حاجتنا إلى الفن

حاجتنا إلى الفن
TT
20

حاجتنا إلى الفن

حاجتنا إلى الفن

لا توجد لحظة أفضل للتأمل في معنى الفن وحاجتنا إليه من لحظة غيابه الكامل عن جهاتنا الحسيّة، عندما تجلس وحيداً في صمت، لا صوت ولا صورة قريبة منك. أو عندما تكون من أولئك الذين يحرّمون على أنفسهم الاستماع إلى صوت الموسيقى لأسباب دينية فتبقى ممزقاً بين ما تعتقده واجباً وشيئاً غريزياً فيك. إنها أوضح صورة لاستحضار قيمة الفن، عندما يكون سبباً مباشراً في هذا الصراع بين الواجب والغريزة. ولربما يبكي الفرد من شدة الألم الذي يسببه التمزق الداخلي. هذا الفقدان التام للتجارب الفعلية الملموسة مع الفن يشبه أن يكون نوعاً من الموت، وبالتالي تصبح معانقة الحياة نوعاً من الذنب الذي يوجب الاستغفار.

لا حياة من دون فن، ذلك أن التجربة الفنية وتقديرها والحاجة إليها تبدو وكأنها متأصلة في جنسنا البشري، فالفن ليس شيئاً يحدث على هامش حياتنا، بل هو مقيم في صميم وجودنا.

إنه وسيلة نبرر بها وجودنا، وهنا نتذكر عبارة مارد الفلسفة هيغل «إن الروح لتتجلى في ثلاث: الفن والدين والفلسفة». أين سترى حضارة شعب ما إلا في تلك الثلاث؟ وتتفاوت الشعوب في تجلي روحها في واحد من هذه المجالي أكثر من الآخر. روح الشعب الإيطالي - على سبيل المثال - وثقافته وتاريخه وحضارته تتجلى في الفن بصورة أكبر من الفلسفة والعلم، رغم أنها بلاد غاليليو وأنها لا تخلو من الفلاسفة.

علاقة الإنسان بالفن قديمة جداً وليس من الصواب أن نحصر حياة الإنسان الأول في بحثه عن الطعام وعن الملجأ من خطر الحيوانات المفترسة. ثمة آثار وأحافير ورسوم، وأدلة مادية محسوسة ومعروفة تدل على خلاف ذلك. لقد كان الإنسان يبدع الفنون منذ فترة أطول بكثير من التاريخ المدون. ومع أن أقدم الفنون البصرية التي لا تزال باقية تعود إلى ما يقرب من أربعين ألف سنة، إلا أننا نغلّب أنه لا بد أن هناك أعمالاً أقدم لا نعرف عنها شيئاً بعد.

ولا يقتصر الفن على تحفيز العقل ومداعبة الحواس، بل من الأقرب أن ننظر إليه باعتباره جهداً فكرياً. وهنا نتذكر دعوى بعض الفلاسفة في أن واجب الفلسفة هو أن تكون خادمة للعلم التجريبي، تقدم له الأسئلة وهو يجيب عنها. هذا شطط بلا ريب، فعلاقة الفلسفة بالعلم ليست بأهم من علاقة الفلسفة بالفن. الفن ضرورة وليس شيئاً يستعمل لتمضية الوقت. هو كاشف عن الوجود هو الآخر.

الفن شيء معقد للغاية، وهو يتوقع منا أن نبذل جهداً كبيراً عندما نتعامل معه. ومع ذلك هو يساعدنا لإنجاز مهمة فهمه وتذوقه وتقديره، أعني أن العمل الفني يتحدث إلينا بمختلف اللغات، ابتداءً من اللوحات الخالدة التي تستفز العقل والحواس وتعكس في نفوسنا القبول أو النفور إلى موسيقى الجاز التي يتطلب فهمها وتقديرها ذكاءً خاصاً. مما بات معرفة عامة اليوم أن الأعمال الفنية العظيمة تحمل معها الكثير من الرسائل والمعاني، وكثيراً ما تظل هذه الرسائل باقية لقرون من الزمان. وقد تتغير مع مرور القرون والعقود، تاركة قوتها وأهميتها كما هي.

برغم إيماننا بوجود المساحات الميتافيزيقية الشاسعة التي تتمدد فيها الأعمال الفنية، فإن البداية يجب أن تكون من داخل مساحاتها المادية. لا يوجد بديل عن مادية العمل الفني، والتي تتعلق في نهاية المطاف وبشكل ثابت بحواسنا الخمس وبراعتنا التحليلية وفضولنا الفكري. من هنا تكون البداية. كما أن تقدير الفن، في أغلب الأحيان، هو تجربة جماعية. إنه يجمعنا عندما نذهب إلى السينما ونجلس متجاورين.

