التنوع الثقافي وصناعاته المهملة عربياً

المعرفة بأبعادها المختلفة أصبحت ذات طبيعة وظيفية

،  "تيشاينتاون
بلندن
، "تيشاينتاون بلندن
TT

التنوع الثقافي وصناعاته المهملة عربياً

،  "تيشاينتاون
بلندن
، "تيشاينتاون بلندن

يتحدد مفهوم التنوع الثقافي - وفق أدبيات اليونيسكو - بتنوع ثقافات المجتمع المختلفة، وحق مكوناته في التعبير المختلف. وفي هذا ما يبعث الحيوية في المجتمع ويجدد هويته الثقافية.

هذا ما يؤكد عليه الإجماع العالمي، في إطار منظمة الأمم المتحدة في شقها التربوي والعلمي والثقافي (اليونيسكو)، بوصف التنوع الثقافي معززاً قيم الحوار والتعايش، في سياق تنمية المجتمعات، وتوفير الفرصة لمكوناتها - أغلبية وأقلية - في التعبير الديمقراطي عن ثقافاتها الإنسانية الموروثة والمتجددة، بما يعزز الانتماء الوطني. وهذا يعني التزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتمثل أدبيات إعلان اليونيسكو العالمي الخاص بالتنوع الثقافي الصادر سنة 2001، بوصفه تراثاً مشتركاً للإنسانية، وهو أن تتخذ الثقافة أشكالاً متنوعة عبر المكان والزمان. وقد تجلى هذا التنوع في أصالة وتعدد الهويات، المميزة للمجموعات والمجتمعات التي يتألف منها المجتمع الإنساني، بوصفه مصدراً لتبادل الخبرات وازدهار القدرات الإبداعية التي تغذي المجال العام؛ إذ لا يجوز لأحد أن يستند إلى التنوع الثقافي في انتهاك حقوق الإنسان التي ضمنها القانون الدولي، وذلك باحترام حق أي مجموعة وطنية - مهما قل عددها - في التعبير عن تقاليدها الثقافية، في وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التعبير الإلكترونية، وضمان الدولة التداول الحر للأفكار والمصنفات التي كفلتها السياسات الثقافية لكل دولة عضو في الأمم المتحدة.

د.فؤاد زكريا

التجربة الفرنسية

لقد أصبح التنوع الثقافي، في التعبير عن هويات مكونات المجتمع المتعددة المختلفة في الرؤى والفنون، يستند إلى الصناعات الثقافية التي أصبحت محل اهتمام مؤسسات الأمم المتحدة، بالتنمية الثقافية والاقتصادية في مجتمع المعرفة المتعلق بالتحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة ومجتمع المعرفة، الذي يعني - كما يعرّفه المختصون - أنه مجموعة من الناس ذوي الاهتمامات المتقاربة، ممن يحاولون توظيف معارفهم وخبراتهم في المجالات التي يعملون بها. وقد ارتبط مجتمع المعرفة باقتصاد المعرفة ومجتمع المعلومات والاتصالات، بما يعني أن المعرفة ببعدها الاجتماعي والاقتصادي والاتصالي والمعلوماتي أصبحت ذات طبيعة وظيفية. لذلك يعتبر مجتمع المعرفة واقتصاده من أهم مكونات رأس المال في عصر العولمة، مما يعني أن التحول إليه هو «تشييء» للإنسان وتنميط للمجتمع. فهو لا يساعد على وجود مفكرين ومبدعين، بقدر ما يعمل مجتمع المعرفة واقتصاده على وجود خبراء وموظفين، هذا إن لم يكن استثمار مجتمع المعرفة في مواطني الدول، يعمل على تفجير طاقاتهم الخلاقة، في إنتاج الأفكار وإبداع الفنون، تحت سماء صافية من التعبير الحر، وفق تنمية ثقافية مستدامة، ترتكز على القيم الروحية والمخزون التراثي الفصيح والشعبي، في تعزيز هوية المجتمع، وذلك بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وحماية التنوع الثقافي وتعددية الآراء، فهذا هو الأساس الشامل لعالم الصناعات الثقافية، المستثمر في الآداب والفنون الشعبية، من مؤلفات ومجلات ودور نشر وقنوات تلفازية ثقافية ومتاحف وفنون تشكيلية وأفلام سينمائية وصالات عرض مسرحية وألحان ورقصات وأغانٍ وأزياء وعطور ومآكل وحرف تقليدية ومشغولات فنية ومهرجانات ثقافية وفنية... وأحياء المواقع التاريخية، وأنموذجها أسواق العرب القديمة (سوق عكاظ مثلاً) الذي جمع بين التنوع الثقافي، بإلقاء الشعراء قصائدهم من بيئات مختلفة... والصناعات التقليدية بالمبادلات التجارية، منذ قديم الزمان.

