أيمن زيداني يُعيد تأهيل علاقة الإنسان بالأرض فنّياً

الفنان السعودي لـ«الشرق الأوسط»: حالة الكوكب يُرثى لها

يُصوّر علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها عملية متواصلة من إعادة التفاوض (الصور بإذن من الفنان)
يُصوّر علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها عملية متواصلة من إعادة التفاوض (الصور بإذن من الفنان)
TT

أيمن زيداني يُعيد تأهيل علاقة الإنسان بالأرض فنّياً

يُصوّر علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها عملية متواصلة من إعادة التفاوض (الصور بإذن من الفنان)
يُصوّر علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها عملية متواصلة من إعادة التفاوض (الصور بإذن من الفنان)

تُقدِّم أفلام الفنان السعودي أيمن زيداني وأعماله التركيبية البيئية والعضوية، مثل الأشجار والبكتيريا والنباتات، منظوراً بديلاً للعالم البشري. فممارساته الفنّية تُصوّر علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها عملية متواصلة من إعادة التفاوض. حضر في بينالي الشارقة بفيلمه التجريبي «عودة القدماء»؛ ومن خلاله شكَّل مقاربة لطبقات الحياة العميقة المُتجسِّدة في النفط منذ عصور ما قبل التاريخ، بالتوازي مع تناوله العنف الكامن في عملية استخراجه.

أفلامه وأعماله التركيبية البيئية والعضوية تُقدّم منظوراً بديلاً للعالم البشري (أيمن زيداني)

عبر فطر عملاق يُدعى «بروتوتاكسيتس»، يروي القصة. ورغم ندرة الحصول على أحافير هذا الفطر، فإنه اكتُشِف في السعودية والولايات المتحدة. بالتعاون مع الباكستانية سايرا أنصاري، كتب أيمن زيداني فيلماً يَحبكُ الواقع بالخيال العلمي لفَهْم حياة الفطر وموته وعودته. تحاوره «الشرق الأوسط» في ارتكاز فنّه على الموارد وهاجس فناء الكوكب.

حضر في بينالي الشارقة بفيلمه التجريبي «عودة القدماء» (الصور بإذن من الفنان)

فيلمه المُشارك في بينالي الشارقة بدورته الـ16، عملٌ جاهز أنتجه عام 2020 ضمن معرض «2139» الذي استضافته جدة. يرى في استباقه للجائحة، أهميةً أو ماركةً نظراً لِما حلَّ بالأرض والإنسان في ذلك العام المرعب. ومن خلال ولادة أحد أنواع الفطريات القديمة وفنائه، فعودته إلى الحياة، يُسجِّل الفنان الشاب موقفاً من عالم يُفرط في الاستهلاك. وجود الفطر المذكور في أماكن محدودة، منها الجوبة في الجوف، رفَعَ ضرورة استخدامه هذا العنصر، الذي سبق أن تمركز في الأرض وعُدَّ من أكبر المخلوقات بطول 8 متر، لسرد القصة وتشغيل إنذار الخطر.

فيلمه مقاربة لطبقات الحياة العميقة المُتجسِّدة في النفط منذ أقدم العصور (الصور بإذن من الفنان)

يتحدّث الفطر بصيغة الجمع في الفيلم، ويتساءل: «كيف أشرح لكم ما أصبحنا عليه الآن؟ تقطعون كوكبكم بالحرق والنهب، مُبيدين كلَّ شيء للوصول إلينا». بهذه الصرخة أو المجاهرة، يشدّ الانتباه إلى المصير العالمي إنْ واظب الإنسان على التمادي والاستهانة بالمستقبل. والإنسان يعني السيستم والشركات والأطماع والحروب وسطح الأرض وباطنها؛ وأيّ تهديد يتسبَّب به يُسرِّع التهلكة.

كتب أيمن زيداني فيلماً يَحبكُ الواقع بالخيال العلمي (الصور بإذن من الفنان)

لـ15 دقيقة، مدّة العرض، يُقدِّم الفنان محاولةً لإعادة إنتاج قصص تُحاكي إشكالية الغد. يقول: «البشرية في حالة يُرثى لها بما يتعلّق بمصير الأرض. الموضوع مهم جداً، فالتوجّه واضح نحو الانحدار الشديد على مستوى التغيُّر المناخي أو خسارة التنوّع البيولوجي. مستقبل الأرض يؤرقني فنّياً. نحن في منطقة حسّاسة. ففي الخليج، تُلامس الحرارة درجات مهولة. إننا من أوائل الذين سيتأثّرون بالمتغيّرات المناخية المُتسارعة، مقارنة بشعوب الأماكن الباردة. يصبح الموضوع أكثر إلحاحاً اليوم، ويتّخذ طرحه مرتبة الضرورة القصوى».

جميع ممارسات أيمن زيداني الفنّية محورها علاقة الإنسان بالأرض، بتعقيداتها وتشعّبها. هو في وضعية تأهيل هذه العلاقة طوال الوقت. وبإنتاجه قصصاً جديدة، يُعيد رواية الموضوعات البيئية من مُنطلق هَمّ إنساني وقلق وجودي. ولا يحصر أبطال موضوعاته بالمخلوقات الأخرى، فالفرد يُشكِّلها أيضاً. يخصُّ إنسان الجزيرة العربية؛ إذ يسكن أفكاره ويحرّضه على الصرخة ورفعها إلى مستوى الصدمة، بكونه بطل الحكايات الأول.

