبة. وأضاف أن النيابة العامة لا تلجأ إلى المحكمة إلا إذا توفرت لديها أدلة كافية، ولا تلجأ إلى أي ذريعة للحصول على إدانة.

أكثر أنواع الخيانة شيوعاً

ووفق جهاز الأمن الأوكراني، يعد تسريب المعلومات إلى المخابرات الروسية هو «أكثر أنواع الخيانة شيوعاً في زمن الحرب».

وجاء في بيان لجهاز الأمن الأوكراني أنه «في مناطق خطوط القتال الأمامية، نعتقل في أغلب الأحيان عملاء يجمعون معلومات حول تحركات الجيش الأوكراني ومواقعه ويُسربونها. أما في غرب ووسط أوكرانيا، فيجمع العملاء معلومات حول المنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية، ويُسربونها، كما يُحاولون القيام بأعمال تخريبية بالقرب من محطات توليد الطاقة ومباني الشرطة وخطوط السكك الحديدية».

لماذا يوافق الأوكرانيون على التجسس؟

وفق «سي إن إن»، تتنوع فئات الأوكرانيين الذين تجندهم روسيا. وبينما ينطلق بعضهم من دوافع آيديولوجية، فإن هذه الفئة آخذة في التضاؤل، وفقاً لمسؤولي الاستخبارات الأوكرانية. أما بالنسبة للأغلبية، فالمال هو الدافع الرئيسي.

ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني، فإن عملاء الاستخبارات الروسية يجندون في المقام الأول الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إلى المال، مثل العاطلين عن العمل، أو الأفراد الذين يعانون من إدمانات مختلفة، كالمخدرات أو الكحول أو القمار.

وقال ضابط مكافحة تجسس في جهاز الأمن الأوكراني لشبكة «سي إن إن» إن قنوات منصة «تلغرام» تُعدّ حالياً من أكثر أدوات التجنيد شيوعاً. وأوضح أن الروس «ينشرون إعلاناتٍ تُقدّم ربحاً سريعاً وسهلاً. ثم يُسنِدون المهام تدريجياً. في البداية، تكون هذه المهام بسيطة للغاية، كشراء القهوة، وتصوير إيصال في مقهى.

مقابل ذلك، تُحوّل الأموال إلى بطاقة مصرفية، وتبدأ عملية التجنيد تدريجياً. ولاحقاً، تظهر مهام أكثر حساسية، كتركيب كاميرات على طول خطوط السكك الحديدية، وتصوير المنشآت العسكرية، وما إلى ذلك».

وأشار الضابط الأوكراني إلى أنه إذا رفض الشخص التعاون في مرحلة معينة، يلجأ العملاء الروس إلى الابتزاز، مهددين بتسليم المراسلات السابقة إلى جهاز الأمن الأوكراني. وأكد: «عندها، لا سبيل للتراجع».


نتائج تشريح: مهاجرو قارب غرق قبالة اليونان ماتوا بإصابات في الرأس وليس غرقاً

خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
TT

نتائج تشريح: مهاجرو قارب غرق قبالة اليونان ماتوا بإصابات في الرأس وليس غرقاً

خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)

أظهرت نتائج تشريح اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء أن معظم المهاجرين الأفغان البالغ عددهم 15، الذين لقوا حتفهم قبالة جزيرة خيوس اليونانية الأسبوع الماضي عندما اصطدم قاربهم بسفينة تابعة لخفر السواحل، ماتوا متأثرين بجروح في الرأس، وليس نتيجة الغرق.

وفتح تحقيق جنائي في حادث التصادم الذي وقع في الثالث من فبراير (شباط)، وهو أحد أكثر حوادث المهاجرين دموية في اليونان منذ سنوات، حيث اصطدمت سفينة تابعة لخفر السواحل بزورق مطاطي كان يحمل نحو 39 شخصاً، ما تسبب في انقلابه.

وقال خفر السواحل إن زورق المهاجرين كان يسير دون أضواء ملاحة وتجاهل تحذيرات التوقف. وأضاف أن القارب المطاطي غيّر مساره فجأة واصطدم بسفينة الدورية، ما أدى إلى سقوط الركاب في البحر.

لكن شهادات خمسة ناجين، اطلعت عليها «رويترز»، تتعارض مع الرواية الرسمية. وقالوا إن خفر السواحل لم يصدر أي تحذير مسبق، وإن الزورق المطاطي لم يغيّر مساره. وفي وقت لاحق، عثر غواصون على جثث داخل القارب.

ومن المرجح أن تتيح نتائج التشريح نظرة أكثر حدة لدى المحققين فيما يتعلق بقوة الاصطدام وطبيعته.

ونصت إحدى الوثائق القضائية التي اطلعت عليها «رويترز»، الأربعاء، على أن «سبب الوفاة إصابات خطيرة في الجمجمة والدماغ»، بينما أشارت وثائق أخرى إلى إصابات مصاحبة في الصدر.

وقالت وثيقة أخرى: «إصابات في الجمجمة والدماغ ثم الغرق».

وأظهرت صور خفر السواحل التي التقطت بعد الاصطدام خدوشاً طفيفة على سفينتها. وأصيب في الحادث ثلاثة من أفراد طاقم خفر السواحل و24 مهاجراً.