أسبوع الأزياء الراقية لربيع وصيف 2025 وتصاميم تسعى لاختراق حدود الإبداع

مدارس مختلفة وأهداف واحدة

نجح فريق العمل في دار «شانيل» الجمع بين الشبابية والأناقة (رويترز)
نجح فريق العمل في دار «شانيل» الجمع بين الشبابية والأناقة (رويترز)
TT

أسبوع الأزياء الراقية لربيع وصيف 2025 وتصاميم تسعى لاختراق حدود الإبداع

نجح فريق العمل في دار «شانيل» الجمع بين الشبابية والأناقة (رويترز)
نجح فريق العمل في دار «شانيل» الجمع بين الشبابية والأناقة (رويترز)

المتابع العادي لموسم الأزياء الراقية، المعروف بالـ«هوت كوتور»، قد يرى الاقتراحات التي تطرح خلاله سريالية لا تمتُّ إلى الواقع بصلة. غالبيتهم يستهجنونها وينعتون من يرغبن فيها ويصرفن عليها مبالغ طائلة، بالجنون. لكن في هذا الجنون تكمن كل الفنون بالنسبة لعاشقات هذا الخط. لا يبخلن على قطعة واحدة منه بمئات الآلاف من الدولارات. فهي لهن أكثر من مجرد أزياء. تختلف موادها وخاماتها لكنها فن قائم بذاته لا يُقدر بثمن. المصمم المخضرم جيورجيو أرماني لخَّص هذا الموسم عندما قال بعد عرضه الأخير في باريس: «الهوت كوتور هو عالم ترتقي فيه الموضة لتصبح فناً». دانيل روزبيري، مصمم دار «سكاباريللي» وافقه الرأي قائلاً إنه في هذا الخط: «يطمح للوصول إلى آفاق عالية؛ إن الـ(هوت كوتور) وعد بالهروب من واقعنا المعقَّد. كما أنه يُذكرنا بأن الكمال يأتي بثمن». ثم يتساءل: «إلى أي مدى يمكننا، نحن مصممي الأزياء الراقية، أن نصل؟ قد نصل إلى أقصى ما تسمح لنا به الشمس. فهذا الخط يسعى نحو الكمال. كل موسم قد نشعر فيه كأنه صراع شبيه بحكاية خيالية للوصول إلى مستوى مثالي من حيث التنفيذ والرؤية».

ويبدو أن الأغلبية يوافقونهما الرأي. في معظم العروض تحوَّلت العارضات إما إلى منحوتات وإما إلى أشكال معمارية متحركة. استعرضوا أفكاراً غلبت عليها جُرأة خفَّ مراسها في المواسم الماضية لعدة أسباب. فبعد أن كان هذا الخط فرصة للمصممين للغوص في الجانب الإبداعي واختبار الأفكار من دون قيد أو شرط، تحوَّل لفترة، تحت إملاءات المجموعات الضخمة ومتطلبات المساهمين والأسواق الجديدة، إلى تجارة يُفترض فيها تحقيق الأرباح. كادت تفقد روحها التواقة للتحليق إلى مستويات أعلى من الأزياء الجاهزة، لولا إصرار بعض المصممين ونجاحهم في إثبات أن عنصر جاذبيتها وإقبال شرائح الثريات والمتذوقات على كل ما هو فريد يكمن غالباً في فانتازيتها الفنية.

انطلق دانيل روزبيري من أشرطة صاغها في أشكال فنية مختلفة (سكاباريللي)

«سكاباريللي»

دانيال روزبيري، مصمم «سكاباريللي» كان أول من افتتح أسبوع الموضة الراقية في باريس. اختار «إيكاروس» عنواناً لتشكيلته، في إشارة إلى بطل الأسطورة الإغريقية، الذي حلَّق قريباً من الشمس بجناحين من ريش وشمع. بهذا العنوان وحتى قبل أن يقدم المصمم اقتراحاته، جعل مجموعة من الأسئلة تتبادر إلى الذهن: إلى أي مدى يمكن أن يُحلِّق المصمم بخياله من أجل الإبداع؟ ومتى تكون هذه العملية واقعية ومدروسة ومتى تكون «دونكيشوتية»؟ والأهم من هذا ما الخيط الرفيع الذي يفصل إطلاق العنان للخيال والشطح به؟

