تنامي جرائم القتل منذ مطلع العام يرعب اللبنانيين

تتنوع دوافعها بين السرقة والثأر

حاجز لقوى الأمن الداخلي في أحد شوارع بيروت ليلة رأس السنة (موقع قوى الأمن)
حاجز لقوى الأمن الداخلي في أحد شوارع بيروت ليلة رأس السنة (موقع قوى الأمن)
TT

تنامي جرائم القتل منذ مطلع العام يرعب اللبنانيين

حاجز لقوى الأمن الداخلي في أحد شوارع بيروت ليلة رأس السنة (موقع قوى الأمن)
حاجز لقوى الأمن الداخلي في أحد شوارع بيروت ليلة رأس السنة (موقع قوى الأمن)

يشهد لبنان ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة الجرائم على أنواعها، لكنّ ظاهرة القتل بوضح النهار التي يذهب ضحيتها مدنيون أبرياء، بدأت تثير مخاوف الناس الذين يطالبون الدولة بحماية مواطنيها وفرض سلطة القانون على الجميع.

وشكّلت جريمة القتل المروّعة التي شهدتها منطقة فاريا في جبل لبنان، الأحد، الصورة الأكثر قساوة ورعباً عمّا بلغه حال المجتمع اللبناني، إذ أقدم الشاب ج. شمعون على دهس الفتى خليل خليل (17 عاماً) بسبب خلاف على أفضلية المرور. وأظهرت وقائع الجريمة أن القاتل طارد المغدور الذي كان يقود سيارته إلى أمام الفندق الذي يملكه والد الأخير، وعندما وصل وترجل المغدور من سيارته وحاول الاحتماء بأهله، سارع الجاني إلى دهسه مرات عدة حتى فارق الحياة.

ولم يفلح صراخ شقيقة الضحية واستغاثتها في إنقاذ حياة شقيقها وردع القاتل عن جريمته. ولاحقاً أوقفت الأجهزة الأمنية ج. شمعون ووالدته التي كانت إلى جانبه ورفيقيه أيضاً.

قلق متنامٍ

ما حصل في فاريا تحوّل إلى كابوس لدى كثير من اللبنانيين الذين ينتابهم القلق على أبنائهم من تعرّضهم لفاجعة مماثلة، خصوصاً أن جريمة فاريا قد لا تكون خاتمة هذه المآسي، فهي حلقة ضمن سلسلة طويلة ومتواصلة، بدأت قبل ثلاثة أسابيع، عندما أقدم شخص مجهول ليل 15 يناير (كانون الثاني) الماضي على قتل جورج روكز صاحب معرض لبيع السيارات في منطقة ضبيّة (شرق بيروت) بإطلاق عدة رصاصات على صدره ومن ثم سرقة سيارة مرسيدس من نوع «جي كلاس» ليقدّمها القاتل هدية إلى عشيقته. وتمكن القاتل بالفعل من سرقة السيارة بعد ارتكاب جريمته قبل أن تعتقله الأجهزة الأمنية في اليوم التالي.

وصباح 27 يناير الماضي، عثر على جثة إميل حديفة مكبلاً ومرمياً في دورة المياه داخل محطة الوقود التي يملكها في منطقة مزرعة يشوع (جبل لبنان). وبيّنت التحقيقات أن أربعة سوريين من عمّال المحطة هم الذين ارتكبوا الجريمة وفرّوا إلى سوريا قبل العثور على جثة ضحيتهم.

كما طالت الجرائم نائب مطران طائفة الأرمن الأرثوذكس في لبنان الأرشمندريت كوجانيان (40 عاماً)، المُكلف بإدارة شؤون الطائفة في زحلة وعنجر (شرق لبنان)، إذ عثر صباح السبت في الأول من فبراير (شباط) الحالي على جثته داخل منزله في بصاليم (جبل لبنان)، بعدما فُقد الاتصال به الجمعة. وحضرت الأجهزة الأمنية إلى المكان، وبدأت التحقيقات لكشف ملابسات الجريمة، حيث أفيد بأن دافعها السرقة. وتحوم الشبهات حول تورط عمال سوريين في الجريمة.

