حملة مرورية في فرنسا: «قُدْ سيارتك مثل امرأة»

للتوعية بضرورة الالتزام بقوانين السير وعدم الاستهانة بالأرواح

ملصق الحملة في أنفاق المترو
ملصق الحملة في أنفاق المترو
TT

حملة مرورية في فرنسا: «قُدْ سيارتك مثل امرأة»

ملصق الحملة في أنفاق المترو
ملصق الحملة في أنفاق المترو

اعتاد الفرنسيون، منذ أجيال، التهكُّم على الطريقة التي تقود بها النساء السيارات، وكلما صادفوا اختناقاً مرورياً أو سيارة تسدُّ الطريق، تذمَّروا بأنّ وراء المقود بالتأكيد امرأة. لذلك يشعر عموم السائقين بالدهشة حالياً، وهم يُطالعون لافتات جديدة في أروقة مترو باريس، تحمل عبارة: «قُد سيارتك مثل امرأة».

سبب الحملة ما أظهرته إحصائيات المرصد الوطني لإدارة المرور، من أنّ 84 في المائة من حوادث السير القاتلة يتسبب فيها رجال، كما أنّ 88 في المائة من السائقين الشباب الذين فقدوا حياتهم على الطرق عام 2023 هم من الذكور. هذا عدا عن أنّ 93 في المائة من السائقين الذين يتسببون في حوادث مميتة وهم يقودون سياراتهم في حالة سُكر، هم من الرجال. يُضاف إلى ما تقدَّم أنّ 84 في المائة من مخالفات القيادة من دون رخصة صالحة هم من الرجال أيضاً.

ووفق هذه الأرقام الدامغة، أكدت مسؤولة في جمعية تنشط في مجال دعم ضحايا المرور، أنّ النساء أقل تعرّضاً من الرجال بـ8 مرات لحادث مروري قاتل. وأوضحت أنّ 96 في المائة من الذين يطلبون مؤازرة الجمعية ودعمها القانوني والطبي هم من الرجال.

يُذكر أنّ نسبة النساء من الذين يقودون سيارات في فرنسا هي 42 في المائة، في حين أنّ نسبتهنّ من مجموع السكان تزيد على 52 في المائة.

وفيما يخص المركبات الأخرى، كشفت الأرقام أنّ 94 في المائة من ضحايا الدراجات النارية هم من الرجال، ومثلهم 87 في المائة من ضحايا الدراجات الهوائية، و61 في المائة من المشاة الذين يفقدون حياتهم بسبب حادثة دهس.

جاء في الإعلان عن الحملة أنّ الهدف منها التوعية بضرورة الالتزام بقوانين السير، وعدم الاستهانة بالأرواح، ذلك أنّ «الطريق ليست ملعباً»، علماً بأنّ عدد مَن فقدوا حياتهم في حوادث الطرق بفرنسا خلال عام 2033 بلغ 3398 ضحية.


مقالات ذات صلة

الصين وأوروبا لتفادي «حرب تجارية» بعد اتفاق بشأن السيارات

الاقتصاد سيارات معدَّة للتصدير في ميناء يانتاي بمقاطعة شاندونغ الصينية (رويترز)

الصين وأوروبا لتفادي «حرب تجارية» بعد اتفاق بشأن السيارات

اعتبرت بكين أنها والاتحاد الأوروبي بإمكانهما تفادي التصعيد في مختلف النزاعات بينهما، في ظل ازدياد المخاوف من اندلاع حرب تجارية قد تكون لها تداعيات سلبية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سيارة كهربائية موصولة بمحطة شحن في موقف سيارات بمدينة بلباو الإسبانية (رويترز)

ارتفاع أسعار الديزل قد ينعش سوق الشاحنات الكهربائية في أوروبا

كشف تحليلٌ أجرته منظمة النقل والبيئة أن الارتفاع الحاد بأسعار الديزل الناتج عن حرب إيران، هذا العام، جعل تكاليف امتلاك وتشغيل الشاحنات الكهربائية أرخص.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد تطبيق زيادات في رسوم المرور على بعض الطرق بمصر (وزارة النقل المصرية)

مدفوعات «الكارتة» تخصم من ارتياح مصريين لتطوير الطرق والمواصلات

شهدت شبكة الطرق المصرية توسعاً كبيراً خلال السنوات العشر الماضية.

