التنوع الثقافي وصناعاته المهملة عربياً

المعرفة بأبعادها المختلفة أصبحت ذات طبيعة وظيفية

،  "تيشاينتاون
بلندن
، "تيشاينتاون بلندن
TT

التنوع الثقافي وصناعاته المهملة عربياً

،  "تيشاينتاون
بلندن
، "تيشاينتاون بلندن

يتحدد مفهوم التنوع الثقافي - وفق أدبيات اليونيسكو - بتنوع ثقافات المجتمع المختلفة، وحق مكوناته في التعبير المختلف. وفي هذا ما يبعث الحيوية في المجتمع ويجدد هويته الثقافية.

هذا ما يؤكد عليه الإجماع العالمي، في إطار منظمة الأمم المتحدة في شقها التربوي والعلمي والثقافي (اليونيسكو)، بوصف التنوع الثقافي معززاً قيم الحوار والتعايش، في سياق تنمية المجتمعات، وتوفير الفرصة لمكوناتها - أغلبية وأقلية - في التعبير الديمقراطي عن ثقافاتها الإنسانية الموروثة والمتجددة، بما يعزز الانتماء الوطني. وهذا يعني التزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتمثل أدبيات إعلان اليونيسكو العالمي الخاص بالتنوع الثقافي الصادر سنة 2001، بوصفه تراثاً مشتركاً للإنسانية، وهو أن تتخذ الثقافة أشكالاً متنوعة عبر المكان والزمان. وقد تجلى هذا التنوع في أصالة وتعدد الهويات، المميزة للمجموعات والمجتمعات التي يتألف منها المجتمع الإنساني، بوصفه مصدراً لتبادل الخبرات وازدهار القدرات الإبداعية التي تغذي المجال العام؛ إذ لا يجوز لأحد أن يستند إلى التنوع الثقافي في انتهاك حقوق الإنسان التي ضمنها القانون الدولي، وذلك باحترام حق أي مجموعة وطنية - مهما قل عددها - في التعبير عن تقاليدها الثقافية، في وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التعبير الإلكترونية، وضمان الدولة التداول الحر للأفكار والمصنفات التي كفلتها السياسات الثقافية لكل دولة عضو في الأمم المتحدة.

د.فؤاد زكريا

التجربة الفرنسية

لقد أصبح التنوع الثقافي، في التعبير عن هويات مكونات المجتمع المتعددة المختلفة في الرؤى والفنون، يستند إلى الصناعات الثقافية التي أصبحت محل اهتمام مؤسسات الأمم المتحدة، بالتنمية الثقافية والاقتصادية في مجتمع المعرفة المتعلق بالتحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة ومجتمع المعرفة، الذي يعني - كما يعرّفه المختصون - أنه مجموعة من الناس ذوي الاهتمامات المتقاربة، ممن يحاولون توظيف معارفهم وخبراتهم في المجالات التي يعملون بها. وقد ارتبط مجتمع المعرفة باقتصاد المعرفة ومجتمع المعلومات والاتصالات، بما يعني أن المعرفة ببعدها الاجتماعي والاقتصادي والاتصالي والمعلوماتي أصبحت ذات طبيعة وظيفية. لذلك يعتبر مجتمع المعرفة واقتصاده من أهم مكونات رأس المال في عصر العولمة، مما يعني أن التحول إليه هو «تشييء» للإنسان وتنميط للمجتمع. فهو لا يساعد على وجود مفكرين ومبدعين، بقدر ما يعمل مجتمع المعرفة واقتصاده على وجود خبراء وموظفين، هذا إن لم يكن استثمار مجتمع المعرفة في مواطني الدول، يعمل على تفجير طاقاتهم الخلاقة، في إنتاج الأفكار وإبداع الفنون، تحت سماء صافية من التعبير الحر، وفق تنمية ثقافية مستدامة، ترتكز على القيم الروحية والمخزون التراثي الفصيح والشعبي، في تعزيز هوية المجتمع، وذلك بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وحماية التنوع الثقافي وتعددية الآراء، فهذا هو الأساس الشامل لعالم الصناعات الثقافية، المستثمر في الآداب والفنون الشعبية، من مؤلفات ومجلات ودور نشر وقنوات تلفازية ثقافية ومتاحف وفنون تشكيلية وأفلام سينمائية وصالات عرض مسرحية وألحان ورقصات وأغانٍ وأزياء وعطور ومآكل وحرف تقليدية ومشغولات فنية ومهرجانات ثقافية وفنية... وأحياء المواقع التاريخية، وأنموذجها أسواق العرب القديمة (سوق عكاظ مثلاً) الذي جمع بين التنوع الثقافي، بإلقاء الشعراء قصائدهم من بيئات مختلفة... والصناعات التقليدية بالمبادلات التجارية، منذ قديم الزمان.