الأمن الاستباقي

ولبنان ليس حالة فريدة بالطبع، إذ إن هذه الجرائم موجودة في بلدان مختلفة، لكن ارتفاعها بات يبعث على القلق بين اللبنانيين. ورأى مصدر أمني لبناني أن «هذا النوع من الجرائم لا يعالج بإجراءات أمنية استباقية». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمن الوقائي دائماً ما يسجّل نجاحاً في الجرائم ذات الطابع الأمني والإرهابي من خلال مراقبة وتعقّب للشبكات، لكن في الجرائم العادية والخلافات الشخصية يصعب معرفتها مسبقاً»، مشيراً إلى أن «الوضع الاجتماعي والأزمات المالية والاقتصادية يلعبان دوراً أساسياً في جرائم السرقة، إلّا أن البعض يتخذ من ظاهرة السرقة وسيلة للكسب وجمع الأموال وليس من أجل الحاجة، ولا يتردد في ارتكاب جريمة قتل حتى ينجو بنفسه أو يمنع الضحية من كشف هويته، كما حصل مع جريمة قتل صاحب محطة الوقود أو صاحب معرض السيارات». ولا يخفي المصدر أن «تراجع عدد الدوريات والوجود الأمني على الأرض قد يشكل عاملاً مشجعاً للجاني بأنه قادر على ارتكاب جريمته والفرار، لكن هذا التراجع ليس سبباً مباشراً للتشجيع على الجريمة».

عناصر من الشرطة اللبنانية في مهمة انتشار الشهر الماضي (موقع قوى الأمن)

التفلت من القانون

وقتل مسلحون ملثمون ليل الاثنين 21 يناير الماضي، مسؤول «حزب الله» في البقاع الغربي الشيخ محمد حمادي، بست رصاصات أطلقت عليه أثناء مغادرته منزله في بلدة مشغرة، وفرّوا إلى جهة مجهولة. ورجّحت معلومات أن الجريمة «حصلت بدافع الثأر الشخصي».

ورأت الدكتورة فريال عبد الله حلاوي، الأستاذة المحاضرة والمستشارة في تطوير الذات، أن «هناك أسباباً كثيرة وراء هذه الجرائم، التي تأتي بعد أيام على خروج لبنان من الحرب، يضاف إليها أسباب اقتصادية واجتماعية ناتجة عن المآسي والضغوط النفسية المتأتية عن الحرب».

وقالت حلاوي لـ«الشرق الأوسط»: «نحن الآن في مرحلة انتقالية، بين اللادولة التي لم يكن فيها رئيس للجمهورية وتشكيل الدولة من خلال انتخاب رئيس للبلاد والبدء بتشكيل الحكومة، لذلك نشهد تفلتاً في الجريمة وعدم الالتزام بالقوانين وعدم الخوف من العقوبات، وهذا مرده إلى فترة تحلل الدولة».

وشددت الدكتورة حلاوي على أن «الجريمة التي ذهب ضحيتها الشاب خليل خليل تفوق التصور، خصوصاً أنها ارتكبت بوحشية وساديّة، بحيث ظلّ القاتل يدهس الضحية أمام أهله حتى فارق الحياة»، مشيرة إلى أن «شخصية الشاب الجاني إما أنها غير سويّة، وإما ارتكبها تحت تأثير تناوله المخدرات». وأضافت: «إذا صحّت المعلومات بأن والدة الجاني كانت برفقته فهذا أمر غير مفهوم، إذ كان يفترض بها أن تمنع ولدها أو أن توقف السيارة بأي وسيلة، لأن شخصية الأم مرتبطة بصورة الأم بالعاطفة والقانون والقواعد الإنسانية، ولا أحد يمكن أن يتخيّل أن تشارك أم ولدها في جريمة قتل شاب عمره لا يتعدّى 17 عاماً التجأ إلى أهله ليحتمي بهم من تهديدات الجاني ومطاردته له».