أحمد عدلي (القاهرة)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لشركة «سير» جيمس ديلوكا يتحدث خلال العرض العالمي للمركبة الأولى في حفلٍ غرب السعودية (الشرق الأوسط) p-circle 01:02

«سير» تراهن على بناء صناعة سيارات سعودية متكاملة

قالت شركة «سير» إن إطلاقها لسياراتها الأولى يمثّل محطة تاريخية تتجاوز قطاع المركبات، لتؤسس لمرحلة جديدة من الابتكار والتصنيع والقدرات الصناعية في السعودية.

مساعد الزياني (جدة)
الاقتصاد لوحة عرض تظهر الأسعار الحالية للبنزين والديزل في محطة وقود بمدينة ميونيخ بألمانيا 14 سبتمبر 2026 (رويترز)

أسعار البنزين تسجل ارتفاعات قياسية متتالية في ألمانيا

واصلت أسعار الوقود في ألمانيا ارتفاعها، حيث سجل سعر لتر البنزين السوبر من نوع «إي10» في المتوسط على مستوى البلاد يوم الثلاثاء مستوى قياسياً جديداً بلغ 2.30 يورو

«الشرق الأوسط» (برلين)

البطولات النسائية تبرز في كلاسيكيات «القاهرة السينمائي» المرمَّمة

فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
TT

البطولات النسائية تبرز في كلاسيكيات «القاهرة السينمائي» المرمَّمة

فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)

تحضر البطولات النسائية بقوة في قائمة الأفلام المرممة التي ستُعرض خلال فعاليات مهرجان «القاهرة السينمائي» الدولي في دورته الـ47، المقررة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، وبالتزامن مع مرور 50 عاماً على انطلاق دورته الأولى عام 1976.

وحسب بيان المهرجان، يضم برنامج «الكلاسيكيات المصرية المرممة» مجموعة من الأفلام أُنتجت غالبيتها في ستينات وسبعينات القرن الماضي، تؤدي أدوار البطولة في عدد منها فنانات مصريات، من بينها «جريمة في الحي الهادئ» لنادية لطفي، و«امرأة في الطريق» لهدى سلطان، و«القاهرة 30»، و«زوجتي والكلب»، و«غروب وشروق» لسعاد حسني، و«خان الخليلي»، و«ليل وقضبان» لسميرة أحمد، و«مراتي مدير عام»، و«شيء من الخوف» لشادية، و«شفيقة القبطية» لهند رستم.

وأخرج هذه الأفلام نخبة من المخرجين المصريين، من بينهم عز الدين ذو الفقار، وصلاح أبو سيف، وعاطف سالم، وسعيد مرزوق، وفطين عبد الوهاب، وأشرف فهمي، وحسن الإمام، وحسين كمال، وكمال الشيخ، وحسام الدين مصطفى، وشارك فيها عدد من نجوم «العصر الذهبي»، مثل أحمد مظهر، ورشدي أباظة، ويحيى شاهين.

ويضم برنامج «الكلاسيكيات المصرية المرممة» في الدورة المقبلة 27 فيلماً، حسب بيان المهرجان، الذي نشر عبر حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي ملصقاتها الترويجية، مصحوبةً بتعليق: «بعض الأفلام محفورة في ذاكرتنا... شاهدوا سحر كلاسيكيات السينما المصرية على الشاشة الكبيرة في الدورة الـ47 من المهرجان».