عندما يتناقش الناس في القضايا السياسية أو مباريات كرة القدم فقد يصلون إلى الشجار والعداوة والتقاذف بالصحون، لكن هذا لا يحدث عند النقاش حول عمل فني، بل تجد الناس في لحظات وكأن السكينة قد غشيتهم، في حالة خشوع صوفي. قد نتجادل حول قيمة هذه الأعمال وفضل عمل على عمل، لكننا متفقون على ضرورة التعبير الفني وقيمة دراسة الجماليات. ولا بأس بمثل هذه النقاشات الفنية وإن اختلفت وجهات النظر فالفن من أهم الوسائل التي نتوصل من خلالها إلى فهم بعضنا البعض. هذا الفهم لا يكون دائماً جميلاً، فالمخرج السينمائي الذي يستمتع بتصوير الدم وهو يخرج من الجسد بالصورة البطيئة، هو شخص عنيف أو يعاني من مرض نفسي ما.

لكن الأمر الإيجابي هو أن هذه الأعمال الفنية تعلمنا كيف نكون فضوليين بشأن ما هو مختلف أو غير مألوف، وفي نهاية المطاف تمهد الطريق لنا لقبوله وتقديره واحتضانه. هذا يحدث في المجتمعات السوية، أما المجتمعات الخائفة من «الآخر»، أعني التجمعات الآيديولوجية، ففي الغالب لا تتمكن من إنتاج أي أعمال فنية ثقافية ذات قيمة عليا. في حين نجد أن المجتمعات الحرة قادرة بكل سهولة على هز الآيديولوجيات المنغلقة على نفسها بالوصف والنقد.

في القرنين الماضيين احتدم النقاش حول كيفية مقارنة الفن والثقافة بالعلوم الطبيعية التجريبية وأيهما أكثر نفعاً للبشر، حيث تلعب العلوم الإنسانية دوراً أصغر حجماً على نحو متزايد، في حين جلبت العلوم إلى هذا العالم العديد من الاكتشافات والإبداعات الرائعة، إلا أنها مذنبة ومدانة عندما يتعلق الأمر بإنجازات الإنسان الأكثر شراً، الحرب النووية وتدمير الطبيعة وستون مليوناً ماتوا في الحرب العالمية الثانية لغير سبب مقنع بالجدوى.

في مقابل هذا الشر، يمكن للفن أن يصل إلى أكثر أماكن النفس البشرية ظلمة وأن يخرجها منها. إنه يفعل ذلك لمساعدتنا على الفهم والتجاوز. إنه حقاً يرفعنا ويرتفع بنا ويجعلنا أشخاصاً أفضل.


مقالات ذات صلة

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

كتب تشارلي إنجلش

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

يبدو اسم كتاب صحافي «الغارديان» البريطانية تشارلي إنجلش الأحدث «نادي الكتاب في وكالة المخابرات المركزية» أقرب لعنوان رواية جاسوسيّة منه لكتاب تاريخ

ندى حطيط
ثقافة وفنون العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة

كان الصينيون القدامى يتركون عظام جنودهم الذين سقطوا في الحرب، عند أسس بوابات المدينة ومبانيها الرئيسية.

حيدر المحسن
ثقافة وفنون الذاكرة مرتع للكتابة

الذاكرة مرتع للكتابة

فاز كتاب «يغتسل النثر في نهره» بجائزة «أبو القاسم الشابي» في تونس في دورتها الثلاثين 2024، الديوان الشعري الصادر عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع (الأردن).

رشيد أزروال

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي
TT
20

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان، بحيث يصعب أن نعثر في العصر العباسي الأول على نسخ عذرية مماثلة لمجنون ليلى، وجميل بثينة، وكثيّر عزة. إلا أن ما تقدم لا يعني بالضرورة الغياب التام لحالات التتيم العاطفي وتجارب العشق الصادقة في ذلك العصر. ذلك أن الإشباع الجسدي لا يوقف وجيب القلوب، والحصول على المتعة لا يروي عطش الروح، ولا يوفر للشخص المعني ما يحتاج إليه من الحب والعاطفة الصادقة. وهي الفرضية التي تجد ضالتها المثلى في حالة العباس بن الأحنف، الذي لم تحل حياته المترفة ووسامته الظاهرة، وظرفه المحبب، دون وقوعه في حب «فوز»، المرأة التي شغلته عن كل ما عداها من النساء.