ما يُحسب لروزبيري أنه من بين قلائل ظلوا أوفياء لشخصية موسم الـ«هوت كوتور»، بما في ذلك الجانب الذي يراه البعض سريالياً جانحاً إلى الفانتازيا والابتعاد عن الواقع، وفي الوقت ذاته وفياً لجينات الدار التي التحق بها في عام 2019. كانت مؤسستها إلسا سكاباريللي عاشقة للفن. جعلته الأساس الذي بنت عليه سمعتها، ولم تُغيِّر تفكيرها أو أسلوبها لمجاراة السوق حتى بعد أن جارت عليها الأيام ووصل بها الحال إلى إعلان الإفلاس. المقارنة بين إيكاروس وروزبيري اقتصرت على التحليق إلى أعلى الدرجات. فنهاية الأول كانت تراجيدية، بينما نجح روزبيري في إحياء اسم المؤسسة وفي الوقت ذاته مفهوم الـ«هوت كوتور» وسيلةً فنية للإبداع.

كانت مصممة «ديور» أكثر جرأة ووضوحاً برؤيتها في هذه التشكيلة (أ.ف.ب)

«ديور»

كان عرضاً مختلفاً ذلك الذي قدمته ماريا غراتزيا تشيوري لدار «ديور». في رؤيتها جرأة ووضوح أكبر مما عوَّدتنا عليه، كأنها تتعمَّد أن تُعلن عن جانب إبداعي نوَّمته سابقاً عن قصد لتلبية متطلبات مجموعة «إل في إم إتش» المالكة للدار، ومتطلبات أسواق ترغب في تصاميم يسهل بيعها. لم يعد لها ما تخسره أو تخاف عليه، إذا صدقت الشائعات بأن جوناثان أندرسون، مصمم دار «لويفي»، مرشح بقوة ليتسلم منها المشعل قريباً، ويقود الدار الفرنسية إلى مرحلة جديدة، فإن هذه ستكون آخر تشكيلة «هوت كوتور» بتوقيعها لـ«ديور».

هذا قد يُفسِر جرأتها في اختبار أشكال وأحجام جديدة. تقول الدار في بيانها الصحافي إنها تشكيلة وُلدت من رحم «مواضيع جوهريَّة متجذِّرة في ذاكرة الأزياء، مستلهمة من روح الإبداع الذي ترك بصمة فريدة في القرون السابقة، مُتجاوزةً الحدود التقليدية بين الماضي والمستقبل، لتأخذنا إلى بُعد مستقل يعكس جوهر الموضة بحدِّ ذاتها وفكرة التحوّل المُتأصّلة فيها». ترجمة هذا القول إنها عادت إلى أرشيف الدار تستقي منه، وتستكشف جوانب جديدة لواقع موازٍ. مثل أليس عندما دخلت عالم العجائب، أثار الفضول ماريا غراتزيا لاستكشاف عالم تهيمن عليه تحوُّلات كثيرة وتتجلى فيه أحلام أساسها الدهشة والإبهار. وهكذا التقطت خيوطاً قديمة أبرزتها بشكل عصري.

أعادت مثلا التنورة المنتفخة «كرينولين» التي أبدعها السيد كريستيان ديور في منتصف القرن الماضي بنسخة فنية تأخذ فيها شكل قفص مهتز يكشف عن فروع مُطرَّزة تتمدَّد وتموج مع كل حركة، بينما تُضفي الأسلاك الداخلية دعماً خفياً يعزز جمال البلوزات المزينة هي الأخرى بتطريزات تجسد أزهاراً.

أما تصميم «سيغال» Cigale، الذي ابتكره السيد «ديور» لمجموعة الأزياء الراقية لخريف وشتاء 1952-1953، والمكون من تنّورة مُنسَّقة مع سترة ضيّقة تُبرز التباين الجريء في الأبعاد والأحجام، فكانت أيضاً من بين العناصر التي استعملتها ماريا غراتزيا بطريقتها.