هذا ما عملت عليه الدول المتقدمة في الغرب والشرق، بعد العرب بقرون، عبر نموذجها الفرنسي الرائد في العصر الحديث، منذ إنشاء وزارة للفنون والثقافة سنة 1914 في باريس، راصدة إلى يومنا هذا عشرات المليارات الفرنكية، بوتيرة متصاعدة كل عام في ميزانيتها العامة، حتى أصبحت فرنسا أنموذجاً عالمياً يُحتذى بصناعاتها الثقافية، وجوها الحر الذي استضاف - على امتداد عقود من الإنتاج الفكري والإبداع الأدبي - مئات الآلاف من الفلاسفة والأدباء والفنانين والمبدعين، من شتى أنحاء العالم الشرقي والغربي في كل مجال.

هذا وقد شجعت التجربة الفرنسية دول العالم المتقدم، وفي مقدمتها الصين وأميركا بتنوعها الثقافي، على تزايد الطلب العالمي للصناعات الثقافية، حتى أصبحت من أهم قطاعات التجارة والصناعة والاقتصاد الأكثر حيوية في التجارة الدولية. وقد تصدرت الصين دول العالم في تصدير الصناعات الثقافية، بعد الثورة الثقافية التي قادها ماو تسي تونغ، أواخر الأربعينات الميلادية من القرن المنصرم، مهيئة المجتمع الصيني الضخم - مساحة وبشراً - لاستثمار تراثها الحضاري ورأسمالها البشري الملياري، في إحداث ثورة تنموية هائلة، نقلت الصين من حالة التخلف الحضاري والحروب الأهلية الداخلية والخارجية، إلى دولة متقدمة عالمياً في إبداعاتها الصناعية وخدماتها الثقافية، غازية دول العالم في الغرب قبل الشرق، بمدنها المعرفية (Chinatown) ذات المعمار الفني والأكلات الشعبية وفنونها التعبيرية المختلفة.

لقد سَبقت الصين بذلك دول العالم، التي انتبهت مؤخراً إلى أهمية مدن المعرفة، فالتأمت أول قمة عالمية في فبراير 2023 بدبي، تمحورت فعالياتها وفق الثورة الصناعية والمعلوماتية الحديثة حول مدن المعرفة، بحضور قادة الفكر والخبراء والمهتمين بالسياسات الثقافية والمستثمرين في الصناعات الثقافية، حيث اختيرت دبي أنموذجاً ذكياً لمدينة المعرفة، بمستلزماتها التقنية والإلكترونية الحديثة التي توفر الخدمات الرقمية لمستهلكيها.

تجربة الكويت الثقافية المبكرة

في سياق المدن الثقافية التي أصبحت ثمرة للاهتمام بالصناعات الثقافية، لا تنس القاهرة في ريادتها منذ وزارة فتحي رضوان للإرشاد القومي بعد ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، حيث ارتاد توثيق كل ما له علاقة بمصطلح «المأثورات الشعبية» التي بنى عليها ثروت عكاشة بعده هرماً ثقافياً باذخاً، عمل على تطويره فاروق حسني، تنوعاً ثقافياً بصناعاته. وعلى الصعيد الخليجي، لا بد من الوقوف عند تجربة الكويت المبكرة بالاهتمام الثقافي، قبل أن تنال استقلالها سنة 1961؛ ففي سنة 1958 أقدمت على خطوة جريئة بإصدار مجلة «العربي» رغم أنها لم تكن وقتها تمتلك العناصر البشرية، ولا الإمكانات الفنية. ومع ذلك قام الشاعر الكويتي الراحل أحمد السقاف بجولة على أبرز عواصم الإبداع العربي - وقتذاك - متردداً بين بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة - كما أخبرني - من أجل استقدام طاقم من الفنيين واللغويين والمحررين، بينما أنيطت رئاسة تحرير المجلة بالدكتور أحمد زكي، أحد أبرز المثقفين الموسوعيين في مصر.

ومنذ صدرت «العربي» قدمت الكويت أوراق اعتمادها الثقافي إلى الأمة العربية قبل أن تقدمها سياسياً، محاولة أن تلعب دوراً مؤثراً في الثقافة العربية. ومن يتتبع التاريخ الثقافي لهذا البلد الصغير، فسوف يُدهش من الحجم الكبير الذي تردد على الكويت، من شعراء وأدباء وأكاديميين وصحافيين وسياسيين. فمن ذا يصدق - يا ترى - أن رواية «عائد إلى حيفا»، وهي من أبرز أعمال الروائي الفلسطيني غسان كنفاني القصصية، استمدت موضوعها من أجواء الكويت، التي لجأ إليها بعد الشتات مع شرائح عديدة من المجتمع الفلسطيني.