هذا ما عملت عليه الدول المتقدمة في الغرب والشرق، بعد العرب بقرون، عبر نموذجها الفرنسي الرائد في العصر الحديث، منذ إنشاء وزارة للفنون والثقافة سنة 1914 في باريس، راصدة إلى يومنا هذا عشرات المليارات الفرنكية، بوتيرة متصاعدة كل عام في ميزانيتها العامة، حتى أصبحت فرنسا أنموذجاً عالمياً يُحتذى بصناعاتها الثقافية، وجوها الحر الذي استضاف - على امتداد عقود من الإنتاج الفكري والإبداع الأدبي - مئات الآلاف من الفلاسفة والأدباء والفنانين والمبدعين، من شتى أنحاء العالم الشرقي والغربي في كل مجال.

هذا وقد شجعت التجربة الفرنسية دول العالم المتقدم، وفي مقدمتها الصين وأميركا بتنوعها الثقافي، على تزايد الطلب العالمي للصناعات الثقافية، حتى أصبحت من أهم قطاعات التجارة والصناعة والاقتصاد الأكثر حيوية في التجارة الدولية. وقد تصدرت الصين دول العالم في تصدير الصناعات الثقافية، بعد الثورة الثقافية التي قادها ماو تسي تونغ، أواخر الأربعينات الميلادية من القرن المنصرم، مهيئة المجتمع الصيني الضخم - مساحة وبشراً - لاستثمار تراثها الحضاري ورأسمالها البشري الملياري، في إحداث ثورة تنموية هائلة، نقلت الصين من حالة التخلف الحضاري والحروب الأهلية الداخلية والخارجية، إلى دولة متقدمة عالمياً في إبداعاتها الصناعية وخدماتها الثقافية، غازية دول العالم في الغرب قبل الشرق، بمدنها المعرفية (Chinatown) ذات المعمار الفني والأكلات الشعبية وفنونها التعبيرية المختلفة.

لقد سَبقت الصين بذلك دول العالم، التي انتبهت مؤخراً إلى أهمية مدن المعرفة، فالتأمت أول قمة عالمية في فبراير 2023 بدبي، تمحورت فعالياتها وفق الثورة الصناعية والمعلوماتية الحديثة حول مدن المعرفة، بحضور قادة الفكر والخبراء والمهتمين بالسياسات الثقافية والمستثمرين في الصناعات الثقافية، حيث اختيرت دبي أنموذجاً ذكياً لمدينة المعرفة، بمستلزماتها التقنية والإلكترونية الحديثة التي توفر الخدمات الرقمية لمستهلكيها.

تجربة الكويت الثقافية المبكرة

في سياق المدن الثقافية التي أصبحت ثمرة للاهتمام بالصناعات الثقافية، لا تنس القاهرة في ريادتها منذ وزارة فتحي رضوان للإرشاد القومي بعد ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، حيث ارتاد توثيق كل ما له علاقة بمصطلح «المأثورات الشعبية» التي بنى عليها ثروت عكاشة بعده هرماً ثقافياً باذخاً، عمل على تطويره فاروق حسني، تنوعاً ثقافياً بصناعاته. وعلى الصعيد الخليجي، لا بد من الوقوف عند تجربة الكويت المبكرة بالاهتمام الثقافي، قبل أن تنال استقلالها سنة 1961؛ ففي سنة 1958 أقدمت على خطوة جريئة بإصدار مجلة «العربي» رغم أنها لم تكن وقتها تمتلك العناصر البشرية، ولا الإمكانات الفنية. ومع ذلك قام الشاعر الكويتي الراحل أحمد السقاف بجولة على أبرز عواصم الإبداع العربي - وقتذاك - متردداً بين بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة - كما أخبرني - من أجل استقدام طاقم من الفنيين واللغويين والمحررين، بينما أنيطت رئاسة تحرير المجلة بالدكتور أحمد زكي، أحد أبرز المثقفين الموسوعيين في مصر.

