نجاح «ديب سيك» يتحدث عن قدرة الصين على رعاية المواهب

بفضل خطط الاستكشاف الفكري بدلاً من الأرباح

نجاح «ديب سيك» يتحدث عن قدرة الصين على رعاية المواهب
TT

نجاح «ديب سيك» يتحدث عن قدرة الصين على رعاية المواهب

نجاح «ديب سيك» يتحدث عن قدرة الصين على رعاية المواهب

بالنسبة للعديد من الصينيين، فإن نجاح «ديب سيك» DeepSeek هو انتصار لنظام التعليم في الصين، ودليل على أنه يساوي نظام الولايات المتحدة أو حتى يتفوق عليه.

وتنتج الصين عدداً كبيراً من خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، لكنها لم تكن معروفة بالابتكار. قد تساعد العوامل الثقافية والسياسية في تفسير السبب.

خريجو الجامعات الصينية يتصدرون الأبحاث

ووفقاً لمؤسس الشركة الناشئة الصينية التي هزت عالم الذكاء الاصطناعي، فإن الفريق الأساسي من المطورين والعلماء وراء «ديب سيك»، التحقوا جميعاً بالجامعة في الصين. وهذا يتناقض مع العديد من شركات التكنولوجيا الصينية، التي غالباً ما سعت إلى استقطاب المواهب المتعلمة في الخارج.

في حين كان المعلقون الصينيون على الإنترنت يتلذذون بردود الفعل الأميركية الصادمة، أشار البعض إلى العدد المرتفع من حاملي الدكتوراه في العلوم الذين تنتجهم الصين سنويا... «يثبت نجاح ديب سيك أن تعليمنا رائع»، هذا ما جاء في عنوان إحدى المدونات.

وتدفقت الإشادات أيضا من الخارج، إذ قال بافيل دوروف، مؤسس منصة الرسائل «تلغرام»، الشهر الماضي إن المنافسة الشرسة في المدارس الصينية غذت نجاحات البلاد في مجال الذكاء الاصطناعي. وكتب على الإنترنت: «إذا لم تقم الولايات المتحدة بإصلاح نظامها التعليمي، فإنها تخاطر بالتنازل عن قيادة التكنولوجيا للصين».

تعقيدات الواقع الصيني

الواقع أكثر تعقيدا. نعم، استثمرت الصين بكثافة في التعليم، وخاصة في العلوم والتكنولوجيا، ما ساعد في رعاية مجموعة كبيرة من المواهب، وهو أمر أساسي لطموحها في أن تصبح رائدة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2025.

ولكن خارج الفصول الدراسية، يجب على هؤلاء الخريجين أيضا أن يواجهوا عقبات تشمل ثقافة الشركات الطاحنة والأهواء السياسية للحزب الشيوعي الحاكم... الذي يؤكد على السيطرة، بدلاً من النمو الاقتصادي، وهو على استعداد لاتخاذ إجراءات صارمة ضد شركات التكنولوجيا التي يعتبرها مؤثرة للغاية.

الاستكشاف الفكري بدلاً من الأرباح

تمكنت شركة «ديب سيك» من التهرب من العديد من هذه الضغوط، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها حافظت على مستوى منخفض وأعلن مؤسسها التزامه بالاستكشاف الفكري، بدلاً من الأرباح السريعة. ومع ذلك، يبقى أن نرى إلى متى يمكنها الاستمرار في القيام بذلك.

قال ييران تشين، أستاذ الهندسة الكهربائية والحاسوبية في جامعة ديوك: «هناك العديد من الباحثين والمهندسين الشباب الحيويين والموهوبين داخل الصين. لا أعتقد أن هناك فجوة كبيرة من حيث التعليم بين الصين والولايات المتحدة من هذا المنظور، وخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي. لكن القيد يأتي حقاً من أجزاء أخرى».

قوة النظام التعليمي

بالنسبة للعديد من الناس في الصين، ترتبط قوة نظامها التعليمي ارتباطاً وثيقاً بالمكانة العالمية للبلاد. لقد استثمرت الحكومة بكثافة في التعليم العالي، ونما عدد خريجي الجامعات كل عام، الذي كان ضئيلاً في السابق، بأكثر من 14 ضعفاً في العقدين الماضيين. والآن، تحتل العديد من الجامعات الصينية مرتبة بين الأفضل في العالم. ومع ذلك، على مدى عقود من الزمان، ذهب أفضل وألمع طلاب الصين إلى الخارج، وبقي الكثير منهم هناك. وبحسب بعض المقاييس، بدأ هذا يتغير.

وقد خرجت الصين أكثر من أربعة أضعاف عدد طلاب العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في عام 2020 مقارنة بالولايات المتحدة. وتحديداً في مجال الذكاء الاصطناعي، أضافت أكثر من 2300 برنامج جامعي منذ عام 2018، وفقاً لبحث أجرته شركة «ماكرو بولو»، وهي مجموعة بحثية مقرها شيكاغو تدرس الصين.

ووجدت شركة «ماكرو بولو» أنه بحلول عام 2022، جاء ما يقرب من نصف أفضل الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي في العالم من مؤسسات جامعية صينية، مقابل حوالي 18 في المائة من المؤسسات الأمريكية. وبينما لا يزال أغلب هؤلاء الباحثين البارزين يعملون في الولايات المتحدة، فإن عددا متزايدا منهم يعمل في الصين.

