الفسيفساء الجينية: دور الحمض النووي البشري في الصحة والمرض

جسم الإنسان مزيج معقد من الخلايا باختلافات وراثية طفيفة

الفسيفساء الجينية: دور الحمض النووي البشري في الصحة والمرض
TT

الفسيفساء الجينية: دور الحمض النووي البشري في الصحة والمرض

الفسيفساء الجينية: دور الحمض النووي البشري في الصحة والمرض

الفسيفساء الجينية هي واحدة من المفاهيم الحديثة في علم الوراثة التي تغير الطريقة التي ننظر بها إلى جسم الإنسان وكيفية عمله. وتشير هذه الظاهرة إلى أن جسم الإنسان ليس وحدة متجانسة من الخلايا، بل هو مزيج معقد من الخلايا التي تحتوي على اختلافات طفيفة في الحمض النووي (دي إن إيه).

وسنتناول هنا مسارات الفهم الحديث للفسيفساء الجينية بناءً على أبحاث ودراسات جديدة، ونتحدث عن أهميتها العلمية والتطبيقات المحتملة لتحسين حياة البشر:

الفسيفساء الجينية

• ما هي الفسيفساء الجينية؟ تبدأ الفسيفساء الجينية منذ اللحظة الأولى لتكوين الجنين. فعندما يلتقي الحيوان المنوي بالبويضة يبدأ الحمض النووي (دي إن إيه) DNA الخاص بهما في الاتحاد لتشكيل جينوم جديد. وفي هذه المرحلة تبدأ الخلية الأولى في الانقسام لتكوين جسم الإنسان، وخلال هذه العملية تحدث أخطاء صغيرة في نسخ الحمض النووي. ثم مع مرور الوقت تتراكم هذه الأخطاء الجينية في خلايا الجسم؛ ما يؤدي إلى تكوين فسيفساء جينية معقدة.

وحسب دراسة نشرت في مجلة Genes في 24 سبتمبر (أيلول) 2024 برئاسة روري تينكر، قسم علم الوراثة الطبية والطب الجينومي المركز الطبي لجامعة فاندربيلت ناشفيل تينيسي الأميركية وآخرين، فإن هذه الأخطاء ليست دائماً ضارة. فقد يكون بعضها غير ضار تماماً، بينما يمكن أن يكون لبعضها الآخر آثار إيجابية أو سلبية على الصحة. ويوضح هذا الفهم الحديث أن الجسم البشري يتكون من خلايا ليست متطابقة تماماً، بل تختلف في جيناتها بشكل طفيف.

• أهمية الفسيفساء الجينية في الصحة. من المعروف أن الأخطاء الجينية قد تكون مرتبطة بالكثير من الأمراض مثل السرطان. ولكن الفهم الجديد للفسيفساء الجينية يظهر أن بعض هذه الطفرات الجينية يمكن أن تكون مفيدة. ففي دراسة نشرتها مجلة The Atlantic في 2 يناير (كانون الثاني) 2025 برئاسة جيسون ليبوفيتز، الطبيب والأستاذ المساعد في الطب بجامعة كولومبيا الولايات المتحدة، وجد الباحثون أن بعض الطفرات الجينية التي تحدث في خلايا الدم قد تكون مرتبطة بانخفاض خطر الإصابة بمرض ألزهايمر. وعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسة أن خلايا الدم التي تحتوي على طفرات معينة قد تكون أكثر كفاءة في إزالة البروتينات السامة المرتبطة بمرض ألزهايمر. وهو ما يشير إلى أن الطفرات الجينية ليست دائماً ضارة، بل قد تلعب دوراً إيجابياً في بعض الحالات.

الطفرات الجينية والأمراض

• الطفرات الجينية في الدماغ. قد تعتقد أن الدماغ باعتباره أحد أكثر الأعضاء تعقيداً خالٍ من الطفرات الجينية، خصوصاً أن خلاياه تتوقف عن الانقسام بعد الولادة. لكن الأبحاث الحديثة مثل الدراسة المنشورة في Neuroscience Bulletin في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2024 برئاسة مارتن بروس، قسم علم الوراثة السريرية والتمثيل الغذائي كلية الطب بجامعة كولورادو الولايات المتحدة الأميركية وآخرين، أثبتت أن الدماغ أيضاً يحتوي على طفرات جينية تتراكم مع الوقت، حيث وجد الباحثون أن هذه الطفرات قد تكون مرتبطة ببعض الحالات العصبية مثل التوحد والصرع والفصام. كما أن فهم هذه الطفرات يساعد العلماء على تطوير علاجات جديدة لهذه الحالات. فعلى سبيل المثال، إذا تم اكتشاف طفرة جينية معينة تسبب مرضاً معيناً يمكن استخدام هذه المعرفة لتطوير أدوية تستهدف هذه الطفرة بشكل مباشر.

• الفسيفساء الجينية والشيخوخة. واحدة من النظريات المثيرة للاهتمام هي أن الفسيفساء الجينية قد تكون مرتبطة بعملية الشيخوخة. فمع تقدم العمر تتراكم الطفرات الجينية في الخلايا؛ ما يؤدي إلى تغيرات في وظائف الجسم. وقد أظهرت دراسة نُشرت في 13 أبريل (نيسان) 2022 في مجلة Nature بمساهمة مشتركة من أليكس كاجان وأدريان بايز أورتيجا، من قسم السرطان والشيخوخة والطفرة الجسدية معهد ويلكوم سانجر هينكستون المملكة المتحدة وآخرين، أن الحيوانات ذات العمر القصير مثل الفئران تتراكم لديها الطفرات الجينية بسرعة أكبر مقارنة بالكائنات الأطول عمراً مثل البشر.