ومع أن الرواة قد اختلفوا حول نشأة العباس ونسبه، حيث ذكر الأصفهاني أنه نشأ في بغداد وينتمي إلى بني حنيفة العرب، وقال الأخفش إنه كان من عرب خراسان، ورأى آخرون أنه نشأ في البصرة ثم وفد إلى بغداد، فقد أجمع المبرّد والصولي والأصمعي على تقريض شعره، ورأى الجاحظ أنه كان شاعراً غزِلاً شريفاً مطبوعاً، وله مذهب حسن ولديباجة شعره رونق وعذوبة، وأنه لم يتجاوز الغزل إلى مديح أو هجاء. لكن اللافت أن الأصفهاني لم يولِ العباس وأخباره الكثير من الاهتمام، ولم يركز إلا على أشعاره الصالحة للغناء، دون أن يأتي على ذكر فوز، أو أيٍّ من معشوقاته الأخريات.

ورغم أن العباس يعرض في ديوانه للكثير من النساء، مثل ظلوم وذلفاء ونرجس ونسرين وسحر وضياء، ومعظمهن من الجواري، فإن فوز هي التي احتلت النصيب الأوفر من شعره الغزلي. ومع ذلك، فقد ظلت هويتها الحقيقية في دائرة الغموض واللبس. وحيث ذهب البعض إلى أنها والجارية ظلوم تسميتان لامرأة واحدة، إلا أن قصائد الشاعر تؤكد أن فوز لم تكن جارية، بل امرأة من الأشراف ذات نسب عريق. وفي مواضع عدة يشير العباس إلى أنه أخفى اسم حبيبته الحقيقي خشية على نفسه وعليها، كما في قوله:

كتمتُ اسمها كتمان من صار عرضةً وحاذر أن يفشو قبيح التسمُّعِ

فسمّيتها فوزاً ولو بحتُ باسمها

لسُمِّيتُ باسمٍ هائل الذكْر أشنعِ

وفي بحثها النقدي الاستقصائي عن العباس بن الأحنف، ترى الكاتبة العراقية عاتكة الخزرجي أن حبيبة الشاعر لم تكن «كائناً متخيلاً، بل امرأة من لحم ودم، وأن ديوانه الشعري كان سيرته وقصة قلبه». إلا أن الخزرجي تذهب إلى أبعد من ذلك، فترجح أن تكون فوز هي الاسم المعدل لعليّة بنت المهدي، أخت هارون الرشيد، وأن العباس أخفى هويتها الحقيقية خوفاً من بطش الخليفة، الذي كان الشاعر أحد جلسائه.

وقد كان يمكن لاجتهاد الخزرجي حول هوية فوز، أن يكون أكثر مطابقة للحقيقة، لو لم يشر الشاعر في غير موضع إلى أن حبيبته قد انتقلت للعيش في الحجاز، في حين أن عليّة، ظلت ملازمة لبغداد ولقصر أخيها الرشيد بالذات. وأياً تكن هوية حبيبة العباس الحقيقية، فقد بدت المسافة الشاسعة التي تفصله عنها، بمثابة النقمة والنعمة في آن واحد. فهي إذ تسببت له بالكثير من الجروح العاطفية والروحية، إلا أنها منحته الفرصة الملائمة لإحالتها إلى خانة الشعر، ولتحويلها نداءً شجياً في صحراء الغربة الموحشة، كقوله فيها:

أزيْنَ نساءِ العالمين أجيبي

دعاء مشوُقٍ بالعراق غريبِ

أيا فوز لو أبصرتِني ما عرفْتني

لطول نحولي دونكم وشحوبي

أقول وداري بالعراق، ودارها

حجازيةٌ في َحرّةٍ وسهوبِ

أزوّار بيت الله مُرّوا بيثربٍ

لحاجة متبولِ الفؤاد كئيبِ

ولو تركنا هذه الأبيات غفلاً من الاسم، لذهب الظن إلى أن ناظمها الفعلي هو جميل بثينة أو مجنون ليلى. وليس من قبيل الصدفة أن ينسب الرواة إلى العباس، ما نُسب قبله إلى المجنون، ومن بينها مقطوعة «أسرْب القطا هل من يعير جناحه؟» المثبتة في ديوانَي الشاعرين. وإذا كان لذلك من دلالة، فهي أن هاجس العباس الأهم، كان يتمثل في إعادة الاعتبار للشعر العذري بوصفه الحلقة المفقودة في الحب العباسي، إضافة إلى أنه أراد في ظل القامات الشاهقة لأبي نواس وأبي تمام وغيرهما، أن يحقق عبر الحب العذري، ما يمنحه هويته الخاصة ويمهد له الطريق إلى الخلود. وهو ما يظهر في قوله إن التجربة التي اختبرها سوف تكون «سنناً للناس»، أو قوله: «وصرنا حديثاً لمن بعدنا، تحدّث عنا القرونُ القرونا».