جميع ممارساته الفنّية محورها علاقة الإنسان بالأرض (الصور بإذن من الفنان)

وراكم تجارب موضوعها الأبطال غير البشريين، وميَّز أعمالاً سابقة له بطغيان أشكال المخلوقات، منها حيتان بحر العرب في عُمان، أو الفطريات في الجوف، أو النباتات الفطرية في العُلا والمساحات الصحراوية. يقول: «أُوجّه ممارساتي الفنّية مؤخراً نحو الممالك العربية القديمة، وتستوقفني مملكة الأنباط واللحيانية. تلك محاولاتي لاستعادة الذاكرة وتاريخ الأرض. إرث البشرية يعنيني. نشأتُ في عسير وبين جبالها، فشكَّلت طفولتي ومسارات حياتي. للجبال هيبة، وجميع التصميمات القديمة، منها الأهرامات، مُستوحاة منها. الجبال مقدَّسة عموماً، وموضوع ألهم تقليدَه والتشبُّه به. لنأخذ جبال السروات مثلاً، المُمتدّة من اليمن حتى السعودية، فإلى الأردن وما بعده. هذه جبال السروات أو السراة، لكنها في الأردن تُبدّل اسمها إلى الشراة. هي نفسها السروات، بامتدادها الهائل. وفي عُمان والشارقة أيضاً جبال تُلهمني فنّياً. أعمل ليبقى إرث الجزيرة العربية عظيماً».

يُقدّم أيمن زيداني محاولة لإعادة إنتاج قصص تُحاكي إشكالية المستقبل (الصور بإذن من الفنان)

أقام في الرياض، فأرغمه الانتقال إليها إعادة صوغ علاقته بالمنطقة بأسرها: «لستُ صحراوياً. لم أنشأ في الصحراء ولم أختبر العيش فيها. علاقتي بها مولودة من التعلُّم. منها استقيتُ دروساً وعمّقتُ نظرتي إلى الحياة. وأقمتُ هنا في الشارقة 5 سنوات. هذه الإقامة وطَّدت علاقتي بالبحر. وذلك مكَّن فَهْمي للتضاريس، وسهَّل بناء علاقتي الخاصة بالجزيرة العربية. نتاج مجموع تلك العلاقات، شكَّل مشاركاتي الفنّية السابقة واللاحقة».

يُعيد رواية الموضوعات البيئية من مُنطلق هَمّ إنساني وقلق وجودي (الصور بإذن من الفنان)

وفنُّ أيمن زيداني هذا يتطلّب اطّلاعاً وقراءة ومحاولة تعمّق في مسارَي الأرض التاريخي والجغرافي: «نجهل مسائل كثيرة، منها مثلاً المجسَّمات المستطيلة، وتُسمَّى المستطيلات، الموجودة في خيبر البالغة 9 آلاف سنة. لا ندري مَن بُناتها. محاولة تعلّمي تترافق مع متابعة نتائج البحوث والاكتشافات الآثارية والأنثروبولوجية». فممارساته في النهاية تُعدُّ بحثية قبل اللمسة الفنّية. اعتمادُها جوهري على التقصّي وخَلْط المعلومة الواقعية بالخيال، ليملأ الجانب الخيالي فراغ الواقع غير المُكتَشف بعد. يتأسّف للجهل الإنساني حيال التفسير الكامل للمسارَيْن الجغرافي والتاريخي لاستمرار البشرية، ويُكمل إنتاج القصص لتقليص الجوانب المجهولة.


مقالات ذات صلة

صوف الأغنام... سلاح غير متوقَّع ضدّ ذوبان الجليد

يوميات الشرق ما خُلق للدفء صار حارساً للبرودة (رويترز)

صوف الأغنام... سلاح غير متوقَّع ضدّ ذوبان الجليد

يُجري باحثون تجربة غير مألوفة في جبال الألب، لاختبار ما إذا كان صوف الأغنام، قادراً على الإسهام في حماية الجليد...

يوميات الشرق رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)

إسبانيا تفتح مراوحها في وجه الحرّ القياسي

تُفتح مروحة اليد الإسبانية التقليدية، التي تتميّز بصغر حجمها بما يكفي لحملها في حقيبة صغيرة، على شكل نصف دائرة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا نحو 33 دولة سجّلت هذا العام أكثر شهر يوليو حرارة لها منذ بدء تسجيل البيانات (أ.ف.ب)

للعام الثاني على التوالي... بريطانيا تسجل الصيف الأكثر حراً

شهدت بريطانيا الصيف الأشد حرارة في تاريخها للعام الثاني على التوالي، بحسب ما أعلنت هيئة الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)

شيفرة أطلنطس المفقودة: هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟

هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟ اكتشف حقائق عام 1613 قبل الميلاد والعلاقة الجيولوجية المذهلة بأسطورة قارة أطلنطس المفقودة التي كتب عنها أفلاطون.

كوثر وكيل (لندن)
بيئة حوت يسبح في المحيط الأطلسي (أ.ف.ب)

بفعل تغير المناخ... سطح المحيطات سجّل السبت متوسط حرارة قياسياً

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي، الاثنين، أن متوسط حرارة سطح المحيطات بلغ 21.1 درجة مئوية، السبت، مسجلاً رقماً قياسياً يومياً غير مسبوق، بفعل تغير المناخ.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.


سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.