جولة روبيو للمنطقة... هل «تُنقذ» المرحلة الثانية من «اتفاق غزة»؟

وسط تحركات أميركية بشأن الإفراج عن باقي الرهائن

نازحون من غزة في وقت سابق تجمَّعوا بمنطقة النصيرات للعودة إلى منازلهم في الجزء الشمالي من القطاع (أ.ف.ب)
نازحون من غزة في وقت سابق تجمَّعوا بمنطقة النصيرات للعودة إلى منازلهم في الجزء الشمالي من القطاع (أ.ف.ب)
TT

جولة روبيو للمنطقة... هل «تُنقذ» المرحلة الثانية من «اتفاق غزة»؟

نازحون من غزة في وقت سابق تجمَّعوا بمنطقة النصيرات للعودة إلى منازلهم في الجزء الشمالي من القطاع (أ.ف.ب)
نازحون من غزة في وقت سابق تجمَّعوا بمنطقة النصيرات للعودة إلى منازلهم في الجزء الشمالي من القطاع (أ.ف.ب)

أول جولة لوزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية ماركو روبيو للمنطقة، تبحث «المضي قدماً في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة»، في ظل مخاوف من تعثر الهدنة، مع اتهامات بتعطيلها من «حماس» ضد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي يخشى هو الآخر أن «تقضي (الصفقة) على حكومته ومستقبله السياسي».

روبيو، الذي يزور إسرائيل، السبت، يحمل معه فرصاً لـ«إنقاذ» مفاوضات المرحلة الثانية من الهدنة التي لم تبدأ في موعدها المقرر منذ أكثر من 10 أيام، بحسب تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» في ظل حرص أميركي على إطلاق سراح الرهائن.

وبحسب تقارير إعلامية غربية، السبت، يصل روبيو إلى إسرائيل؛ لإجراء محادثات حول اتفاق وقف إطلاق النار، في حين أشارت إذاعة «مونت كارلو»، في تقرير لها، السبت، إلى أن «هناك مخاوف من أن تكون الزيارة الأميركية بمثابة دعم لاستئناف العمليات العسكرية في القطاع، لا سيما بعد بيان الجيش الإسرائيلي الذي تحاول قيادته في الأيام الأخيرة دق طبول الحرب من خلال حشد القوات الإسرائيلية على تخوم القطاع».

وأفاد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بأن «الجيش على أهبة الاستعداد لأي سيناريو ولأي محاولة من قِبل حماس لخرق الاتفاق»، بعد خلافات مع «حماس» بشأن تسليم الأسرى وتعطيل مساعدات الإيواء، أنهتها جهود من الوسيطين المصري والقطري بالتزام الطرفين باستكمال الهدنة، بحسب مصدر مصري تحدَّث قبل أيام لقناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية.

في حين يُتوقَّع أن تشهد جولة روبيو لقاءات مع كبار المسؤولين «ستعزز المصالح الأميركية في تشجيع التعاون الإقليمي، والاستقرار، والسلام، فضلاً عن التركيز على إطلاق سراح المحتجزين الأميركيين وجميع المحتجزين الآخرين لدى (حماس)، والتقدم نحو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة»، وفق بيان سابق لـ«الخارجية الأميركية»، الخميس.

ماركو روبيو خلال اجتماع بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

وسبق أن ذكر روبيو، في 12 فبراير (شباط) الحالي، خلال مقابلة متلفزة، أن المقترح الذي تقدَّم به الرئيس دونالد ترمب بشأن تهجير سكان غزة، هو «المخطط الوحيد المتاح»، قائلاً: «على الحلفاء تقديم بديل إذا كانت لديهم خطة أفضل».

وباعتقاد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشؤون الفلسطينية والإسرائيلية، الدكتور طارق فهمي، فإن زيارة روبيو ستكون تلطيفاً للأجواء، وستكون معنية بمواصلة الضغط الأميركي الحالي لتنفيذ المرحلة الثانية المعطلة.