د.شاكر مصطفى

وبحكم المجاورة مع العراق، فإن الكويت شكلت كذلك محطة عبور للمواطنين العراقيين المكتوين بنيران الاستبداد السياسي، حتى وجدنا الشاعر سعدي يوسف - متزامناً مع استشفاء بدر شاكر السياب في المستشفى الأميري - يقضي أولى سنوات اغترابه فيها، وقد جذبت بوارق الكويت المغرية - وقتذاك - أعداداً غفيرة من النخب العربية، نحو مشروعاتها الثقافية والعلمية، عندما دعت جامعتها الوليدة أبرز العقول العربية إلى مدارجها، فقد قضى المفكر المصري الوضعي الدكتور زكي نجيب محمود بين أروقة جامعتها الفتية، أزهى سنوات إنتاجه الفكري، مثلما تميزت جامعتها باستضافة الشاعرة العراقية نازك الملائكة، وكذلك أستاذ الفلسفة المصري الدكتور فؤاد زكريا الذي - هو الآخر - أصدر معظم أعماله المؤلفة والمترجمة عندما كان يعمل مدرساً في الجامعة، ومستشاراً ثقافياً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وكذلك نهج نهجه المفكر السوري الدكتور شاكر مصطفى. وحينما ضاقت الأرض المصرية على المفكر الصحافي الراحل أحمد بهاء الدين، وجد في الكويت صدراً حنوناً ضمته جوانحها رئيساً لتحرير مجلة العربي. ولطالما سمعت الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج وهو يثني على المعالجة الكويتية لمسرحيته الرائعة «على جناح التبريزي» بعدما قام صقر الرشود بإخراجها، ولعبت بطولتها الممثلة سعاد العبدالله والممثل غانم الصالح، وما كانت النهضة المسرحية في الكويت تنطلق لولا الاستعانة بخبرة الفنان المصري زكي طليمات. ومع اهتمام الكويت المبكر بإحياء المأثورات الشعبية، من شعر وألحان وغناء ورقص، تمكنت من الخوض النسبي في عالم الصناعات الثقافية، الذي تمثل في إصدار سلسلة عالم المعرفة ومجلة عالم الفكر، ومطبوعات المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون الأخرى الروائية والمسرحية.

غير أن ظاهرة مدن المعرفة مؤخراً اتخذت في بعض الدول وظيفة استهلاكية «عقارية» غير ثقافية! مما يجعلنا نقف أمام إشكال فلسفي، في تحول قيمة الثقافة الروحية إلى أداة استهلاكية بشرية، في عصر الموجة الثالثة العولمية، كما نظّر المفكر الأميركي، ألفن توفلر، حولها الأطاريح وأصدر الكتب، خاصة في كتابه ذائع الصيت «صدمة المستقبل» المتمحور حول تجاوز «موجة» الثورة الزراعية «الأولى» التي قامت على توسعها في آسيا الإمبراطوريات التاريخية بحضاراتها العربية والشرقية، وكذلك تجاوز «موجة» الثورة الصناعية «الثانية» في الغرب الأوروبي، إلى حيث أصبح العالم يدار اليوم، بثورة معلوماتية وإلكترونية كونية هائلة التأثير والترابط، في المجتمع البشري برمته دون استثناء في كل مجالات الحياة.

لكن توفلر وقف في أحد فصول كتابه ذاك متسائلاً حول مصير قيمة الثقافة، وقد أفرغتها نزعة الاستهلاك المستشرية في أجساد البشر من قيمها الروحية وأبعادها الإبداعية، حيث أصبح مستهلكو صناعاتها الثقافية وخدماتها الإلكترونية «يتخلصون» منها بمجرد الانتهاء من استخدامها، كما يتخلص المرء من ورقة «الكلينكس» في تنظيف الجسم البشري!

