الأسواق العالمية تهتز تحت وطأة الرسوم الجمركية الأميركية

مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ينخفض 1.4 % والتكنولوجيا والسيارات في صدارة الخاسرين

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

الأسواق العالمية تهتز تحت وطأة الرسوم الجمركية الأميركية

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت الأسواق المالية العالمية تراجعاً حاداً عقب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض رسوم جمركية على واردات من كندا والصين والمكسيك وتهديده بفرض رسوم على الاتحاد الأوروبي، مما أضاف مزيداً من عدم اليقين في أوساط المستثمرين ودفعهم إلى الإقبال على بعض الأصول الآمنة. وأدى قرار ترمب إلى انخفاض العقود الآجلة للأسهم وزيادة المخاوف بشأن تداعياته المحتملة على الاقتصاد العالمي، خاصة مع تزايد احتمالات أن يكون لهذا التصعيد تأثيرات سلبية طويلة الأجل على الاقتصادات الكبرى.

لكن في خضم الاضطرابات التي تحدث في الأسواق المالية، طرح محللون سؤالاً واضحاً، وهو: لماذا هذه مفاجأة؟ ففي نهاية المطاف، هذا ما وعد به ترمب منذ أن بدأ حملته الانتخابية لاستعادة البيت الأبيض، وكرر ذلك بعد انتخابه في نوفمبر (تشرين الثاني). حتى إنه أعطى أرقاماً وتواريخ محددة للبدء في الأسبوع الماضي.

صورة مجمعة تظهر رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

في هذا الإطار، قال متداولون لموقع «بارونز» المتخصص إن المتداولين كانوا لا يزالون متشككين في أن أي شيء جوهري سيحدث. إذ ارتفعت الأسهم بشكل ملحوظ في شهر يناير (كانون الثاني)، موسعةً بذلك مكاسبها منذ فوز ترمب على خلفية التفاؤل بأن إلغاء القيود والتخفيضات الضريبية سيعززان أرباح الشركات.

والسبب الذي جعل المستثمرين يتجاهلون هذه الإشارات الواضحة إلى حد ما هو أن التعريفات الجمركية لا تبدو منطقية، وفق «بارونز». كما أشار جورج سارافيلوس، الخبير الاستراتيجي في «دويتشه بنك»، إلى أن التعريفات الجمركية أكبر بثلاث مرات مما تم تسعيره في السوق - وخمسة أضعاف الإجراءات التراكمية التي اتخذها ترمب في فترة ولايته الأولى. وقد ربط المستثمرون هذا القرار بتصعيد في التوترات التجارية، مما أثار قلقاً بشأن ارتفاع التكاليف وتأثير ذلك على النشاط الاقتصادي العالمي. وعكست الأسواق رد فعل سريعاً بإعادة تقييم المخاطر، حيث اعتبر العديد من المحللين أن هذه الخطوة تمثل توجهاً أكثر تشدداً في السياسة التجارية الأميركية، وليست مجرد أداة تفاوضية كما كان يُتوقع سابقاً. من ناحية أخرى، حذّر الخبراء من أن التصعيد التجاري قد يؤدي إلى زيادة التضخم نتيجة لارتفاع تكاليف الواردات، ما قد يضطر مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشدداً.

وفي مواجهة هذه التطورات، أقر ترمب بأن الإجراءات الجديدة قد تفرض بعض الأعباء على المستهلكين الأميركيين، لكنه شدد على أن التكلفة ستكون «مستحقة» في النهاية. في المقابل، حذر بول آشورث من «كابيتال إيكونوميكس» من أن هذه الخطوة قد تسهم في تسريع وتيرة التضخم بصورة أسرع من المتوقع. من جهته، توقع غريغ داكو، كبير خبراء الاقتصاد في «إرنست آند يونغ»، أن تؤدي الرسوم الجمركية إلى تقليص النمو الاقتصادي الأميركي بمقدار 1.5 نقطة مئوية هذا العام، مع احتمال دخول كندا والمكسيك في حالة ركود، بينما تواجه الولايات المتحدة مخاطر «الركود التضخمي»، الذي يتسم بالنمو البطيء والتضخم المرتفع في الوقت ذاته. وفي الأسواق، أشار استراتيجيون من «باركليز» إلى أن هذه الرسوم قد تؤدي إلى تراجع أرباح شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2.8 في المائة، في ضوء التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لهذه الإجراءات، بما في ذلك ردود الفعل الانتقامية من الشركاء التجاريين.