ومنذ صدرت «العربي» قدمت الكويت أوراق اعتمادها الثقافي إلى الأمة العربية قبل أن تقدمها سياسياً، محاولة أن تلعب دوراً مؤثراً في الثقافة العربية. ومن يتتبع التاريخ الثقافي لهذا البلد الصغير، فسوف يُدهش من الحجم الكبير الذي تردد على الكويت، من شعراء وأدباء وأكاديميين وصحافيين وسياسيين. فمن ذا يصدق - يا ترى - أن رواية «عائد إلى حيفا»، وهي من أبرز أعمال الروائي الفلسطيني غسان كنفاني القصصية، استمدت موضوعها من أجواء الكويت، التي لجأ إليها بعد الشتات مع شرائح عديدة من المجتمع الفلسطيني.

د.شاكر مصطفى

وبحكم المجاورة مع العراق، فإن الكويت شكلت كذلك محطة عبور للمواطنين العراقيين المكتوين بنيران الاستبداد السياسي، حتى وجدنا الشاعر سعدي يوسف - متزامناً مع استشفاء بدر شاكر السياب في المستشفى الأميري - يقضي أولى سنوات اغترابه فيها، وقد جذبت بوارق الكويت المغرية - وقتذاك - أعداداً غفيرة من النخب العربية، نحو مشروعاتها الثقافية والعلمية، عندما دعت جامعتها الوليدة أبرز العقول العربية إلى مدارجها، فقد قضى المفكر المصري الوضعي الدكتور زكي نجيب محمود بين أروقة جامعتها الفتية، أزهى سنوات إنتاجه الفكري، مثلما تميزت جامعتها باستضافة الشاعرة العراقية نازك الملائكة، وكذلك أستاذ الفلسفة المصري الدكتور فؤاد زكريا الذي - هو الآخر - أصدر معظم أعماله المؤلفة والمترجمة عندما كان يعمل مدرساً في الجامعة، ومستشاراً ثقافياً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وكذلك نهج نهجه المفكر السوري الدكتور شاكر مصطفى. وحينما ضاقت الأرض المصرية على المفكر الصحافي الراحل أحمد بهاء الدين، وجد في الكويت صدراً حنوناً ضمته جوانحها رئيساً لتحرير مجلة العربي. ولطالما سمعت الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج وهو يثني على المعالجة الكويتية لمسرحيته الرائعة «على جناح التبريزي» بعدما قام صقر الرشود بإخراجها، ولعبت بطولتها الممثلة سعاد العبدالله والممثل غانم الصالح، وما كانت النهضة المسرحية في الكويت تنطلق لولا الاستعانة بخبرة الفنان المصري زكي طليمات. ومع اهتمام الكويت المبكر بإحياء المأثورات الشعبية، من شعر وألحان وغناء ورقص، تمكنت من الخوض النسبي في عالم الصناعات الثقافية، الذي تمثل في إصدار سلسلة عالم المعرفة ومجلة عالم الفكر، ومطبوعات المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون الأخرى الروائية والمسرحية.

غير أن ظاهرة مدن المعرفة مؤخراً اتخذت في بعض الدول وظيفة استهلاكية «عقارية» غير ثقافية! مما يجعلنا نقف أمام إشكال فلسفي، في تحول قيمة الثقافة الروحية إلى أداة استهلاكية بشرية، في عصر الموجة الثالثة العولمية، كما نظّر المفكر الأميركي، ألفن توفلر، حولها الأطاريح وأصدر الكتب، خاصة في كتابه ذائع الصيت «صدمة المستقبل» المتمحور حول تجاوز «موجة» الثورة الزراعية «الأولى» التي قامت على توسعها في آسيا الإمبراطوريات التاريخية بحضاراتها العربية والشرقية، وكذلك تجاوز «موجة» الثورة الصناعية «الثانية» في الغرب الأوروبي، إلى حيث أصبح العالم يدار اليوم، بثورة معلوماتية وإلكترونية كونية هائلة التأثير والترابط، في المجتمع البشري برمته دون استثناء في كل مجالات الحياة.

لكن توفلر وقف في أحد فصول كتابه ذاك متسائلاً حول مصير قيمة الثقافة، وقد أفرغتها نزعة الاستهلاك المستشرية في أجساد البشر من قيمها الروحية وأبعادها الإبداعية، حيث أصبح مستهلكو صناعاتها الثقافية وخدماتها الإلكترونية «يتخلصون» منها بمجرد الانتهاء من استخدامها، كما يتخلص المرء من ورقة «الكلينكس» في تنظيف الجسم البشري!

