العيشُ مع العمالقة

سيرة ومذكّرات لعقليْن استثنائييْن

ستيفن واينبرغ
ستيفن واينبرغ
TT

العيشُ مع العمالقة

ستيفن واينبرغ
ستيفن واينبرغ

كان إسحاق نيوتن بارعاً ودقيقاً عندما وظّف بطريقة استعارية مثيرة عبارة كتبها مفكّرٌ قبله بأربعة قرون. كتب نيوتن في إحدى رسائله: «إذا كنتُ رأيتُ أبعد مما يراه آخرون، فذلك لأنّني وقفتُ على أكتاف عمالقة». وقف كثيرون من سليلي العائلة النيوتنية على أكتاف نيوتن بالطبع، ورأوا أبعد مما رآه؛ لكنّ بينهم من لم يكتفِ بالوقوف على أكتاف العمالقة؛ بل كان هو ذاته عملاقاً فيزيائياً بثقافة موسوعية ومعرفة استثنائية. مثلُ هؤلاء عاشوا صحبة العمالقة، وثمّة شواهد تؤكّدُ هذه الصحبة. أظنُّ أنّ باكورة عام 2025 جاءت مبشّرة لي بقراءات مدهشة؛ إذ أتيح لي كتابان يمثلان سيرتين ملهمتين لاثنين من سليلي العائلة النيوتنية الذين يصنعون شواخص مهمّة في علم الحاضر وتقنياته المبهرة، ولا يتغافلون في خضمّ هذه المنجزات عن مساءلة المعضلات الفلسفية والفكرية المقترنة بكلّ انعطافة علمية رئيسية.

روجر بنروز

الكتاب الأوّل هو « الرجل اللامعقول: روجر بنروز وثمنُ العبقرية »

The Impossible Man: Roger Penrose and the Cost of Genius

الكتاب منشور أواخر عام 2024 عن دار نشر «Basic»، ومؤلّفه هو باتشن بارس Patchen Barss، المختص بالصحافة العلمية والأفكار الكبيرة التي غيّرت عالمنا. يكشف لنا عنوان السيرة هذه عن أنّ العبقرية لا تأتي بالمجان، وإنما لها ثمنٌ قد يكون قاسياً أحياناً.

ربما من المفيد هنا أنّ مبحثاً رئيسياً في علم الأعصاب صار يتناول البحث في ظاهرة العبقرية، وبات يعرفُ بـعلم أعصاب العبقرية «Neuroscience of Genius»، وهناك كثير من الكتب في هذا المبحث، ومنها كتاب مهمّ مترجم إلى العربية.

جاءت معرفتي باسم بنروز للمرة الأولى في حياتي عبر بوّابة ستيفن هوكنغ؛ إذ قادني ولعي بهوكنغ -بعد أن استحال أيقونة علمية وإنسانية، وعقب قراءتي لكتابه ذائع الصيت «موجز تأريخ الزمان» بداية تسعينيات القرن الماضي- إلى متابعة كلّ منشوراته العلمية، وحصل بالفعل أن قرأتُ كتاب «فيزياء العقل البشري والعالم من منظورين» الذي ألّفه هوكنغ بالاشتراك مع بنروز وفيلسوف العلم أبنر شيموني، والفيلسوفة نانسي كارترايت، فأعجبتُ بمنهجية بنروز في عرض الأفكار، وبخاصة أنه أبان عن نفسه كائناً معرفياً رفيع الطراز، يسعى لتحقيق نمط خاص من التشبيك (interdisciplinarity) المعرفي بين الجبهات العلمية المتقدّمة.

كتب بنروز لاحقاً كتاباً سمَّاه «عقل الإمبراطور الجديد» (The Emperor’s New Mind) تناول فيه هذا التداخل المعرفي بين الفيزياء الحديثة وموضوعات الوعي والإرادة الحرّة، وميكانيكية عمل الدماغ على المستوى الكمومي الدقيق. هذا الكتاب مترجم إلى العربية، ويستلزم قراءة متطلّبة ومعرفة معقولة بالفيزياء الحديثة.

باتشن بارس

سنعرف عبر قراءة هذه السيرة، أنّ بنروز قدّم مساهمات أساسية في الفيزياء والرياضيات؛ فقد أعاد تفسير نظرية النسبية العامة، للبرهنة على أنّ الثقوب السوداء يمكن أن تنشأ من النجوم المحتضرة، وهذا هو الاكتشاف التقني الذي أهّله لنيل جائزة نوبل.