ويرى فهمي أن «واشنطن لا تزال متمسكة بفكرة التهجير، لكن التحرك العربي لا سيما المصري بطرح مشروع بديل مهم، وسينال مشروعية في (القمة العربية) أواخر الشهر الحالي، ويمكن أن يجعل هناك مشاورات إيجابية تصب في إنجاز المرحلة الثانية من الهدنة، وعدم فشل مفاوضات الهدنة».

وعقب تنفيذ تسليم 3 رهائن، السبت، لإسرائيل، تحدَّث مكتب نتنياهو، في بيان، عن «تنسيق مع الولايات المتحدة لإنقاذ الرهائن جميعاً في أسرع وقت ممكن»، مؤكداً الاستعداد لمواصلة المهمة.

وكانت «القناة 12» التلفزيونية الإسرائيلية، قد أوضحت، الجمعة، أن مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، يسعى لتأمين إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين الأحياء المتبقين، الأسبوع المقبل، لافتة إلى أنه بعد إطلاق سراح 3 رهائن، السبت، سيكون هناك 6 رهائن متبقين يعتقد أنهم على قيد الحياة، ومن المُقرر إطلاق سراحهم قبل نهاية المرحلة الأولى.

فلسطينيون نزحوا إلى الجنوب بأمر إسرائيل خلال الحرب يشقُّون طريقهم عائدين إلى منازلهم في شمال غزة (رويترز)

وينصُّ اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ في 19 يناير (كانون الثاني) الماضي، على أنه سيتم إطلاق هؤلاء الستة في 22 فبراير الحالي، وأول مارس (آذار) المقبل، لكن ويتكوف يعمل على تبكير هذا الجدول الزمني، وفق تقرير القناة.

ويرى فهمي أن واشنطن تتحرك في دوائر كثيرة، فبخلاف زيارة روبيو، فإن هناك تحركات لويتكوف، مع إسرائيل... وكلاهما يستهدف ملف الترتيبات الأمنية اللاحقة بالقطاع وملف الإفراج عن الأسرى، مستبعداً أن تكون واشنطن تناور مع إسرائيل أو تريد العودة للحرب حالياً.

وينظر فهمي للتحركات الأميركية بتفاؤل حذر، في ظل أن المرحلة الثانية المعنية بإطلاق مزيد من الرهائن وتنفيذ عدد من الالتزامات، ستكون معقدة وتحتاج إلى جهد كبير لتجاوز أي عراقيل إسرائيلية.

ومساء السبت، نقلت «القاهرة الإخبارية» عن مصدر مصري مطلع على مفاوضات وقف إطلاق النار بغزة، أن هناك «اتصالات مصرية مكثفة لتشكيل لجنة مؤقتة للإشراف على عملية إغاثة وإعادة إعمار القطاع».

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، عضو الحزب الجمهوري، الدكتور نبيل ميخائيل، أن زيارة روبيو تحمل أهميةً كبيرةً، خصوصاً أنها الأولى للمنطقة، وقد تكون بمثابة إنقاذ للمرحلة الثانية من اتفاق الهدنة، مع مساعي من واشنطن لتمديد الهدنة والتشاور من أجل الضغط على «حماس» للالتزام بشكل أكبر بالاتفاق، متوقعاً أن تشهد زيارته أيضاً الاستماع لرفض سعودي وإماراتي لتهجير الفلسطينيين.

وبشأن المخاوف من تحركات إسرائيلية لشن الحرب مجدداً، يرى ميخائيل أن هذا سؤال مشروع، وسيكون مطروحاً خلال لقاء الوزير الأميركي، وسيستمع لرفض عربي، وكذلك لرؤية إسرائيلية في ذلك.


مقالات ذات صلة

مصدر مصري: اتصالات لـ«إنقاذ اتفاق غزة» بعد رفض نتنياهو «تفاهمات القاهرة»

شمال افريقيا فلسطيني يحمل أمتعة على كتفه ويمر بمحاذاة الأنقاض في مخيم للنازحين بغزة (أ.ف.ب)

مصدر مصري: اتصالات لـ«إنقاذ اتفاق غزة» بعد رفض نتنياهو «تفاهمات القاهرة»

أكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، الأحد، أن القاهرة تجري اتصالات مكثفة مع الوسطاء والشركاء لإنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي مستشفى في تل أبيب بعد إطلاق «حماس» عملية «طوفان الأقصى» (أ.ف.ب)