وإذ يقارب المستشرق الفرنسي جان كلود فاديه في كتابه «الغزل عند العرب»، تجربة العباس من زاوية كونها خروجاً على التجارب الحسية البحتة لمعاصريه، يتوقف ملياً عند حبه لفوز، متسائلاً عما إذا كانت الأخيرة قد وُجدت حقاً، أم أن الشاعر قد ألفها من عنديات توقه للمرأة الكاملة. وإذا كان فاديه قد رأى في فوز المعادل الشرقي لبياتريس، حبيبة دانتي في «الكوميديا الإلهية»، فإن النموذج الغزلي الذي راح العباس ينسج على منواله، هو نموذج عربي بامتياز. وحيث كانت البيئة الحاضنة لشعره خالية من البوادي المقفرة والفقر المدقع، فقد استعاض الشاعر عن الصحراء المحسوسة، بصحراء الحب المستحيل الذي يلمع كالسراب في أقاصي العالم، موفراً له ما يلزمه من بروق المخيلة ومناجم الإلهام.

ومع أن العباس كان يسير عبر قصائده الغزلية والعاطفية، في اتجاه معاكس لنظرائه ومجايليه من الشعراء، فإن من يقرأ ديوانه لا بد أن ينتابه شعور ما، بأنه ليس إزاء شاعر واحد متجانس التجربة والمعجم والأسلوب، بل إزاء نسختين أو أكثر من الشخص إياه. فهناك القصائد الطويلة المترعة بالحسرة والوجد، التي تحتل فوز مكان الصدارة فيها، وهناك بالمقابل النصوص القصيرة ذات المعاني والمفردات المستهلكة، التي يدور معظمها حول مغامرات الشاعر العابرة مع القيان والجواري. إلا أن ما يدعو إلى الاستغراب هو أن يكون بين المنظومات المهداة إلى فوز ما هو متكلف ومستعاد وسطحي، كمثل قوله:

أيا سيدة الناسِ

لقد قطّعت أنفاسي

يلوموني على الحبّ

وما في الحب من باسِ

ألا قد قدُمتْ فوزٌ

فقرَّت عينُ عباسِ

رغم أن العباس يعرض في ديوانه للكثير من النساء، ومعظمهن من الجواري فإن فوز هي التي احتلت النصيب الأوفر من شعره الغزلي

ولعل الأمر يجد تفسيره في كون العباس لم يحصر اسم فوز في المرأة التي محضها قلبه، بل استعاره لغير واحدة من نسائه العابرات. إضافة إلى أن رغبته بأن تصدح بهذا الاسم حناجر المغنين والمغنيات، جعلته يتنازل عن سقف شعريته العالي، لمصلحة النصوص السهلة والصالحة للغناء، خصوصاً أن احتفاء عصره بهذا الفن، لم يكن موازياً لاحتفاء الأمويين به فحسب، بل كان متجاوزاً له بفعل التطور والرخاء واختلاط الشعوب والثقافات.

وعلينا ألا نغفل أيضاً أن النزوع النرجسي للعباس، قد دفعه إلى أن يصيب بقصائده ومقطوعاته أكثر من هدف. فرغبته في أن يحاكي التجربة الفريدة لعمر بن أبي ربيعة، والتي جعلته يكرس بعضاً من النصوص لسرد فتوحاته ومغامراته العاطفية التي يواجه فيها المخاطر ليظفر بامرأته المعشوقة، لم تحل دون رغبته الموازية في التماهي مع تجارب العذريين الكبار، وما يستتبعها من بوح صادق وشفافية مفرطة.

إلا أن المقارنة بين النموذجين الحسي والمتعفف في تجربة الشاعر، لا بد أن تصبح في مصلحة هذا الأخير، حيث يذهب العباس بعيداً في الشغف وحرقة النفس، وفي الأسئلة المتصلة بالحب واللغة والفراق والموت. وهو إذ يحول العناصر والمرئيات مرايا لروحه الظامئة إلى الحب، تتراءى له فوز في كل ما يلوح له من الأشياء وظواهر الطبيعة، حتى إذا أبصر السيل منحدراً من أعالي الهضاب، تذكر أن ثمة في مكان قريب، حبيبة له «مسيلة» للحنين والدموع وآلام الفراق، أنشد قائلاً:

جرى السيلُ فاستبكانيَ السيلُ إذ

جرى وفاضت له من مقلتيّ سروبُ

وما ذاك إلا حيث أيقنتُ أنه

يمرُّ بوادٍ أنتِ منه قريبُ

يكون أجاجاً دونكمْ فإذا انتهى

إليكمْ تلقَّى طيبكمْ فيطيبُ

أيا ساكني شرقيّ دجلةَ كلُّكمْ

إلى النفس من أجل الحبيب حبيبُ