وهو ما يشير إلى أن تراكم الطفرات الجينية قد يكون جزءاً من العملية الطبيعية للشيخوخة. وإذا ما تمكن العلماء من فهم كيفية تقليل هذه الطفرات أو إصلاحها، فقد يكون من الممكن تأخير الشيخوخة أو تحسين نوعية الحياة في سنوات العمر المتقدمة. وبناءً على ذلك؛ يمكن أن يساعد الفهم الأعمق للفسيفساء الجينية في تطوير اختبارات تشخيصية أكثر دقة. فبدلاً من الاعتماد فقط على عينات الدم لتحليل الحمض النووي يمكن أيضاً تحليل أنسجة أخرى مثل اللعاب أو الجلد لاكتشاف الطفرات الجينية.

تطوير علاجات جديدة

ويمكن استهداف الطفرات الجينية التي تسبب أمراضاً معينة باستخدام التكنولوجيا الحديثة. على سبيل المثال، تمت الموافقة أخيراً على علاج يستهدف طفرة جينية معينة مرتبطة بمرض التصلب الجانبي الضموري Amyotrophic lateral sclerosis‏ ويرمز له اختصاراً (ALS) (هو شكل من أشكال أمراض الأعصاب الحركية سريع الانتشار قاتل يسبب ضمور الجهاز العصبي نتيجة ضمور الأعصاب الحركية والخلايا العصبية في الجهاز العصبي المركزي التي تتحكم في حركة العضلات الإرادية)، ولكن البيانات الجديدة حول الفسيفساء تشير إلى أن الكثير من الأشخاص قد يكون لديهم طفرات في جينات هذا المرض في أدمغتهم أو في النخاع الشوكي حتى لو لم يكن لديهم في بقية أجسامهم.

وهذا مهم لأن العلماء يعملون على علاجات تستهدف بعض الجينات التي تزيد على 40 جيناً والتي تسبب التصلب الجانبي عند تحورها. وفي عام 2023، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على أول علاج من هذا القبيل والذي يوقف جين التصلب الجانبي الضموري المتحور بشكل شائع. ولكي يكون المرضى مؤهلين لمثل هذه العلاجات سيحتاجون إلى معرفة طفراتهم، وإذا كان تراكم الطفرات الجينية مرتبطاً بالشيخوخة، فإن تقليل هذه الطفرات قد يساعد في إطالة العمر أو تقليل الآثار السلبية للشيخوخة.

تصورات المستقبل

يمثل الفهم الجديد للفسيفساء الجينية خطوة كبيرة نحو تحسين صحة الإنسان. فمن خلال دراسة الطفرات الجينية يمكننا فهم الأسباب الجذرية للكثير من الأمراض وتطوير علاجات أكثر فاعلية. بالإضافة إلى ذلك، قد يفتح هذا الفهم الباب أمام تقنيات جديدة لتأخير الشيخوخة وتحسين نوعية الحياة.

كما أن هذا المجال لا يزال في مراحله الأولى. ويقول العلماء إننا قد بدأنا فقط في فهم جزء صغير من هذه الظاهرة ومن المتوقع أن نشهد تطورات مذهلة في السنوات المقبلة، حيث إن الفسيفساء الجينية ليست مجرد مفهوم علمي، بل هي مفتاح لفهم أعمق لجسم الإنسان وصحته. ويمكن أن يغير هذا الفهم الطريقة التي نشخّص بها الأمراض ونعالجها، وقد يساعد في تحسين حياتنا بشكل كبير. كما يبدو أن المستقبل مليء بالإمكانيات الواعدة لتحسين صحة البشرية مع التقدم المستمر في هذا المجال.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يحدد الأطفال المصابين بالالتهاب الرئوي الشديد

صحتك نموذج للذكاء الاصطناعي قادر على تحديد الأطفال المصابين بالالتهاب الرئوي (غيتي)

الذكاء الاصطناعي يحدد الأطفال المصابين بالالتهاب الرئوي الشديد

يشير فوراً للأطفال المعرضين للخطر من أول زيارة للطبيب

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
علوم حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

العقم ليس موضوعاً يُحب الرجال التحدث عنه، ولكنه شائع جداً، إذ يُعاني نحو واحد من كل عشرة أزواج من مشاكل في الإنجاب،

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

في اكتشاف قد يغيّر فهم العلماء لأحد أكثر الاضطرابات العصبية تعقيداً، نجح باحثون كنديون في تحديد جين غير تقليدي يبدو أنه يرتبط مباشرة بالسمات الأساسية لاضطراب

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي

موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي

انعدام العمق الطبي للأدوات الذكية يدعو إلى التأني والتقدير السليم في توظيفه

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم 1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي

هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟

يتجه الطب العالمي اليوم نحو مرحلة جديدة تُعرف باسم «الطب الدقيق» (Precision Medicine)، حيث لا تستند القرارات الطبية إلى التشخيص وحده،