موجة ضد الأطباء العرب في إسرائيل كسباً للأصوات الانتخابية

تشهد إسرائيل في الأيام الأخيرة حملة تحريض عنصرية جديدة على الأطباء والممرضين العرب في المستشفيات، بزعم أنهم لا يقدمون الخدمات الطبية اللازمة للمرضى اليهود.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو يرفض خطة ترمب بشأن غزة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، إن إسرائيل رفضت خطة مؤلفة من 15 بنداً طرحها مجلس السلام.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي راهبة كاثوليكية تُصلي خلال قداس في دير اللاتينيين ببلدة الطيبة المسيحية الفلسطينية شمال شرقي مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

الأوضاع في الضفة الغربية تخيّر المسيحيين بين الهجرة والتفكير بها

تدفع الأوضاع الاقتصادية المتردية والإجراءات العسكرية الإسرائيلية وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية إلى النزوح أو الحلم به.

«الشرق الأوسط» (رام الله )
خاص فلسطينيون يتفقدون مباني متضررة بعد استهدافها بضربات إسرائيلية في دير البلح (أ.ف.ب)

خاص مصدر فلسطيني: تحفظات إسرائيل تُعطّل اجتماع الوسطاء في القاهرة حول غزة

أكد مصدر فلسطيني مطلع، لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن تحفظات إسرائيل تُعطل اجتماع الوسطاء في القاهرة لبحث مستجدات تنفيذ التفاهمات الجديدة حول غزة

محمد محمود (القاهرة)

كيف تتغير أوجه إنفاق الأسر المصرية مع ارتفاع التضخم؟

سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
TT

كيف تتغير أوجه إنفاق الأسر المصرية مع ارتفاع التضخم؟

سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)

مع ما تشهده الأسواق المصرية من ضغوط اقتصادية متزايدة، جاءت بيانات التضخم التي أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الاثنين، لتؤكد تصاعد وتيرة هذه الضغوط.

فقد أعلن الجهاز المركزي ارتفاع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن إلى 14.9 في المائة خلال يوليو (تموز)، مقابل 14.3 في المائة خلال يونيو (حزيران). وسجل المعدل على مستوى البلاد 13 في المائة مقارنة بشهر يوليو من العام الماضي 2025.

هذه الأرقام الرسمية لم تعد مجرد مؤشرات صماء، وإنما تحولت إلى واقع يومي يُعيد رسم الخريطة الاستهلاكية والمالية للأسر التي تجد نفسها مجبرة على التكيف مع تكلفة معيشية تتصاعد باستمرار.

ويقول سعيد، الذي يقطن في محافظة المنوفية بدلتا النيل، لـ«الشرق الأوسط»: «المطالب المنزلية لا تنتهي، فأوجه الإنفاق لا تقتصر على السلع الغذائية فقط، وإنما امتدت لتشمل خدمات النقل، والدروس الخصوصية، والدواء، وغيرها، مما جعلني وزوجتي دائماً في حساب مستمر للأولويات، وتقديم احتياج على آخر».

وعبَّر اختصاصي البصريات أحمد سعيد عن واقعه المعيشي بقوله: «لم يعد الأمر مجرد الاستغناء عن الكماليات، بل أصبح معركة يومية لتوفير الأساسيات؛ فما كنا نشتريه بالأمس ونراه متاحاً، بات اليوم يتطلّب إعادة حسابات دقيقة في ميزانية البيت».

تغيُّر السلوكيات الاستهلاكية

تشهد السلوكيات الاستهلاكية للمواطنين تحولات جذرية فرضها الأمر الواقع، حيث اضطرت الغالبية العظمى من الأسر إلى التخلي التدريجي عن النمط الاستهلاكي التقليدي، وتقليص الكماليات، وتأجيل خطط شراء سلع بعينها.

ولجأت ربات البيوت إلى البحث عن بدائل أرخص ثمناً للمنتجات الغذائية الأساسية، والاستغناء عن العلامات التجارية الكبرى لصالح السلع المحلية أو الأقل سعراً.