فيلم «شيء من الخوف» ضمن الأفلام المرممة (مهرجان القاهرة السينمائي)

ومن بين هذه الأفلام أيضاً «القتلة»، و«قنديل أم هاشم»، و«الرجل الذي فقد ظله»، و«السراب»، و«الزوجة الثانية»، و«الحرام»، و«البوسطجي».

ويرى الناقد الفني المصري طارق الشناوي أن بروز البطولات النسائية في قائمة الأفلام المرممة التي ستُعرض بالمهرجان هذا العام يؤكد أن «السينما المصرية في خمسينات وستينات، وحتى سبعينات القرن الماضي كانت تمنح المرأة مساحة بطولة وموضوعات أكبر».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن مساحة المرأة في السينما، بوصفها نجمة وبطلة محورية، تقلّصت في نهاية التسعينات ومع دخول الألفية الجديدة، إلى جانب تراجع عدد الأفلام والموضوعات المرتبطة بها، مقابل هيمنة النجوم الرجال على البطولات إلى حد كبير، وهو وضع استمر لاحقاً.

وفي السياق، تشهد الدورة المقبلة من «القاهرة السينمائي» عرض عدد من أفلام الفنانة المصرية سميرة أحمد، من بينها «ليل وقضبان» و«خان الخليلي». وأشادت الفنانة بالتقليد الذي أرساه المهرجان برئاسة الفنان حسين فهمي، لافتةً إلى أن ترميم كلاسيكيات السينما المصرية والحفاظ عليها وعرضها للأجيال الجديدة أمر رائع، يتيح لهذه الأجيال التعرّف على تاريخ صناعة السينما المصرية.

«شفيقة القبطية» ضمن الأفلام المرممة (مهرجان القاهرة السينمائي)

ووجّهت سميرة أحمد، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»، التهنئة إلى الفنان حسين فهمي والقائمين على المهرجان وجمهور السينما بمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيسه، مؤكدةً أنها تتابعه وسعيدة بكل تفاصيله، وتحتفظ بذكريات عدة من دوراته السابقة تستعيدها بسعادة بالغة.

وعدّت سميرة أحمد فيلميها «ليل وقضبان» و«خان الخليلي» من أجمل وأهم ما قدّمت طوال مسيرتها الفنية، مشيرةً إلى أن بروز البطولات النسائية في تلك المرحلة يعود إلى الموضوعات التي كانت تُقدَّم وتليق بالفنانة البطلة. وأكدت أن أفلامها شهدت مشاركة نجوم رجال لهم مكانة كبيرة ونجومية لافتة، مثل عماد حمدي، وحسن يوسف، ومحمود مرسي، ومحمود ياسين، الذين شاركوها بطولة الفيلمين.

ويشهد «القاهرة السينمائي» في دورته الـ47 فعاليات ومشاركات فنية محلية ودولية بارزة، إلى جانب تكريم كلٍّ من الكاتب مدحت العدل، ومدير التصوير سعيد شيمي، والمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو بجائزة «الهرم الذهبي لإنجاز العمر»، وتكريم الفنان آسر ياسين بجائزة «فاتن حمامة للتميز».


سارة الشعار تُنقِّب في ذاكرة جدران بيروت

سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)
سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)
TT

سارة الشعار تُنقِّب في ذاكرة جدران بيروت

سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)
سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)

شكّلت جدران شوارع بيروت وأزقّتها شاهداً صامتاً على حقب مختلفة عاشتها العاصمة. وقد يكون اللبناني المقيم واكب التحوّلات التي رسمتها الأحداث على ملامحها، ولكن ماذا عن المغترب الذي يعود إلى وطنه محاولاً استعادة صلته بالمدينة؟ يبحث بين طبقات جدرانها عن آثار الزمن، علّه يستدرك شيئاً مما فاته، فتبدو جدران المدينة أمامه أجساداً تترنّح بين الماضي والحاضر، مثقلة بندوب أحداث متعاقبة.