نجح فريق العمل في دار «شانيل» الجمع بين الشبابية والأناقة (رويترز)

«شانيل»

يوم الثلاثاء الماضي، كان الموعد صباحاً مع «شانيل». عادت إلى مقرها الرئيسي السابق، لو «غران باليه» بعد ترميمه. بالداخل استحوذت عليه تماماً، بأن جعلت شعارها الخاص والمميز بحرفَي «C» المتشابكَين العنصر الأساسي في الديكور والمنصة التي تهادت العارضات حولها.

كانت «شانيل» قد أعلنت حديثاً تعيين ماثيو بلايزي مصمماً جديداً لها. بما أن القرار اتُّخذ منذ فترة قصيرة جداً، فإن مهمة تصميم هذه المجموعة أُنيطت بفريق الإبداع في الدار على أن يقدم المصمم الجديد اقتراحاته في موسم الـ«هوت كوتور» المقبل. والنتيجة أن الفريق لم يُبدع لكنه أدى المهمة على أحسن وجه، معتمداً على التنوع الذي تتمتع به الدار كما على ضخ أيقوناتها، مثل تايورات التويد والفساتين الناعمة بروح شبابية.

بدأ العرض بمجموعة من التايورات بأكتاف عريضة وبارزة، تباينت ألوانها بين الدرجات الهادئة والمشرقة، وانتهى بمجموعة فساتين للمساء والسهرة طبعتها ألوان الأزرق بدرجاته، إلى جانب الأحمر وطبعاً الأسود والأبيض. كانت لوحة مرحة تلمع أحياناً، مما جعلها مختلفة عمَّا ساد في باقي العروض من ألوان حيادية وداكنة.

أما أكثر ما يُحسب لفريق العمل، فنجاحهم في إضفاء ديناميكية مفعمة بروح الشباب على كل التصاميم، من حيث طول التنورات، التي جاءت نسبة عالية منها قصيرة فوق الركبة، وكذلك من حيث التصاميم المحددة التي كان الهدف منها إبراز رشاقة صاحبتها. حتى فستان العروس لم يُستثنَ من هذه العملية. كان قصيراً بكشاكش وذيل وسترة تويد مزينة بالترتر.

ظهرت العارضات في عرض ستيفان رولان كأنهن منحوتات متحركة (أ.ف.ب)

سيتفان رولان

ستيفان رولان كان واحداً ممن عانقوا الجانب الفني بحرارة. فهذه عادته. صمم كل قطعة كأنها منحوتة أغدق عليها بالريش وتفنن في طياتها المتعددة، ليزيدها إبهاراً مطعَّماً ببعض الشقاوة. مع كل إطلالة تتعالى نظرات الإعجاب والعجب. يبقى الإعجاب ويتبدد العجب عندما يشرح أنه استلهم هذه التشكيلة من جوزيفين بايكر ومن كونستانتان برانكوزي.

الأولى كانت راقصة ومغنية أميركية من أصل أفريقي تشتهر بجرأة سابقة لأوانها. والثاني فنان تشكيلي ومصور روماني استقر في باريس وكان أول مَن بادر بتحديث فن النحت، بحيث تعد أعماله نقطة تحول فاصلة بين النحت الكلاسيكي والمعاصر.

التقط رولان القاسم المشترك بين بايكر وبرانكوزي، ألا وهو التحديث والخروج عن المألوف، واستلهم من مرونة جوزفين أشكالاً ملتوية بانحناءات وطيَّات يسهل على المرأة أن تتحرك فيها، ومن الفنان برانكوزي أشكالاً هندسية تعانق الجسم، لكن بالرغم من بنائها القوي تتمتع بليونة وطواعية لا تُخطئها العين.