وقال داميان ما، مؤسس شركة «ماكرو بولو»: «لقد أنتجت كل هذه المواهب على مدى السنوات القليلة الماضية. يجب أن يذهبوا إلى مكان ما». كما جعلت واشنطن من الصعب على الطلاب الصينيين في مجالات معينة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة، مستشهدة بمخاوف الأمن القومي.

وقال ما: «إذا لم يذهبوا إلى الخارج، فسوف يبدأون بعض الشركات» أو يعملون لصالح شركة صينية.

تعاون المؤسسات الأكاديمية مع الشركات

وقالت مارينا تشانج، أستاذة في جامعة سيدني للتكنولوجيا والتي تدرس الابتكار الصيني، إن الحكومة الصينية ساعدت أيضاً في تعزيز العلاقات الأكثر قوة بين الأوساط الأكاديمية والشركات مقارنة بالغرب. لقد ضخت الأموال في مشاريع البحث وشجعت الأكاديميين على المساهمة في مبادرات الذكاء الاصطناعي الوطنية.

ومع ذلك، فإن مشاركة الحكومة هي أيضاً من أكبر التهديدات المحتملة للابتكار الصيني.

وتبارك بكين قطاع الذكاء الاصطناعي -في الوقت الحالي. ولكن في عام 2020، بعد أن قررت أنها لا تملك سيطرة كبيرة على الشركات الكبرى مثل «علي بابا»، أطلقت حملة صارمة استمرت لسنوات على صناعة التكنولوجيا الصينية. وهنا تحول مؤسس «ديب سيك»، ليانغ وينفينغ، إلى الذكاء الاصطناعي.

الشباب يقودون الذكاء الاصطناعي

قال يانبو وانغ، الأستاذ في جامعة هونغ كونغ والذي يدرس ريادة الأعمال التكنولوجية في الصين، إن الذكاء الاصطناعي كان محمياً إلى حد ما من هجرة الأدمغة حتى الآن، ويرجع ذلك جزئياً إلى بصمته السياسية. وأضاف أنه يتوقع ظهور المزيد من الشركات الناشئة الصينية الناجحة في مجال الذكاء الاصطناعي قريباً، بقيادة الشباب. لكنه أضاف أن من المستحيل أن نقول كيف كان سيبدو مشهد الذكاء الاصطناعي في الصين لو كانت بكين أكثر تسامحاً تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى في السنوات الأخيرة. ويتابع: «إن القدرة التنافسية لا تعتمد فقط على نظام التعليم في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بل تعتمد أيضاً على تعاملها مع المستثمرين من القطاع الخاص ورجال الأعمال والشركات الهادفة إلى الربح».

توظيف العلوم الإنسانية مع علوم الكومبيوتر

قد يعتمد نجاح «ديب سيك» على كيفية اختلافها عن شركات التكنولوجيا الصينية الأخرى بقدر ما يعتمد على كيفية مشاركتها لقوتها. إذ تم تمويلها من الأرباح من صندوق التحوط الأصلي. ولقد وصف ليانغ توظيف خريجي العلوم الإنسانية بالإضافة إلى علماء الكومبيوتر، بروح تعزيز أجواء فكرية حرة.

ومنذ النجاح الباهر الذي حققته شركة «ديب سيك»، حثت بعض الأصوات المزيد من الشركات الصينية على محاكاة نموذجها. وأعلن تعليق عبر الإنترنت من لجنة الحزب الشيوعي في مقاطعة تشجيانغ، حيث يقع مقر شركة «ديب سيك»، عن الحاجة إلى «الثقة في المواهب الشابة» ومنح الشركات الرائدة «سيطرة أكبر على موارد الابتكار».

الابتكار يتفتح من دون تدخل

ولكن أفضل طريقة للصين للاستفادة من قوتها العاملة الطموحة والمتعلمة جيداً في مجال الذكاء الاصطناعي قد تكون أن تتنحى الحكومة جانباً (عن التدخل).

وقال ليانغ في مقابلة أخرى: «يتطلب الابتكار أقل قدر ممكن من التدخل والإدارة. وغالباً ما يأتي الابتكار من تلقاء نفسه، وليس كشيء مخطط له عمداً، ناهيك عن تدريسه».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

50 %

من أفضل الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي في العالم تخرجوا في مؤسسات جامعية صينية، مقابل حوالي 18 % في المؤسسات الأميركية


مقالات ذات صلة

أدوات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم نصائح طبية سيئة

تكنولوجيا دراسة تحذر من استخدام الذكاء الاصطناعي لتشخيص حالات صحية (رويترز)

أدوات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم نصائح طبية سيئة

أظهرت دراسة نُشرت الاثنين أن النصائح الطبية التي تسديها برامج الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي للمستخدمين ليست جيدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد الجلسة الختامية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة حيث تظهر غورغييفا وهي تتحدث إلى الحضور (الشرق الأوسط)

غورغييفا: الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد حاويات مُكدّسة في ميناء كيلونغ بشمال تايوان (أرشيفية - رويترز)

صادرات تايوان في يناير تسجل أسرع نمو شهري منذ 16 عاماً

ارتفعت صادرات تايوان في يناير (كانون الثاني) بأكثر من المتوقع، مسجلة أسرع وتيرة نمو شهرية لها منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.