هذا الإشكال الفلسفي يواجه اليوم الدول العربية، في اعتبار الثقافة حقاً تشريعياً كفلته دساتير كثيرة منها، إلا أنه لم يُفعَّل تماماً حتى الآن، وها نحن نرى مستوى الاهتمام بالثقافة وتنميتها متدنياً في مداولات النخبة البيروقراطية، بسبب هيمنة سلطة السوق وثقافة التسليع والاستهلاك؛ لذلك رأيناها مهمشة في معظم خطط التنمية العربية، غير العابئة بضرورة ردم الفجوة الثقافية التي فغرت فاها متسعة، بين عملية التنمية وحركة المجتمع، ما تسبب في حدوث اختلالات اجتماعية ومفاهيمية، ترتّب عليها وجود تيارات متضاربة في المجتمع، تراوحت بين المحافظة والتغريب، ونشوء ظواهر الانحياز إلى دوائر ضيقة من القبلية والمذهبية والإقليمية. وهو ما يشكل عائقاً أمام تنوعها الثقافي، والانطلاق نحو الصناعات الثقافية بوتيرتها العالمية الرشيدة، في تنمية اقتصاداتها الوطنية، وقبل ذلك في استثمار مكوناتها التاريخية والثقافية والفلكلورية. وذلك في الالتزام بإعلانات واتفاقيات اليونيسكو بصون التراث الثقافي المادي وغير المادي، في سياق ما أوصت به من مبادئ التنوع الثقافي وصناعاته الثقافية.


مقالات ذات صلة

ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

يوميات الشرق امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)

ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

خرج كثيرون من الصالة بعيون دامعة، وهذا يكفي للقول إنّ الرهان على فانتين أصاب مكانه.

فاطمة عبد الله (بيروت)
ثقافة وفنون أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

حسين الحربي
ثقافة وفنون «يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«آيرلندا موجودة لكن الكاتب لا يتحمل وزر إن زارها أحدهم ولم يجدها»، بهذه العبارة يقدم الكاتب الألماني الشهير هاينريش بول (1917 - 1985) لكتابه المعنون

رشا أحمد ( القاهرة)

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
TT

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لم يجد البطل السومري أفضل من أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حتى ولو اضطره الأمر إلى مصارعة «خومبابا»، الكائن المرعب الذي عيّنه الإله «إنليل» حارساً للغابة. والأرزة هي الشجرة التي حرص الفينيقيون على الاستعانة بخشبها لصناعة سفنهم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد.

كما ورد اسم الأرز أكثر من سبعين مرة في العهد القديم، بوصفه أحد أكثر الأشجار صلابةً وجمالاً وتحدياً لغضب الطبيعة وثباتاً في وجه الزمن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرسل لي خشب أرزٍ وسروٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أن رجالك ماهرون في قطع خشب الأرز». وجاء في سفْر عزرا «أعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشرباً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن قورش ملك فارس». أما في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في موقعي الجمال والصلابة في آن واحد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راسخ الأركان، يصفانه بالقول «جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو».

أمين الريحاني

ولعل الصفات الاستثنائية التي جعلت من الأرز موضع إعجاب الأنبياء والملوك في العهد القديم هي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والتشاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إني أشبّهك بشجرة أرز في لبنان، بهية الأغصان، وارفة الظل، شامخة تُطاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرةٌ ما، مغروسة على المياه».

إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل في دائرة البشر المستكبرين والشبيهين بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهو ما بدا واضحاً في المزمور التاسع والعشرين، حيث نقرأ ما حرفيته «صوت الرب عظيم القوة. صوت الرب يكسر الأرز. يكسر الرب أرز لبنان. يجعل لبنان يقفز كالعجل، وحرمون كولد الثور الوحشي». والأرجح أن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد التوراتي نفسه، حين عمد قبل أيام إلى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء.

سعيد عقل

أما اللبنانيون من جهتهم، فلم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا في مواصفاتها النادرة دليلاً آخر على فرادة لبنان، ورأوا في شموخها بعضاً من شموخه. ولأن الشجرة واحدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن على الالتفاف حولها، فهم لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليصبح لونها الأخضر، بما يحمله من دلالات الخصب والنماء، اللون الثالث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق.