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)

أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات

أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات
TT

أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات

أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات

استعرضت وزارة الدفاع الأميركية أمس (الثلاثاء) عدة أسلحة تعتمد على الليزر عالي الطاقة، وأسلحة أخرى بموجات الميكروويف عالية القدرة، أمام وزير الدفاع بيت هيغسيث. وتُعد هذه المرة الأولى المعلنة التي يشاهد فيها وزير دفاع أميركي في منصبه شخصياً عملية إطلاق حية لسلاح يعمل بتقنية الطاقة الموجهة. وأقيم العرض في ميدان «وايت ساندز» لاختبار الصواريخ التابع للجيش الأميركي في ولاية نيو مكسيكو، كما كتب جاريد كيلر(*).

أسلحة الطاقة الموجهة

ووفقاً لمصادر مطلعة على العرض، شملت أسلحة الطاقة الموجهة المشاركة ما يلي: نظام الليزر عالي الطاقة متعدد الأغراض للجيش (AMP-HEL) القائم على نظام «LOCUST» لأسلحة الليزر بقدرة 20 كيلوواط من شركة AV؛ والنسخة «P5» من نظام الدفاع الجوي قصير المدى والمتحرك العامل بالطاقة الموجهة (DE-MSHORAD) بقدرة 50 كيلوواط من شركة nLight؛ ونظام الليزر عالي الطاقة للحماية من النيران غير المباشرة (IFPC-HEL) بقدرة 300 كيلوواط من شركة «لوكهيد مارتن» والمعروف باسم «فالكيري» (Valkyrie)؛ ونظام الحماية من النيران غير المباشرة العامل بموجات الميكروويف عالية القدرة (IFPC-HPM) القائم على نظام «ليونيداس» (Leonidas) من شركة «إيبيروس» (Epirus)؛ بالإضافة إلى نسخة تعمل بموجات الميكروويف عالية القدرة من صاروخ الاعتراض «كويوت» (Coyote) التابع لشركة «رايثيون»، والتي يُرجح أن تكون نظام «Block 3 Non-Kinetic» (BNK).

مبادرة نظام سلاح الليزر المشترك

وبينما صرح مسؤول رفيع المستوى في البنتاغون بان البرامج الحالية تدار من قبل فروع الخدمة العسكرية كلٌ على حدة، فإن مكتب «مايكل» ​​يضطلع «بدور أكثر نشاطاً لدفع تقنيات الطاقة الموجهة قدماً» من خلال مبادرة «نظام سلاح الليزر المشترك» (JLWS) الجديدة، التي أُطلقت العام الماضي تحت مظلة نظام الدفاع الصاروخي المحلي «القبة الذهبية لأميركا» (Golden Dome for America).

استخدام الطاقة الموجهة يتيح للجنود القتال متجاوزين قيود سعة الذخيرة التقليدية

وأشار المسؤول إلى أن العرض العملياتي الذي أُجري في «وايت ساندز»، أكد قدرة أنظمة الطاقة الموجهة - ولا سيما الليزر عالي الطاقة - على التصدي للتهديدات الكثيفة والمنتشرة على نطاق واسع، والقادمة من مصادر ومستويات طاقة متنوعة. وأضاف: «إن توسيع نطاق استخدام الطاقة الموجهة يتيح لمقاتلينا القتال متجاوزين قيود سعة الذخيرة التقليدية، إذ لن يعودوا مقيدين بعدد الرصاصات الموجودة في مخزن السلاح».

سلاح مضاد للصواريخ والمسيرات

وتأتي هذه التجربة في وقت يسعى فيه الجيش الأميركي بقوة لإيجاد بدائل للصواريخ والاعتراضات المكلفة، وذلك لمواجهة الانتشار السريع للطائرات المسيَّرة الرخيصة والمجهزة بأسلحة؛ وهو تهديد ملح لدرجة دفعت البنتاغون لاقتراح تمويل تاريخي بقيمة ملياري دولار لأبحاث وتطوير أسلحة الطاقة الموجهة ضمن طلب الميزانية للسنة المالية 2027.

نشر أسلحة الليزر بعد انخفاض تكاليف إنتاجها

ونظراً لانخفاض تكلفتها النسبية لكل عملية إطلاق وما تتمتع به من سعة ذخيرة «لا نهائية»، تبرز أسلحة الليزر - على وجه الخصوص - كحل جذاب بشكل متزايد لمعضلة الطائرات المسيَّرة. ويبدو أن هذه التكنولوجيا قد نضجت أخيراً لدرجة جعلت القادة العسكريين يؤمنون تماماً بإمكانية نشرها على نطاق واسع كقدرات عملية قابلة للتشغيل والدعم اللوجستي، بدلاً من الاكتفاء بسلسلة لا تنتهي من النماذج الأولية المتطورة والمكلفة.

