المقايضة الصعبة: كيف تحول الدفاع عن «الاستقلال النقدي» إلى معركة سياسية؟

من واشنطن إلى باريس وطوكيو… المصرفيون المركزيون يقاومون «تسييس» آلة طباعة الأموال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول خلال جولة في مبنى المجلس بواشنطن... 24 يوليو 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول خلال جولة في مبنى المجلس بواشنطن... 24 يوليو 2025 (رويترز)
TT

المقايضة الصعبة: كيف تحول الدفاع عن «الاستقلال النقدي» إلى معركة سياسية؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول خلال جولة في مبنى المجلس بواشنطن... 24 يوليو 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول خلال جولة في مبنى المجلس بواشنطن... 24 يوليو 2025 (رويترز)

في مواجهة الضغوط المتزايدة من القوى السياسية، يخوض صانعو السياسة النقدية معركة دفاعية حامية، غير أن جهودهم تكشف عن مفارقة معقدة: فالدفاع عن الاستقلالية يحمي مصداقيتهم في مكافحة التضخم، لكنه في الوقت نفسه يعرضهم للظهور كلاعبين سياسيين، مما يجعل الحياد بحد ذاته خياراً جدلياً.

ويجد القادة السياسيون التقليديون أنفسهم اليوم في مواجهة صعبة مع منافسين شعبويين يرفضون القواعد القديمة، ويسعون لفرض سيطرتهم على البنوك المركزية وتغيير طرق إدارتها وتحديد من يشغل المناصب القيادية فيها.

في الولايات المتحدة، يعني التمسك بالاستقلالية الثبات على الخطط القائمة، حيث تحمل رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول هجمات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي اتهمه بإضعاف النمو عبر إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة للغاية.

مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

أما في أوروبا، فتتخذ المقاومة شكلاً أكثر تناقضاً، من خلال الاستقالة المبكرة لمنع القادة المعادين لأوروبا من التأثير على إدارة «البنك المركزي»، وفق «رويترز». وسيغادر محافظ «بنك فرنسا» فرانسوا فيليروي دي غالو قبل الانتخابات المتوقعة التي يهيمن عليها اليمين المتطرف. وأكد فيليروي أن القرار شخصي، إلا أن مصدراً أشار إلى أن جزءاً منه جاء للحفاظ على استمرارية العمل في البنك.

كما تدرس رئيسة «البنك المركزي الأوروبي»، كريستين لاغارد، خطوة مماثلة. وأوضحت أن خطتها «الأساسية» هي إتمام ولايتها، لكنها لم تستبعد إمكانية المغادرة المبكرة.

كريستين لاغارد تتحدث إلى الصحافة بعد اجتماع لمجلس إدارة «المركزي الأوروبي» في مقر البنك بفرانكفورت (رويترز)

في اليابان، كرّس «بنك اليابان» التزامه برفع أسعار الفائدة، حتى بعد أن قامت رئيسة الوزراء سناي تاكايشي بتعيين اقتصاديين مترددين في مجلس إدارة البنك، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لإيقاف الزيادات.

ومع وصول الدين السيادي إلى مستويات قياسية، يخشى المصرفيون المركزيون أن يُضحّى بالسياسة النقدية السليمة على مذبح الاقتراض الرخيص مع مطالبة الحكومات بخفض أسعار الفائدة.

وما على المحك هو قدرتهم على السيطرة على التضخم والمصداقية التي أعيد بناؤها منذ صدمات الأسعار في السبعينيات. تُظهر التجارب في تركيا والأرجنتين ما يمكن أن يحدث عندما تُجبر الحكومات السياسة النقدية على الخضوع: ترتفع معدلات التضخم، يفر المستثمرون، وتتبخر الثقة.

ومع ذلك، فإن مواجهة الضغوط تجعل المصرفيين المركزيين عرضة للظهور كسياسيين بأنفسهم.

وقال كارستن بريزسكي، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في بنك «آي إن جي»: «يتم سحب المصرفيين المركزيين إلى صراع بين المؤسسة واليساريين الشعبويين. يتم جذبهم إلى الحلبة، ويجب عليهم أن يفعلوا كل ما في وسعهم للبقاء خارجها».

الأزمات تسلط الضوء على البنوك المركزية

لا ينبغي أن يكون الرد مفاجئاً. فقد شبّه رئيس «البنك المركزي الأوروبي» المؤسس، ويم دويسينبيرغ، المصرف المركزي الجيد بالكريمة المخفوقة: «كلما خفقته أكثر، أصبح أكثر صلابة».