ولم يكن مستغرباً بالطبع، أن يجعل رشيد نخلة من الشجرة المعمّرة جزءاً من النشيد الوطني اللبناني، وهو الذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمر الذي عكسه قوله في النشيد «إسمهُ عزّهُ، منذ كان الجدودْ، مجدهُ أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشارة المهمة التي يرددها ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفرد له قصائد ومنظومات عدة، كان من أكثرها حرارة وصدقاً قوله أثناء إبعاده القسري إلى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية:

تلفَّتُ من عليا فلسطين أبتغي

سواحلَ أرض الأرز والهضباتِ

فقلتُ لنفسي تلكُمُ الدار دارهم

رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي

فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها

ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي

إذا طاب موتي بعد يأسٍ وغربةٍ

وإن رقصتْ فوق الضريح عِدَاتي

اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خشب الأرز إلى نعش له، وترابه إلى مثوى، قد سرت لدى الكثير من شعراء لبنان مسرى النار في الهشيم، وتكررت عند غير مشتغل بالأدب والفن، وبينها قول داود عمون، البرلماني والحقوقي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلاً عن وطنه الأم:

يا بني أمي إذا حضرتْ ساعتي

والطبُّ أسلَمَني

فاجعلوا في الأرز مقبرتي

وخذوا من ثلجه كفني

والواقع أن كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين، بخاصة في الفترة التي أعقبت ولادة دولة لبنان الكبير، لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام. لا بل إن التغزل بالأرز وصفاته ودلالاته الموحية، بات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الزاهية التي رسمها للبنان، عشرات الشعراء والكتاب الذين اصطلح على وضعهم في خانة «المدرسة اللبنانية في الأدب». وإذا كان قد أطلق على شبلي الملاط لقب «شاعر الأرز»، فإن سعيد عقل رغم ذلك، هو الذي يستحق تلك التسمية، باعتباره أحد أكثر الشعراء الذين خصوا لبنان وجباله وأرزه بعشرات القصائد والمقطوعات، وبينها بيتاه الشهيران:

أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ

من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ

وبصرف النظر عن القيمة الإبداعية للقصائد والنصوص المكتوبة في تمجيد الأرز، وقد اتسم بعضها بالوصف السطحي والإنشاء الركيك، فيما حفل بعضها الآخر بالبلاغة العالية والأسلوب المتقن، فقد انفرد المفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني بتقديم مقاربة مغايرة لواقع الحال، تختلف تماماً عن المألوف البلاغي أو المدرسي.

كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام

ففي مقالة له بعنوان «الأرز»، كتبها إثر زيارة قام بها إلى غابة بشرّي المعروفة، يستهل صاحب «قلب لبنان» المقالة بالقول: «وصلنا إليك يا أرز لبنان سالمين. ولكن الأمل تدهور من علياه، والخيال طاح عن سماه، والقلب نُكب في إيمانه وهواه، عندما أطللتُ على مجدك المكوّم تحت جفن الجبل»، وصولاً إلى قوله القاسي: «كنت أتخيل الزمان مجسماً في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغراً في كف الزمان».

ومع أن الريحاني ما يلبث لدى توغله في عمق الغابة، أن يصحح الصورة على نحو ما، ليوضح مستدركاً بأن ما يصح على الجبال والسهول والبحار، لا يصح على المعابد والآثار واللوحات، لأن هذه الأخيرة ينبغي معاينتها عن كثب، لكي يمكننا الوقوف على قيمتها الحقيقية، إلا أن ذلك لم يمنعه بالمقابل من الانتقاد الجريء لأسلافه الأقدمين، باعتبار أنهم أسهموا جميعاً في تقزيم غابة الأرز، لتنكمش على نفسها في ركن منعزل من الجبل، فكتب قائلاً «سمعتُ أصوات الفؤوس والمناجل في الغابات، وسمعتُ أصوات المطارق والمناشير في مصانع جبيل، ورأيت خشب الأرز في السفن الحربية التي غزا بها الفرس بلاد الإغريق».

وإذ يغفر الريحاني لأسلافه الفينيقيين قطعهم أشجار الأرز لبناء سفن متينة يمخرون بواسطتها أعالي البحار، بحثاً عن حياة أفضل وتبادلات تجارية رابحة، فإنه لم يغفر لهم تنازلهم عن تلك الأشجار العظيمة لغيرهم من الأمم والشعوب، ممن بنوا بواسطتها هياكل ومعابد وقصوراً باذخة، مقابل حفنات متفاوتة من الأموال. لا بل إن ما أصابه بالذهول، هو أن الأسلاف أنفسهم، هم الذين قدموا للإسكندر المقدوني، الخشب اللازم لبناء الأسطول الضخم، الذي تمكن بواسطته من إسقاط مدنهم الساحلية، واحدة تلو الأخرى. ولم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك، أن يختتم الريحاني نصه المؤثر بالقول «ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان».


عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال، وجلّها يعود إلى الأزمنة الحديثة. في الواقع، يحضر العمال بشكل هامشي أو ثانوي في أعمال فنية متعدّدة المصادر تعود إلى الحقبة التي سبقت هذه الأزمنة، وقلّما نجد أثراً فنياً كلاسيكياً خُصّص بشكل أساسي لهم. تبرز في هذا الميدان لوحة من الميراث الفني الأموي، تبدو استثنائية في موضوعها كما في تأليفها المتقن، وتشكّل جزءاً من جداريات قُصير عمرة في بادية الأردن، ويجمع أهل الاختصاص على القول بأنّها تُمثّل العمّال الذين بنوا هذا القصير.

يجمع قُصير عمرة بين حمّام كبير مؤلّف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. تزيّن هذه القاعات جداريّات تجمع بين مواضيع إنشائية متعدّدة، تشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في مجمل العالم المتوسطي، بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية. يلفّ هذا البرنامج الاستثنائي جدران هذه القاعات، ويمتدّ إلى سقوفها. في هذا السياق، تزين سقف الإيوان الغربي المقوّس شبكة من اثنين وثلاثين مكعباً، رُتّبت في أربعة صفوف متساوية الأبعاد، اشتمل كل صف منها على ثماني لوحات، وفيها يظهر أشخاص في أوضاع مختلفة، تختزل متاع الدنيا بصنوفها المتعدّدة. في المقابل، يتكرّر هذا التأليف على سقف الإيوان الشرقي؛ إذ نقع كذلك على أربعة صفوف متساوية، اشتمل كلّ منها على ثماني لوحات، تمثّل كلّها عمّالاً من أصحاب الحرف المتنوّعة.

تحتلّ هذه الشبكة مساحة السقف المقوّسة، وتتكوّن من جزأين متساويين متعاكسين، يتكوّن كلّ منهما من شريطين من الخانات المكعّبة، يُشكّل كلّ منها لوحة يحدّها إطار خاص بها، كما في الشرائط المصوّرة المعاصرة. تحتاج قراءة هذه الصور بشكل دقيق إلى الرسوم التوثيقية التي تُظهر عناصرها بشكل جليّ، وتتمثّل برسم شامل يعود إلى مطلع القرن الماضي، نُشر في أول بحث علمي كشف عن قصير عمرة، وسلّط الضوء على جدارياته. إلى جانب هذا الرسم، يحضر رسم معاصر نُشر في مجلّد صدر عام 2007، وفيه تحضر تفاصيل كشفت عنها أعمال البحث التي سبقت هذا الإصدار. تواصل استكشاف الموقع في السنوات التالية، وشهد حملة ترميم جديدة شملت هذه الجدارية، وأعادت إليها بريقها الأوّل، كما كشفت عن تفاصيل جديدة ظهرت في لوحاتها بعدما كانت ممحوة.

في الخلاصة، تتكوّن هذه اللوحة من صفين متوازنين من جهة، يقابلهما صفان متوازنان من الجهة الأخرى. خُصّص الصفّ الأسفل من القسم الأول لأعمال البناء، من قطع الحجارة ونقلها على ظهور الجمال، ثم حملها إلى معلّم البناء. وخُصّص الصف الثاني للأعمال المعدنية، من الصهر والطرق، إلى التشذيب والتبريد. في الجهة المعاكسة، خُصّص الصف الأسفل لأعمال القصارة، كما توحي العناصر التصويرية القليلة التي بقيت من هذا الصف الذي تلف وانمحى بشكل كبير. وخُصّص الصف الأعلى لأعمال النجارة، كما يتّضح عند قراءة صوره التي حافظت على أغلب مكوّناتها. يتألّف كل صف من ثماني خانات متساوية. الإطار واحد وجامع، وقوامه خلفيّة تتألف من ثلاثة أقسام أفقية. يحتل القسم الأسفل مساحة كبرى من كل خانة، وهو باللون الأبيض العاجي، وتعلوه مساحة زرقاء، تحدّها مساحة بيضاء. يتشابه العمال من حيث الشكل الخارجي، ويبدو لباسهم واحداً، ويتألف من رداء أبيض بسيط ينسدل حتى الركبتين، مع حزام مجرّد يلتف حول الخصر.