هذا الإشكال الفلسفي يواجه اليوم الدول العربية، في اعتبار الثقافة حقاً تشريعياً كفلته دساتير كثيرة منها، إلا أنه لم يُفعَّل تماماً حتى الآن، وها نحن نرى مستوى الاهتمام بالثقافة وتنميتها متدنياً في مداولات النخبة البيروقراطية، بسبب هيمنة سلطة السوق وثقافة التسليع والاستهلاك؛ لذلك رأيناها مهمشة في معظم خطط التنمية العربية، غير العابئة بضرورة ردم الفجوة الثقافية التي فغرت فاها متسعة، بين عملية التنمية وحركة المجتمع، ما تسبب في حدوث اختلالات اجتماعية ومفاهيمية، ترتّب عليها وجود تيارات متضاربة في المجتمع، تراوحت بين المحافظة والتغريب، ونشوء ظواهر الانحياز إلى دوائر ضيقة من القبلية والمذهبية والإقليمية. وهو ما يشكل عائقاً أمام تنوعها الثقافي، والانطلاق نحو الصناعات الثقافية بوتيرتها العالمية الرشيدة، في تنمية اقتصاداتها الوطنية، وقبل ذلك في استثمار مكوناتها التاريخية والثقافية والفلكلورية. وذلك في الالتزام بإعلانات واتفاقيات اليونيسكو بصون التراث الثقافي المادي وغير المادي، في سياق ما أوصت به من مبادئ التنوع الثقافي وصناعاته الثقافية.


مقالات ذات صلة

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

ثقافة وفنون الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون «لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

لا يختزل كتاب «لسنا أرقاماً: أصوات شباب غزة»، الصادر بالعربية عن دار «العربي» في القاهرة، القضية الفلسطينية في أرقام الضحايا من القتلى والمصابين أو النازحين، بل

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

عبر نصوص سردية متفاوتة البنية، يضع الكاتب والروائي المصري حاتم حافظ في مجموعته القصصية «عندما تحوّلت إيمان خيري إلى طائر» فكرة التحوّل في قلب عالمه القصصي،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟
TT

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية. نقول ذلك على الرغم من أن هناك فلاسفة أكبر شعرياً من الشعر. من أشهرهم نيتشه في الغرب. «هكذا تكلم زرادشت» أقوى شعرياً من كل شعر لأنها تحتوي في ضربة واحدة على عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنه يحلق فيها إلى أعلى الأعالي أو يهبط إلى أسفل سافلين. إنه يتلاعب باللغة والفكر كيفما شاء عندما يجن جنونه وتتوهج عبقريته.

وجان جاك روسو في اعترافاته العبقرية ألا تحتوي على الشعر؟ ألا تحتوي على شعر أكبر فنياً وجمالياً من كل شعر. وقس على ذلك... ولكن ليس كانط. لا تطلب من كانط أن يكون شاعراً. مستحيل. كانط صفر على الشمال قياساً إلى نيتشه من هذه الناحية. وقلَّ الأمر ذاته عن هابرماس: كانط العصور الحديثة. فهو صاحب أسلوب وعر ومزعج ومرهق. وينبغي أن تصبر عليه صبر أيوب لكي تصل إلى نتيجة هذا إذا ما وصلت. وبالتالي فلا متعة في قراءته ولا ماء ولا حياة في أسلوبه.

وأما في جهتنا العربية، فقد وُصف أبو حيان التوحيدي بأنَّه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنَّه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة. يكفي أن نغطس في مؤلفاته لكي ندرك ذلك. المقابسات، البصائر والذخائر، الإمتاع والمؤانسة، الصداقة والصديق، الإشارات الإلهية... تحف ما بعدها تحف، جواهر ما بعدها جواهر. وأما المعري فقد وصفوه بأنه «شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء». اسم على مسمى. هل هناك أعمق منه فكرياً في قصائده؟ «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي» تعتبر أعمق قصيدة فلسفية وأروع قصيدة فلسفية ليس فقط على مستوى الآداب العربية وإنما على مستوى الآداب الكونية بأسرها.

كان الناقد الفرنسي هنري لوميتر قد نشر كتاباً بعنوان: «الانفجار الرومانطيقي والحداثة الشعرية». لاحظوا العنوان ما أجمله: «الانفجار الرومانطيقي». الشعر العظيم ينبثق انبثاقاً أو ينفجر انفجاراً وإلا فليس شعراً. وكان الناقد الكبير جان بيير ريشار قد نشر كتاباً مهماً وممتعاً جداً بعنوان «الشعر والعمق». وفيه كرَّس فصلاً كبيراً لبودلير بعنوان: «عمق بودلير». ذلك أنَّ بودلير، بحسب وجهة نظره، هو شاعر الأعماق العميقة، الأعماق السحيقة. مَن يعلم إلى أي المهاوي المرعبة كان يهبط بودلير عندما يجن جنونه في خلواته؟ مَن كان يعرف حجم اكتشافاته وابتكاراته الشعرية؟ مَن كان يعرف حجم الآفاق اللانهائية التي توصَّل إليها؟ ولذلك رثاه رينيه شار قائلاً:

لا تبحث عن تخوم البحر

إنها ملكك، بين يديك

لقد وهبت لك في ذات اللحظة

كحياتك المتبخرة العابرة

العاطفة كما تعلم

هي بنت المادة

إنها نظرتها المتموجة الرائعة.