نظام ليزري واعد

وستكون مبادرة «الليزر عالي الطاقة المستدام» (E-HEL) -وهي المحاولة الأكثر جدية للجيش حتى الآن لتحويل عقود من أبحاث وتطوير أسلحة الليزر إلى برنامج عسكري رسمي معتمد- الاختبار الحقيقي الأول للبنتاغون لمعرفة ما إذا كان الوضع سيختلف هذه المرة. يمضي نظام الليزر المعياري (بقدرة 30 كيلوواط) المخصص لمكافحة الطائرات المسيرة -والذي يُعد خليفةً لمشروع DE-MSHORAD- وفق جدول زمني طموح ومكثف للغاية؛ إذ كان من المتوقع تسليم النموذج الأولي الأول في الربع الثاني من السنة المالية 2026، مع تحديد موعد لتسليم وحدات الإنتاج بحلول نهاية السنة المالية 2027. وتخطط الجهة المعنية لـ«إنتاج ونشر سريع» لما يصل إلى 24 نظاماً من طراز E-HEL على مدار خمس سنوات، وهو طموح كان يُعد أمراً مستحيلاً بالنسبة لبرنامج يعتمد على تقنية الطاقة الموجهة قبل بضع سنوات فقطن بحيث بدأت البحرية الأميركية في استكشاف إمكانية استخدام هذا النظام على متن السفن.

نظام سلاح «لوكاست» الليزري

نظم ليزرات متنافسة

* يُعتبر نظام «لوكاست» LOCUST أكثر أنظمة الليزر خضوعاً لاختبارات ميدانية في الترسانة الأميركية؛ فقد نُشر لأول مرة في الخارج عام 2022 وجرى دمجه في مركبات المشاة (ISV) والمركبات التكتيكية الخفيفة المشتركة (JLTV) ضمن مبادرة AMP-HEL.

وكان هذا النظام مسؤولاً عن أول عملية تدمير لهدف بواسطة الليزر يعترف بها الجيش الأميركي عند الحدود الجنوبية مع المكسيك في شهر فبراير (شباط) الماضي -وإن كانت للأسف حالة «نيران صديقة». كما أسقط نظام LOCUST طائرات مسيرة متعددة أثناء تشغيله من على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وكانت شركة AV قد كشفت في أغسطس (آب) الماضي عن نسخة مطورة من نظام LOCUST خصيصاً للمنافسة في الفوز في مشروع مبادرة «الليزر عالي الطاقة المستدام E-HEL» نظراً لثبوت كفاءة دمجه في المركبات وعلى منصات الشحن (الأنظمة القابلة للنقل).

* يُعد إصدار P5 من نظام DE-MSHORAD، الذي طورته شركة nLight، سلفاً لسلاح الليزر HADES بقدرة 70 كيلوواط الذي كشفت عنه الشركة في شهر مايو (أيار). ويمثل نظام HADES - المصمم للإنتاج الكمي - مسعى الشركة القريب المدى للفوز بعقود لأنظمة مكافحة الطائرات المسيرة، وذلك بالتزامن مع مواصلة عملها في مشروع البحرية الأميركية HELCAP (نظام ليزر عالي الطاقة للتصدي للصواريخ الجوالة المضادة للسفن) بقدرة 300 كيلوواط، وكذلك في إطار مبادرة البنتاغون HELSI (مبادرة توسيع نطاق الليزر عالي الطاقة) لتطوير ليزر من فئة «الميغاواط» القادر على التصدي للتهديدات الباليستية وتلك التي تفوق سرعتها سرعة الصوت.

إنفاق عسكري بملايين الدولارات

يُعد العرض التوضيحي الذي جرى يوم أمس، أوضح تعبير حتى الآن عن طموحات الجيش الأميركي في مجال الطاقة الموجهة ضمن إطار منظومة «القبة الذهبية»، إذ يتضمن طلب ميزانية البنتاغون لعام 2027 تخصيص 452 مليون دولار لأعمال البحث والتطوير في مجال الطاقة الموجهة لصالح المنظومة «Golden Dome»، وهو مبلغ يفوق ثلاثة أضعاف ما تم إقراره في العام الماضي فقط. وعلى صعيد منفصل، يخطط كل من الجيش والبحرية لإنفاق 676 مليون دولار على مدى خمس سنوات -في إطار مبادرة JLWS- لتطوير سلاح ليزر بقدرة 150 كيلوواط يُثبّت داخل حاوية شحن، يكون قادراً على تدمير الصواريخ الجوالة القادمة.

* مجلة «فاست كومباني».


سوق سوداء مزدهرة لعقار قوي لإنقاص الوزن

سوق سوداء مزدهرة لعقار قوي لإنقاص الوزن
TT

سوق سوداء مزدهرة لعقار قوي لإنقاص الوزن

سوق سوداء مزدهرة لعقار قوي لإنقاص الوزن

من غير المتوقع أن يصل عقار «ريتاترتايد» (Retatrutide) - وهو أقوى عقار لإنقاص الوزن قيد التطوير حالياً - إلى السوق الأميركية قبل العام المقبل على أقرب تقدير.