عمل بنروز (المولود عام 1931) عقوداً عدة أستاذاً متمرّساً (Emeritus) في معهد الرياضيات في جامعة أكسفورد، وعاش حياة متواضعة جعلته يبدو كمن يسعى لتثبيت قدميه في الحياة الأكاديمية كأي باحث مستجد، حتى بعد أن بلغ مرتبة الباحث المتمرّس المعروف على أوسع النطاقات العالمية. من الأمور المعروفة عن بنروز أنه ظلّ يشغلُ في جامعة أكسفورد مكتباً تشاركه مع ستة أساتذة آخرين، ولم يسعَ أبداً للانفراد بمكتب خاص به، وكان في نهاية كلّ يوم دراسي يندفع بسيارته المتواضعة نحو مدرسة ابنه الصغير، لكي يقلّه عائداً به إلى البيت.

حافظ بنروز طيلة حياته المهنية والفكرية على ذلك الشغف الروحي الذي دفعه للتفكّر والبحث في طائفة واسعة من الأسئلة الأساسية: كيف بدأ الكون؟ هل ثمة أبعادٌ أعلى من الأبعاد المعروفة تقليدياً للمكان والزمان؟

عاش بنروز وسط عائلة معروفة بشغف أفرادها بالمعرفة بشتى أشكالها: كان أخو بنروز الأكبر عالم فيزياء نظرية مرموقاً، وزميلاً في الجمعية الملكية البريطانية، أما أخوه الأصغر فقد حصل على بطولة الشطرنج لعموم بريطانيا عشر مرّات (رقم قياسي بالتأكيد)، أما أبوه؛ ففضلاً عن عمله في حقل الوراثة البشرية، كان فناناً محترفاً، مثلما كان إخوته الأربعة فنانين محترفين.

حاز بنروز جائزة نوبل عام 2020، وهو يبلغ اليوم الثالثة والتسعين. سيرته هذه هي نتاجُ سنوات قضاها المؤلف في محاورة بنروز، والاطلاع على أوراقه ومراسلاته وتفصيل حياته الشخصية. سنعرف مثلاً أنّ بنروز لم يكن زوجاً طيباً. تزوّج مرّتين وانتهت الزيجتان بالطلاق، وهو يعيش اليوم في شقته وحيداً يعاني مشاكل صحية في ارتفاع ضغط الدم وضعف البصر وأوجاع المفاصل. يخبِرُنا المؤلّف أنّ بنروز يصنع قهوة تكفيه أسبوعاً كاملاً، ويضعها في الثلاجة، ويكتفي بشربها باردة مع الحليب كلّ صباح، وكثيراً ما أوحت له تشكّلاتُ القشدة المتكثفة على سطح قدح الشاي بالحليب عن أسئلة بشأن مآلات الكون وأنماط نهايته المحتملة!

الكتاب الثاني هو «ستيفن واينبرغ: حياة في الفيزياء»

Steven Weinberg: A Life in Physics

وهذا الكتاب ليس سيرة؛ بل هو جزء أوّل من مذكّرات كتبها واينبرغ نفسه، ونشرتها جامعة كامبردج مع مطلع عام 2025. ويتشارك واينبرغ مع بنروز حصوله على نوبل الفيزياء عام 1979، بالمشاركة مع آخرين، لعمله في ميدان أساسي في الفيزياء، تتوّج بما يُعرَفُ بالموديل المعياري في فيزياء الجسيمات الأولية (The Standard Model of Particle Physics)؛ ذلك النموذج الذي لم يزل فاعلاً وميدان مباحث كثيرة.. تغطّي هذه المذكّرات الفترة من البدايات الأولى لحياة واينبرغ حتى نهاية القرن العشرين، وسيحتوي الجزء الثاني على مذكّرات واينبرغ في القرن الحادي والعشرين. من المثير أن ندقّق في التقديم المختصر لواينبرغ لهذه المذّكرات، أنّه كتب التقديم بتأريخ 2 يونيو (حزيران) 2021، ثم حصل أن توفّي بتأريخ 21 يوليو (تموز) 2021. أشارت ملاحظة لجهة النشر (جامعة كامبردج) إلى أنّ زوجة واينبرغ التي تعمل أستاذة للقانون في جامعة تكساس ستتكفّل بترتيب وإعداد مواد الجزء الثاني، كما نوّهت بأنّ هناك سيرة وافية لواينبرغ ستُنشرُ في وقت لاحق، بعد إكمالها من جانب مؤلفها غراهام فارميلو Graham Farmelo، الذي كتب سيراً عديدة لفيزيائيين كبار، أهمّهم بول ديراك Paul Dirac.اعتمد واينبرغ في مذكّراته أسلوب الفصول القصيرة التي تتناول موضوعة رئيسية واحدة، يمكن اختصارها في كلمة واحدة أو كلمتين. نقرأ مثلاً عناوين بعض الفصول: أشياء أولى، الانعطاف نحو العلم، كورنل، كوبنهاغن، برينستون، مانهاتن، بيركلي... هذا التكنيك في سرد المذكّرات جذّاب، ويدفع القارئ للتركيز والمضي في القراءة بفهم ودقّة ورغبة في الاستزادة، من غير الضياع في متاهة الزمن والوقائع الكثيرة المتداخلة.