في الصف المكرّس لقطع الحجارة، من اليسار إلى اليمين، يحضر أوّلاً عامل يقف في وضعية نصف جانبية، حاملاً أداة طويلة تبدو أشبه بمسطرة للقياس. ثم يحضر في الخانة الثانية عامل يحمل أداة مغايرة، تبدو أشبه بمطرقة ثاقبة طويلة. ويحضر في الخانة الثالثة عامل يحمل ما يُعرف بأداة الكُوس التي تُستخدم لتحديد الزوايا. في الخانات الثلاث التالية، يظهر عامل يرفع حجارة فوق ظهر جمل، ثم يظهر هذا الجمل وهو يجر هذه الحمولة، ويظهر العامل وهو يقود هذا الجمل في خانة مستقلّة. في الخانة السابعة، يحلّ عاملان ينقلان حجراً ثُبّت على رافعة، وفي الثامنة، يظهر عامل بين واجهتين صغيرتين متوازيتين.

في الصف المكرّس للأعمال المعدنية، يظهر أولاً حداد وسط مسبك، ثم حداد يطرق سنداناً، ثم حداد يرفع مطرقة، ومن بعده حرفي ينشغل بالعمل على خشبة مثبّتة على حاملتين مثلّثتين. في الخانة الخامسة، يظهر حِرفي آخر يسقي الحديد في حوض على الأرجح، وفي السادسة، يظهر حِرفي جالساً أمام حوض مشابه. تتصل الخانة السابعة بالخانة الأخيرة، حيث يواجه حرفياً زميلاً يتوجه نحوه رافعاً ذراعيه في اتجاهه.

الصف المخصص لأعمال القصارة تلف بشكل كبير، وبدا ممحواً في مطلع القرن الماضي، غير أن بعض ملامحه اتّضحت في زمننا. في وسط هذا الشريط، يظهر مشهد تحميل دابة، ويحضر في تأليف يشابه التأليف المعتمد في الصف المكرّس لقطع الحجارة، وفيه يحلّ حمار مكان الجمل، كما كشفت أعمال الترميم الحديثة العهد. في المقابل، حافظ الصف المخصّص لأعمال النجارة على ست من خاناته الثماني. ضاعت الخانة الأولى، كما ضاعت الخانة الأخيرة، وظهر في الخانة الثانية نجاران ينشران لوحاً خشبياً، وفي الثالثة نجار يعمل على لوح آخر، وفي الرابعة حرفي يحمل مطرقة، وفي الخامسة حرفي يقف رافعاً خشبة بين يديه، وفي السادسة حرفي يجلس أرضاً حاملاً كذلك مطرقة. انمحت الخانة السابعة بشكل كبير، وما بقي منها يكشف عن حرفي يعمل في منشرة على الأرجح.

يطغى على هذه الجدارية البديعة الأسلوب الروماني، وهو الأسلوب الذي يغلب على مجمل جداريات قُصير عمرة. يستعيد هذا التأليف العديد من العناصر التي تعود إلى هذا الطراز، غير أنه يجمعها في قالب كُرس بأكمله للعمّال الذين قاموا بتشييد الموقع وتزيينه، من البنائين إلى النجارين مروراً بالحدادين والمقصّرين، ممّا يجعل منه لوحة استثنائية تتميّز بموضوعها، وتلمع بثراء صورها المتقنة.


الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش
TT

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب العراقي نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

ولعل المحطة الأبرز لهذا الفورور هي عندما حطّ رحاله على كتفي الممثلة المصرية الفاتنة مريم فخر الدين حين مثلت مع العندليب عبد الحليم حافظ في فيلم «حكاية حب» حيث أدّى أغنيته الشهيرة «بتلوموني ليه» (عُرض الفيلم في 1959).

تنهض الرواية برمتها على هذه التفصيلة. يروي عبد الستار في روايته، أن مريم فخر الدين استعارت هذا المشلح من المونولوجيست العراقية «وحيدة جميل»؛ (وهذا من مخيلة الكاتب)، لترتديه في الفيلم. و«وحيدة» لم تتلقَّ في حياتها هدية أقيم من هذا المشلح الذي أهداها إياه وزير دفاع الاتحاد السوفياتي السابق عندما كان في زيارة إلى بغداد بخمسينات القرن الماضي. ولهذا كانت متعلقة بفورورها... فيما «صابر عفيف»، هذا الرجل/ الطفل كان متعلقاً بتلابيب فستان والدته.