تسويق دواء لم تتم إجازة استخدامه بعدُ

مع ذلك، يحتفظ عادل كالام، وهو رجل يبلغ من العمر 37 عاماً ويقيم في مدينة نيويورك، بـ20 قارورة من هذا العقار في مجمدة ثلاجته (الفريزر). وقد استخدم كالام عملة «البيتكوين» لشراء العقار من بائع تجزئة عبر الإنترنت يعرض قوارير بسعر 99 دولاراً، تحمل ملصقاً يفيد بأنها مخصصة «لأغراض البحث فقط». وقد وصلت إليه طلبيته الأولى في صندوق من الورق المقوى، حيث كانت قوارير الدواء المسحوق مغلفة بأغلفة واقية. واعترف كالام قائلاً: «هذا الأمر لم يبعث على الثقة حقاً». ويطلب كالام و8 من أصدقائه العقار بكميات كبيرة. وهو يدرك تماماً وجود مخاطر مرتبطة بتناول عقار لم يحصل بعد على موافقة إدارة الغذاء والدواء (FDA)، لكنه لم يرغب في انتظار اكتمال الإجراءات التنظيمية الرسمية طالما كان بإمكانه الحصول عليه وتناوله في وقت أقرب.

سوق سوداء مزدهرة

يستفيد كالام من سوق سوداء مزدهرة لعقار «ريتاترتايد»، وهو دواء «ببتيدي» طورته شركة «إيلي ليلي». (الببتيدات: سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية، وهي اللبنات الأساسية للبروتينات، وتُستخدم لعلاج أمراض وحالات صحية مختلفة - المحرر).

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، يروج المؤثرون والمراكز الصحية التجميلية (المنتجعات الطبية) للعقار باستخدام كلمات مشفرة - مثل «راتاتوي» للإشارة إلى «ريتاترتايد»، أو «بيبز» (peps) للإشارة إلى «الببتيدات» - وذلك للالتفاف على القيود المفروضة على الإعلان عن الأدوية عبر الإنترنت. أما المستخدمون الأكثر شغفاً فيشترون كميات كبيرة من الصين، ويتبادلون التوصيات بشأن البائعين عبر منصات مثل «ريديت» و«ديسكورد» و«واتساب»، كما يجمعون مواردهم المالية لإجراء فحوصات مخبرية مستقلة (عبر أطراف ثالثة) للتحقق من جودة المنتج.

تسويق غير مشروع لمئات الآلاف من الجرعات

لا توجد تقديرات واضحة لحجم هذه السوق، لكن المعلومات المتاحة للخبراء تشير إلى أنها كبيرة. وقد أظهر تحليل لبيانات إدارة الغذاء والدواء - أجرته «الشراكة من أجل أدوية آمنة» (Partnership for Safe Medicines)، وهي تحالف غير ربحي مرتبط بصناعة الأدوية - أن 15 رطلاً (الرطل نحو 453 غراماً) من عقار «ريتاترتايد» (ما قد يعادل مئات الآلاف من الجرعات) قد دخلت البلاد في الفترة ما بين يناير(كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2026. ورغم أن بعض هذه الجرعات ربما شُحن إلى علماء يجرون أبحاثاً حول العقار، فإن جزءاً منها يتسرب على الأرجح إلى السوق غير المشروعة، وذلك حسبما صرح شبير إمبر سافدار، المدير التنفيذي للمنظمة غير الربحية.

تحذير من تلوث الدواء

قال تيموثي ماكي، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو والمتخصص في دراسة الأدوية المقلدة: «خلاصة القول أن الطلب موجود وبقوة، وهناك طرق عديدة للحصول على العقار». وحذرت شركة «إيلي ليلي» من أن المنتجات التي تدعي احتواءها على عقار «ريتاترتايد» (retatrutide) قد تكون ملوثة أو تحتوي على مواد مختلفة تماماً. وكتب مايكل جاميسون، المتحدث باسم الشركة: «إن أي ادعاء بأن عقار (ريتاترتايد) المتاح في السوق السوداء يماثل دواء ليلي الأصلي - الذي خضع للدراسة في التجارب السريرية - هو ادعاء كاذب».

سوق غامضة

تُعدّ السوق السوداء لعقار «ريتاترتايد» مثالاً صارخاً على تجاوز المستهلكين للنظام الطبي التقليدي للحصول على أدوية جديدة وفعالة لإنقاص الوزن؛ فقد سعى الملايين للحصول على نسخ مركبة وغير معتمدة من هذه الأدوية عبر شركات الطب عن بُعد والمنتجعات الصحية الطبية، بحثاً عن بدائل أرخص وأسهل توفراً مقارنة بالنسخ ذات العلامات التجارية المعروفة.

ورغم تعذر حصر هوية جميع من يبحثون عن «ريتاترتايدد» عبر الإنترنت بدقة، فإن قائمة عملاء هذا العقار تشمل - على ما يبدو - أشخاصاً يرغبون في فقدان وزن أكبر مما تتيحه الأدوية المتوفرة حالياً في الأسواق، فضلاً عن لاعبي كمال الأجسام وهواة «القرصنة الحيوية» (biohackers) الذين يستخدمون أيضاً «ببتيدات» أخرى.

يشتري كثير من الأشخاص ما يعتقدون أنه «ريتاترتايد» من متاجر إلكترونية تعرض العقار بوصفه «مادة كيميائية بحثية» غير مخصصة للاستخدام البشري؛ وهو إخلاء مسؤولية قد يتيح لهم استغلال ثغرة في اللوائح التنظيمية للأدوية.