كتب واينبرغ -مثلما فعل بنروز- كتباً عدّة أهّلته ليكون أحد الأحفاد الخُلّص للعائلة النيوتنية؛ لكنّ عبقريته تتمايز نوعياً عن عبقرية بنروز. يبدو بنروز شخصية أفلاطونية معاصرة، منكفئاً في عالمه المصمم بصرامة داخل نطاق عقله التوّاق للترحّل بين الأبعاد الهندسية المتعدّدة؛ في حين أنّ واينبرغ قضى حياته أكثر انشغالاً بموضوعات العلم والسياسة العلمية، وتاريخ العلم والأفكار الفلسفية المتّصلة به.

يبدو بنروز شخصية أفلاطونية معاصرة، منكفئاً في عالمه المصمم بصرامة داخل نطاق عقله... في حين أنّ واينبرغ قضى حياته أكثر انشغالاً بموضوعات العلم والسياسة العلمية

عرف معظمنا واينبرغ قبل معرفتهم ببنروز بسنوات عدة، تمتدُّ إلى أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، عبر كتابه المترجم إلى العربية، حول البحث عن نظرية نهائية (Final Theory) في الفيزياء، ثمّ صار اسماً شائعاً في الأخبار، عبر تعضيده ومشاركته في مبادرة الدفاع الفضائي التي أعلنها الرئيس ريغان في بداية ثمانينيات القرن الماضي، ثمّ دافع بضراوة عن مشروع المصادم الهادروني الفائق الذي يتفوّق على مصادم سيرن قرب جنيف، وكان من المفترض إنشاؤه في تكساس؛ لكنّ الكونغرس الأميركي أجهض المشروع بسبب تكلفته الهائلة. بدا واينبرغ وهو يدافع عن فكرة المشروع أمام لجنة الكونغرس للعلوم والتقنية مثل «زيوس» كبير آلهة الإغريق، وتصلح أطروحته إعلاناً للأهمية الاستراتيجية للعلم والتقنية في تشكيل السياسات المعاصرة.

يتشارك مَن اعتاد صحبة العمالقة خصيصتين اثنتين: التواضع، والنزاهة. أذكر في كتاب واينبرغ المنشور عام 2015 بعنوان «فهمُ العالم To Explain the world» الذي تناول فيه تاريخ العلم الحديث، أنّه أفرد فصلاً كاملاً (الفصل التاسع) للحديث عن منجزات العرب في حقل الفيزياء، وضمّن الكتاب ملحقاً بديعاً يحوي رسومات وتصاميم لآلات ابتدعها علماء عرب مرموقون.

نقول في مأثوراتنا العرفانية: «كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة». أظنّ الأمر مماثلاً مع العبقرية الحقيقية: كلّما اتّسعت مضامير العبقرية ناء بها صاحبها. ليست العبقرية في النهاية سلسلة من حفلات الشاي والتكريم وجوائز نوبل؛ بل إن لها أثقالها ومفاعيلها التي قد لا يعرفها سوى من ينوء بحملها (لا يعرف الشوق إلا مَنْ يكابده). أعتقد أنّ الوظيفة الأولى لمِثْلِ السِّيَر والمذكّرات السابقة ونظائرها، أنها تفيد في إطلاعنا على بعض التفاصيل المخبوءة وغير السعيدة في حياة عباقرة من طراز بنروز وواينبرغ، وتصحيح وجهات نظرنا المسبّقة عنها، والتي غالباً ما تكون من نسج خيالنا ومُجانِبَةً للحقيقة.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً