أسبوع الأزياء الراقية لربيع وصيف 2025 وتصاميم تسعى لاختراق حدود الإبداع

مدارس مختلفة وأهداف واحدة

نجح فريق العمل في دار «شانيل» الجمع بين الشبابية والأناقة (رويترز)
نجح فريق العمل في دار «شانيل» الجمع بين الشبابية والأناقة (رويترز)
TT

أسبوع الأزياء الراقية لربيع وصيف 2025 وتصاميم تسعى لاختراق حدود الإبداع

نجح فريق العمل في دار «شانيل» الجمع بين الشبابية والأناقة (رويترز)
نجح فريق العمل في دار «شانيل» الجمع بين الشبابية والأناقة (رويترز)

المتابع العادي لموسم الأزياء الراقية، المعروف بالـ«هوت كوتور»، قد يرى الاقتراحات التي تطرح خلاله سريالية لا تمتُّ إلى الواقع بصلة. غالبيتهم يستهجنونها وينعتون من يرغبن فيها ويصرفن عليها مبالغ طائلة، بالجنون. لكن في هذا الجنون تكمن كل الفنون بالنسبة لعاشقات هذا الخط. لا يبخلن على قطعة واحدة منه بمئات الآلاف من الدولارات. فهي لهن أكثر من مجرد أزياء. تختلف موادها وخاماتها لكنها فن قائم بذاته لا يُقدر بثمن. المصمم المخضرم جيورجيو أرماني لخَّص هذا الموسم عندما قال بعد عرضه الأخير في باريس: «الهوت كوتور هو عالم ترتقي فيه الموضة لتصبح فناً». دانيل روزبيري، مصمم دار «سكاباريللي» وافقه الرأي قائلاً إنه في هذا الخط: «يطمح للوصول إلى آفاق عالية؛ إن الـ(هوت كوتور) وعد بالهروب من واقعنا المعقَّد. كما أنه يُذكرنا بأن الكمال يأتي بثمن». ثم يتساءل: «إلى أي مدى يمكننا، نحن مصممي الأزياء الراقية، أن نصل؟ قد نصل إلى أقصى ما تسمح لنا به الشمس. فهذا الخط يسعى نحو الكمال. كل موسم قد نشعر فيه كأنه صراع شبيه بحكاية خيالية للوصول إلى مستوى مثالي من حيث التنفيذ والرؤية».

ويبدو أن الأغلبية يوافقونهما الرأي. في معظم العروض تحوَّلت العارضات إما إلى منحوتات وإما إلى أشكال معمارية متحركة. استعرضوا أفكاراً غلبت عليها جُرأة خفَّ مراسها في المواسم الماضية لعدة أسباب. فبعد أن كان هذا الخط فرصة للمصممين للغوص في الجانب الإبداعي واختبار الأفكار من دون قيد أو شرط، تحوَّل لفترة، تحت إملاءات المجموعات الضخمة ومتطلبات المساهمين والأسواق الجديدة، إلى تجارة يُفترض فيها تحقيق الأرباح. كادت تفقد روحها التواقة للتحليق إلى مستويات أعلى من الأزياء الجاهزة، لولا إصرار بعض المصممين ونجاحهم في إثبات أن عنصر جاذبيتها وإقبال شرائح الثريات والمتذوقات على كل ما هو فريد يكمن غالباً في فانتازيتها الفنية.

انطلق دانيل روزبيري من أشرطة صاغها في أشكال فنية مختلفة (سكاباريللي)

«سكاباريللي»

دانيال روزبيري، مصمم «سكاباريللي» كان أول من افتتح أسبوع الموضة الراقية في باريس. اختار «إيكاروس» عنواناً لتشكيلته، في إشارة إلى بطل الأسطورة الإغريقية، الذي حلَّق قريباً من الشمس بجناحين من ريش وشمع. بهذا العنوان وحتى قبل أن يقدم المصمم اقتراحاته، جعل مجموعة من الأسئلة تتبادر إلى الذهن: إلى أي مدى يمكن أن يُحلِّق المصمم بخياله من أجل الإبداع؟ ومتى تكون هذه العملية واقعية ومدروسة ومتى تكون «دونكيشوتية»؟ والأهم من هذا ما الخيط الرفيع الذي يفصل إطلاق العنان للخيال والشطح به؟

ما يُحسب لروزبيري أنه من بين قلائل ظلوا أوفياء لشخصية موسم الـ«هوت كوتور»، بما في ذلك الجانب الذي يراه البعض سريالياً جانحاً إلى الفانتازيا والابتعاد عن الواقع، وفي الوقت ذاته وفياً لجينات الدار التي التحق بها في عام 2019. كانت مؤسستها إلسا سكاباريللي عاشقة للفن. جعلته الأساس الذي بنت عليه سمعتها، ولم تُغيِّر تفكيرها أو أسلوبها لمجاراة السوق حتى بعد أن جارت عليها الأيام ووصل بها الحال إلى إعلان الإفلاس. المقارنة بين إيكاروس وروزبيري اقتصرت على التحليق إلى أعلى الدرجات. فنهاية الأول كانت تراجيدية، بينما نجح روزبيري في إحياء اسم المؤسسة وفي الوقت ذاته مفهوم الـ«هوت كوتور» وسيلةً فنية للإبداع.

كانت مصممة «ديور» أكثر جرأة ووضوحاً برؤيتها في هذه التشكيلة (أ.ف.ب)

«ديور»

كان عرضاً مختلفاً ذلك الذي قدمته ماريا غراتزيا تشيوري لدار «ديور». في رؤيتها جرأة ووضوح أكبر مما عوَّدتنا عليه، كأنها تتعمَّد أن تُعلن عن جانب إبداعي نوَّمته سابقاً عن قصد لتلبية متطلبات مجموعة «إل في إم إتش» المالكة للدار، ومتطلبات أسواق ترغب في تصاميم يسهل بيعها. لم يعد لها ما تخسره أو تخاف عليه، إذا صدقت الشائعات بأن جوناثان أندرسون، مصمم دار «لويفي»، مرشح بقوة ليتسلم منها المشعل قريباً، ويقود الدار الفرنسية إلى مرحلة جديدة، فإن هذه ستكون آخر تشكيلة «هوت كوتور» بتوقيعها لـ«ديور».

هذا قد يُفسِر جرأتها في اختبار أشكال وأحجام جديدة. تقول الدار في بيانها الصحافي إنها تشكيلة وُلدت من رحم «مواضيع جوهريَّة متجذِّرة في ذاكرة الأزياء، مستلهمة من روح الإبداع الذي ترك بصمة فريدة في القرون السابقة، مُتجاوزةً الحدود التقليدية بين الماضي والمستقبل، لتأخذنا إلى بُعد مستقل يعكس جوهر الموضة بحدِّ ذاتها وفكرة التحوّل المُتأصّلة فيها». ترجمة هذا القول إنها عادت إلى أرشيف الدار تستقي منه، وتستكشف جوانب جديدة لواقع موازٍ. مثل أليس عندما دخلت عالم العجائب، أثار الفضول ماريا غراتزيا لاستكشاف عالم تهيمن عليه تحوُّلات كثيرة وتتجلى فيه أحلام أساسها الدهشة والإبهار. وهكذا التقطت خيوطاً قديمة أبرزتها بشكل عصري.

أعادت مثلا التنورة المنتفخة «كرينولين» التي أبدعها السيد كريستيان ديور في منتصف القرن الماضي بنسخة فنية تأخذ فيها شكل قفص مهتز يكشف عن فروع مُطرَّزة تتمدَّد وتموج مع كل حركة، بينما تُضفي الأسلاك الداخلية دعماً خفياً يعزز جمال البلوزات المزينة هي الأخرى بتطريزات تجسد أزهاراً.

أما تصميم «سيغال» Cigale، الذي ابتكره السيد «ديور» لمجموعة الأزياء الراقية لخريف وشتاء 1952-1953، والمكون من تنّورة مُنسَّقة مع سترة ضيّقة تُبرز التباين الجريء في الأبعاد والأحجام، فكانت أيضاً من بين العناصر التي استعملتها ماريا غراتزيا بطريقتها.

نجح فريق العمل في دار «شانيل» الجمع بين الشبابية والأناقة (رويترز)

«شانيل»

يوم الثلاثاء الماضي، كان الموعد صباحاً مع «شانيل». عادت إلى مقرها الرئيسي السابق، لو «غران باليه» بعد ترميمه. بالداخل استحوذت عليه تماماً، بأن جعلت شعارها الخاص والمميز بحرفَي «C» المتشابكَين العنصر الأساسي في الديكور والمنصة التي تهادت العارضات حولها.

كانت «شانيل» قد أعلنت حديثاً تعيين ماثيو بلايزي مصمماً جديداً لها. بما أن القرار اتُّخذ منذ فترة قصيرة جداً، فإن مهمة تصميم هذه المجموعة أُنيطت بفريق الإبداع في الدار على أن يقدم المصمم الجديد اقتراحاته في موسم الـ«هوت كوتور» المقبل. والنتيجة أن الفريق لم يُبدع لكنه أدى المهمة على أحسن وجه، معتمداً على التنوع الذي تتمتع به الدار كما على ضخ أيقوناتها، مثل تايورات التويد والفساتين الناعمة بروح شبابية.

بدأ العرض بمجموعة من التايورات بأكتاف عريضة وبارزة، تباينت ألوانها بين الدرجات الهادئة والمشرقة، وانتهى بمجموعة فساتين للمساء والسهرة طبعتها ألوان الأزرق بدرجاته، إلى جانب الأحمر وطبعاً الأسود والأبيض. كانت لوحة مرحة تلمع أحياناً، مما جعلها مختلفة عمَّا ساد في باقي العروض من ألوان حيادية وداكنة.

أما أكثر ما يُحسب لفريق العمل، فنجاحهم في إضفاء ديناميكية مفعمة بروح الشباب على كل التصاميم، من حيث طول التنورات، التي جاءت نسبة عالية منها قصيرة فوق الركبة، وكذلك من حيث التصاميم المحددة التي كان الهدف منها إبراز رشاقة صاحبتها. حتى فستان العروس لم يُستثنَ من هذه العملية. كان قصيراً بكشاكش وذيل وسترة تويد مزينة بالترتر.

ظهرت العارضات في عرض ستيفان رولان كأنهن منحوتات متحركة (أ.ف.ب)

سيتفان رولان

ستيفان رولان كان واحداً ممن عانقوا الجانب الفني بحرارة. فهذه عادته. صمم كل قطعة كأنها منحوتة أغدق عليها بالريش وتفنن في طياتها المتعددة، ليزيدها إبهاراً مطعَّماً ببعض الشقاوة. مع كل إطلالة تتعالى نظرات الإعجاب والعجب. يبقى الإعجاب ويتبدد العجب عندما يشرح أنه استلهم هذه التشكيلة من جوزيفين بايكر ومن كونستانتان برانكوزي.

الأولى كانت راقصة ومغنية أميركية من أصل أفريقي تشتهر بجرأة سابقة لأوانها. والثاني فنان تشكيلي ومصور روماني استقر في باريس وكان أول مَن بادر بتحديث فن النحت، بحيث تعد أعماله نقطة تحول فاصلة بين النحت الكلاسيكي والمعاصر.

التقط رولان القاسم المشترك بين بايكر وبرانكوزي، ألا وهو التحديث والخروج عن المألوف، واستلهم من مرونة جوزفين أشكالاً ملتوية بانحناءات وطيَّات يسهل على المرأة أن تتحرك فيها، ومن الفنان برانكوزي أشكالاً هندسية تعانق الجسم، لكن بالرغم من بنائها القوي تتمتع بليونة وطواعية لا تُخطئها العين.