أرقام سوق الأسهم في بورصة نيويورك خلال التداولات الصباحية (أ.ف.ب)

الأسهم تتراجع وسط قلق من التداعيات

تراجعت أسواق الأسهم العالمية والعملات وسط مخاوف من أن تؤدي الرسوم الجمركية إلى نشوب حرب تجارية تضر بالاقتصاد. وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.4 في المائة في التداولات المبكرة بعد خسائر مشابهة لأسواق الأسهم في آسيا وأوروبا. كما تراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 435 نقطة، أي بنسبة 1 في المائة، بينما انخفض مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.8 في المائة. وفي «وول ستريت»، كانت بعض أكبر الخسائر من نصيب الشركات التكنولوجية الكبرى وغيرها من الشركات التي قد تتأثر بشكل أكبر بارتفاع أسعار الفائدة. كما تراجعت أسهم شركات صناعة السيارات، التي تستورد بكثافة من المكسيك، وانخفضت أسهم «جنرال موتورز» بنسبة 5 في المائة.

وبدلاً من الأسهم والعملات المشفرة، انتقل المستثمرون إلى سندات الحكومة الأميركية، التي تعتبر من أكثر الاستثمارات أماناً. وارتفعت عوائد السندات قصيرة الأجل يوم الاثنين في وقت تقلصت فيه التوقعات بتخفيضات في الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي. وارتفع العائد على السندات لمدة عامين إلى 4.24 في المائة من 4.21 في المائة. وتضع العوائد المرتفعة ضغوطاً على جميع أنواع الاستثمارات، لكنها تمثل عبئاً خاصاً على الأسهم التي تعتبر الأكثر تكلفة. ويسلط هذا الضوء على الشركات مثل «إنفيديا» وغيرها من الشركات الرابحة من ازدهار الذكاء الاصطناعي. وانخفضت أسهم «إنفيديا» بنسبة 5.3 في المائة وكانت أكبر مساهم في انخفاض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500».

وتراجعت الأسهم الأوروبية، وانخفض مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي 1.3 في المائة مسجلاً أكبر تراجع يومي له هذا العام. وفي وقت الظهيرة في أوروبا، انخفض مؤشر «داكس» الألماني بنسبة 2 في المائة، وانخفض مؤشر «كاك» الفرنسي 1.9 في المائة. كما تراجعت أسهم أكبر شركات صناعة السيارات الأوروبية، التي تعد من أكثر القطاعات عرضة للرسوم الجمركية، بنسبة تجاوزت 3 في المائة، في حين كانت أسهم التكنولوجيا في المنطقة من بين أكبر الخاسرين، حيث انخفضت بنسبة تزيد على 2 في المائة. كما هبطت العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) 0.9 في المائة. وانخفض مؤشر «فوتسي 100» البريطاني 1.3 في المائة، في حين تراجعت قيمة الجنيه الإسترليني 0.4 في المائة بعد أن صرح ترمب بأن المملكة المتحدة قد تتمكن من تجنب الرسوم الجمركية رغم «عدم التوافق» في التجارة، إلا أنه أكد أن ذلك قد لا يكون ممكناً مع الاتحاد الأوروبي.

وانتهت الأسهم في طوكيو على انخفاض بلغ نحو 3 في المائة وانخفض المؤشر الرئيسي لأستراليا - الذي يعتبر في كثير من الأحيان مؤشراً للأسواق الصينية - بنسبة 1.8 في المائة. أما الأسهم في هونغ كونغ، التي تشمل إدراجات الشركات الصينية، فقد أنهت تداولاتها دون تغيير يذكر بعد استئنافها من عطلة رأس السنة الصينية. بينما ستستأنف الأسواق الصينية في البر الرئيسي تداولاتها يوم الأربعاء.

سيارات ألمانية جديدة مخزنة في مركز لوجيستي في إيسن بألمانيا (أ.ب)

الأسواق الناشئة تشهد تراجعاً حاداً

انخفض البيزو المكسيكي 1.8 في المائة ليصل إلى أدنى مستوى له في نحو ثلاث سنوات، حيث يذهب أكثر من 80 في المائة من صادرات المكسيك إلى الولايات المتحدة، أكبر شريك تجاري لها على الإطلاق. وتراجع الدولار الكندي بشكل ملحوظ أمام الدولار الأميركي، متأثراً بتقلبات السوق، حيث انخفض 1 في المائة ليصل إلى 1.4665 دولار كندي مقابل الدولار الأميركي، أي ما يعادل 68.19 سنت أميركي، بعد أن تراوح خلال اليوم بين 1.4599 و1.4793. وفي مكان آخر، تراجعت الأصول في جنوب أفريقيا بعد أن أعلن ترمب عن قراره بقطع التمويل عن البلاد. وانخفض الراند بنسبة 1.2 في المائة، كما انخفض السند الحكومي القياسي لعام 2030 وارتفع العائد بمقدار 16.5 نقطة أساس ليصل إلى 9.22 في المائة. كما خسر مؤشر الأسهم الرئيسي 0.8 في المائة.