هذا المزج جعل العرض يبدو كأنه استعراض لسلسلة من اللوحات الفنية مرسومة بالحرير والأورغانزا مع تطريزات اعتمد فيها على أحجار الكريستال والعاج وثنيات فنية، تلتوي وتتحرك مع كل خطوة لتُذكِّر بجوزفين بايكر وهي تؤدي رقصاتها الجريئة. حتى الريش الذي كانت تتزين به وأصبح لصيقاً بها ظهر وكان لافتاً في الفستان الأبيض الذي اختتمت به العارضة الكندية كوكو روشا العرض.

تصميم يستحضر ماري أنطوانيت في عرض أليساندرو ميكيلي لدار «فالنتينو» (فالنتينو)

أليساندرو ميكيلي لـ«فالنتينو»

كان الكل يترقب عرض أليساندرو ميكيلي لدار «فالنتينو». فعدا أنه أول عرض سيقدمه للدار من هذا الخط، فإن المصمم معروف بجنوحه إلى المبالغة في التطريز ومزج المتناقضات وشغفه بجمع الفينتاج بالحداثي. من هذا المنظور فإن موسم الـ«هوت كوتور» فُرصته ليصول ويجول كما يريد. وهذا ما فعله من خلال تشكيلة «Vertigineux» ومعناها «دوار». عنوان أراده أن يعكس دورة الحياة وكيف أن الماضي جزء من الحاضر ترسخه الذكريات والكتب والصور والفهارس والمتاحف والأفلام السينمائية. وإذا انتابك أي التباس حول فكرته هذه، شرحها قائلاً إن أي فستان يتعدى دوره المادي ليصبح مع الزمن «بمنزلة قاموس يحفظ الذكريات أو أرشيف سردي، يتضمن تركيبات مستوحاة من ثقافات بعيدة وأجواء مختلفة وحكايات من الماضي لا تزال تتردد أصداؤها في الحاضر».

ولأن دوران الزمن كان محوراً أساسياً في تشكيلة المصمم الإيطالي، فقد استعان بعارضات فوق الخمسين والستين من العمر، في إشارةٍ إلى أن الزمن جزء من دورة الحياة «لا يؤثر بل يزيد قوة وجمالاً».

ثمانية وأربعون فستاناً، كل واحد منها يمثّل شخصية وحقبة زمنية وحكاية، منه ما استحضر صورة مهرج في سيرك ومنه ما استحضر ماري أنطوانيت. هذا التنوع أدى إلى تشتيت يصيب الناظر بالدوران. نعم كان غنياً بالأفكار الفلسفية والألوان الغنية والتصاميم المعقدة، إلا أنه بالنسبة لامرأة ترغب في قطعة فنية تتباهى بها وتتحرك فيها بسهولة، يحتاج إلى وقفة تفكير تتعدى الفلسفي والسردي.

تشكيلة «أرماني بريفيه» كانت غنية بالتطريز والتفاصيل الأنيقة (جيورجيو أرماني)

«أرماني بريفيه»

أمر يعرفه المخضرم جيورجيو أرماني، الذي يحتفل بمرور 20 عاماً على إطلاق خطه الخاص بالـ«هوت كوتور»، ولم يُغير فيها المصمم جلده أو قناعته بأهمية الحرفية وأن الأساس هو التفصيل الذي لا يُعلى عليه. وصفته أيضاً تطويع الأقمشة لتشكيل تصاميم مبتكرة تحتفي دائماً بأنوثة المرأة برقيّ.

أطلق على هذه المجموعة اسم «Lumières»، أي «أضواء»، وسلَّط فيها الأضواء على مسيرة عمرها 20 عاماً، من خلال نحو 93 إطلالة تأخذنا في رحلة ممتعة تُذكِّرنا بأن منابع استلهامه كثيرة، منها: الصين والطبيعة البولينزية، والهند بأبَّهتها وفخامتها، واليابان بحداثة خطوطها، وشمال أفريقيا بدفئها ونخيلها.

ورغم ذلك ظل أسلوبه واحداً لم يتغير، من باب قناعته أن ما بُني على جينات «أصيلة» لا يحتاج إلى تغيير.


مقالات ذات صلة

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

لمسات الموضة بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

قطعة واحدة مصوغة بشكل لافت وحجم كبير يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.