في خضم الزحمة، ضاع مشلح الشنشيلا، لكنه سيظهر لاحقاً في أوساط طبقة المشاهير والأثرياء، قبل أن يستقر على كتف الشهبانو فرح ديبا بلهوي، لدى لجوئها مع زوجها إلى القاهرة عقب الثورة الإسلامية في إيران. وبعد علم «صابر» بذلك، اتصل تليفونياً بسكرتير الشهبانو مطالباً باستعادة الفورور. وهو اتصال سيكلّفه عمله في دار «كريستيز»، التي ستستغلّ هذا الخطأ الذي اقترفه «صابر» لطرده من العمل، والاستحواذ على الفورور.

أضاعت «وحيدة» الفورور.. وخسرت ابنها «صابر» حين انتقلت حضانته إلى عمه بعد إعدام والده، ثم تلاشى حلمها في الحصول على لحن من فريد الأطرش، قبل أن تموت كدراً في لبنان.

هذه هي قصة «الفورور» باختصار. وقد يبدو البحث عن المشلح أشبه بسردية تشويقية تحاكي الحبكات البوليسية. لكن الرواية ليست كذلك.

الفورور هو فقط ذريعة ليخلق لنا صاحب رواية «يوليانا» خطين سرديين، الأول مُغرق في رومانسية مشرقية («وحيدة» وبحثها عن الشهرة)، والثاني يكشف عن برودة المؤسسات الرأسمالية الغربية («كريستيز» و«سوذبيز» وغيرهما من دور المزادات العريقة).

سنقرأ في رواية «فورور» عن الفن بأشكاله: الغناء والعزف والتمثيل.. وأيضاً الرسم. وسنجد في الرواية؛ إلى جانب عبد الحليم ومريم فخر الدين، فريد الأطرش وفيلمون وهبة... وفنانين تشكيليين مثل حافظ الدروبي ولوحته المشهورة «باعة البطيخ»، ويوهان غونتر ولوحته «يد الخريف». وسننتقل من بلد إلى آخر مع «وحيدة» وابنها ومشلحها البيج، بين العراق ومصر ولبنان ولندن.

لكننا نقرأ أكثر عن كيفية صناعة النجوم في كواليس تجارة الفنّ ودنيا المال والحياة المخمليَّة، وكيفية إبرام الصفقات في دار «كريستيز» وطرقها في الحصول على اللوحات المهمة والتلاعب بأسعارها لبيعها بأثمان خيالية، عبر أساليب ملتوية تعتمدها هذه الدار وغيرها لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمبادئ أو القيم الفنية. وهكذا يصبح «صابر»؛ ذلك الوسيط البسيط الذي يزوّد «كريستيز» بلوحات مهمة، شخصاً لا بد من الاستغناء عنه، لكي تتمكن الدار من الاستيلاء على الفورور الشنشيلا وأيضاً على كَمَان خاص بخالته «بدرية» عازفة الكمان المشهورة.

في الصفحة الـ73 من الرواية، يقول «الطفل صابر»: «وأنا في القاهرة كنت غير ذلك الشاب الذي حضر حفلة فريد الأطرش بمدرج لبنان في عالية. لا أملك الفضول؛ وإنما الشعور بالأسى... شيء يشبه عاطفة إطعام القطط والعصافير، والشيء الوحيد الذي رافقني هناك هو أن (وحيدة جميل) ضاعت وسط هذا العالم». أما في الصفحة الـ110، فنرى «الرجل صابر» الذي ينازع من أجل هويته... «سيلين (حبيبته) تخبرني الكثير عن نفسي، وتعرف كيف تسترجع كل ما سلبته (كريستيز) مني».

تتخيّل هذه الرواية، كما يقول الناشر، «ما لم يحدث، وما كان يُفترض به أنْ يحدث»، وهي تصوّراتٌ يتخلّلها الحبّ الجارف في زمنٍ لم يكن كاملَ الجمال، لكنَّه باهرٌ ويستحقّ أنْ يُسردَ.

إنها رواية متعددة الطبقات، فهي رواية الحنين في مقابل التوحش، والبحث عن الدفء مقابل برودة العالم الرأسمالي، ورواية رجل هو في الحقيقة لا يزال طفلاً في أعماقه، يمتهن بيع الفن في مزادات عالمية باردة تقيس القيم بالأرقام، لا بالقيمة الجمالية للفن.

و«فورور» هي الرواية الرابعة للقاصّ والروائي العراقي نزار عبد الستّار بعد «يوليانا» (2016)، و«ترتر» (2018)، و«مسيو داك» (2020).

* صحافي وكاتب سعودي