وأظهرت استقالته المبكرة في 2003، كجزء من صفقة بين ألمانيا وفرنسا لتسليم القيادة إلى جان-كلود تريشيه، أن المناصب قد تكون سياسية، لكن المهمة يجب ألا تصبح كذلك.

وتفترض نماذج الحوكمة المعاصرة للبنوك المركزية أن المسؤولين سيعملون باستقلالية بمجرد توليهم المنصب، بغض النظر عمن عينهم.

لكن العقد الماضي طمس هذا الخط الفاصل، ففي اليابان قام رئيس الوزراء السابق شينزو آبي بتعيين هاروهيكو كورودا في بنك اليابان لدعم أجندة التحفيز الخاصة به.

كما أدت عمليات شراء السندات الضخمة في الاقتصادات المتقدمة، التي شجعتها الحكومات خلال الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-19، إلى قرب البنوك المركزية من السياسة المالية، وهو سابقة يستشهد بها اليوم اليمين المتطرف في فرنسا.

واهتزت ثقة الجمهور بعد موجة التضخم التي أعقبت «كوفيد». كما أن المحاولات المحدودة للتدخل في سياسة المناخ، خاصة في البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، غذت اتهامات بتجاوز المهمة الموكلة لهم.

مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت (رويترز)

وقال جاكوب دي هان، أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة «خرونينغن»: «تحركت البنوك المركزية بشكل متزايد خارج نطاق ولايتها»، ما يثير تساؤلات حول استقلاليتها نفسها.

الاستقلالية مقابل المساءلة العامة

البنوك المركزية محمية غالباً من السياسة اليومية عبر أحكام قانونية مثل المعاهدات الأوروبية التي تحكم «البنك المركزي الأوروبي»، لكنها ليست محصنة من التوقعات الديمقراطية، فهي ترد أمام الكونغرس في الولايات المتحدة، والبرلمان الأوروبي في منطقة اليورو، وأمام تصورات الجمهور.

وهنا قد تكشف جهودهم الدفاعية عن نقطة ضعف.

وقال ناثان شيتس، كبير الاقتصاديين العالميين في مجموعة «سيتي»: «لا أرى أي خرق للإجراءات هنا، لكن الأمر يدفع إلى التأمل فيما إذا كنا نحقق التوازن الصحيح بين الاستقلالية والمساءلة».

ويمكن اعتبار استقالة فيليروي وربما لاغارد محاولة لإعطاء الرئيس إيمانويل ماكرون القول الفصل في التعيينات قبل أن يتحول الناخبون ربما إلى التجمع الوطني.

ويحذر الاقتصاديون من أن هذه الخطوة قد تأتي بنتائج عكسية، وقال ماركو فالي، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في «يوني كريديت»: «التحرك قد يقوض إلى حد ما استقلالية البنك المركزي نفسه».

الأسواق قد تحسم الكلمة الأخيرة

قد يكون الدين الحكومي الساحة الأكثر شراسة، إذ يجب على الحكومة الأميركية إعادة تمويل نحو ثلث ديونها البالغة 36 تريليون دولار هذا العام. وسيكون لكيفية إدارة «الاحتياطي الفيدرالي» تحت قيادة كيفن وورش، المعين من ترمب، لأسعار الفائدة وميزانيته البالغة 6.6 تريليون دولار أثر حاسم.

وتواجه أوروبا زيادة في الإنفاق الدفاعي فوق الدين المرتفع بالفعل في إيطاليا وفرنسا، وقد دعا زعيم اليمين الفرنسي جوردان بارديللا إلى فتح نقاشات مع «البنك المركزي الأوروبي» بشأن التمويل.

وقال إنريكو كولومباتو، أستاذ الاقتصاد الفخري في جامعة تورينو: «من وجهة نظر سياسية، أفضل طريقة للتمويل هي الاعتماد على آلة طباعة البنك المركزي».

لكن الأسواق قد تحسم الكلمة الأخيرة، فالبنوك المركزية يمكنها كبح عوائد السندات لكنها لا تستطيع منع هروب المستثمرين، ما يضعف العملات ويرفع التضخم.

علم اليابان يرفرف فوق مقر «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)

وتُظهر التجربة اليابانية أن المخاوف من تقلبات السوق قد تكون أفضل حليف للبنوك المركزية، حيث قال ماكوتو ساكوراي، عضو مجلس «بنك اليابان» السابق: «علم الهبوط المستمر للين الإدارة درساً حول مدى قسوة الأسواق إذا حاولت مواجهة رفع أسعار الفائدة من البنك المركزي الياباني. ساعدت القوى السوقية البنك على التصدي للضغوط السياسية».