إجراءات صارمة

وكاد خادم رعية مار أنطونيوس البدواني للموارنة الخوري إيلي بشعلاني يخسر حياته صباح الأحد الماضي، خلال عودته من بيروت إلى منزله في منطقة المريجات (جبل لبنان)، حين طاردته سيارة من نوع «جيب شيروكي» سوداء اللون وحاولت قطع الطريق أمامه، إلّا أنه تمكن من التخلص منها، إلّا أن السيارة نفسها عادت وتوقفت أمام منزل الخوري وترجل منها شخص مسلّح وفتح النار على منزله الذي أصيب بعدة طلقات، ثم لاذ بالفرار.

وشددت الدكتورة فريال حلاوي على «ضرورة أن تأخذ الدولة بزمام المبادرة وأن يتشدد القضاء في فرض العقوبة بحق المرتكبين». ودعت إلى «اتخاذ إجراءات صارمة ورادعة بحقّ الجناة الذين يجري توقيفهم، بالإضافة إلى فرض هيبة الدولة على الأرض حتى لا يشعر هواة القتل أنهم قادرون على ارتكاب جرائمهم ومطمئنون إلى قدرتهم على الإفلات من التوقيف، وبالتالي على الدولة أن تحزم أمرها وتفرض هيبتها وتثبت أنها قادرة على حماية مواطنيها وكل المقيمين على أراضيها».


مقالات ذات صلة

سلام يختتم زيارته إلى جنوب لبنان: نريد للمنطقة العودة إلى الدولة

المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يحاط بأهالي كفرشوبا في جنوب لبنان الذين رشوا الورود والأرز ترحيباً به (الشرق الأوسط)

سلام يختتم زيارته إلى جنوب لبنان: نريد للمنطقة العودة إلى الدولة

تعهّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بالعمل على إعادة تأهيل البنى التحتية في القرى الحدودية مع إسرائيل «خلال أسابيع»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جانب من جولة نواف سلام على جنوب لبنان (حساب رئاسة مجلس الوزراء على «إكس»)

سلام يجول على القرى الحدودية جنوب لبنان: نعمل على توفير شروط التعافي

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، اليوم (السبت)، عن العمل على إعادة إعمار البنى التحية واستمرار الإغاثة وتوفير شروط التعافي في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

وزير الداخلية اللبناني يدفع لتسوية تنقذ قانون الانتخابات من المراوحة

أصاب وزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار بالتعميم الذي أصدره بفتح باب الترشح للانتخابات النيابية اعتباراً من 10 فبراير حتى 10 مارس عصفورين بحجر واحد.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلتقي نظيره الأردني جعفر حسان (رئاسة الحكومة اللبنانية)

رئيس الحكومة اللبنانية: ملتزمون النزاهة في حوكمة وإدارة المساعدات

تعهّد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، بالمضي قدماً في مسار الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية، لا سيما تلك المتصلة بإصلاح القطاعين المالي والمصرفي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مجسّم لصاروخ رفعه «حزب الله» بمنطقة قلاويه في جنوب لبنان فوق شعار «لن نترك السلاح» (أرشيفية - إ.ب.أ)

نصيحة فرنسية لـ«حزب الله»: حذارِ الانزلاق عسكرياً لإسناد إيران

يشهد لبنان هذا الأسبوع يوماً فرنسياً بامتياز مع وصول وزير الخارجية جان نويل بارو إلى بيروت ليل الخميس.