وغالباً ما تشحن هذه المواقع العقار في صورة مسحوق يقوم العملاء بإعداده وحقنه بأنفسهم. كما يشتري مستخدمون آخرون العقار عبر مجموعات على تطبيقات «واتساب» و«تلغرام» و«ديسكورد»؛ ففي إحدى محادثات «تلغرام»، كان أحد المستخدمين ينشر عشرات المقاطع المصورة يومياً التي تظهر ثلاجة مليئة بعبوات الدواء المعدة للبيع. وفي مجموعة أخرى على «تلغرام» تضم أكثر من 1400 عضو، تفاعل المستخدمون مع رسائل تعرض علباً يُزعم أنها تحتوي على «ريتاترتايد»، مستفسرين عن إمكانية الدفع بعملة «البيتكوين».

يقول لوك تورنوك، المحاضر الأول في علم الجريمة بجامعة لينكولن في إنجلترا والمتخصص في دراسة «الببتيدات»، إن هذه المجموعات غالباً ما يديرها وسطاء يطلبون كميات كبيرة مما يزعمون أنه «ريتاترتايد» - عادةً من مختبرات صينية - ثم يعيدون تعبئته أو يستخدمونه لملء أقلام حقن فارغة. ويضيف أن بعض البائعين يضعون علاماتهم التجارية وشعاراتهم الخاصة - مثل رسوم توضيحية للجزيئات - لإضفاء طابع علمي على منتجاتهم.

وقد حاول المحققون كبح جماح التدفق الهائل لعقار «ريتاترتايد» غير المشروع. وفي الفترة ما بين ديسمبر (كانون الأول) 2025 ومارس (آذار) 2026، ضبط مسؤولو الجمارك في ولاية أوهايو أكثر من 5000 شحنة من «الببتيدات» - بما في ذلك عقار «ريتاترتايد» المهربة من الصين.

سهولة الحصول على المنتج... مقابل غياب اليقين

تستغرق العملية التقليدية للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء، على دواء ما، سنوات عديدة؛ فإلى جانب نتائج التجارب السريرية، تراجع الوكالة مكونات الدواء وعملية تصنيعه، بما في ذلك خطط الشركة المصنعة لضمان إنتاج الدواء بطريقة آمنة. كما يعاين المفتشون المنشآت التي ستتولى تصنيع الدواء الجديد. وبحلول الوقت الذي يصل فيه الدواء إلى الأسواق، يكون قد خضع لفحص دقيق وشامل من قبل الأطباء وخبراء الإحصاء والمتخصصين في علم السموم، وغيرهم من الخبراء.

مختبرات للكشف عن الدواء المزيف

في المقابل، يواجه الأشخاص الذين يطلبون عقار «ريتاترتايد» عبر الإنترنت، خيارات محدودة للغاية للتأكد مما إذا كانوا يحصلون على الدواء الأصلي، أو ما إذا كان المنتج معقماً وآمناً للاستخدام.

وهناك عدد من المختبرات المستقلة التي تسوّق حالياً خدماتها لفحص «ريتاترتايد» وغيره من «الببتيدات»، وتتقاضى مئات الدولارات مقابل تحليل عينة واحدة. ويشير بيرك إلى أن بعض هذه المختبرات موثوق ومشروع، في حين أن البعض الآخر يفتقر إلى المصداقية؛ إذ يشبه عملها «شخصاً يقوم بذلك بوصفه نشاطاً جانبياً في قبو منزله».

وذكر جاميسون، المتحدث باسم شركة «إيلي ليلي»، أن إثبات احتواء دواءين على المادة الفعالة نفسها يتطلب اختبارات مكثفة وشاملة، «وليس مجرد اختبارات أولية بسيطة تظهر عادةً فيما يُعرف بـ(شهادات التحليل)».

من جهته، أوضح ماكي أن بعض المواقع الإلكترونية التي تدعي توفير «ريتاترتايد»، قد ترسل في الواقع عبوات تحتوي على أدوية أخرى لإنقاص الوزن متوفرة حالياً في الأسواق، مثل «سيماغلوتيد». كما أشار «تورنوك» إلى احتمالية قيام مختبرات بتصنيع «ريتاترتايد»، نظراً لأن التركيب الجزيئي للدواء متاح للعامة، لكنه أضاف أن المشتري العادي لا يلجأ عادةً إلى خدمات الفحص للتحقق من ذلك. وأضاف: «ما لم تذهب بنفسك إلى الصين وتزُر تلك المختبرات، فمن المرجح ألا تكون لديك أي وسيلة لمعرفة الحقيقة».

وحتى في حال احتوت العبوة بالفعل على «ريتاترتايد»، فإن غياب الرقابة يعني وجود مخاطر أخرى محتملة؛ إذ قد يكون الدواء ملوثاً، أو يحتوي على جرعة غير صحيحة.

