يخوض مصرف ليبيا المركزي جولة مباحثات مرتقبة توصف بـ«الصعبة» مع الأفرقاء السياسيين، بشأن التوصل إلى «ميزانية موحدة»، تبدو في نظر سياسيين واقتصاديين تحركاً محفوفاً بالتحديات والشروط المطلوبة، وسط ضغوط دولية للمضي على مسار «التوزيع العادل للثروة النفطية».
وتدير أوجه النفقات والموارد في ليبيا «ترتيبات مالية» استُحدثت بديلاً مؤقتاً للموازنة العامة منذ عام 2014، وهو ما عدّه العضو السابق في مجلس إدارة المركزي الليبي، مراجع غيث، «بدعة اقتصادية» أنتجها الاتفاق السياسي في الصخيرات المغربية عام 2015، وفق وصفه لـ«الشرق الأوسط».
لكن، وفي خطوة من قبل «المركزي» لحل هذا الإشكال الاقتصادي المتوارث، تم اتفاق مجلس إدارة المصرف برئاسة، ناجي عيسى، الأسبوع الماضي - في اجتماع نادر عقد بمدينة درنة - على التواصل مع الجهات المختصة لإقرار ميزانية العام الجديد، وفقاً لقانون يصدر عن البرلمان الليبي، دون تحديد موعد لانطلاق المشاورات.
ويستبعد اقتصاديون، من بينهم غيث، أي فرص للتوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية في ظل وجود حكومتين تدعي كل منهما الشرعية، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبية، وأخرى تسيطر على شرق وبعض مناطق جنوب البلاد برئاسة أسامة حماد.
وفق هذا التقدير يخشى متابعون من إعادة تكرار خلافات سابقة على بند «التنمية»، خصوصاً أن الحكومتين أطلقتا قبل عام مشاريع تنمية ضخمة سميت في غرب البلاد «عودة الحياة»، وفي شرقها «إعادة الإعمار».

الضغوط السياسية
وفي العام الماضي، رفض ممثلو حكومة غرب ليبيا والمجلس الأعلى للدولة، موازنة أقرها البرلمان على مرحلتين في أبريل (نيسان) ويوليو (تموز)، بقيمة 179 مليار دينار ليبي (25 مليار دولار)، رغم أنها «حوت قاعدة بيانات دقيقة» لأوجه الموارد والإنفاق بعد أكثر من 20 اجتماعاً.
إلا أن مصدراً برلمانياً تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن ضغوط سياسية حالت دون تنفيذها في عموم ليبيا. ورغم التحديات المتوقعة قبل مشاورات «المركزي» مع الأفرقاء الليبيين، فإن النائبة الليبية ربيعة أبو راص ترى فيها «خطوة ضرورية وحاسمة لتحقيق التوزيع العادل للموارد، وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام»، وتأمل في أن تكون «نقطة انطلاق نحو توحيد السياسات الاقتصادية والمالية في ليبيا، بعيداً عن التجاذبات».
وحسب أحدث أرقام رسمية، فقد بلغ حجم الإيرادات في عام 2024، نحو 123.5 مليار دينار ليبي (الدولار يساوي 4.91 دينار)، تصدرتها مبيعات النفط بقيمة 77 مليار دينار، في حين بلغ حجم الإنفاق 132.2 مليار دينار.
في المقابل، فإن المجلس الأعلى للدولة في طرابلس، يقول إنه يعتمد سياسة دعم أي تقارب مؤسساتي، ولعل الميزانية هي أهم عناصرها، وفق عضو المجلس فتح الله السريري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الذي رصد فيه أيضاً «أهم عقبة» يعتقد أنها تقف حائلاً دون الوصول إلى «ميزانية موحدة»، وهي «عدم توحيد قناة الصرف لإمكانية المحاسبة»، وفق رؤيته.
وذهب عضو المجلس إلى الحديث عن «ضرورة وجود حكومة موحدة مصغرة رشيدة يتركز عملها على القضايا الاستراتيجية، مثل الهجرة غير النظامية والوجود الأجنبي، والعلاقات الخارجية، وتوحيد المؤسسة العسكرية، على أن تتولى الإدارة المحلية (المحافظات والبلديات) الجوانب الخدمية، كل في نطاقها المكاني». ومع ذلك، عدّ السريري «اجتماع المصرف المركزي في درنة مؤشراً جيداً، وخطوة نحو التوافقات السياسية والقانونية حول عمل أهم مؤسسة في البلاد».
أولويات الإنفاق
دولياً، فإن الدعوة إلى ميزانية موحدة باتت مطلباً متكرراً، سواء من جانب مجلس الأمن أو البعثة الأممية، إلى جانب صندوق النقد الدولي الذي حث العام الماضي، على اتفاق ليبي بشأن أولويات الإنفاق من خلال «ميزانية موحدة معتمدة لعام 2025».
ويرى المحلل الاقتصادي الليبي وحيد الجبو، أن الأمم المتحدة والجهات الدولية «قد تؤثر على المتصارعين، لكنها لن تستطع إجبارهم على عدم الاختلاف»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط»، إلى «فشل البعثة الأممية في السنوات الماضية في توحيد الميزانية العامة للدولة».
ومصرف ليبيا المركزي هو الجهة الوحيدة المعترف بها دولياً لاستقبال إيرادات النفط الليبي، المصدر الحيوي للدخل في البلاد.
وفي خضم هذه التحديات، عددت النائبة أبو راص، شروطاً ينبغي أن تتوفر في هذه الميزانية؛ وهي «توفر أسس واضحة من الحوكمة المالية، والشفافية، وضبط الإنفاق العام»، إلى جانب أن «تتضمن خططاً تنموية مستدامة، وآليات رقابية صارمة، وتوزيعاً عادلاً للإنفاق العام وفق الأولويات الوطنية».
وفق ذلك، أوصت النائبة الليبية بضرورة «إشراك جميع المؤسسات التشريعية والرقابية والمالية في هذه المشاورات، بما يضمن صياغة ميزانية تستجيب لاحتياجات المواطن، وتحقق التوازن المالي، وتسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي».
فشل العام الماضي

ويعيد نائب رئيس لجنة التخطيط والموازنة العامة بالبرلمان الليبي، المهدي الأعور، التذكير بما يعتقده «فشل» لجنة توحيد الميزانية العام الماضي، على الرغم من أنه كان متفائلاً بفرص نجاح هذه المشاورات.
ويسرد الأعور لـ«الشرق الأوسط»، تجربته مع هذه اللجنة التي كان عضواً فيها، قائلاً إن «ممثلي حكومة الدبيبة اللذين يتمتعان بكفاءة ومهنية قد تعرضا لضغوط سياسية من (الوحدة) لعدم تزويد اللجنة ببيانات (خصوصاً بيانات الباب الأول المرتبات)، لدفعهما إلى رفض الميزانية الموحدة»، مشيراً إلى أن «بعض الجهات الحكومية كشف عن معلومات بشأن أوجه الإنفاق وتقديرات الميزانية بصعوبة بالغة».
ومع ذلك، لم يفُت النائب الليبي إبداء الثقة فيما وصفه بـ«الإرادة والخبرة المهنية المصرفية» التي يتمتع بها محافظ المركزي ونائبه مهدي البرعصي، للتوصل إلى اتفاق في المشاورات التي يقودها المصرف في ظل الانقسام السياسي بالبلاد.