من هذه الصورة تنطلق الفنانة التشكيلية سارة الشعار في معرضها «داخل الخارج» الذي افتُتح في 9 أكتوبر (تشرين الأول) ويستمر حتى 30 منه، في غاليري «آرت 56» في الجميزة. فقد هاجرت من لبنان في سنّ مبكرة إلى منطقة الكاريبي، وعندما عادت شعرت بغربة تفصلها عن عاصمته. فقرّرت أن تنسج علاقة جديدة مع المدينة، مستخرجة من جدرانها المتصدّعة ما أخفاه عنها الزمن. ولترجمة رؤيتها، لجأت إلى تقنية في الرسم تقوم على المزج بين الشمع والزيت.

تعكس لوحات الشعّار ما شهدته جدران بيروت على مرّ الزمن (الشرق الأوسط)

وتشرح سارة الشعار، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «للشمع ميزات خاصة، إذ تتراكم طبقاته تلقائياً. وعندما يرغب المرء في اكتشاف الصورة التي يغطّيها، يلجأ إلى خدش هذه الطبقات والتنقيب عمّا تحتها. وهذه هي الصورة التي رغبت في استحضارها في تعاملي مع جدران العاصمة. فكلّما مررت بمحاذاتها، كنت ألحظ التشقّقات التي تسكنها. فأقترب منها لأكمل ما بدأته عوامل الطبيعة، وأكتشف صوراً مطمورة بعد إزاحة طبقات الطلاء عنها».

تبني سارة الشعار لوحاتها بطبقات متعاقبة من الطلاء الممزوج بالشمع، ثم تكشط أجزاء منها، فتُظهر ما يكمن تحتها. وتحاكي هذه العملية تشقّق الجدران وتقشّرها، من دون السعي إلى استنساخها.

تتنقّل بفرشاتها بين جدران متصدّعة، لكنها لا تزال منتصبة، فتستحضر مناظر طبيعية تُرى من الأعلى، وأراضي مجزّأة، وخرائط متآكلة تبدو كأنها بشرة لجدران أنهكها الزمن. وتكمن الحكاية في المسافة الفاصلة بين الداخل والخارج، وفي ما يتوارى خلف الظاهر.

وتفتح عناوين لوحاتها المجال أمام قراءات تتداخل فيها الذاكرة مع المكان، والندوب مع محاولات الترميم. فمن «احتفظت التربة بندوبها» و«صارت أصواتنا ناراً»، إلى «انهيار السطح» و«يمسك الماء بالرمال» و«تحت أطلال صامتة»، تنسج الفنانة حكايات عن أرض لا تنسى ما مرّ بها. وبين ما تكشفه اللوحات وما تحجبه، تترك للمشاهد حرية التنقيب عمّا بقي من الذاكرة وما يمكن أن يولد من جديد.

تستخدم طبقات من الألوان الزيتية والشمع لإنجاز أعمالها (الشرق الأوسط)

وعن ألوانها الصارخة حيناً والدافئة حيناً آخر، توضح: «ساعدتني الألوان في بناء طبقات اللوحة لتتألّق بمظهر يخبرنا عن حالات معيّنة. وبين الأزرق الداكن والفاتح، والأحمر الناري والبرتقالي والبنفسجي والأبيض والزيتي، فتحت نوافذ للنور كي لا تختنق محتويات اللوحة بمشهد بصري واحد. فتداخلت المساحات وتناثرت بينها أجزاء من أشكال لصور وُلدت مباشرة أثناء الرسم».

وتؤكد سارة الشعار أنها أرادت ترك مساحة واسعة للمشاهد ليكتشف موضوع اللوحة وفق رؤيته، وتتابع: «في النهاية، ما أترجمه يتعلّق بالذاكرة الجماعية لدى اللبنانيين، وكلّ واحد منّا يرى الأمور من منظار مختلف. وهذه الفكرة بالذات حفّزتني على إدخال عنصرَي الغموض والمفاجأة في أعمالي، هرباً من مساحات مكرّرة وتقليدية تطالعنا في أعمال كثيرة».