التعرض لآثار جانبية خطيرة

أظهرت قاعدة بيانات تابعة لإدارة الغذاء والدواء أن 40 شخصاً أبلغوا عن تعرضهم لآثار جانبية سلبية جراء استخدام «ريتاترتايد» منذ عام 2024، وشملت هذه الآثار مشاكل في القلب، والتهاب الزائدة الدودية، وتشوش الرؤية. ومن بين هؤلاء المرضى؛ نُقل 14 شخصاً إلى المستشفى، ووُصفت حالة 4 منهم بأنها تنطوي على ردود فعل «تهدد الحياة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«أجهزة مناعية» للمباني… تكافح الأمراض المنقولة جواً

مجسات لالتقاط بروتينات الفيروسات وإرسال إشارات التنبيه بوجودها
مجسات لالتقاط بروتينات الفيروسات وإرسال إشارات التنبيه بوجودها
TT

«أجهزة مناعية» للمباني… تكافح الأمراض المنقولة جواً

مجسات لالتقاط بروتينات الفيروسات وإرسال إشارات التنبيه بوجودها
مجسات لالتقاط بروتينات الفيروسات وإرسال إشارات التنبيه بوجودها

وقفت لينسي مار، وهي مهندسة بيئية، بجوار صندوقين بلاستيكيين شفافين مكدسين بالأنابيب، والفوهات، والمكونات الإلكترونية؛ وهو نموذج أولي غريب المظهر قد يُستخدم يوماً ما لحماية الأطفال في مراكز الرعاية اليومية من الفيروسات المنتشرة في الهواء.

نموذج لقاعة مبنى للرعاية مجهز بتهوية يتحكم بها الكمبيوتر

تحليل عينات مسببّ للحساسية

قامت مار بملء الصندوق الأيمن برذاذ فضي خافت. وسحبت مضخة جزءاً من ذلك الهواء إلى الصندوق الأيسر، حيث التقط جهاز أخذ العينات الجسيمات، والقطرات العالقة. وسرعان ما تحول لون شاشة رقمية مثبتة على الصندوق إلى الأحمر، لتظهر رسالة: «تم الرصد! مسبب الحساسية Der f 1 المرتبط بعث الغبار»...

يُعد «Der f 1» بروتيناً يفرزه عث الغبار، ويمكن أن يؤدي استنشاقه إلى نوبات الربو. وقد رصد جهاز مار تركيزاً يبلغ 843 بيكوغراماً من «Der f 1» لكل متر مكعب؛ وللمقارنة، فإن حبة ملح واحدة تزن نحو 10 ملايين ضعف هذا المقدار. وقالت مار: «قبل هذا الجهاز كان الأمر سيستغرق منا يومين لمعرفة كمية المواد الموجودة في الهواء. أما الآن فنحن نقوم بذلك في وقت فوري تقريباً». (بيكوغرام= 10⁻¹² غرام).

نموذج أولي لنظام بمجسات رصد الفيروسات المنقولة جواً

رصد عشرات مسببات الأمراض

ليست مسببات الحساسية الناتجة عن عث الغبار هي التهديدات الوحيدة التي يهدف فريق مار إلى رصدها، واستخلاصها من الهواء؛ فهذه التقنية -التي لا تزال قيد التطوير- قادرة بالفعل على رصد فيروسات الإنفلونزا، وكورونا، وبكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli). وأضافت: «لدينا القدرة على رصد 10 مواد مختلفة، وبحلول نهاية البرنامج سنتمكن من رصد 25 مادة مختلفة».

كانت مار تتحدث بصوت عالٍ للتغلب على الضجيج في الطابق الخامس من مبنى مكاتب في واشنطن، وفي أي مكان يتجمع فيه الناس.

«جهاز مناعي» لمباني رعاية الأطفال

وقد استضافت «وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة للصحة» (ARPA-H) معرضاً علمياً مخصصاً للبالغين في مبنى مكاتب في واشنطن، حيث كان أكثر من 200 شخص يتجولون لإلقاء نظرة أولى على مجال علمي متطور بسرعة: تقنية صُممت للحفاظ على سلامة الهواء الداخلي في دور رعاية الأطفال، والمدارس، والمستشفيات. وتخصص الوكالة 150 مليون دولار لإنشاء ما تصفه بـ«جهاز مناعة لكل مبنى».

أمراض منقولة عبر الهواء

تشهد الحصبة -وهي مرض ينتقل بالكامل عبر الهواء- عودة للظهور في جيوب سكانية تعاني من انخفاض معدلات التطعيم داخل الولايات المتحدة. أما الإنفلونزا، فتنتشر عبر طرق متعددة، لكن الهواء يُعد مساراً مهماً لانتقالها. وإلى جانب الجراثيم المعدية، قد يحمل هواء الأماكن المغلقة تهديدات أخرى، مثل بروتينات عث الغبار، وأبواغ العفن، وحبوب اللقاح.

وقد واصل المهندسون تطوير أنظمة متطورة للحفاظ على جودة الهواء، وصحته. وغالباً ما تتباهى المباني السكنية الفاخرة بالتقنيات المستخدمة فيها لحماية السكان، إلا أن هذه الأنظمة لا تزال بعيدة كل البعد عن الانتشار الواسع.

نظام تحذير مماثل لإنذارات الحريق

وتقول جيسيكا غرين مديرة المشروع بالوكالة إن «أحد الأسباب أن حلول جودة الهواء الصحي في الأماكن المغلقة لم تنتشر على نطاق واسع في السوق بعد، لأن تكلفتها عالية».

وقد أطلقت غرين -وهي خبيرة في الميكروبات المنقولة جواً- برنامجاً في وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة للصحة للعمل على تطوير هذه الحلول، وأطلقت عليه اسم «BREATHE» (أي «تنفّس»)، وهو اختصار لعبارة «بناء بيئات مرنة للهواء والصحة الشاملة». ويتمثل الهدف في جعل المباني تكافح الأمراض بالطريقة نفسها التي تكافح بها الحرائق. فعندما يُطلق الدخانُ إنذارَ أجهزة كشف الدخان، يمكن لنظام التحكم في المبنى الاستجابة فوراً عبر رش الماء من المرشات، أو إطلاق مواد كيميائية لإخماد الحريق.