كما قلص اليوان الصيني الخارجي بعض خسائره بعد أن لامس أدنى مستوى قياسي له عند 7.3765 مقابل الدولار، بينما أغلقت أسهم هونغ كونغ مستقرة تقريباً بعد أن سجلت أدنى مستوى لها في أكثر من أسبوع. وتراجعت السندات الدولارية الصادرة في اقتصادات الأسواق الناشئة مثل مصر والأردن وكينيا. وانخفض مؤشر «إم إس سي آي» الذي يتتبع عملات الأسواق الناشئة العالمية بنسبة 0.5 في المائة ليصل إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ أسبوعين، في حين انخفض مؤشر الأسهم بنسبة 1.8 في المائة.

شخص يمر بجانب شاشة عرض للمؤشرات خارج مكتب بورصة تايوان في تايبيه (وكالة حماية البيئة)

«بتكوين» تتراجع والذهب يلمع

سجلت عملة «بتكوين»، أكبر عملة مشفرة في العالم، أدنى مستوى لها في ثلاثة أسابيع عند 91441.89 دولار بتراجع قدره 6.2 في المائة. من جهة أخرى، خسرت العملة المشفرة الأصغر «إيثر» نحو 25 في المائة من قيمتها منذ يوم الجمعة، مسجلة أكبر تراجع لها في ثلاثة أيام منذ نوفمبر 2022؛ حيث وصلت قيمتها إلى 2592.14 دولار.

في المقابل، استعاد الذهب خسائره المبكرة يوم الاثنين، ووصل في المعاملات الفورية إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 2818.27 دولار للأوقية بفضل الطلب على المعدن الأصفر كملاذ آمن، مدفوعاً بمخاوف من تباطؤ النمو والتضخم، التي أشعلتها الرسوم الجمركية.

أسعار المعادن الصناعية تتراجع

تراجعت أسعار المعادن الصناعية في بورصة لندن للمعادن؛ حيث هبط النحاس إلى أدنى مستوى له في 4 أسابيع، متأثراً بالمخاوف من أن الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات قد تُلقي بظلالها على النمو الاقتصادي والطلب. وانخفض النحاس القياسي 0.7 في المائة ليصل إلى 8985 دولاراً للطن المتري في التداول الرسمي، بعدما لامس أدنى مستوى له منذ 6 يناير عند 8914.50 دولار. كما تراجع سعر الألمنيوم لمدة ثلاثة أشهر 0.6 في المائة إلى 2579 دولاراً للطن. وانخفض الرصاص بنسبة 0.3 في المائة إلى 1944 دولاراً، كما هبط القصدير 1.2 في المائة إلى 29750 دولاراً، والنيكل 0.7 في المائة إلى 15110 دولارات، في حين ارتفع الزنك 0.1 في المائة ليصل إلى 2745 دولاراً.


مقالات ذات صلة

الرئيس التونسي يدعو لـ«مراجعة الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

شمال افريقيا الرئيس التونسي طالب بدعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم (موقع الرئاسة)

الرئيس التونسي يدعو لـ«مراجعة الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

دعا الرئيس التونسي قيس سعيد إلى مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الاقتصاد أكبر مقر في أوروبا لتخزين الغاز بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يحث على خفض أهداف تخزين الغاز

حث الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء على خفض أهداف تخزين الغاز الطبيعي، والبدء في إعادة ملء المخزونات الاحتياطية تدريجياً للحد من الطلب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا القادة الأوروبيون في لقطة جماعية على هامش قمتهم في العاصمة البلجيكية بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي يدين الضربات العسكرية الإيرانية ضد دول المنطقة

د‌عا ​قادة الاتحاد الأوروبي في قمتهم، الخميس، في بروكسل ​لخفض ⁠التصعيد في الشرق الأوسط ​وضبط ⁠النفس ⁠إلى ‌أقصى ‌حد ​وحماية ‌المدنيين والبنية ‌التحتية ‌المدنية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا أشخاص يسيرون في لاهاي بهولندا 3 نوفمبر 2025 (رويترز)

هولندا تُوقف عمليات الترحيل إلى إيران وسط مخاوف أمنية

قال وزير الهجرة الهولندي إن البلاد قررت الوقف الفوري، ولمدة ستة أشهر، لقرارات وعمليات الترحيل المتعلقة بطالبي اللجوء الإيرانيين بسبب الوضع الأمني في إيران.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
المشرق العربي أمطار غزيرة تغرق شوارع الحسكة شمال شرقي سوريا أمس (رويترز)

برلين تدعو الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز دعمه لسوريا واستقرارها

في ورقة موقف موجهة إلى المفوضية الأوروبية ودائرة الشؤون الخارجية، دعت الحكومة الألمانية إلى إمكانية الإعداد على المدى الطويل لاتفاق شراكة شامل مع سوريا

«الشرق الأوسط» ( بروكسل)

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.