«رولز»… هنا جلس ديكنز والملوك… حكاية مكان نجا من النسيان

مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)
مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)
TT

«رولز»… هنا جلس ديكنز والملوك… حكاية مكان نجا من النسيان

مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)
مشهد من نافذة مطعم «رولز» (Rules). أقدم مطعم في لندن والذي تم التبرع به لأكبر مؤسسة خيرية معنية بالحفاظ على التراث في أوروبا (أ.ب)

في بعض زوايا لندن، يبدو الزمن أقل استعجالاً. تدخل مكاناً فتشعر بأن أشخاصاً كثيرين سبقوك إليه، تركوا شيئاً من حكاياتهم بين جدرانه، ثم مضوا. وربما جلست، من دون أن تدري، إلى طاولة جلس إليها كاتب شهير أو ملك أو ممثل، قبل عقود طويلة.

هذا ما يجعل مطعم «رولز» (Rules)، في منطقة كوفنت غاردن، مختلفاً عن مجرد عنوان قديم على خريطة العاصمة البريطانية. فمنذ عام 1798، والمكان يستقبل زبائنه، في حين تتراكم حوله حكايات الأدب والحياة الملكية والفن، حتى بات جزءاً من ذاكرة لندن نفسها.

مشهد للوحة داخل مطعم «رولز» (Rules) (أ.ب)

والآن، حصل هذا العنوان العريق على فرصة جديدة للاستمرار، بعدما تملّك الصندوق الوطني البريطاني (National Trust)، المعني بحماية التراث، المبنى الذي يحتضنه، بما في ذلك تصميمه الداخلي التاريخي. والغاية ليست تحويله متحفاً، بل ضمان ألا يأتي يوم تُستبدل فيه طاولاته بشقق سكنية، وتُختصر حكايته في صورة قديمة أو لوحة على جدار.

وتبلغ قيمة العقار أكثر من 11 مليون جنيه إسترليني، وقد تبرع به مالكه جون «جي بي» مايو للصندوق؛ لضمان الحفاظ على المكان وقصصه الممتدة لأكثر من قرنين. كما ينص عقد الإيجار على استمرار استخدام المبنى مطعماً. وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

قد تبدو المسألة للوهلة الأولى شأناً عقارياً، لكنها تطرح سؤالاً أوسع: كيف نحافظ على ذاكرة المدن من دون أن نحكم عليها بالبقاء خلف الزجاج؟

حين تصبح الجدران شاهدة

أسس «رولز» توماس رول، وبدأ محلاً لتقديم المحار، قبل أن يشتهر بأطباقه الإنجليزية التقليدية وديكوراته التي تزينها قرون الحيوانات. لكن ما يمنحه مكانته الاستثنائية ليس عمره وحده، بل الأشخاص الذين مروا به، والحكايات التي حملوها معهم.

كان الكاتب تشارلز ديكنز من زبائنه المنتظمين، كما ارتاده الملك إدوارد السابع قبل اعتلائه العرش. وكانت ليلي لانغتري، عشيقته آنذاك، على صلة وثيقة بالمكان، حتى إنها كلّفت فناناً رسم لوحة خاصة له وأهدته إياها، ولا تزال معلقة فوق بار الكوكتيلات.

أما الروائي غراهام غرين، فكان يزور المطعم في كل عيد ميلاد له. ولم يترك ذكراه فيه فحسب، بل أدخله إلى روايته «نهاية العلاقة» (The End of the Affair)، الصادرة عام 1951، حيث يتبادل بطلا الرواية أول قبلة بعد تناول العشاء في المكان.

ومن الأدب إلى السينما، ظهر «رولز» في فيلم جيمس بوند «سبكتر» (Spectre)، كما استضاف تصوير مشاهد من مسلسل «داونتون آبي» (Downton Abbey).