ولا يحتاج النظام إلى انتظار شخص ما لفحص الإشارات، واتخاذ قرار بشأن كيفية الاستجابة.

نظام محاكاة لمجسات بيولوجية لتنظيم عمل نظم التسخين والتبريد والتهوية

تحديات رصد الفيروسات

وقد فازت 4 فرق بعقود لتطوير هذه الأنظمة، وتواجه جميعها تحديات هندسية كبيرة، إذ إن تحديد الفيروسات العالقة في الهواء أصعب بكثير من رصد الدخان؛ إذ يمكن لتركيزات منخفضة للغاية من الجراثيم أو مسببات الحساسية أن تشكل خطراً. وهذا يعني أن أجهزة الاستشعار يجب أن تأخذ عينات من كميات هائلة من الهواء، مع تجميع القطيرات والجزيئات في سائل لتحليلها.

وتقول غرين: «يتعين على هذه الفرق تركيز كمية من الهواء تعادل حجم مسبح لتصبح بحجم ملعقة كبيرة». ويتبع كل فريق استراتيجية مختلفة في هذا الصدد.

تحليل الحمض النووي للفيروس

وتقود شركة «SafeTraces» -ومقرها كاليفورنيا- مجموعة تعمل على تطوير جهاز لأخذ عينات الهواء؛ وهو عبارة عن صندوق معدني أبيض عريض ومنخفض الارتفاع. يتدفق الهواء عبر الصندوق إلى خرطوشة خاصة، حيث تقوم مواد كيميائية بتفكيك الخلايا، وعزل الجينات الموجودة بداخلها.

وتحتوي الخرطوشة على «خطافات جزيئية»، يمكن لكل منها التقاط تسلسل محدد من الحمض النووي (DNA)، أو الحمض النووي الريبي (RNA) الخاص بالفيروس. وإذا التقط الخطاف أي مادة وراثية، فإنه يُصدر وميضاً ضوئياً. يأمل الباحثون أن يتمكن مستشعرهم من رصد ما يصل إلى 100 نوع من الفيروسات. كما يعملون على تطوير برمجيات قادرة على تحديد ما إذا كانت إشارات المستشعر تشير إلى تعرض الموجودين في المكان لخطر كبير للإصابة بالعدوى.

تنبيهات و«معالجات» فورية بالأشعة أو تهوية المبنى

وعندئذٍ قد تستجيب هذه البرمجيات، ربما عن طريق تشغيل مصابيح الأشعة فوق البنفسجية في نظام التهوية بالمستشفى؛ إذ تقضي هذه الأشعة على العديد من المخاطر المنقولة جواً، بما في ذلك فيروسات الحصبة. وقد يتلقى العاملون في المستشفى تنبيهات بضرورة اتخاذ تدابير حماية إضافية لتجنب استنشاق الفيروسات، وبمجرد أن ترصد المستشعرات زوال الخطر، يمكن للمستشفى العودة إلى سير العمل المعتاد.

وفي سياق متصل، يعمل فريق آخر -بقيادة شركة «بوبي» (Poppy) ومقرها فلوريدا- على تصميم نظام مخصص للمدارس؛ حيث ستؤدي الإشارات الصادرة عن أجهزة أخذ عينات الهواء التابعة للفريق إلى تشغيل مرشحات الهواء في الفصول الدراسية، لتستمر في العمل حتى يصبح هواء الفصول آمناً مرة أخرى.

أما مجموعة «مار» (Marr) فقد ركزت جهودها على مراكز الرعاية اليومية؛ إذ يعمل الفريق على تطوير برمجيات قادرة على إنشاء نماذج لغرف المركز، والتنبؤ بكيفية تدفق الهواء بينها، وتحديد مستوى الخطر الذي قد تشكله كل غرفة في حال دخول شخص مصاب بالعدوى إلى المبنى. ويمكن للنظام ضخ هواء نقي من الخارج، أو تشغيل أجهزة تنقية الهواء، للحد من هذا الخطر.

وتسعى جميع هذه الفرق إلى اختبار أنظمتها في بيئات واقعية؛ حيث تخطط شركة «سيف تريسيس» لاختبار نموذج أولي للنظام في مركز «والتر ريد» الطبي العسكري الوطني عام 2028، بينما تستعد مجموعة «مار» لاختبار نظامها في مراكز الرعاية النهارية بولايات كاليفورنيا، وميشيغان، ونورث كارولينا.

خفض نسبة التعرض للمرض إلى الربع

تهدف هذه التقنية إلى خفض معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي بنسبة لا تقل عن 25 في المائة في كل بيئة تُستخدم فيها، غير أن هذه الأنظمة يجب أن تكون أيضاً بتكلفة معقولة للشراء والتشغيل؛ إذ تتوقع وكالة «أربا-إتش» (ARPA-H) أن تحقق هذه الأنظمة عائداً على الاستثمار بنسبة 10 في المائة.

* خدمة «نيويورك تايمز»