محمد شقير (بيروت)

العراق: إخفاق جديد في تحديد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية

رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
TT

العراق: إخفاق جديد في تحديد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية

رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
رئاسة مجلس النواب تعقد اجتماعاً في 1 فبراير لمناقشة حسم انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)

فشل البرلمان العراقي في إدراج بند انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن جدول أعماله المقرر اليوم (الاثنين)، ليكون بذلك ثالث إخفاق من نوعه منذ إجراء الانتخابات البرلمانية قبل أكثر من شهرين.

ويأتي هذا الإخفاق وسط استمرار الخلافات السياسية بين القوى الشيعية والكردية؛ مما أعاق التوصل إلى توافق على مرشح للرئاسة، ويؤكد استمرار حالة الانسداد السياسي في البلاد.

ويقود رئيسُ الحكومة الحالية، محمد شياع السوداني، حكومةَ تصريف أعمال، بعد تجاوز المدد الدستورية لتشكيل حكومة جديدة وانتخاب رئيس للجمهورية؛ مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي العراقي ويضعف فاعلية المؤسسات الدستورية.

ويشير مراقبون إلى أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مزيد من الشلل في عمل الدولة وتأخير إنجاز الاستحقاقات الدستورية الأخرى، وسط أجواء من التوتر والانقسام بين القوى السياسية.


ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)

كشفت صحيفة «ذا أتلانتيك» الأميركية تفاصيل نادرة عن كواليس حكم الرئيس السوري بشار الأسد في الفترة التي سبقت سقوط نظامه.

وقالت في مقدمة التقرير، الذي تحدث فيه كاتبه إلى مصادر من داخل النظام السوري السابق ومسؤولين إسرائيليين ولبنانيين، إن «بعض الطغاة يموتون وهم يقاتلون، بعضهم يُشنقون، وبعضهم يموتون في فراشهم. لكن تصرف الأسد كان اللجوء إلى الخداع بطريقة صدمت حتى المقربين منه، فقد طمأن مساعديه وكبار الضباط بأن «النصر قريب»، وبأن اتصالات إقليمية ستؤدي إلى وقف الهجوم.

كان ذلك مع اقتراب فصائل المعارضة من دمشق في 7 ديسمبر (كانون الأول) 2024، اليوم السابق لسقوط النظام، كانت الفصائل قد وصلت إلى حمص بعد أن دخلت حلب وحماة.

فرّ بشار ليلاً على متن طائرة روسية، دون أن يُخبر أحداً تقريباً. في حين أعلن البيان المراوغ الذي صدر في تلك الليلة أن «الأسد كان في القصر يؤدي واجباته الدستورية».

فرار الأسد فجّر غضباً بين من كانوا يعلنون الولاء له، وشهادات المقربين منه، تظهر أن الغضب انطلق من شعورهم بأنهم تعرضوا للخيانة، فبعضهم كان مستعداً للقتال أو على الأقل للانسحاب المنظم، لو واجههم بالحقيقة، لكن الأسد استخدمهم واجهة سياسية وأمنية لتغطية عملية فراره التي تركت خلفها فوضى واجهها المؤيدون له.

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)

لم تكن أي جهة تتوقع سقوط الأسد السريع، لا الموساد ولا الاستخبارات الأميركية، لكن التفسيرات التي تلت انهيار نظامه أن داعمي الأسد، روسيا وإيران و«حزب الله»، تورطوا في صراعات أخرى مثل حرب أوكرانيا والمواجهة مع إسرائيل على التوالي، ولم يعودوا قادرين على حمايته. وكشف انشغالهم بملفات أخرى ما كان خفياً لسنوات؛ جيش منهك يحكمه الفساد، كما حدث مع النظام المدعوم من أميركا في أفغانستان، الذي سقط عام 2021، «كانت سلالة الأسد في مواجهة إعادة تشكيلات جيوسياسية أوسع في المنطقة والعالم، وبدا سقوطها حتمياً»، يقول التقرير.