هذا المزج جعل العرض يبدو كأنه استعراض لسلسلة من اللوحات الفنية مرسومة بالحرير والأورغانزا مع تطريزات اعتمد فيها على أحجار الكريستال والعاج وثنيات فنية، تلتوي وتتحرك مع كل خطوة لتُذكِّر بجوزفين بايكر وهي تؤدي رقصاتها الجريئة. حتى الريش الذي كانت تتزين به وأصبح لصيقاً بها ظهر وكان لافتاً في الفستان الأبيض الذي اختتمت به العارضة الكندية كوكو روشا العرض.

تصميم يستحضر ماري أنطوانيت في عرض أليساندرو ميكيلي لدار «فالنتينو» (فالنتينو)

أليساندرو ميكيلي لـ«فالنتينو»

كان الكل يترقب عرض أليساندرو ميكيلي لدار «فالنتينو». فعدا أنه أول عرض سيقدمه للدار من هذا الخط، فإن المصمم معروف بجنوحه إلى المبالغة في التطريز ومزج المتناقضات وشغفه بجمع الفينتاج بالحداثي. من هذا المنظور فإن موسم الـ«هوت كوتور» فُرصته ليصول ويجول كما يريد. وهذا ما فعله من خلال تشكيلة «Vertigineux» ومعناها «دوار». عنوان أراده أن يعكس دورة الحياة وكيف أن الماضي جزء من الحاضر ترسخه الذكريات والكتب والصور والفهارس والمتاحف والأفلام السينمائية. وإذا انتابك أي التباس حول فكرته هذه، شرحها قائلاً إن أي فستان يتعدى دوره المادي ليصبح مع الزمن «بمنزلة قاموس يحفظ الذكريات أو أرشيف سردي، يتضمن تركيبات مستوحاة من ثقافات بعيدة وأجواء مختلفة وحكايات من الماضي لا تزال تتردد أصداؤها في الحاضر».

ولأن دوران الزمن كان محوراً أساسياً في تشكيلة المصمم الإيطالي، فقد استعان بعارضات فوق الخمسين والستين من العمر، في إشارةٍ إلى أن الزمن جزء من دورة الحياة «لا يؤثر بل يزيد قوة وجمالاً».

ثمانية وأربعون فستاناً، كل واحد منها يمثّل شخصية وحقبة زمنية وحكاية، منه ما استحضر صورة مهرج في سيرك ومنه ما استحضر ماري أنطوانيت. هذا التنوع أدى إلى تشتيت يصيب الناظر بالدوران. نعم كان غنياً بالأفكار الفلسفية والألوان الغنية والتصاميم المعقدة، إلا أنه بالنسبة لامرأة ترغب في قطعة فنية تتباهى بها وتتحرك فيها بسهولة، يحتاج إلى وقفة تفكير تتعدى الفلسفي والسردي.

تشكيلة «أرماني بريفيه» كانت غنية بالتطريز والتفاصيل الأنيقة (جيورجيو أرماني)

«أرماني بريفيه»

أمر يعرفه المخضرم جيورجيو أرماني، الذي يحتفل بمرور 20 عاماً على إطلاق خطه الخاص بالـ«هوت كوتور»، ولم يُغير فيها المصمم جلده أو قناعته بأهمية الحرفية وأن الأساس هو التفصيل الذي لا يُعلى عليه. وصفته أيضاً تطويع الأقمشة لتشكيل تصاميم مبتكرة تحتفي دائماً بأنوثة المرأة برقيّ.

أطلق على هذه المجموعة اسم «Lumières»، أي «أضواء»، وسلَّط فيها الأضواء على مسيرة عمرها 20 عاماً، من خلال نحو 93 إطلالة تأخذنا في رحلة ممتعة تُذكِّرنا بأن منابع استلهامه كثيرة، منها: الصين والطبيعة البولينزية، والهند بأبَّهتها وفخامتها، واليابان بحداثة خطوطها، وشمال أفريقيا بدفئها ونخيلها.

ورغم ذلك ظل أسلوبه واحداً لم يتغير، من باب قناعته أن ما بُني على جينات «أصيلة» لا يحتاج إلى تغيير.


مقالات ذات صلة

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

لمسات الموضة هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.