مقالات ذات صلة

«المركزي الأردني» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس لتعزيز جاذبية الدينار

الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)

«المركزي الأردني» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس لتعزيز جاذبية الدينار

رفع البنك المركزي الأردني أسعار الفائدة على جميع أدوات السياسة النقدية بمقدار 25 نقطة أساس، بدءاً من يوم الاثنين 21 سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام فرع لبنك الصين في بكين (رويترز)

الصين تثبّت أسعار الإقراض للشهر الـ16 على التوالي

أبقت الصين أسعار الإقراض المرجعية دون تغيير للشهر السادس عشر على التوالي، في خطوة جاءت متوافقة مع توقعات الأسواق.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

تشديد السياسة النقدية يخيّم على البنوك المركزية الكبرى وسط صدمات الطاقة

تتجه البنوك المركزية الكبرى نحو تشديد السياسة النقدية، مع إعادة «الاحتياطي الفيدرالي» توجيه سياسته نحو موقف أكثر تشدداً، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد متسوقون يسيرون في شارع أكسفورد في لندن (رويترز)

مبيعات التجزئة البريطانية ترتفع بشكل مفاجئ في أغسطس

أظهرت بيانات رسمية ارتفاع مبيعات التجزئة البريطانية بشكل مفاجئ بنسبة 0.5 في المائة في أغسطس (آب)، رغم أحدث قفزة في أسعار الوقود الناجمة عن استئناف الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سواهاسيل نازارا يشير بيده أثناء إلقائه كلمته خلال جلسة إحاطة بشأن الموازنة في وزارة المالية في جاكرتا (رويترز)

وزير المالية الإندونيسي الجديد يبقي توقعات عجز الموازنة لعام 2026 دون تغيير

أكد وزير المالية الإندونيسي المعين حديثاً، في أول مؤتمر صحافي له يوم الجمعة، التزامه باستمرارية السياسة المالية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)

أكّد البنك المركزي السعودي (ساما) أن مشاركته في مشروع «إم بريدج» (mBridge) للعملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية انتهت في عام 2025، موضحاً أنه أكمل تجربة إثبات المفهوم (PoC) في 13 مايو (أيار) من ذلك العام، وأن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته في المشروع منذ انضمامه إليه.

وجاء توضيح «ساما»، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، عقب تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، يوم الأحد، أفاد بانسحاب السعودية من منصة «إم بريدج». ووصفت الصحيفة هذه المنصة بأنها مشروع تقوده الصين، وأنه يأتي ضمن جهود بكين لتطوير نظام للمدفوعات العابرة للحدود أقل اعتماداً على الدولار.

وقال «ساما» لـ«الشرق الأوسط» إن البنك المركزي انضم إلى مشروع بنك التسويات الدولية «إم بريدج» كعضو مراقب في 11 يونيو (حزيران) 2023، إلى جانب أكثر من 25 بنكاً مركزياً ومنظمة دولية أخرى، من بينها البنك المركزي الأوروبي، ومركز نيويورك للابتكار التابع للاحتياطي الفيدرالي (NYIC)، وبنك إيطاليا، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

شعار البنك المركزي السعودي في أحد المؤتمرات (الشرق الأوسط)

وفي 5 يونيو 2024، أصبح البنك المركزي السعودي مشاركاً ضمن نطاق محدود في المشروع بهدف إجراء تجربة إثبات مفهوم (PoC)، أي اختبار عملي لمدى جدوى الفكرة والتقنية، إلى جانب اختبار منتج الحد الأدنى (MVP)، وهو النسخة الأولية من المنصة التي تتضمن وظائفها الأساسية.

وأوضح «ساما» أن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وجرى خلالها فحص وظائف المنصة لتقييم جدوى استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية (Wholesale CBDC) في تحسين كفاءة المدفوعات العابرة للحدود وعمليات التسوية بين البنوك التجارية.

وأضاف البنك أنه، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته منذ انضمامه إلى المشروع، أكمل تجربة إثبات المفهوم في 13 مايو 2025، وباكتمال التجربة انتهت مشاركة البنك المركزي السعودي في المشروع، ولم ينضم بعدها إلى مراحله التالية.

وأوضح «ساما» أن هذه الخطوة تأتي استكمالاً لجهوده المستمرة الرامية إلى دراسة الاستخدامات المحتملة للعملات الرقمية للبنوك المركزية وتقنيات الترميز واختبارها، بما يشمل بحث المسائل والتحديات المرتبطة بالسياسات والجوانب القانونية والفنية التي تواجهها البنوك المركزية والتجارية فيما يتعلق باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية في المدفوعات العابرة للحدود، إضافة إلى تقييم انعكاساتها المحتملة على مستقبل أنظمة المدفوعات والبنى التحتية للأسواق المالية.


الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
TT

الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)

أكد وزير البلديات والإسكان، ماجد بن عبد الله الحقيل، أن سوق إدارة المرافق في المملكة يتجاوز حجمها 50 مليار دولار، مشيراً إلى أن حجم المنظومة يعكس الفرص المتاحة لتعظيم قيمة الأصول، ورفع كفاءة المدن، وتطوير قطاع وطني قادر على المنافسة عالمياً.

وافتتح وزير البلديات والإسكان ماجد بن عبد الله الحقيل، اليوم، أعمال المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026، الذي يُقام تحت شعار «مرافق ذكية... مدن ذكية»، بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء والجهات الحكومية والخاصة والمهتمين بقطاع إدارة المرافق.

وأوضح أن انعقاد المؤتمر يأتي في مرحلة تتوسع فيها المدن السعودية وتتنامى أصولها وخدماتها، بالتزامن مع استحقاقات وطنية وعالمية كبرى، في مقدمتها «إكسبو الرياض 2030» و«كأس العالم 2034»، ما يعزز الحاجة إلى تطوير أساليب إدارة الأصول والمرافق ورفع كفاءتها.

تشغيل المرافق

وأشار وزير البلديات والإسكان إلى أن إدارة المرافق أصبحت عنصراً مؤثراً في قدرة المدن على الحفاظ على مواردها وتحسين خدماتها واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، مؤكداً أهمية الانتقال من تشغيل المرفق إلى إدارة قيمة الأصل طوال دورة حياته، ومن معالجة الأعطال بعد وقوعها إلى التنبؤ بالاحتياج قبل حدوثها.

وبيّن أن البيانات والذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية توفر أدوات عملية لرفع كفاءة إدارة الأصول، من خلال قراءة أدائها، والتنبؤ باحتياجاتها، ودعم اتخاذ القرار، بما يسهم في تقديم خدمات أكثر موثوقية، ورفع كفاءة الأصول، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.

ولفت إلى أن الوزارة تركز في هذا المجال على أولويتين رئيسيتين؛ تتمثل الأولى في إدارة الأصول بالبيانات والنتائج، من خلال ربط إدارة الأصل بمراحل التصميم والتخطيط والتشغيل والصيانة والتحسين، وتطوير عقود تربط مقدم الخدمة بالنتائج، ومؤشرات أداء تقيس القيمة الفعلية.

الابتكار والاستثمار

فيما تتمثل الأولوية الثانية في بناء سوق سعودية تنافسية تصنع الحلول والمهارات، بما يتيح للشركات الوطنية النمو، ويعزز فرص الابتكار والاستثمار في القطاع الخاص، ويدعم تأهيل الكفاءات السعودية في مجالات الهندسة والتقنية وإدارة الأصول وتحليل البيانات.

الوزير الحقيل خلال جولته في المعرض المرافق للمؤتمر (الشرق الأوسط)

وبحسب الوزير الحقيل، فإن دور وزارة البلديات والإسكان يتمثل في تطوير بيئة تنظيمية واضحة ومحفزة، وتعزيز الشراكات التي تسهم في رفع مستوى الممارسة وتوسيع أثرها، لافتاً إلى أن تطوير قطاع إدارة المرافق مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز المعرفة والخبراء.

وأكمل أن المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026 يستهدف الانتقال من تبادل الأفكار إلى شراكات ومشروعات وحلول قابلة للتوسع، بما يعزز تطور القطاع ويرفع جاهزيته للمرحلة المقبلة.

المدن الذكية

واختتم وزير البلديات والإسكان كلمته بالتأكيد على أن المدن الذكية تُبنى بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرار، والقرار إلى خدمة، والخدمة إلى قيمة يشعر بها الإنسان، مبيناً أن مستقبل إدارة المرافق في المملكة يقوم على التقنية بوصفها أداة، والبيانات كونها أساساً، والاستثمار بصفته محركاً، والكفاءة كونها معياراً، والإنسان اعتباره غاية.

وشهد المؤتمر، الذي تنظمه جمعية إدارة المرافق السعودية، مشاركة أكثر من 200 جهة حكومية وخاصة في نسخة 2026، إلى جانب حضور دولي من خبراء ومتخصصين وأساتذة جامعات، يناقشون مستقبل قطاع إدارة المرافق، ويستعرضون أبرز التجارب والممارسات والحلول والتقنيات الحديثة في هذا المجال.


«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.