شاعر كبير يتحدث عن شاعر كبير آخر: ماذا تريدون أكثر من ذلك؟

في الكتاب ذاته يخصِّص جان بيير ريشار فصلاً كاملاً لرامبو بعنوان: «رامبو وشعر الصيرورة المتجددة الرائعة». وهو يستهله بهذه الكلمات لرامبو:

«الثالثة فجراً. وحدي في الغرفة. الشمعة تذوب رويداً رويداً وتكاد تنطفئ. فجأة العصافير تزقزق كلها دفعة واحدة في الأشجار. جوقة موسيقية رائعة. انتهت السهرة. انتهى العمل. لم يبقَ لي إلا أن أراقب الأشجار والسماء من نافذتي وأنا في حالة من الذهول والانخطاف لا تكاد توصف. إني أعيش اللحظة الحاسمة: لحظة موت اليوم السابق وولادة اليوم الجديد. يا إلهي ما أحلاها من لحظة. إني مذهول بهذه اللحظة الخارقة للفجر».

يعلق جان بيير ريشار على ذلك قائلاً: «هذه اللحظة الخارقة، هذه اللحظة التي لا يكاد يستبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هذه اللحظة التي تمثل الولادة السعيدة والمعجزة لليوم الجديد، هي لحظة رامبو بامتياز. إنه يبيع حياته كلها من أجلها. إنه مستعد لأن يسهر الليل كله لكي يراها». ولكن هناك لحظة أخرى قد لا تقل أهمية، هي تلك التي يتحدث عنها بودلير في آخر ديوانه «أزهار الشر»، لنستمع إذن إلى هذا المقطع الذي يعبِّر فيه عن حنينه إلى لحظة الموت بعد أن ضجر وملَّ من هذه الحياة:

آه يا موت، أيها القبطان القديم،

لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة!

هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت!

فلنرحل!

إذا كانت السماء والبحر أسودين كالحبر

فإنَّ قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور

صبّ علينا سمومك لكي تقوّينا

نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا،

أن نغطس في أعماق الهاوية،

جحيم أم جنة؟

لا فرق

لا يهم

نريد أن نرحل

آه يا موت!

تقنا للإبحار في أعماق المجهول

عسى أن نكتشف طعماً جديداً!

كان بودلير قد جرَّب كل شيء في الحياة وملَّ من كل شيء ولم يعد هناك شيء آخر لكي يجربه إلا الموت. كان تواقاً لكي يتعرَّف عليه، لكي يذوق طعمه، لكي يعرف ما هو بالضبط. هل للموت طعم يا ترى؟ هل له مذاق خاص؟ كيف هو؟

مع بودلير حصلت النقلة من الشعر الرومانطيقي إلى الشعر الحديث. من شعر اللغة المباشرة، إلى شعر اللغة الرمزية أو المرموزة. من شعر العواطف الجياشة الفائضة، إلى شعر العواطف الملجومة الباردة. من الشعر الذاتي، إلى الشعر الموضوعي. باختصار شديد حصلت الحداثة الشعرية التي كرَّست لها أطروحة الدكتوراه في السوربون يوماً ما. أقصد الحداثة الشعرية العربية التي تلت الفرنسية بعد 100 سنة. ولم تكن أقل بهاءً وروعةً منها. لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كثيرة أن تسيطر عليه. أصبح رأسمال الشاعر هو: عدد الصور الجديدة أو المجازات الجديدة التي دشَّنها أو ابتكرها من العدم. وكل الشعراء الذين يتلونه يصبحون عالةً عليه أو على مجازاته الخارقة حتى يجيء شاعرٌ آخر كبير قادر على «قتله»: أي على تجاوزه والانحراف عنه، عن طريق تدشين فضاءات أخرى للشعر، عن طريق ابتكار مجازات وصور أخرى لم تخطر على بال بشر من قبل قط. هنا تكمن معجزة الشعر. لم يصبح رامبو شاعراً كبيراً إلا بعد أن «قتل» بودلير: أي بعد أن تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مستقلاً عنه. وقل الأمر ذاته عن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلى المتنبي. ولكن مَن يستطيع أن يقتل المتنبي؟ لم تلده أمه بعد.

أخيرا من أهم ما كُتب عن فلسفة الشعر رسائل ريلكه الشهيرة إلى شاعر شاب طلب نصيحته. إنها تنفذ إلى جوهر الشعر، إلى أعماق الشعر، إلى مطبخ الشعر: أي إلى الكيمياء السحرية المولدة للشحنات الشعرية. قال له: إذا لم يكن الشعر بالنسبة لك مسألة حياة أو موت فلا داعي لأن تعذِّب نفسك وتكرس حياتك لشيء لم تخلق له. بهذا المعنى وبالمختصر المفيد. مَن يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، الجنون الداخلي لريلكه؟ ومع ذلك فلم يحظَ بجائزة نوبل وإنما حظي بها شاعر فرنسي يدعى: سولي برودوم.

هل سمعتم باسمه؟ حتماً لا. مَن هو هذا الأحمق الذي يجهل عظمة ريلكه، عبقرية ريلكه؟ ليس هيدغر على أي حال. ومعلوم أنَّ الفيلسوف الكبير كرَّس له دراسة مطولة في كتابه المعروف: «دروب تؤدي إلى لا مكان». وهذا العنوان مأخوذ حرفياً من عنوان قصيدة لريلكه ذاته. وبالتالي فهو ليس من هيدغر على عكس ما نظن.أخيراً ربما كان أهم كتاب عن فلسفة الشعر هو تلك الدراسات المطولة التي كرَّسها هيدغر لشعر هولدرلين بعنوان: «مقاربات هولدرلين»، أو إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين. ومنها نستنتج ما يلي: بالنسبة لهيدغر فإنَّ الشعر ليس فقط مجرد فن أدبي من جملة فنون أخرى وإنما هو عصارة اللغة والمحل الذي تتجلى فيه حقيقة الكينونة وجوهر الوجود. إنه يتيح للإنسان أن يهرب من الجفاف التكنولوجي للعالم الحديث. إنه يتيح له أن يسكن الأرض شعرياً. ومن كثرة إعجاب هيدغر بشعر هولدرلين طلب منهم أن يقرأوا على قبره قبل الدفن بعض قصائد شاعر ألمانيا الأكبر.

وُصف أبو حيان التوحيدي بأنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة


«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة
TT

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

لا يختزل كتاب «لسنا أرقاماً: أصوات شباب غزة»، الصادر بالعربية عن دار «العربي» في القاهرة، القضية الفلسطينية في أرقام الضحايا من القتلى والمصابين أو النازحين، بل يكشف، برهافة وحس إنساني يسعى لتجاوز محنة الألم، ما وراء هذا الأرقام من حياة كاملة وأحلام مشروعة وذكريات وتفاصيل حميمة عابرة لأصوات القصف ودوي القنابل وأزير الرصاص الذي يلاحق المدنيين والأبرياء.

يتجاوز العمل فكرة التوثيق التقليدي للحرب، ليقدم غزة من خلال شهادات وتجارب شبابها، وهو من تحرير الفلسطيني أحمد الناعوق والأميركية بام بايلي، ترجمة محمد فؤاد، وتقع الطبعة العربية في 336 صفحة، تجمع نصوصاً مختارة من مقالات وتأملات مفتوحة تستكشف قضايا وهموم الذاكرة والعائلة والمنفى والصداقة والمقاومة والأمل.

تستعيد تلك الكتابات تفاصيل الحياة اليومية بما فيها من طموحات مهنية وثقافة، وتتوقف عند أماكن عزيزة على قلوب أصحابها، وحتى أبسط الأشياء التي تمنح الحياة معناها وسط الحصار والعنف.

من هنا يرفض هذا العمل فكرة «القصة الواحدة» عن غزة، فالقارئ يجد أشباح الخوف والموت والفقد تطل برأسها عبر النصوص، لكنه يجد كذلك الحب والطموح والدراسة والفن والمرح والحنين إلى الأماكن والأحلام المؤجلة، بتوقيع فتيات وفتيان يتحدثون عن حياتهم بلغتهم وتجاربهم، كما يكشف كيف لا تلغي المأساة الرغبة في الحياة. على هذه الخلفية، وصفت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، هؤلاء الشباب بأنهم جعلوا من الكتابة «فعلاً تحررياً ووسيلة لمقاومة محو غزة من الوعي العالمي». وأوضح أحمد الناعوق، في تصريح لصحيفة «الغارديان» البريطانية، أنه كان حريصاً منذ البداية على تشجيع الكتاب الشباب على الكتابة عن جمال غزة وأهلها وثقافتها ومساجدها وكنائسها ومقابرها، حتى لا تظل صورة القطاع مرتبطة فقط بالدمار. من النماذج اللافتة التي يتضمنها الكتاب، قصة فتاة مراهقة تحدق في سقف منزلها وتتمنى ألا ينهار فوق رأسها، في مشهد قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يلخص كيف يمكن للحرب أن تتسلل إلى أكثر التفاصيل اليومية عادية، حتى يصبح السقف الذي يُفترض أن يمنح الإنسان الأمان مصدراً للخوف. وفي نموذج آخر، يروي شاب تجربته في البحث عبر الإنترنت عن صور المكتبات في أنحاء العالم، حيث يحلم بأن يتمكن يوماً من زيارتها، على نحو يكشف أن الطموح والتعليم والمعرفة مفردات ربما تستمر في الإلحاح على وعي الأفراد حتى وسط الظروف الأكثر قسوة.