لقطة من فيديو لقناة «سوريا» تظهر طائرات حربية روسية رابضة في قاعدة حميميم باللاذقية خلال عمليات «ردع العدوان»

كان بشار الأسد، في ذروة المعارك وتدهور الوضع الميداني، منفصلاً إلى حد كبير عن الأحداث، ونقل مصدر سابق في «حزب الله»، أنه أمضى أوقات طويلة في ممارسة الألعاب على هاتفه المحمول، أبرزها لعبة «كاندي كراش».

في السابع من ديسمبر 2024، قبل يوم من انهيار النظام، عُقد اجتماع في الدوحة بمشاركة وزراء خارجية من المنطقة وخارجها، في محاولة أخيرة لمنع السقوط الكامل والدفع نحو انتقال سياسي تدريجي، إلا أن الجهود فشلت، بعدما تعذر التواصل مع الأسد، الذي أغلق هاتفه ولم يشارك في أي نقاش.

ونقلت «ذا أتلانتيك» شهادات عشرات من رجال البلاط والضباط في قصر تشرين دمشق، الذين قدّموا رواية مغايرة تعتبر أن سقوط النظام لم يكن حتمياً بفعل الجغرافيا السياسية وحدها، بل كان مرتبطاً بشخصية الأسد نفسه، إذ وصفوه بالمنفصل عن الواقع، والمهووس بالجنس وألعاب الفيديو، وكان قادراً على إنقاذ نظامه قبل سنوات لو لم يكن عنيداً ومغروراً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره السوري بشار الأسد في سوتشي 20 نوفمبر 2017 (أ.ف.ب)

وأضاف تقرير الصحيفة أن عدة دول في المنطقة لم تكن تريد سقوط الأسد وقدمت له سابقاً شرايين إنقاذ، وأن وزراء خارجية اتصلوا به حتى في أيامه الأخيرة عارضين عليه الصفقات، لكنه لم يجب، وبدا أنه يتعامل مع أي طرح بوصفه إهانةً شخصية.

أما الإسرائيليون قد نظروا طويلاً إلى الأسد بوصفه «عدواً يمكن التعايش معه»، فهو شخص يردد الشعارات المعتادة عن العدو الصهيوني، لكنه يحافظ على هدوء الحدود بين البلدين، ونقل عن مسؤول إسرائيلي سابق قوله: «الجميع في المنطقة كان مرتاحاً لبقائه هناك، ضعيفاً، ولا يشكل تهديداً لأحد».

حتى الحلفاء الذين أنقذوه سابقاً من نهاية محتومة لم يسلموا من عنجهيته، بمن فيهم إيران، في حين اقتنعت روسيا بأنه عبء ولا يستحق الدفاع عنه.

ديبرا تايس أمام صورة لابنها أوستن في واشنطن 2023 الذي اختُطف أثناء تغطيته الأحداث بسوريا عام 2012 (رويترز)

وفي مثال على عناد الأسد، أوردت «ذا أتلانتيك» مثالاً لرفض الأسد حبل نجاة مُدَّ إليه من الأميركيين، مرتبط بالصحافي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ 2012، إذ أوفدت واشنطن في 2020 روجر كارستنز وكاش باتيل إلى لبنان، واصطحبهما اللواء عباس إبراهيم، رئيس الأمن العام اللبناني آنذاك، إلى دمشق للقاء علي مملوك، أحد أعلى مسؤولي الأمن في النظام، وطرح الأميركيون ملف تايس غير أن ردّ مملوك بأن أي بحث يتطلب أولاً رفع العقوبات وسحب القوات الأميركية من سوريا، وأبدت الحكومة الأميركية استعدادها لصفقة مقابل إثبات أن تايس حي. لكن الأسد رفض الاتفاق وقطع الحوار، ونقل عباس إبراهيم للصحيفة أن تبرير مملوك للرفض «لأن ترمب وصف الأسد» بالحيوان قبل سنوات.