ويقول الخبير الاقتصادي، أشرف غراب، إن ارتفاع معدل التضخم وفق النسب الأخيرة يعكس استمرار الضغوط السعرية العالمية والمحلية على سلة قائمة السلع والخدمات الخاصة بالمستهلك. ويوضح أن هذه الزيادة تستدعي من الأسر المصرية إعادة تقييم أولويات الإنفاق الشهري، مع التركيز بشكل أكبر على السلع والخدمات الأساسية مثل الغذاء والصحة والتعليم والنقل، مقابل ترشيد الإنفاق على البنود غير الضرورية والكمالية إلى حين حدوث استقرار في مستويات الأسعار.

مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع التضخم يدفع الأسر إلى البحث عن بدائل أكثر كفاءةً واقتصاداً لتلبية احتياجاتها اليومية، ويتمثّل ذلك في التحول نحو المنتجات المحلية ذات القيمة مقابل السعر، والمقارنة بين العروض قبل الشراء، والاعتماد على الشراء بالجملة للسلع المعمرة، وتقليل الهدر الغذائي داخل المنازل، وزيادة الإقبال على الأسواق الشعبية والمنافذ الثابتة والمتغيرة التي تقدم أسعاراً تنافسية، إلى جانب الاستفادة من المبادرات التي تهدف إلى توفير السلع بأسعار مناسبة، وهو ما يُسهم في تخفيف أثر الارتفاع على الدخل المتاح للأسر.

كما يشير إلى وجود تحولات واضحة في سلوكيات المستهلكين، فهناك ميل متزايد نحو التخطيط المسبق للمشتريات وإعداد قوائم محددة بدلاً من الشراء العشوائي، وزيادة الوعي بأهمية الادخار الوقائي بوصفه وسيلة للتعامل مع تقلبات الأسعار.

إعادة ترتيب الأولويات

ولم تقتصر موجات التقشف وإعادة ترتيب الأولويات على سلة الغذاء والسلع الأساسية فحسب، وإنما امتدت لتلتهم طقوساً ترفيهية سنوية راسخة. فعلى سبيل المثال، يروي أحمد رأفت، وهو مُعلم وأب لثلاثة أطفال يعيش في محافظة الجيزة، كيف اضطر هذا العام إلى تغيير خططه الصيفية بالكامل متخلّياً عن عادة التوجه إلى الشواطئ كما كان يحدث كل صيف.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «زيادة تكاليف المصايف من إيجارات ومواصلات جعلتنا نلغي فكرة السفر تماماً هذا العام، فالمال الذي كنت أدخره لأسبوع المصيف بات مطلوباً لتغطية أعباء المعيشة الأساسية، وفواتير الخدمات المتصاعدة خاصة الكهرباء، لذا فالسفر أصبح مؤجلاً إلى أجل غير مسمى».

بينما يقول الخبير الاقتصادي، مصباح قطب، إن الواقع المعيشي في مصر يشهد تحولات قاسية في ظل موجات الغلاء المتعاقبة منذ عام 2022، التي أدت إلى تآكل حاد في القدرة الشرائية لجميع الشرائح، ولا سيما الطبقة المتوسطة والفقيرة.

ويضيف: «أفرزت هذه الأزمات الاقتصادية استراتيجيات بقاء يومية تعتمد على الاختصار والبدائل، حيث لجأت الأسر إلى تقليص الكميات المشتراة من السلع الأساسية، وتغيير الأنماط الاستهلاكية بالانتقال إلى منتجات أقل سعراً، وصولاً إلى إجراءات أكثر قسوة تشمل سحب النقود من المدخرات السابقة لتغطية النفقات الجارية».

ويشير إلى اضطرار بعض العائلات لاتخاذ قرارات بالغة الصعوبة، مثل إخراج الأبناء من التعليم لدمجهم في سوق العمل، أو التراجع عن تلقي الرعاية الصحية المنتظمة والاكتفاء بالبدائل المتاحة، بوصفها محاولة للحفاظ على استقرارها المالي في وجه التحديات والظروف المعيشية.


إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
TT

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)

تصاعدت حدة الاستقطاب في الجزائر منذ الإعلان عن إصلاحات في قطاع التعليم بداية الشهر الحالي، خصوصاً بعد نشر «تسريبات» في الصحافة أوحت بأن الرئيس عبد المجيد تبون قد يتجه إلى سحبها بذريعة أن وزير التربية لم يعرضها على مجلس الوزراء.

وأعادت هذه القضية إلى الواجهة صراعاً قديماً بين أنصار التيار العروبي المحافظ، والتيار الفرنكفوني الذي يملك نفوذاً قوياً في أهم مؤسسات الدولة.

فبعد أن كشف وزير التربية الوطنية، محمد صغير سعداوي، عما يُسمى «تعديلات بيداغوجية» في اجتماع عقده مع مفتشي التعليم في الأسبوع الأول من أغسطس (آب) الحالي، يتصاعد الجدل يومياً متخذاً شكل كرة ثلج جرَت معها خصومات آيديولوجية قديمة تداخلت فيها اللغة والدين والثقافة والهوية وأثر الوجود الاستعماري الفرنسي (1830 - 1962) على هذه العناصر.

بين الدعم ومطالب الحوار

شمل الإصلاح إدراج اللغة الإنجليزية بدءاً من السنة الثالثة الابتدائية، وتأجيل تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة، إلى جانب إعادة تنظيم بعض المواد في مرحلة التعليم الثانوي، ولا سيما مادة الفلسفة لمترشحي البكالوريا في الشعب العلمية.

وزير التربية الجزائري محمد صغير سعداوي (الوزارة)

وبمجرد أن باتت هذه التغييرات رسمية حتى انطلقت سجالات وملاسنات على منصات الإعلام الاجتماعي والبرامج التلفزيونية.

وتفجر الجدل بشكل خاص عقب مقابلة أجراها أحمد تيسا، خبير مناهج التعليم والمستشار السابق لوزيرة التربية الوطنية نورية بن غبريت (2015 - 2019)، مع قناة تلفزيونية خاصة، تساءل فيها عن جدوى بعض خيارات الوزارة، وتحديداً ما يتعلق بمكانة الفلسفة والتربية الإسلامية واللغة الفرنسية.

ومنذ ذلك الحين، توالت ردود الفعل بوتيرة متسارعة حتى داخل الأوساط السياسية، وسط اتساع الفجوة بين أنصار الإصلاح، والدعاة إلى تنظيم مؤتمر وطني يسبق التنفيذ، والمتحفظين على بعض خيارات الوزارة.

وأبدت الأحزاب الإسلامية والمحافظة تأييداً واسعاً للتوجهات المعلنة من قبل الوزارة؛ حيث عبَّر الأمين العام لـ«حركة النهضة» محمد ذويبي في تصريحات للصحافة عن دعم «لا مشروط» لمسعى وزارة التربية، مُرحباً بالإصلاحات التي تهدف، حسبه، إلى «رفع العائق اللغوي» الذي يكبل الكفاءات الجزائرية ويعزز انفتاحها على البحث العلمي والتواصل الدولي، وهو ما يقصد به اللغة الفرنسية.

الأمين العام لحركة النهضة محمد ذويبي (إعلام حزبي)

وأكد رئيس «جبهة الجزائر الجديدة» جمال بن عبد السلام في مؤتمر صحافي أمس الأحد، أن الإبقاء على اللغة الفرنسية في المناهج التعليمية «يخدم فرنسا بالدرجة الأولى، وأن هذه اللغة أضحت متجاوزة في مجالات العلوم والمعرفة والتكنولوجيا».

في المقابل، طالبت زعيمة «حزب العمال» المعارض، لويزة حنون، خلال اجتماع مع كوادر الحزب، بتأجيل مشروع الإصلاح و«فك الخناق عنه» بفتح نقاش وطني تحت إشراف رئيس الجمهورية.

وتعد حنون مادة الفلسفة محوراً أساسياً يرفض حزبها تقليص حجمه الزمني أو اختزاله في كيفية التوزيع بين الشعب.

أما بشأن اللغات، فتدعو إلى مقاربة تقوم على التكامل بين العربية والتنظيم اللغوي للأمازيغية والفرنسية والإنجليزية، مشددة على أن «الاستبدال المتسرع للغة بأخرى لا يمكن أن يتم دون توفير الشروط البيداغوجية اللازمة».