تصوير أحد مشاهد مسلسل داونتن آبي في رولز (imdb)

هكذا تتداخل الحقيقة والخيال في مكان واحد. فبعض الزبائن يأتون لتناول الطعام، وبعضهم قد يأتي مدفوعاً بفضول تجاه ماضيه، في حين يمر آخرون من دون أن يعرفوا أن الجدران المحيطة بهم تحمل ذكريات كتّاب وشخصيات ملكية وأبطال أعمال فنية.

تراث لا يعيش في الصور وحدها

لم يكن بقاء المكان مضموناً دائماً. ففي عام 1971، تدخل الشاعر البريطاني جون بيتجمان للدفاع عنه عندما ظهرت خطط لهدمه لتوسيع طريق قريب. وشبّه المطعم بمكان للعبادة، في إشارة إلى الأجواء التي تنشأ في الأماكن التي يرتادها الناس جيلاً بعد جيل.

ولعل هذه الفكرة تفسر لماذا يصعب تعويض بعض الأماكن، حتى لو أمكن بناء مبانٍ أجمل مكانها. فالمبنى يمكن إعادة تشييده، لكن الذكريات لا تنتقل بالضرورة إلى عنوان جديد، كما لا يمكن استنساخ الشعور الذي يتكون عبر سنوات طويلة من اللقاءات والعادات والتفاصيل الصغيرة.

ويرى ريكي ماكمنيمي، مدير «رولز» الذي يعمل فيه منذ أكثر من 30 عاماً، أن حماية المطعم لا تعني تجميد الزمن داخله. فالمطلوب أن يستمر في استقبال الناس وتقديم الطعام، مع الاحتفاظ بملامحه التاريخية، لا أن يتحول أثراً جامداً لا يقترب منه أحد.

إطلالة من نافذة مطعم «رولز» (Rules) (أ.ب)

وهذه هي المفارقة الجميلة في حكاية المكان: لكي يبقى كما هو، عليه أن يواصل التغير مع الحياة من حوله، وأن تظل أبوابه مفتوحة، وطاولاته مستخدمة، وأحاديث زبائنه جزءاً من يومه العادي.

مدينة تحفظ ذاكرتها

يمتلك الصندوق الوطني البريطاني قصوراً ومنازل تاريخية كثيرة، تحول عدد منها متاحف بعدما توقفت عن أداء وظائفها الأصلية. لكن «رولز» يقدم نموذجاً مختلفاً؛ فهو لا يعرض ماضيه للزوار فقط، بل يواصل العمل بالطريقة التي عرفها الناس منذ تأسيسه.

وتقول لوسي بورتن، إحدى القيّمات على المجموعات والمواقع التاريخية في الصندوق، إن من النادر أن تستمر المواقع التراثية في أداء الوظيفة التي أُنشئت من أجلها. أما هنا، فلا يزال المطبخ يعمل، والزبائن يجلسون حول الطاولات، والحياة اليومية تمضي بين تفاصيل يعود بعضها إلى قرون مضت.

توجد لوحة تشرح تاريخ مطعم «رولز» (Rules) خارج مبناه (أ.ب)

في لندن، حيث تتبدل الواجهات وتُهدم مبانٍ لتفسح المجال لأخرى، تبدو حماية «رولز» محاولةً للاحتفاظ بشيء يصعب قياس قيمته بالأموال وحدها. فالمكان لا يختزن تاريخاً من الملوك والكتّاب والمشاهير فحسب، بل يحفظ أيضاً عادة بسيطة استمرت أكثر من قرنين: أن يفتح أبوابه كل يوم، ويمنح الناس مكاناً يجلسون فيه، من دون أن يعرفوا أي حكاية جديدة ستُضاف إلى ذاكرته.

وهكذا، لا تكمن أهمية «رولز» في أنه أقدم من كثير من الأماكن المحيطة به، بل في أنه لا يزال حياً. فبعض معالم المدن تستحق الحماية لأنها تذكّرنا بما مضى، وبعضها يستحقها لأنه يمنح الماضي فرصةً كي يواصل العيش.