ونقلت «ذا أتلانتيك» عن عباس إبراهيم أن الأميركيين كانوا سيغلقون الملف حتى لو كان تايس قد مات ما داموا عرفوا مصيره، وأن عباس إبراهيم قال إنه تلقى اتصالاً من مايك بومبيو أبدى فيه استعداده للسفر إلى سوريا بطائرة خاصة، وأن رفض الأسد يعد جنوناً.

وحاولت إدارة الرئيس جو بايدن عام 2023 تجديد العرض عبر وفد رفيع إلى سلطنة عُمان للقاء مسؤولين سوريين، لكن الأسد تصرف، وفق رواية عباس إبراهيم، بأسلوب شبه مهين حين رفض إرسال مسؤول رفيع وأوفد بدلاً منه سفيراً سابقاً لم يُسمح له حتى بالحديث عن تايس.


مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
TT

مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)

قُتل خمسة أشخاص على الأقل، اليوم الأحد، بمدينة طرابلس في شمال لبنان إثر انهيار مبنى، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي، بينما تواصل فرق الإنقاذ البحث عن ناجين، في ثاني حادثة من نوعها خلال أسبوعين.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بـ«سقوط مبنى قديم» في حي باب التبانة، أحد أفقر أحياء طرابلس، مؤكدة «إنقاذ 8 أشخاص» فيما «تم سحب 5 ضحايا، بينهم طفل وامرأة مسنّة».

وعملت السلطات على إخلاء المباني السكنية المجاورة «خوفاً من انهيارها».

وعرضت وسائل الإعلام المحلية صوراً لسكان وعمال إنقاذ يحاولون إزالة الأنقاض بعد الانهيار بمعدات متواضعة، وباستخدام أيديهم لإزاحة الركام.

وجاءت هذه الحادثة بعد انهيار مبنى آخر في طرابلس أواخر الشهر الماضي.

وأمر رئيس الجمهورية جوزيف عون أجهزة الإسعاف بـ«الاستنفار للمساعدة في عمليات الإنقاذ»، وتأمين مأوى لـ«سكان المبنى (المنهار) والمباني المجاورة التي أخليت تحسباً لأي طارئ»، وفق بيان للرئاسة.

وينتشر في لبنان العديد من المباني المأهولة بالسكان رغم أنها متداعية أو آيلة للسقوط.

وقد بُني العديد منها بشكل غير قانوني، لا سيما خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990، بينما أضاف بعض المالكين طوابق جديدة إلى مبانٍ سكنية قائمة دون الحصول على التراخيص اللازمة.

وسجلت انهيارات مبانٍ في طرابلس ومناطق أخرى في بلد لا يتم الالتزام فيه، في أحيان كثيرة، بمعايير السلامة الإنشائية للأبنية المأهولة التي شُيِّد قسم منها عشوائياً منذ عقود على أراضٍ مشاع.

ويعاني لبنان من انهيار اقتصادي منذ أكثر من ست سنوات بات معه الكثير من سكانه تحت خط الفقر.

وانعكست تبعات الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة على قطاعات مختلفة بما في ذلك البناء، فيما تردى وضع الكثير من البنى التحتية.

وحثّت منظمة العفو الدولية عام 2024 السلطات اللبنانية على إجراء مسح ميداني شامل «على وجه السرعة لتقييم سلامة المباني في جميع أنحاء البلاد»، ونشر نتائجه.

وحذّرت المنظمة حينها خصوصاً من الوضع في طرابلس، كبرى مدن الشمال اللبناني، حيث يقطن «آلاف الأشخاص... في أبنية غير آمنة» عقب وقوع زلزال مدمر في تركيا وسوريا في فبراير (شباط) 2023، ألحق أضراراً بأبنية في لبنان.

وأضافت أنه «حتى قبل وقوع الزلازل، كان السكان في طرابلس قد دقوا ناقوس الخطر بشأن حالة مساكنهم المروّعة والناجمة عن عقود من الإهمال».