اجتماع لوزير التربية مع أطر الوزارة (الوزارة)

من جهته، حذر رئيس حزب «جيل جديد»، الأخضر أمقران، في مقال نشره موقع «كل شيء عن الجزائر»، من اختزال النقاش القائم حول قرارات وزارة التربية الوطنية، سواء ما يتعلق بمكانة اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية أو مراجعة بعض المواد، في مجرد «جدل عابر على شبكات التواصل الاجتماعي».

تبادل رشقات سياسية

وتدخل القيادي الإسلامي المعروف الرئيس السابق لـ«حركة مجتمع السلم»، عبد الرزاق مقري، في الجدل عبر منشور بحسابه بالإعلام الاجتماعي، الاثنين، مهاجماً بحدة «التيار العلماني وخدّام فرنسا». وتساءل: «ما الذي حرّك هؤلاء فجأة هذه الأيام؟ هل وقع شيء على المستوى الرسمي حفّزهم؟ أم أن فرنسا وعدتهم بشيء ما؟»؛ في إشارة إلى رافضي تقليص دور اللغة الفرنسية في الطور التعليمي الابتدائي.

كما تساءل: «لماذا يكره هذا التيار اللغة العربية؟ ما الذي يحمله على الدفاع عن لغة أجنبية، أهلها يتركونها في مجالات العلم والازدهار والتطور، حدود انتشارها في العالم محدود وتتقهقر يوماً بعد يوم؟»، مضيفاً: «هذا التيار لا وجود شعبي له، فهو لم يستطع المنافسة في أي استحقاق انتخابي، ومع ذلك يؤثر في قرارات مهمة... لماذا؟!».

القيادي الإسلامي عبد الرزاق مقري (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وفتح المنشور نقاشاً بين مؤيد ومعارض.

وقال نسيم براهيمي، العضو في حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» الداعم لسياسات الرئيس، مخاطباً القيادي الإسلامي: «بما أنك تتهم الذين يختلفون معك وترميهم بالخيانة والعمالة لدولة أخرى، لا ينبغي أن تلوم من يتهمك بالولاء لتركيا»؛ في إشارة إلى انتماء مقري لتيار الإخوان.

وفي حين يترقب المتخاصمون «تحكيم» الرئيس تبون لحسم القضية، نشرت صحيفتا «الخبر» و«لوسوار دالجيري»، الأحد، مقالين بمضمون واحد، يؤكدان على أن أي تعديل أو إصلاح هيكلي يمس أي قطاع في الدولة سواء التربية، أو الاقتصاد، أو غيرهما، لا يُصبح نافذاً أو معتمداً رسمياً إلا بعد مناقشته، وتمحيصه، وإقراره في اجتماع مجلس الوزراء الذي يترأسه رئيس الجمهورية شخصياً.

وفُهم من ذلك أن الإصلاح المثير للجدل لا يعدو عن كونه مبادرة من وزير التربية، لم تثبت من طرف السلطات العليا للبلاد.


تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)
حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)
TT

تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)
حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)

أكد التحالف المدني الديمقراطي السوداني «صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، أنه لم يتلقَّ أي اتصال رسمي أو غير رسمي بشأن ما يتداول عن مبادرة لترتيبات حوار سياسي داخل البلاد، بينما توالت ردود الفعل الناقدة والمؤيدة على تسربيات إعلامية بهذا الخصوص.

وكانت تقارير تحدثت عن أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، بصدد إجراء مشاورات مع تحالف «صمود»، بشأن الترتيب لحوار سوداني - سوداني. وأشارت إلى أن البرهان أكد خلال اجتماعات مشاركة كل القوى السياسية، عدا حزب «المؤتمر الوطني» الذي كان يتزعمه الرئيس السابق عمر البشير، وتحالف «تأسيس» الذي تتزعمه «قوات الدعم السريع».