وتتعدد القصص الإنسانية في الكتاب، فهذه فتاة تتجول في شوارع المدينة وتدوّن أسماء المباني التي تحلم بإصلاحها، وهذا شاب يحاول متابعة شغفه بعلم الفلك في مكان يصعب فيه الوصول إلى التلسكوبات، كما تتناول إحدى القصص التعقيدات غير المعتادة للتسوق عبر الإنترنت في ظل القيود المفروضة على غزة.

ومن النماذج اللافتة نص للكاتبة ندى حماد عن غزة بعد حرب 2014، حيث تصف انتقال المشهد تدريجياً من اللون الرمادي الذي خلفه الدمار إلى بقع صغيرة من الألوان، عبر طلاء أحد الجدران وظهور الرسوم على جدران المساكن المؤقتة. والفكرة هنا أن إعادة تلوين المكان تصبح فعلاً رمزياً للحياة، فالسكان لا يحاولون فقط نسيان ما حدث، وإنما يؤكدون قدرتهم على الاستمرار.

اللافت هنا أن الكتاب لا يقتصر على أحداث الحرب الأخيرة، فالنسخة الأصلية تجمع 74 نصاً مختاراً من نتاج مشروع «We Are Not Numbers» أو «لسنا أرقاماً» على مدى نحو عقد، وتتحرك النصوص زمنياً عبر سنوات مختلفة، بحيث يستطيع القارئ رؤية كيف تغيرت حياة جيل كامل من الشباب الفلسطيني مع تعاقب الحروب والحصار والأزمات.

وتعد العائلة واحدة من أكثر الموضوعات حضوراً في هذا السياق، وهو أمر مفهوم في ظل طبيعة التجربة الفلسطينية في غزة، لكن الكتاب لا يتحدث عن فقدان «عدد من الأشخاص» فقط، وإنما عن آباء وإخوة وأبناء وأصدقاء، وعن ذكريات مرتبطة بهم. وتكتسب تلك المسألة بعداً شخصياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى محرر الكتاب أحمد الناعوق، الذي فقد 21 فرداً من عائلته في غارة إسرائيلية على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، من بينهم والده وإخوته وأطفالهم، بحسب ما روى في مقابلته مع «الغارديان». اللافت أن مشروع «لسنا أرقاماً» نفسه بدأ قبل الحرب الأخيرة بسنوات، في أعقاب حرب غزة عام 2014. ووفق الرواية التي قدمها الناعوق، فقد دفعته وفاة شقيقه إلى كتابة قصة شخصية عن فقدانه، بمساعدة بام بايلي، وبعد نشرها تلقى رسائل تعاطف من أشخاص خارج غزة.

ومن هنا جاءت فكرة إنشاء منصة تمنح شباب غزة فرصة سرد تجاربهم بأنفسهم لجمهور عالمي، فيما انطلق المشروع عام 2015 مع نحو 20 كاتباً شاباً، ثم توسع تدريجياً، ونشر خلال السنوات التالية أكثر من 1500 نصاً.


تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته
TT

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

عبر نصوص سردية متفاوتة البنية، يضع الكاتب والروائي المصري حاتم حافظ في مجموعته القصصية «عندما تحوّلت إيمان خيري إلى طائر» فكرة التحوّل في قلب عالمه القصصي، بوصفها مدخلاً لاختبار صور مختلفة للوجود، مستعيناً بالغرائبي لإعادة النظر في شكل الحضور الإنساني.

المجموعة الصادرة أخيراً عن دار الشروق بالقاهرة، تتنقل فيها مقاعد الأبطال بين حاضر وغائب، إنسان وطائر، متفرج ومادة للفرجة، وهي انتقالات لا تقوم جميعها على التحوّل بمعناه الجسدي، بقدر ما تنشأ أحياناً من تبدل الموقع الذي تحتله الشخصية، أو الزاوية التي ترى منها حياتها.