وقال تحالف «صمود» في بيان، يوم الاثنين، نشر على صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك» إن «تصاعد وتيرة الحديث عن الحل السياسي في هذه الأيام يؤكد صحة موقفه منذ اندلاع الحرب، بأنه لا حل عسكرياً للصراع في البلاد». وأكد أن «التحالف لن يكون طرفاً في أي حلول زائفة تعيد إنتاج الأزمة أو تمنح الحرب ونتائجها شرعية سياسية»، مجدداً الدعوة لإيجاد حلول فورية لوقف الحرب، وإنهاء معاناة السودانيين.

وذكر البيان، أنه لا معنى لمسار سياسي منفصل عن المسارين الأمني والإنساني، ولا مصداقية لحوار يجري تحت دوي المدافع، مشدداً على أن أي عملية سياسية يجب أن تكون مستقلة عن هيمنة أي من أطراف الحرب.

وقال تحالف «صمود»، إن الحديث عن حوار داخل مناطق سيطرة الجيش، يتجاهل حقائق الأمر الواقع، إذ تشهد البلاد انقساماً غير معلن، تتوزع فيه السيطرة على أراضيها بين قوى مسلحة كثيرة، مضيفاً أن هذا المنحى سيؤدي إلى تكريس تقسيم البلاد، «وهي جريمة لن نشارك في اقترافها أبداً».

أرشيفية لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يُحيّي مؤيديه في العاصمة الخرطوم (أ.ب)

وجدّد التحالف رفضه بشدة أن يكون حزب «المؤتمر الوطني» والحركة الإسلامية وواجهاتها جزءاً من أي حوار. وقال في البيان إن «الموقف من هذه الجماعة المصنفة إرهابية يجب أن يكون واضحاً لا لبس فيه»، مضيفاً: «لا مكان لهم في أي عملية سياسية، ولا يجب مكافأتهم على ما ارتكبوه في حق البلاد من إجرام».

وبشأن المبادرات التي تدعو إلى العفو عن قادة القوى المدنية، أوضح البيان أن «هذه الإجراءات سياسية في يد جهات لا مشروعية لها»، مشدداً على محاسبة من أشعلوا الحرب، وارتكبوا الجرائم في حق الأبرياء، فضلاً عن تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية. وأكد التحالف أنه لن يكون جزءاً من «أي ترتيبات شكلية تكرّس واقع الحرب أو تعيد إنتاج أسبابها».

وفي السياق نفسه، قال رئيس حزب «الأمة - الإصلاح والتجديد»، مبارك المهدي، إن تهيئة المناخ لأي حوار داخل البلاد، يجب أن يبدأ بقبول البرهان بالمصالحة الوطنية الشاملة، ووقف الحرب، وفقاً للمقترح الأميركي، والدخول في مفاوضات الترتيبات الأمنية من أجل الوصول إلى جيش مهني واحد يكون بعيداً عن السياسة.

وذكر في تغريدة على منصة «إكس»، يجب على قيادة الجيش تسليم الحكم للمدنيين وفق اتفاق شامل يصدر عن مؤتمر للحوار يضم كل أهل السودان، على أن يعقد الحوار بحياد تام في مقر دولي أو إقليمي خارج السودان، ويحضره وفد يمثل الجيش بصفة مراقب.

وأشار إلى أن حصر إجراءات تهيئة المناخ في إلغاء بلاغات ومذكرات قبض دولية على قادة سياسيين، بسبب موقفهم الرافض للحرب والمطالب بالسلام والتحول الديمقراطي، مع بقاء النظام الشمولي الذي أصدرها دون تغيير، لا يحقق المناخ الحقيقي المطلوب للحوار.

وأوضح المهدي أن البلاغات ومذكرات القبض، غير دستورية، وتتعارض مع الأعراف الدولية، ولم يكن لها أي تأثير على حركة ومواقف هؤلاء السياسيين.

وكان البرهان أكد في وقت سابق عدم ممانعته مشاركة القوى السياسية الموجودة خارج السودان في الحوار المرتقب، معلناً التزامه بعدم التدخل في مسار الحوار السياسي. كما تعهد باتخاذ جميع التدابير اللازمة لتوفير الحماية لكل من يرغب في الانخراط في العملية السياسية داخل البلاد، وضمان حرية التنقل وعدم اعتراض أي شخص يرغب في السفر إلى الخارج.