يبدو التحوّل في تجليه الأكثر وضوحاً في القصة التي تمنح المجموعة عنوانها، حين تستيقظ البطلة في غرفة الرعاية الفائقة لتجد أن جسدها قد اختفى، وحلّ محله جسد ضئيل ملوّن، بمنقار وجناحين قادرين على حملها إلى خارج الغرفة والمستشفى.

ومنذ عبارته الأولى: «حين استيقظت إيمان خيري ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب»، يستدعي النص استهلال «المسخ» لفرانز كافكا، لكن التحوّل الكافكاوي، وإن ظل حاضراً في الاستهلال، ينهض هنا على دلالة مغايرة؛ فبدلاً من الجسد الذي يتحول إلى سجن ويعزل صاحبه عن العالم، يبدو الجسد الجديد في هذه القصة أكثر خفةً وقدرةً على تحرير صاحبته من المرض والألم.

وإذا كان جريجور سامسا ينكفئ بعد تحوله داخل غرفته وتتآكل صلته تدريجياً بالآخرين، فإن إيمان تطير إلى خارج غرفتها، ترى الشمس وتستنشق الهواء، قبل أن تتسلل إلى من أحبتهم عبر أحلامهم، ليصبح التحوّل عتبة حياة ثانية لا تنقطع تماماً عن الحياة الأولى، وإنما تستعيد صلاتها بها من موقع جديد.

تتفتت القصة إلى أحلام قصيرة يرويها أشخاص مختلفون تزورهم البطلة إيمان، غير أن اللافت أن الحالمين أنفسهم يبدون واعين بتحوّلها وبقدرتها على العبور بين الهيئتين؛ فهم يرونها بطلة «تبدل هويتها كطائر وكإنسان بخفة»، ويخشى كلما لاح حضورها البشري في الحلم «أن تتبدل إلى طائر مرة أخرى».

مع تكرار هذه الزيارات، لا يعود التحوّل واقعةً غرائبيةً معزولة، إنما صيغة جديدة للوجود، تستفيد فيها القصة من مدلول «الطائر» المرتبط بالتحليق والقدرة على عبور الحدود، لتمنح بطلتها وجوداً يتجاوز الموت وحدود الجسد وعالمه.

ولا تتوقف فكرة التحوّل عند حدود تلك القصة الرئيسية للمجموعة، فتلوح عبر القصص في صور أقل مباشرةً، ففي قصة «شخصيتين في رواية» ينتقل التحوّل من الجسد إلى الوعي؛ إذ يتبنى الراوي هُوية «شخصية روائية»، ويتعامل مع هذا اليقين الفانتازي كحقيقة يحاول إشراك من حوله فيها.

لا يبدو ثمة موقع ثابت للشخصية هنا، فيتصور الراوي أن الرجل «قد يكون في خفة الفراشات في روايتي، لكنه قد يكون بطلاً في رواية أخرى»، فلا تتبدل الهيئة هذه المرة، إنما تتبدل مواقع الشخصيات، في لعبة سردية تبحث في موقع الإنسان داخل حكايات الآخرين. يتأمل الراوي الرجل المقابل له ويتخيل الحياة التي كتبها له مؤلف الرواية، قبل أن يصل إلى إدراك أكثر اتساعاً: «كلنا شخصيات في روايات بعضنا البعض».

ويصنع حافظ هنا تناصاً مع عالم الروائي الجنوب أفريقي ج. م. كوتزي، مستدعياً شخصيته «إليزابيث كوستلو»، التي عبرت من رواية إلى أخرى داخل أعماله. لكنه يدفع اللعبة خطوةً أبعد، حين يتخيل أن كوتزي نفسه قد يكون شخصيةً روائيةً في نص يكتبه مؤلف آخر، فتتسع لعبة تبدل المواقع لتشمل الكاتب وشخصياته معاً.

تمتد فكرة تبدل المواقع تلك إلى قصة «الحكاية غير العادية للأشخاص العاديين»، التي تقوم إحدى مفارقاتها على تلصص متبادل بين الجيران، يتحول تدريجياً إلى ما يشبه تبادل الحيوات؛ إذ تتنقل الشخصيات بين موقعي المتفرج والمُشاهَد. غير أن القصة لا تبني مفارقتها على الغرائبي، بقدر ما تستخرج الغرابة من قلب اليومي الرتيب، كأن يشتري أحد أبطال القصة بطانية أطفال مستفيداً من خصم كبير في «تصفيات الشتاء»، ويفكر في أنها سوف تفيده في الشتاءات المقبلة، قبل أن يعقب السارد: «وكان بصحة جيدة؛ فلم يفكر في أن موته قبل الشتاء القادم أمر محتمل».